الدليل النفسي للاكتئاب بباريس
الدليل النفسي للاكتئاب بباريس
رواية
عبد الحميد عبّود
بطاقة تعريف
الإسم: رمضان
اللقب: أبو عيد
البرج الفلكي: أسد
المهنة: بطال.
الهواية: الشعر والصياعة والتحشيش
العمر: 25 خريفا
العنوان: باريس مأوى المُشَردين
المقام: لاجئ سياسي من أصل فلسطيني
الوضع الاجتماعي: أعزب مع تجربة حب فاشلة
السجل عدلي: نظيف باستثناء بضع أيام حبس على ذمة التوقيف بتهمة تشبيك مئة دولار مزورة في صدر رقاصة
الدين: مفيش، لا صلعم ولا طوطم ولا يحزنون
علامات فارقة:الاكتئاب
وثلاث ملاحظات
ملاحظة أولى: في النص ترد كلمة(الله) غير مرخمة وملفوظة بفجاجة (ألّلاه)، الا اذا وردت على لسان غيري أوردها كما يلفظها
ملاحظة ثانية: عسعس، سمعة، سمعان عبد المجيب هي مسميات مختلفة لمسمى واحد عبد السميع
ملاحظة ثالية: في النص اقتباسات من كتّاب معروفين أضعها في خط خفيف وأضع اسم صاحبها في الهوامشْ أسفل الصفحة وقد يكون ثمة اقتباسات أخرى اختمرت وعجنتْ في لاشعوري وأُقحِمت في النص
السندباد في رحلته الثامنة
ثمة إشارات تبشر بالخراب، ولستُ متماسكاً ولا مطمئناً إلى ما سيحدث.
أعولتْ الريح، الفضاء صار مرجلا للعجاج، والهباء هب من كل مكان، ضاقت المساحات والأمدية، التحم الرصيف بالشارع، انطفئتْ فوانيس الطريق، التحمتْ العناصر الأربعة حلكةً مفتوحة على مصراعيها، أمحقتْ الشمس في السماء التي لا يلمع فيها أي شيء، كان وجه تمثال نرفال مبقعا بالدم، وكل ما كان عيانا صار مجردا، صار خريطةً للاشكل، مساحات من ميتافيزيقيا سوداء، عتمة مونوكرومية كأنها لوحة شاسعة من ناتور مورت مفخخة بمقعرات وفجوات، حدث ما يحدث عادة حينما يحدق إنسان في دخان السيجارة فيختلق بنفسه صورا متخيلة، رأيتُ وحشاً أبشع من الغيلان وَالتنانين، سمعتُ رطانات كاكافونية، صرخات طويلة لأوجاع طويلة، تمزقات أصوات لعنات، طنيناً طنيناً كأن كُلّ السماوات جرس، أحسستُ بحرقة في أحشائي ما عتمتْ ان تحولت إلى وحمة للخبز المحلى بالزبيب، وشعرتُ برنين كهربائي في عظامي وشعرتُ بأعصابي يعصرها ألم مجهول، تسمرتُ مكاني، مكتظا بسوء الفهم والإلتباس، ألتقطُ التفاصيل التي ما ان تُلتقط حتى تتلاشى، رحتُ أعد على أفتار أصابعي جريا على عادتي في شحن نيوروناتي المتبلدة، أنا رمضان، رمضان أبو عيد، شقيق رجب وشعبان وحجة وبقية الأشهر الهجرية، أنا موجود الآن هنا في باريس، وبالضبط في حديقة شاتليه، هذا البرج الشاهق الذي يبخش السماء هو برج القديس يعقوب، وذاك هو القديس يعقوب ذاته في أعلاه سابحا في الغيوم، ذلكم الرجل اللابس الميري هو فيلكس ناطور الحديقة، على العموم فإنني لستُ أخرقاً لأصدق خوارق الطبيعة، بَيْدَ أن أغرب الأمور أثبتها دليلا، إنكار الواقع لا يلغيه، وثمة (في رأسي فقط) من الأدلة ما يثبته وما ينفيه، يحصل للإنسان ان يطفو على الذاكرة ليسبح في عالم الأمنيسيا، يحصل لأي إنسان أن يحلم لأنه يدرك تخارجات الزمان الثلاث، لكن الحيوان الخرافي عادة ما يستفيق ليلا ونحن في وضح النهار، الساعة بمعصمي تشير للعاشرة وخمس دقائق (هذا يعني إنها العاشرة إلا خمس فأنا أقدمها عشر دقائق كيلا أصل متأخرا لمواعيدي) قناعتي انه حلم يقظة شفيف، كابوسيفتقدُ أدنى صِلة بالواقع (أو لعله من صميم ترسبات الواقع) من السفرات الباطنية التي يقوم بها المسافر دون أن يتحرك من مكانه، ما أن ينأى الإنسان حتى تأتي الرياح، بكل مرة أحشِّشُ تأتيني شياطيني المرافقة، والبارحة في نفس المكان رأيتني أمارس الغرام مع تمثال جان دارك البرونزي، اللعنة على هذه الجمرة الخبيثة، مُشْوَّشة ومُشْوِّشة، مزاج للملعنة، على ذمّة يانوش البولندي فإنها عشبة خالية من الشوائب تطلق الطاقات المكبوتة، أينه هذا الوغد البولاك ليرى الأشباح النائمة التي أطلقتْها، لعله هرع للسوبرماركت ليختلس قنينة فودكا، تركني وحدي في مزلقان، أنا الرجل الوحيد على الأرض، وما يانوش وعبد السميع وسائر الكائنات سوى تصوراتي وأفكاري، الناس حولي بيادق وفرازانات في مربعات رقعة الشطرنج، ما دامني الرائي الوحيد الذي تترائى له هذه الرؤية الطوفانية فهذا معناه ان الطوفان يحدث في رأسي فقط، سيمياء رواد الحديقة اللامبالين تثبت أن الدنيا لم تتغير على الإطلاق (في أعينهم) الدنيا تغيرت فقط في عيوني، فأنا كل ما أرى، البرق والبيارق تتراءى لي أنا وحدي دون غيري، الوحش وحشي والسواد سوداويتي والألم حكر لي، القيامة قيامتي الفردية، جاهدتُ لتحديد واقعي وموقعي في عمهوت العماء، باحثا عن ثغرة في الفراغ، عن مكبح لإيقاف الآلة الجهنمية، عن نقطة ثابتة في العالم الدوار، عن نظام في الفوضى يمكنني من الذي لم يعد ممكنا، جرجرتُ دهشتي كالسائر بنومه، كسندباد اقتلعته العاصفة، رأيتُ نافورة ميدان شاتليه تفيض قيحا وصديدا، حاصرني من الخارج أربعُ طوابير، من الداخل حاصرني طابورٌ خامس، وإذ بلغتُ جسر أوشانج حُوصِرتُ بما هو أكثر فظاعة، على الضفتين كانت صفصافات النهر تنتظرني كمقاصل أعدام، المعدية النهرية السياحية التي عبرت تحت الجسر تهيئتْ لي على هيئة سفينة قراصِنة عليها راية سوداء من عظمتيْن وجمجمة، على صفحة النهر طفت كلاب سودنافقة، فوق الضفتيْن تقوَّس قوسُ قزح أطيافه كلها تنويع على الأسود: أكحل غامق زفتي دامس أسمر بذنجاني أبنوسي شاحب، كل هذا السواد! عجبا! كان بورخيس في عماه يرى كل الألوان عدا الأسود، فما بال عيناي المتفتحتان لا تريان إلا الأسود! من قال ان الله ليس كله زنجيا؟ تره لماذا قلبي مفجوعلهذا الحد؟ الناس كلهم في طريق النور وأنا وحدي في طريق مهجور، العالم كله متحرك أنا وحدي مشلول مثل شجرة يابسة في حقل أخضر!لماذا رُتِّبَ العالم على هذه الصورة؟ من يوقف النزيف في دماغي؟ من يدلني على درب العلامة؟ ما أوحش القارب في قلب العاصفة! والظلمة تتوهج من الظلمة! ظلمة عميقة وشاسعة، مخيفة وفاجعة، رأيتُ كل شيء مغبشا كنيجاتيف الصور، كنيسة نوتردام وقصر الكونسييرجري، وامتدت لحظة البله ودارَتْ عقارب الساعة عكس اتجاه عقارب الساعة، وسرعان ما صار المنظر بشعا، رأيتُ الألفا والأوميغا، البدايات والنهايات وخرائب الإمبراطوريات، كلروس ماغنوس وملوك فرنسا طرّاً من فرانسوا الأول إلى فرانسوا ميتران، رؤية مركَّبة من تزامناتٍ عشوائية مُكدَّسة، محاكاة جهنّميّة للوحة يوم الدينونة كما تخيلها هيرونيموس بوش، مشهد طاعوني أبوكاليبتيكي، سكاكين جاهزة لجز الرقاب، رجال لهم مناقير طيور، طيور لهم هيئة رجال، بشر لهم زعانف وأسماك لها نهود، قرد يُدَوْزِنُ أوتار عود، براكين تقذف لهبا، نيران تلمع مثل مصابيح في الظلمة، حريق كوني، عراة يتشابهون كالأموت ويشربون من شراب الزقوم في احتضارات النزع الأخير، نساء عاريات تلتف الأفاعي على عوراتهن كما تلتف على بدن الحاوي، طباخة تطبخ رأسا بشريا في مقلاة، مسوخ هجينة تمشي على أربع، مصاصو دماء يمارسون متعة الشر بتفان يقترب من حد الصوفية، زحافات وسحالي ضخمة، رجل مكبل اليدين والرجلين بالسفود، كائنات خرافية مفلوجة، رأيتُ الوحش ـ التنين يفتح شدقيه ويبتلع القديس جورجيوس وحصانه، كان ثمة 20 ألف جنازة على جبل الكرمل، و10 آلاف مصلوب على جبل آرارات، رأيتُ جملة الهالكين في السفربرلك، المطعونين بالطاعون والمصائب العمومية، ومن حصدتهم الحصبة مبكرا وجموع الهابطين في الهاوية، الموت وجموعه الصُّفْر، حشودا مترنحة من هياكل عظمية يتحركونبمشية بطيئة، يرفعون بمناديلهم المدماةغبار القرون الغابرة، يرقصون رقصة المقابر، ينسجون المدى جماجما متراصة منخورة، عالما عتيقا كالرقيم الآشوري، منجنيقات مهترئة تطل مكشرة من أوقات ميتة حين كانت الحصون محاطة بخنادق الماء، أهوالا تفوق الوصف، موتاً موتاً، جثثا تحتفي بجثث، ما أخيب الموتى اذا بعثوا بشعين وبطيئن! من يحدق عبرَ الموت والموتى يرى وجهه، لكن الموتى يتجولون فقط في المنام ونحن في عز النهار، الساعة بمعصمي تشير إلى...! كان ميناء ساعتي بلا عقارب وكان هذا كافيا لإرباك مخيلتي، الكاوس التام اليأس والتوّحُّد والدهشة الخرساء، التوريات حيث يتوارى واضح المعاني في طلسميها، هل تراني في دهاليز الكاتاكومب؟ هل أحلم أم أحلم أنني أحلم؟ أم أن حواسي تخدعني في أوهام بصرية وهلوَسات رخيصة! كيف يمكنُني أن أُفكّر بما أراه، بكلّ السوءِ الذي أراه؟ الرؤية الخاصة التي أراها بعينِي الخاصّة، اشتباكات العقلِ الكاذبة! الأحلام الباطلة جداً! العوالم السفلية الديماسية الماورائية، الأقفال والمفاتيح، الأسرار والكشوفات، المقامات والكيوف، الانخِطَافَات، الفيوضات، اشتبه علي الأمر فمرّرتُ يدي على بدني أتحسس من خلاله علاقاتي الواهية بالعالم الواقعي حولي، كانت يدي مغلولة، ويلي! لستُ حقيقةً بل وهماً، وهما حقيقياً، ما هو أكيد ليس أكيدا،من يدعي معرفة ما يراه؟ المحو بعد الصحو! ربما هو موت مفاجئ؟ لعله تحالف الأوهام مع أباطيل الحواس الخمس! او الارتجافة الأخيرة للبدن الميت! سَرَتْ ببدني رعشة صقيعية باردة كأني يحاصرني أربعون شتائا، فقدتُ بوصلتيفترنحتُ كمركب برتغالي جانح، انكسر ما هو غيرَ قابلٍ للكسر، عقلي المحصَّن بأعصاب فولاذية، وتهيأ لي أن الخمس مُشاة الذين يعبرون الجسر إلى الضفة الأخرى هم خمس مُشاة يعبرون خمس جسور إلى خمس ضفاف، انقطع خيط الطائرة الورقية فدخلتُ في البعد الرابع، تبعثرتُ فيأمكنة قصية خلف الزمن يصعب التعرف عليها، بين بين، منزلة بين المنزلتيْن، القرن العشرين بعد الميلاد وقبل الميلاد، أزمنة مركبة من العتيق والراهن، ولكن من تراني أكون حقا؟رمضان ام ابو عيد؟ الحقيقة أم المجاز؟ المركب أم البحر؟ الماشي أم الطريق؟ المفكر أم الفكرة العارضة؟ نحن لا نعرف أنفسنا بالمرة، نحن نتخيل كينونتنا فقط ثم يأتي السقوط فيظهرنا كما نحن، مجهول أنا عند نفسي، أكذوبة وهم خيال، أنا الذي صرت لا أحد، الوحش الضبع الأفعى الغراب الكركي البجع ميكي ماوس، أنالست سوى أوهامي عن نفسي، أوهامي عن الحياة هي كل الحياة، أنا رجل يظن نفسه حبة قمح، وكلما رأى دجاجة يفر منها، وحين أقنعني يانوش بأني لست حبة قمح، قلت أنا مقتنع بذلك ولكن عليك أن تقنع الدجاجة، أنا صايع من الصياع، حشاش من جملة الحشاشين، رحتُ أستشعر رخاوة جسدي اللزجة مقرونة بصلابة الواقع الفولاذي، رأيتنيتائهاً إلى أبعد حد ولا أحد يتعرّف علي باستثنائي، مفرداً ووحيداً، بعيداً ووحيداً، ذابلا، منكسراً، لاهثاً، محطماً، محصورا، على حافة الحال الأكثر تفاهة، بَحَثتُ عَنْ وجهي فِي العتمة، بَحثتُ بين الوجوه عَنْ وَجْهٍ كان وَجْهِي، وفتحت شدقي طالبا نجدة فلم تسعفني الكلمات، ترقق صوتي متهدجا ثم أخرس، انحَنيت عن غير قصد كشجرة مقطوعة وهويت إلى أسفل كطير أبله، ثم مستفيداً من القوّة التي منحني إيّاها انعدام الوزن ارتفعتُ نحو الأعلى كشيء مجرّد، ثم نحو الأعمق، ثُمَّ متصَاعِدًا إلى الأمام ثم مسْحوبًا إلى العمق مثل زورق بلع الماء، مثل زورق بلعته الماء، انقفل الباب من الجهتين، وأوصدت النوافذ، رحت أتغلغل نحو الغموض، أتضاءل وأختفي إلىأن صرتُ ثقبا في الهواء.