سبعة أودية- رواية

عبد الحميد عبّود قرأها 94

الواد الأول

وادي الحيرة الصعب

تنبكتو

العيادة أو مصبّ النيل والفرات والعاصي

في البدء كانت إهراء حبوب يخزنها فيها مالكها سيدي الوافي، ثم آلت إلى خان للغرباء الذين رمتهم الأقدار الغريبة في هذه الدشرة الغريبة، فقبل سنتَين ظهر في شوارع تنبكتو رجلان أجنبيان: غجري سوري يحمل حقيبة سمسونايت وشاب عراقي، جاءا من نيامي من طريق نهر النيجر، وانقطعت بهما السبل بعدما تعطل محرك المركب عند مرفأ "الكابارا [1]"، تعرف إليهما الوافي واندهش حين اكتشف ان صندوق السمسونايت هو عيادة أسنان متحركة، فأثناهما عن الهبوط إلى بلاد بِنْبارا وأقنعهما بالإستقرار وأجَّرهما المخزن المجاور لدكانه فحوّلاه إلى عيادة ثابتة، فيما بعد انضمّ إليهما ساكن ثالث هو المصري سرحان، مدرّس التَاريخ والدين واللغة العربية في المدرسة الليبية

من بعيد، لا شيء يميزها عن بقيّة دكاكين السوق الصغير: تخشيبة لا تتعدى مساحتها العشرين متراً مربعاً، حيطانها من الطوب الأحمر، وسقفها من جذوع الشّجر وألواح الزنك، عن كثب تبدو لأعيننا يافطةٌ صدئة كُتب عليها بخط يدٍ مرتعش "عيادة دكتور عصري، جرّاح وطبيب أسنان، خْروج جامعة حمص، طبيب بيطري ختانة وحجامة وتجبير، وشريكه الدختور حاتم عبد الصاحب، خريج جامعات بغداد، رقية وحجب ومندل "وبما أن اليافطة لم تعُد تتسع لمواهب أكثر فقد أُضيف على الحائط تحتها:"نعالج الصرع والبلهارسيا والإسهال والإمساك والغنغرينا والسعال الديكي والفلاونزة والعنوسة والعقر ومكر الحماة وعرق النساء وحبّ الشباب والطحال والحمى المالطية والزائدة الدودية والدّودة الشريطية "

إذا ما اقتربنا اكثر نقف أمام مصطبة وعتبة تمنع الرمال من الزحف، وبابٍ منجور عن خشب البلبال، إذا ما ولجنا إلى الداخل نجد أنفسنا في وكر للسَّحرة والحواة، بين أربع حيطان مزيّنة بحذوة حصان، ويد فاطمة والعين الكاشفة في مثلّث وسورة الفلق و"رأس الحكمة مخافة الله " و "عين الحسود تُبلى بالعمى"، لو تمعّنا النّظرَ في الغجري يطالعنا رجلٌ ستّيني يجمع من الشيب وقارَه ومن الشبيبة نزقَها، فيه ملامح هندية على إيرانية على عربية على قفقاسية، فوق رأسه يفاجئنا ملصق يتنافر بفظاظة من ماهيّة العيادة الروحانية: مارلين مونرو ممسكةً بحواشي تنورتها المتطايرة، ولو حانت منا التفاتة إلى العراقي لرأينا شاباً ثلاثينيّاً، في وجهه المجدور أنف معقوف وعينان مكحلتان وكل أمائر القلق والهم، لو رفعنا بصرنا قليلاً لرأينا فوق مكان نومه ملصق سبط الرسول الحسين معلّقا في الجدار، ولو تأملنا المصري نرى شابا ينمّ وجهه عن بشاعة واضحة، إذا تفرّسنا فيه بشكلٍ أعمق تكتشف أنه أقرب إلى بشاعة الجمال، من زاويته تلفت نظرنا صورةٌ ضخمة للقذافي جلبها من المدرسة الليبية، ولو حرّكنا أنوفنا فإننا سنشم رائحة غريبة هي خليط بخور كندر وجاوي وتتن مورتاني وروثمان وجبص وعقاقير بنج ومرهم أبو فأس وبعر ماعز، على الأرضية نرى حصيرة من ألياف الحلفا وطبقاً نحاسياً هو في الوقت عينه سماط للغداء وطاولة شغل لتحضير الاسنان وميدان للتبصير ولعب الشدة، ونرى كذلك حقيبة السمسونايت ومسجلة وكاسيتات وحجر جلخ ومجمراً ومصحفاً ومبخرة وطاسة رعبة وعصاً مطلسمة وثلاث أطقم كوتشينة وقطرميزاً يحوي ثعبانا مخللا وكتاب " تعلم السحر في خمس أيام" وكتب أخرى مُسجَّعة العناوين مثل " حل الرموز لفتح الكنوز" و " أصول المراسم في فك الطلاسم " و "الصارم البتّار في التصدي للسحرة الأشرار" و "خير المواقيت لرؤية العفاريت " و "تسخير الشياطين في وصال العاشقين" و "الافصاح في فنون النكاح"... نلحظ بإحدى الزوايا شنط ثياب موضّبة عاموديا وعليها ثلاث فُرُشْ إسفنجية محزومة فوق بعضها ومستورة ببطانية، في الزاوية الأخرى التي تُسمّى "ركن المطبخ" نتبيّن بعض الأدباش والمواعين وبابور بريموس وقصعة وطنجرة ألمنيوم ومحقنا، وجرّة من فخار يحفظ فيها ماء الشرب، وطشت للغسيل والاغتسال، وقصرية... نعم قصرية، فعصري غالباً ما تنزرك مبولته ليلاً ويتكاسل عن السير نحو المرحاض العمومي، إذا ما اقتربنا من النملية نجد صحوناً وإبريق شاي وكؤوساً، إذا ما قرّبنا أعيننا اكثر نكتشف بطحةَ عرقْ مخبئة بعناية، آنئذاك لا يخامّرنا شك بازدواج شخصية التخشيبة: عيادة نهارا، خمارة ليلا

مريض حقيقي في عيادة مزيّفة

سُعت طرقات على الباب، خبّأ عصري ورق الشدّة تحت المصلّاة، نزع البرنيطة الغجرية عن رأسه ووضع الطاقيّة البيضاء المخرّمة، تحولت شقلبة حبّات السبحة بين أصابعه إلى تسبيح، مهّد البصّار العراقي لحيته وحاجبَيه المقوّسين وتنحنح في لبوس جدِّ لاستقبال الزبائن.

دخل رجلٌ ملثم يحمل جبيرة، قال وهو يتحاشى النظر إلى البصّار: " اتْحَلْ ألمعقود[2] ياشَيْخْ؟.

سدّد العراقي نظرةً عميقة للزبون، عرف من عينَيه اللامعتَين تحت التملغوست أنه طارقيّ، قال مصطنعا المهابة: " أجَلْ، آني فتّاح فال، طلسم شكستن، طبابت روحاني كردن كل مشكلة آكو إلها حل بقدرة من القداير، شسمك عيني؟

صعر الزبون التارقي خده ككل التوارق حين يُسئلون عن إسمهم: " بوبكر أق عثمان أق عمر أق ساموري أق سني من زعزاع أق تيمنل أق سدور أق مزلان أق مسير أق مكسليت أق ديقوش أق جاجال أق الغوث، من مسّوفة من صنهاجة حِمْيَر من ولد تبّع …

احتد العراقي: " بَسْ كافي حجّي باقر، ضوجتني، ماكو لزوم لشجرة العيلة، أريد إسمك واسم والدتك الحجّية "

" بوبكر ود عيشه "

ازاداد غيظ البصّار العراقي (من الأسماء) تفرّس في هيئة المريض، رمقه بنظرة تسعى إلى فحص إمكاناته المادية، نوّس ضوء الفانوس في الكوّة وأشعل أعواد النّد والصندل في المجمر، وبخَّر أركان العياده، ثم تناول عصاه المطلسمة، وتربّع فارداً يديه على فخذَيه، فلمعت في أصابعه سبع خواتم عليها فصوص من الأحجار الكريمة المنسوبة إلى الكواكب السبعة: العقيق اليماني الرّامز إلى القمر، الحيّة الملتفّة الرّامزة إلى المشتري، الياقوت الأزرق الرامز إلى التوباز، النّسر القابض على نجمة خماسية، الشمس والزبرجد، وأخيراً الزمرد وعطارد، حرك يدَيه وأصابعه العشر، وبرقت عيناه المكحّلتان بوهرة راسبوتينية صارمة، قال متلاعباً بأوتاره الصوتية وهو ينظر إلى صورة الحسين: " يا بن بنت رسول الله خذ بيدي، يا مَدَدْ على والشافعات، يا قوى المملكة كوني تحت قدمي اليمنى، سبحان من لاُيخفى عنه شيء في الأرض أو في السماء، أحضر يا نصير فنون الشفاء، أيها الجني الصالح "وَهَبْ " بموجب العهود السليمانية التي بيني وبينك "

ضرب الرمل بالعصا ثم حرّر الأشكال، رسم خطوطاً وكتب الفاتحة معكوسة، أضاف بأبهة العرّاف العالم دون أن يرفع عينَيه عن الطلسم: " الرمل إتكول إنّو العطب موجود في أهلك[3]، معمول لها سحر لا تحبل ولا تجيب، أكو فد جنّي كافر يقتل الجنين في الأحشاء.

شدّ التارقي لثامه على وجهه خشية تسلّل الأرواح الشريرة إلى فمه وأنفه: "يستر مُلانا! كُلْ آسُوفْ ألْمَسْتَترين فْ عفنة مَنْت عمّي!

طمأنه البصّار بقوله أن "مشكلة العقم بسيطة كالزكام ودواها يرهم" وأخرج قلماً أحمرَ، كتب بعض أبيات مهزوزة الوزن من الجلجلوتية، وكتب على ورقة أخرى آيات من "سورة الجن "، حذف منها الآية 20 ووضع مكانها الآية 101 من "سورة البقرة "، ثم بخّر الورقتَين بالمجمر، طوى إحداهما وقال بصوت الكهّان العميق: " هذا دواك وعند الله شفاك حجّي، وأريدك تقرأ الفاتحة سبع مرّات في اليوم لمدّة سبع أيام، وتسمع سورة البقرة مرّتَين ويُفضَّل أن تكون بصوت عبد الباسط، تأكل سبع تمرات عجوةً على الريق ويستحسن أن تكون من تمر المدينة المنوّرة، في ليلة الجمعة تجامع أهلَك وهي مبطوحة على سيفها وبطنها للقبلة فإنها بالقدرة والقداير تحبل ويجيها ولاد على الميعاد (ناوله الورقة الثانية) هذا دوا الحجيّة، حجاب حصن الحصين ضد أعين العائنين، تشيله تحت سرتها فإنه يثبّت الجنين في بطنها، ويكون لها أمان من جميع العكوسات ونشالله ينطيك مرادك صبي، ونفرح وياك بطهور المحروس.

حفّ إصبعيْه بوجه الزبون: " هات بيِّض فالك، الكشفية الفيزيتا بالعجل، ناوشني بياضك حجّي، ميتين درهم، وابوك الله يرحمه.

نظر التارقي للحجابَين نظرةً يشوبها الشّك، فنهره العراقي:" امصخّم انته ما تصدق كلام الله! الله الذي وهب الولد لإبراهيم وسارّه بعمر 150 سنة.

ابتسم الزبون فظهر سنٌ ذهبي في فمه، أخرج من صرة جلدية بصدره ورقة نقدية ونقده، ثم همّ بالانصراف إلى دكّان الوافي الملاصقة، فاستوقفه البصّار: " حجّي باقر وين رايح، لسّه عندك حمى مالطية بفمك، ألا تدري أن كل رجل معافى هو مريض بالكمون!

التفت إلى شريكه المتظاهر بقراءة القرآن: " دورك دختور عصري، آني أخرجت شمفروش من بطن الحجيّة، بس آكو فد جنّي شمروخ لابِد بين أسنان الحجي.

قبَّل عصري المصحف ثم وضعه جانباً وعبث بأرقام السمسونايت، أخرج كماشة وميبرة، طالباً من الزبون أن يزيح الشاشية ويفتح فمه، فشدّ الطارقي اللثام على أنفه وفمه، وصرصر أسنانه قال باستحياء مبالغ فيه: "ولاه ولاه مانِ منحيه أُلانِ فاتح فمي، شَيْن ذَ عند أتارقي[4]".

أصر الغجري:" إذا لم تفتح تمّك فإن شمروخ رح يسبّبلك فلوزنة وكنكرينا، ولن سوف يجيك ولاد على الميعاد، يعني مرتك لم حبلت مْنوب، لَمْ مِمْكِنْ تجيب.

راوغ التارقي كي يُفلت، سدّ فمه، ثم انضبع بنظرات الطبيب، أزاح طرف الشاشيّة عن فمه، عاين عصري السنّ الّذهبي وأدخل الكلّابة نكش أسّه بالميبر، وفكّ القلاووز الغارز في اللّثة، اقتلعه، أمسكه بين أصبعَيه عاينه بعين خبيرة: " يا لطيف جنّي كافر، عيار أرباوعشرين قيراط، يا ستّار يا حفيظ يا رزّاق يا كريم.

تثاءب التارقي، هز العراقي رأسه بدهشة مصطنعة: " اعوذ بالله من سوء منقلبْ، ومن شر غاسق إذا وقب، هالجنّي خرج من فم الحجّي وكام[5] ختل بالجنطة، إلزموه.

رفس الطبيبان جبيرة التاسفرا المملوءة بالتّتن، ارتبك الزبون، وتشبث بالحجب والتعاويذ المتدلية من رقبته، نط كأرنبٍ مذعور، شهر سيف التاكوبا لصد الروح الخبيثة، بقفزة واحدة قفز من المدّ الخشبي إلى الباب، أزاح الدرباس وخرج تاركا جرابه ونعاله، واندفع كطلقةِ في اتجاه السوق الصغير. ضحك الطبيبان وتقاسما كيس التّتن، أشعلا سيجارتَين، عاين عصري سنّ الذهب: " طلّعت لقمتي من تِمْ السبع.

قبّل حاتم ورقة المائتي درهم: " استفتاحه مباركه.

ثم التفت لشريكه: " هاي ينرادلها حضرة، عيني أبو ميلاد، لا بد من سكرية.

.......

اقرؤوا النصّ الكامل للرواية في

مكتبة جماليا

سبعة أودية

أهلاً وسهلاً بكم في

جمــاليــــا

الجمــال.. لحظة الحياة تكشف عن نفسها



[1] الكابارا مرفا نهري قرب تنبكتو، / بنبارا هي باماكو وما صاقبها / حمص= مدينة سورية /

[2] هل تداوي عقم الرجال يا شيخ؟ / التملغوست لثام نيلي يلبسه التوارق / طلسم شكستن = يحل الطلسم / آكو = يوجد /ماكو = لا يوجد / شسمك = شو اسمك؟

[3] اهلك = زوجتك / كل آسوف = قبيلة الجن عند التوارق. / الجنجلوتية قصيدة شائعة بالعراق تستعمل بالسحر وفك السحر/منت = بنت /ينطيك = يعطيك / يواش يواش =على مهلك / ختل = اختبئ

[4] والله والله لن أنحيها ولن أفتح فمي عار عند التارقي ان يظهر فمه // منوب = ابدا/ تجيب = تحبل /

[5] كام تصحيف قام / ختل = اختبئ بالعراقية/ الزموه = امسكوه / التاسفرا كيس يحمله التارقي فيه حوائجه / تِم = فم / مْعَوَّدْ كلمة تودد عراقية وتعني رجل / يواش يواش = على مهل،/ / مبارح = البارحة /