رسائـلُ حُـبّ في بريد لن يصل-(38)-

سوزان ضوّ صايغ قرأها 1,383

رسائـلُ حُـبّ في بريد لن يصل-(38)-

لم يلحظ غيابها.

لأوّل مرّة تحوّل وقتها انتظاراً فارغاً.

سكنها غضب جاف، تقرّحت أحاسيسها، واحتلّ القنوط زوايا روحها في جهاتٍ لم تشِر إليها بوصلة العمر.

قرّرت البحث عن نافذة صغيرة تسترجع بها لحظات حنان تساعدها على احتمال هذا الغياب الموجع.

لم تجد غير الغضب... حوّلها الغياب من كتلة عشق إلى كومة فراغ.

أتراها لم تفهم منذ البداية معنى أن يكون الإنسان كثير الحضور وغزير الغياب في آن؟

استعادت من ذاكرتها المتربّعة على عرش استرجاعه، كيف يعود إليها كالغريب، لا يتنشّق عطرها، لا ينتقد ذبولها. يعود كمجرّد زائر يتفرّج على ما لا علاقة له به.

تضاعف ذبول الوردة فأضعفها، صمّت أذنيها عن سماع الحياديّة في السلام والكلام، تنشّقت ثواني العودة القصيرة لتحيا بها ساعات الغياب الموعودة. لكن الثواني زادتها ذبولاً وغرقاً في غربة من لون آخر.

أنتحرت في أحلامها الكاذبة، استبدلت سلبيّة الصورة برسم أكثر وضوحاً، فاستفاقت كوابيسها معلنة بداية الليل الأخير من ساعات العمر المعلّق كالحلم على حائط قصر مهجور.

تمسّكت به دون أن تنبس بكلمة، خيّل إليها أن صمتها قد يعيده إلى الكلام. لكنه لم يسمع دردشة السكون.

حاولت أن تحرّر صراخها بكلمات توصل إليه شقاءها بعيداً عنه. حتى هذا لم يفهمه. لم يستدرك ما تبقّى من ثوانٍ استمرّت تحملها، بالحزن، بعيداً عنهما.

فجأة استفاقت خطواتهما معاً لتسألها: أين تهاجرين؟ قدرك أن تبقي معلّقة في اللاّمكان بانتظار السقوط الأخير. شهقت أنفاسها شوقاً إليه وهو الذي تشتاقه منذ ما قبل الوقت، وتساءلت: هل ينتهي شوقها إليه مع الوقت؟

جاءها الجواب بسيطاً واضحاً: هذه الإطلالات المسروقة هي الصفحة النقيّة التي ستكمل عليها كتابة ما كان، وسيكون.

التقطت الجواب برموشها، نثرت كلماتها فوق أشعّة شمس تحاول الشروق، لم ترَ فجر ذلك اليوم لكنها استفادت من ظلمة ليلها لتوصل إليّ الرسالة بعدما رتّبت مفرداتها، لوّنت أحرفها ومَحت انكسارها؛ وها أنا أنقلها إليك بأمانة، فاعذر ضياعها المسبق لأنني، كالعادة، أودعها بريداً أقفل على أفراحه في وجه الأحزان، و... لن يصل.

رسائـلُ حُـبّ في بريد لن يصل-(38)-