الدليل النفسي للاكتئاب بباريس - رواية
الدليل النفسي للاكتئاب بباريس
رواية
عبد الحميد عبّود
بطاقة تعريف
الإسم: رمضان
اللقب: أبو عيد
البرج الفلكي: أسد
المهنة: بطال.
الهواية: الشعر والصياعة والتحشيش
العمر: 25 خريفا
العنوان: باريس مأوى المُشَردين
المقام: لاجئ سياسي من أصل فلسطيني
الوضع الاجتماعي: أعزب مع تجربة حب فاشلة
السجل عدلي: نظيف باستثناء بضع أيام حبس على ذمة التوقيف بتهمة تشبيك مئة دولار مزورة في صدر رقاصة
الدين: مفيش، لا صلعم ولا طوطم ولا يحزنون
علامات فارقة:الاكتئاب
وثلاث ملاحظات
ملاحظة أولى: في النص ترد كلمة(الله) غير مرخمة وملفوظة بفجاجة (ألّلاه)، الا اذا وردت على لسان غيري أوردها كما يلفظها
ملاحظة ثانية: عسعس، سمعة، سمعان عبد المجيب هي مسميات مختلفة لمسمى واحد عبد السميع
ملاحظة ثالية: في النص اقتباسات من كتّاب معروفين أضعها في خط خفيف وأضع اسم صاحبها في الهوامشْ أسفل الصفحة وقد يكون ثمة اقتباسات أخرى اختمرت وعجنتْ في لاشعوري وأُقحِمت في النص
السندباد في رحلته الثامنة
ثمة إشارات تبشر بالخراب، ولستُ متماسكاً ولا مطمئناً إلى ما سيحدث.
أعولتْ الريح، الفضاء صار مرجلا للعجاج، والهباء هب من كل مكان، ضاقت المساحات والأمدية، التحم الرصيف بالشارع، انطفئتْ فوانيس الطريق، التحمتْ العناصر الأربعة حلكةً مفتوحة على مصراعيها، أمحقتْ الشمس في السماء التي لا يلمع فيها أي شيء، كان وجه تمثال نرفال مبقعا بالدم، وكل ما كان عيانا صار مجردا، صار خريطةً للاشكل، مساحات من ميتافيزيقيا سوداء، عتمة مونوكرومية كأنها لوحة شاسعة من ناتور مورت مفخخة بمقعرات وفجوات، حدث ما يحدث عادة حينما يحدق إنسان في دخان السيجارة فيختلق بنفسه صورا متخيلة، رأيتُ وحشاً أبشع من الغيلان وَالتنانين، سمعتُ رطانات كاكافونية، صرخات طويلة لأوجاع طويلة، تمزقات أصوات لعنات، طنيناً طنيناً كأن كُلّ السماوات جرس، أحسستُ بحرقة في أحشائي ما عتمتْ ان تحولت إلى وحمة للخبز المحلى بالزبيب، وشعرتُ برنين كهربائي في عظامي وشعرتُ بأعصابي يعصرها ألم مجهول، تسمرتُ مكاني، مكتظا بسوء الفهم والإلتباس، ألتقطُ التفاصيل التي ما ان تُلتقط حتى تتلاشى، رحتُ أعد على أفتار أصابعي جريا على عادتي في شحن نيوروناتي المتبلدة، أنا رمضان، رمضان أبو عيد، شقيق رجب وشعبان وحجة وبقية الأشهر الهجرية، أنا موجود الآن هنا في باريس، وبالضبط في حديقة شاتليه، هذا البرج الشاهق الذي يبخش السماء هو برج القديس يعقوب، وذاك هو القديس يعقوب ذاته في أعلاه سابحا في الغيوم، ذلكم الرجل اللابس الميري هو فيلكس ناطور الحديقة، على العموم فإنني لستُ أخرقاً لأصدق خوارق الطبيعة، بَيْدَ أن أغرب الأمور أثبتها دليلا، إنكار الواقع لا يلغيه، وثمة (في رأسي فقط) من الأدلة ما يثبته وما ينفيه، يحصل للإنسان ان يطفو على الذاكرة ليسبح في عالم الأمنيسيا، يحصل لأي إنسان أن يحلم لأنه يدرك تخارجات الزمان الثلاث، لكن الحيوان الخرافي عادة ما يستفيق ليلا ونحن في وضح النهار، الساعة بمعصمي تشير للعاشرة وخمس دقائق (هذا يعني إنها العاشرة إلا خمس فأنا أقدمها عشر دقائق كيلا أصل متأخرا لمواعيدي) قناعتي انه حلم يقظة شفيف، كابوسيفتقدُ أدنى صِلة بالواقع (أو لعله من صميم ترسبات الواقع) من السفرات الباطنية التي يقوم بها المسافر دون أن يتحرك من مكانه، ما أن ينأى الإنسان حتى تأتي الرياح، بكل مرة أحشِّشُ تأتيني شياطيني المرافقة، والبارحة في نفس المكان رأيتني أمارس الغرام مع تمثال جان دارك البرونزي، اللعنة على هذه الجمرة الخبيثة، مُشْوَّشة ومُشْوِّشة، مزاج للملعنة، على ذمّة يانوش البولندي فإنها عشبة خالية من الشوائب تطلق الطاقات المكبوتة، أينه هذا الوغد البولاك ليرى الأشباح النائمة التي أطلقتْها، لعله هرع للسوبرماركت ليختلس قنينة فودكا، تركني وحدي في مزلقان، أنا الرجل الوحيد على الأرض، وما يانوش وعبد السميع وسائر الكائنات سوى تصوراتي وأفكاري، الناس حولي بيادق وفرازانات في مربعات رقعة الشطرنج، ما دامني الرائي الوحيد الذي تترائى له هذه الرؤية الطوفانية فهذا معناه ان الطوفان يحدث في رأسي فقط، سيمياء رواد الحديقة اللامبالين تثبت أن الدنيا لم تتغير على الإطلاق (في أعينهم) الدنيا تغيرت فقط في عيوني، فأنا كل ما أرى، البرق والبيارق تتراءى لي أنا وحدي دون غيري، الوحش وحشي والسواد سوداويتي والألم حكر لي، القيامة قيامتي الفردية، جاهدتُ لتحديد واقعي وموقعي في عمهوت العماء، باحثا عن ثغرة في الفراغ، عن مكبح لإيقاف الآلة الجهنمية، عن نقطة ثابتة في العالم الدوار، عن نظام في الفوضى يمكنني من الذي لم يعد ممكنا، جرجرتُ دهشتي كالسائر بنومه، كسندباد اقتلعته العاصفة، رأيتُ نافورة ميدان شاتليه تفيض قيحا وصديدا، حاصرني من الخارج أربعُ طوابير، من الداخل حاصرني طابورٌ خامس، وإذ بلغتُ جسر أوشانج حُوصِرتُ بما هو أكثر فظاعة، على الضفتين كانت صفصافات النهر تنتظرني كمقاصل أعدام، المعدية النهرية السياحية التي عبرت تحت الجسر تهيئتْ لي على هيئة سفينة قراصِنة عليها راية سوداء من عظمتيْن وجمجمة، على صفحة النهر طفت كلاب سودنافقة، فوق الضفتيْن تقوَّس قوسُ قزح أطيافه كلها تنويع على الأسود: أكحل غامق زفتي دامس أسمر بذنجاني أبنوسي شاحب، كل هذا السواد! عجبا! كان بورخيس في عماه يرى كل الألوان عدا الأسود، فما بال عيناي المتفتحتان لا تريان إلا الأسود! من قال ان الله ليس كله زنجيا؟ تره لماذا قلبي مفجوعلهذا الحد؟ الناس كلهم في طريق النور وأنا وحدي في طريق مهجور، العالم كله متحرك أنا وحدي مشلول مثل شجرة يابسة في حقل أخضر!لماذا رُتِّبَ العالم على هذه الصورة؟ من يوقف النزيف في دماغي؟ من يدلني على درب العلامة؟ ما أوحش القارب في قلب العاصفة! والظلمة تتوهج من الظلمة! ظلمة عميقة وشاسعة، مخيفة وفاجعة، رأيتُ كل شيء مغبشا كنيجاتيف الصور، كنيسة نوتردام وقصر الكونسييرجري، وامتدت لحظة البله ودارَتْ عقارب الساعة عكس اتجاه عقارب الساعة، وسرعان ما صار المنظر بشعا، رأيتُ الألفا والأوميغا، البدايات والنهايات وخرائب الإمبراطوريات، كلروس ماغنوس وملوك فرنسا طرّاً من فرانسوا الأول إلى فرانسوا ميتران، رؤية مركَّبة من تزامناتٍ عشوائية مُكدَّسة، محاكاة جهنّميّة للوحة يوم الدينونة كما تخيلها هيرونيموس بوش، مشهد طاعوني أبوكاليبتيكي، سكاكين جاهزة لجز الرقاب، رجال لهم مناقير طيور، طيور لهم هيئة رجال، بشر لهم زعانف وأسماك لها نهود، قرد يُدَوْزِنُ أوتار عود، براكين تقذف لهبا، نيران تلمع مثل مصابيح في الظلمة، حريق كوني، عراة يتشابهون كالأموت ويشربون من شراب الزقوم في احتضارات النزع الأخير، نساء عاريات تلتف الأفاعي على عوراتهن كما تلتف على بدن الحاوي، طباخة تطبخ رأسا بشريا في مقلاة، مسوخ هجينة تمشي على أربع، مصاصو دماء يمارسون متعة الشر بتفان يقترب من حد الصوفية، زحافات وسحالي ضخمة، رجل مكبل اليدين والرجلين بالسفود، كائنات خرافية مفلوجة، رأيتُ الوحش ـ التنين يفتح شدقيه ويبتلع القديس جورجيوس وحصانه، كان ثمة 20 ألف جنازة على جبل الكرمل، و10 آلاف مصلوب على جبل آرارات، رأيتُ جملة الهالكين في السفربرلك، المطعونين بالطاعون والمصائب العمومية، ومن حصدتهم الحصبة مبكرا وجموع الهابطين في الهاوية، الموت وجموعه الصُّفْر، حشودا مترنحة من هياكل عظمية يتحركونبمشية بطيئة، يرفعون بمناديلهم المدماةغبار القرون الغابرة، يرقصون رقصة المقابر، ينسجون المدى جماجما متراصة منخورة، عالما عتيقا كالرقيم الآشوري، منجنيقات مهترئة تطل مكشرة من أوقات ميتة حين كانت الحصون محاطة بخنادق الماء، أهوالا تفوق الوصف، موتاً موتاً، جثثا تحتفي بجثث، ما أخيب الموتى اذا بعثوا بشعين وبطيئن! من يحدق عبرَ الموت والموتى يرى وجهه، لكن الموتى يتجولون فقط في المنام ونحن في عز النهار، الساعة بمعصمي تشير إلى...! كان ميناء ساعتي بلا عقارب وكان هذا كافيا لإرباك مخيلتي، الكاوس التام اليأس والتوّحُّد والدهشة الخرساء، التوريات حيث يتوارى واضح المعاني في طلسميها، هل تراني في دهاليز الكاتاكومب؟ هل أحلم أم أحلم أنني أحلم؟ أم أن حواسي تخدعني في أوهام بصرية وهلوَسات رخيصة! كيف يمكنُني أن أُفكّر بما أراه، بكلّ السوءِ الذي أراه؟ الرؤية الخاصة التي أراها بعينِي الخاصّة، اشتباكات العقلِ الكاذبة! الأحلام الباطلة جداً! العوالم السفلية الديماسية الماورائية، الأقفال والمفاتيح، الأسرار والكشوفات، المقامات والكيوف، الانخِطَافَات، الفيوضات، اشتبه علي الأمر فمرّرتُ يدي على بدني أتحسس من خلاله علاقاتي الواهية بالعالم الواقعي حولي، كانت يدي مغلولة، ويلي! لستُ حقيقةً بل وهماً، وهما حقيقياً، ما هو أكيد ليس أكيدا،من يدعي معرفة ما يراه؟ المحو بعد الصحو! ربما هو موت مفاجئ؟ لعله تحالف الأوهام مع أباطيل الحواس الخمس! او الارتجافة الأخيرة للبدن الميت! سَرَتْ ببدني رعشة صقيعية باردة كأني يحاصرني أربعون شتائا، فقدتُ بوصلتيفترنحتُ كمركب برتغالي جانح، انكسر ما هو غيرَ قابلٍ للكسر، عقلي المحصَّن بأعصاب فولاذية، وتهيأ لي أن الخمس مُشاة الذين يعبرون الجسر إلى الضفة الأخرى هم خمس مُشاة يعبرون خمس جسور إلى خمس ضفاف، انقطع خيط الطائرة الورقية فدخلتُ في البعد الرابع، تبعثرتُ فيأمكنة قصية خلف الزمن يصعب التعرف عليها، بين بين، منزلة بين المنزلتيْن، القرن العشرين بعد الميلاد وقبل الميلاد، أزمنة مركبة من العتيق والراهن، ولكن من تراني أكون حقا؟رمضان ام ابو عيد؟ الحقيقة أم المجاز؟ المركب أم البحر؟ الماشي أم الطريق؟ المفكر أم الفكرة العارضة؟ نحن لا نعرف أنفسنا بالمرة، نحن نتخيل كينونتنا فقط ثم يأتي السقوط فيظهرنا كما نحن، مجهول أنا عند نفسي، أكذوبة وهم خيال، أنا الذي صرت لا أحد، الوحش الضبع الأفعى الغراب الكركي البجع ميكي ماوس، أنالست سوى أوهامي عن نفسي، أوهامي عن الحياة هي كل الحياة، أنا رجل يظن نفسه حبة قمح، وكلما رأى دجاجة يفر منها، وحين أقنعني يانوش بأني لست حبة قمح، قلت أنا مقتنع بذلك ولكن عليك أن تقنع الدجاجة، أنا صايع من الصياع، حشاش من جملة الحشاشين، رحتُ أستشعر رخاوة جسدي اللزجة مقرونة بصلابة الواقع الفولاذي، رأيتنيتائهاً إلى أبعد حد ولا أحد يتعرّف علي باستثنائي، مفرداً ووحيداً، بعيداً ووحيداً، ذابلا، منكسراً، لاهثاً، محطماً، محصورا، على حافة الحال الأكثر تفاهة، بَحَثتُ عَنْ وجهي فِي العتمة، بَحثتُ بين الوجوه عَنْ وَجْهٍ كان وَجْهِي، وفتحت شدقي طالبا نجدة فلم تسعفني الكلمات، ترقق صوتي متهدجا ثم أخرساً، انحَنيت عن غير قصد كشجرة مقطوعة وهويت إلى أسفل كطير أبله، ثم مستفيداً من القوّة التي منحني إيّاها انعدام الوزن ارتفعتُ نحو الأعلى كشيء مجرّد، ثم نحو الأعمق، ثُمَّ متصَاعِدًا إلى الأمام ثم مسْحوبًا إلى العمق مثل زورق بلع الماء، مثل زورق بلعته الماء، انقفل الباب من الجهتين، وأوصدت النوافذ، رحت أتغلغل نحو الغموض، أتضائل وأختفي إلىأن صرتُ ثقبا في الهواء
الوحش، سيرة وانفتحت
وفي عز الأمان ضاع مني الأمان، وقع المحظور، انتهى موسم السعادة ليبدأ موسم الزوابع، مُباركة هي الكوابيس فبفضلها أصدّقبوجود الجحيم، الحياة فخ، واللي خلق علق، وأنا أتعلم كيف أعيش كنت أتعلم كيف أموت، وأنا أدرك العالم كنت أدرك مأساتي في العالم،في مشوار كهذا كان يجب أن أقرأ خريطة الطريق جيدا وأن أحفظ خط الرجعة، فات الآوان، ولا شيء أسوأ من فوات الأوان، كل شيء تحطم في لحظة عابرة، اختلت الثقة بيني وبين العالم وانهارت نظرتي النيتشوية للعالم، فقدتُ كنوزي وبرائتي وشبابي الأنضر، يا لشين الطالع! هذا ما عشّمتني به الأبراج الفلكية "نجمك آخذ بالخفوت يا أسد، وقد أتاك من الأشكال راية الوحش فابشر بالانهيارات والكوابيس والهاوية الملعونة " لم تقتلني الحروب الكبيرة بل سحقتني حزازات صغيرة، لم تقتلني السباع بل التهمتني الضباع، لم أمُتْ برصاص الحرب الطائش بل مُتُّ بطيشي، أمضيتُ سنوات في التنظير للسعادة ثم جاء الوحش وقلب المعادلة، جاء مفاجئا كالهدف القاتل الذي يصيب المرمى في الوقت الضائع.
كيف نصنع وحشنا بأنفسنا؟
كيف ندخّر يأسنا لأنفسنا؟
بهذه الرقة المُشينة تُقْتَرف المصائر ويتحول رجل إلى شبه رجل! أقسمُ لكم (بالّلات) أن الإنسان أهشّ وأخفّ مما ظننتم، ما بين خطوة أولى وتالية يسقط إنسان، ما بين شارع ورصيف يسقط إنسان، ما بين لمحة عين وإغماضتها يسقط إنسان، المرض دائما خائن ويأتي في اللحظة التي لا ننتظره فيها ليثبت ان الأصحاء هم الناس الذين لا نعرفهم جيدا، الفعل ليس الحياة لكنه وسيلة لإفساد قوة ما، الإنسان بطبعه يخشى الحرية، والسقوط هو التعبير المباشر لهذه الخشية، الإنسان مشروط بشرطه الإنساني وحين تتكاثر عليه الأزمات ينكسر، بحسب ماركس ففي نفس اللحظة التي يطوِّر فيها الكائن إمكانيات هائلة للسيطرة على حياته، فإنّه يخسر تلك القوة بفعل انقساماته الداخلية، ليتني كنت راعي غنم في سهل عكّار ولم أعرض نفسي للتجربة، (للأسف فرمضان لا يتعلم أبدا من تجارب أبي عيد) الحشيشة عجَّلتْ في تقويض استطاعتي الداخلية، أردت أن أتوسل بها للوصول إلى الحرية، فإذا بالوسيلة تنسيني الغاية، وإذا بإرادتي تتلاشى في مطب الفعل الميكانيكي والإدمان، على المرء أن يكف عن فعل الحماقات، لكن ما أسهل القول! 25 عاما، بهذا الشباب الغض يتعسر إدراك الحكمة، وليس أشق على النفس من تحمل سلسلة من الأيام الحلوة، الحياة نصبح فرسانها ونمسي صرعاها،من يأكل ثمرة مانجا يعرف شيئا عن رمزية الحياة، ما أن يقشر القشرة حتى يرتطم بالنواة، تدبق أصابعه بالقطر أكثر من لسانه، يغص في مصِّها أكثر من حلاوتها، السعادة في جوهرها سلبية إذا ما تحقّقت فلا تُعاش طويلا، وحين لا تكون عابرة فهي مهدَّدة بنفسها، وحين يحصّن الإنسان سعادته فإنّه يسحقها، الحياة دائما تفاجئنا باللامتوقع، أولئك الذين لا يقضون بالسرطان، السماء تهددهم بالصواعق، الهواء يحصدهم بالعواصف، الأسلحة الفتاكة تبيدهم بالجملة، الفارّون من الكوارث تحصدهم حوادث السير، الهاربون من الحريق يموتون بالغريق، والناجون من الطاعون يقتنصهم الإكتئاب، عندما يتخلص إنسان من الفخ ألنّصبته له الطبيعة يقع في الفخ ألنَّصبه لنفسه، الإنتكاص بُعْدٌ أساسي للفطرة الإنسانيّة، هو وعي الإنسان بمأزق وجوده، بذاته، الصحة الوحيدة هى المرض، لن أثير فيكم السرور فحالي محزنة، سآتيكم بنبأ الإنسان المكتئبوأحدثكم عن أتعس أيامي، سأحكي لكم قصة إنسان عبيط كان يحلم بأجمل العوالم وكان يشَيِّدُ قلاعا رملية فوق شواطئ اسبانيا، ثم أتى تسونامي الوحش وجرف كل شيء، سقطتُ في غمرة الإرْبَاكَات المتتالية مثلَ حصان حصدوا ركبتيه بمنْجَل[1]، سقوطاً فجائعيا كأحسن ما يكون السقوط، الإمبراطورية السوفياتية بجبروتها سقطت، هذا عصر البريسترويكا والغلاسنوت والتغيرات السريعة والطفرات التقنية، زمن يلهث بسرعة ومن لا يسايره ينتكص، في اللحظة التي توهمت فيها إني أمتلك حريتي فقدتُ نفسي، يا لوهم الحرية! كل خياراتي كانت تافهة ومن صنف: هل أشرب فودكا جبروفسكا أم فيبوروفا؟ هل أحششُ حشيشة كتامية أم أفغانية؟ هل أبيتُ ليلتي في المهجع بتاع جيش الخلاص أم في ذلك التابع للإغاثة الكاثوليكية؟ هل أقضي نهاري مع عبد السميع في مركز بوبور أم مع يانوش في حديقة شاتليه؟ ساذجاً كنت باعتقادي بحرية الخيار، فجسدي الذي لم أختره هو الذي صاغ روحي، وماضيَّ الذي فُرِض علي هو الذي يقرر مستقبلي، كلّه مكتوب ومقدر كما في قدر إغريقي، كل شيء انفرض عليَّ فرضا، حتى الصعلكة مارستها باضطرار اختياري، رغم تبجحي بالحرية فأنا مجبور مثل جاك القدري، وهذه ليست أبسط تناقضاتي، أنا ابن الحتمية الضرورية للصدف العمياء، لو أن أمي أنجبتني قبل شهر رمضان أو بعده لكنت رجب أو شعبان، الحياة نُحَرَّكنا كبيادق وفي المرات القلائل التي يتسنى لنا فيها ان نختار فإننا نسيء الإختيار، ندرك ذلك متأخرين، لو أننا تفادينا الحماقة في اللحظة المناسبة لما كان هناك أخطاء البتة، ولما كان معنى لوصايا عبد السميع الأللاوية، وبالمحصلة لانعدمت الحياة، إنما الخطأ قدر البشرية، كنت أبحث عن قمة جبل بارناس فوصلت قاع الجحيم، كنت أعرِّض نفسي لرعب الإنكشاف وأبحث عن الخطر، فجائني ما هو أخطر، الوحش العلامة الإيسخاتولوجية، الأدلة قاطعة ودامغة، إحباط لا ريب فيه، النطاسي النفساني في مستشفى سانت آن شخَّص المرض un certain dérapage de l’âmeDéprime[2] وطبيب مستشفى مارموطون للمدمنين أكد التشخيص، فضيلة جديدة تنضاف إلى فضائلي، ولست وحدي بل أنضاف إلى القائمة المجيدة من المكتئبين العظام: نرفال، بايرون، السيّاب، خليل حاوي وهولدرلين وفرجينيا وولف وهمنغواي بيتهوفن وسترافنسكي إلخ، سقطَتْ السعادة في بازار السعادة، سقطتْ الحريةُ في فخ الحرية، سقطتْ الكينونةُ في عار الكينونة، دبَّ فيَّ السقامُ المتسارع، وقلبي الذي كان هائجاً ذاتَ مرة خمد للأبد، فرَّ الشِّعرمن قلبي، إقفل يا سمسم، الإحباط مغارة علي بابا، نعرف كيف ندخلها ولا نعرف كيف نخرج منها، الداخل أصبح محدودا والخارج شاسعا، حلت مشاعر النفور محل المسرات، لم أعد أدندن بأغانيَّ المفضلة، صرت أخاف على نفسي وصرتُ أخاف من نفسي، الوحش كله عشش فيَّ وتبعني كأنه بدني، انحدرت من الهامشية الإختيارية إلى تهميش قسريّ، ديونيسوس رحل مني وترك مكانهَ بوذا، الحياة باخت وما عاد لها نكهة بالمرّة، علاقاتي الاجتماعية أصبحت مرتبكة، انسحبتُ من الحياة، جعلتُ أراقب الحياة من بعيد كالعجائز يراقبن الشارع من وراء النافذة، الفاجعة لم تنته ولكنها بدأت بالكاد، الإحباط بداية على نحو ما، والمخفي أعظم والخير لقدام، الاكتئاب دخل حياتي وأدخل معطيات جديدة في حياتي، البروزاك برشامة صغيرة دورها تجفيف منابع القلق، يجب ان أبلعها يوميا لأنها لا تفيد بشيء (بعكس ادعائات الطبيب المتواطئ مع لوبي مختبرات الأدوية فهو (الطبيب) يقضي كل عام عطلته الصيفية في منتجعات راقية تحت ستار مؤتمر طبي مدفوع بفلوس المختبرات التي تسرقها من جيبي ثمنا لهذه السموم الباهظة الثمن) الرأسمالية الظافرة تخلق الأوجاع والأدوية الناجعة للأوجاع، المحبط مجرد رقم إقتصادي في معادلة الإنتاج والرّبح والمردودية، الأزمة الكائنة في الفرد لا تأزِّم المجتمع الرأسمالي بل على العكس تقويه، أنا كأي محبط أُعْتبَر (لا بالرغم من شَلَلِي بل بسببه) محركا لا يستهان به للاقتصاد، أساهم في تزييت ماكينة الإنتاج، أنا من منظور براغماتيكي بحت مريضٌ ناجع وشر لا بد مني، إذ اني أرفد السينما والدراما ب سيكولوجيا الفشل والأزمات،كما أساهم في رواج بضاعة الصيدليات ودكاكين المُشعوذين وحلالي المشاكل والعرافين والمعالجين النفسانيين، أستهلك يوميا كوكتيل سموم من مضادات الاكتئاب عداك عن المنومات، كما ترون فإن الإحباط يشَلّ أعصاب المحبَط ويحرِّك عجلة الاقتصاد، كارثتي الخاصة كبقية الكوارث تساهم في الخير العامّ، الإحباط والحوادث والحرائق والزّلازل والفيضانات، مادامت تجرّ إلى الإنفاق العام فلها تّأثير ناجع في نموّ النّاتج القوميّ الخام، ولكن كيف يكتئب بني آدم في عصر الصواريخ الذكية؟ يتسائل الإنسان دائما لأن السين والجيم أساس أبجديات الإنسانية، إن كثيرا من الأحداث الروتينية تحدث ولا تهمني، لماذا يقودون السيارات عن اليمين؟ لماذا يصوتون لليسار؟لماذا يوجد خمس أصابع بكل يد؟ انما حين يتعلق الحدث بكينونتي، فلا مناص من استنفار فضولي، أسئلتي، لماذا(تي) المقلقة مع كل ما يترتب عليها من أجوبة وأسئلة مضادة، السقوط إسقاطٌ للفوضى السائدة في الكون على الكائن، إختلال الأخلاط الأربعة في الجسد البشري (البلغم الدم المرارة واللمفة) يقابله اختلال العناصر الأربعة في الطبيعة (الماء والهواء والتراب والنار) وجه الشبه أن كليهما لا يمكن التنبؤ به، ظاهريا لا يوجد قاعدة ثابتة في الاختلالات، تَذَبْذبُ العقل، اضطرابُ الميكانيكا الكمية، الشواذ الذي يشوب الوراثة، الشبق الجنسي الصاخب، الانقلاب المفاجئ في المناخ، اختلال الحركة الدورية المنتظمة لديناميكا السوائل، التشابك العنقودي للنجوم، الانقطاع الملازم للاستمرارية، هذه كلها ظواهر استثنائية لا تندرج تحت قاعدة، وكل ظاهرة فريدة بميكانيكية حصولها وتخضع لقوانينها الداخلية الصميمة، الإحباط كذلك، يتصرف عشوائيا بمنطق الإحباط نفسه، تختل الأعصاب مما يؤدي إلى انخفاض مادة السيروتينين المسهلة للتواصل الكيميائي بين النورونات، تحصل الفوضى، الفوضى ملازمة للنظام وموازية له، الفوضى كائنة في الطبيعة في شكل براكين، وفي التاريخ بشكل حروب، في الهندسة المعمارية بشكل حارات عشوائية، الفوضى أيضاً جليّة في الأفكار بشكل جنون، في السلوك البشري بشكل إحباط، هذه العلامة الغامضة تأتي دائما لتبرهن على عدم امكانية التنبؤ الصحيح، غير أنه يمكن تبسيط الأمور لحد السذاجة فنقول أن على ظهورنا يوجد أثقال مرئية وأخرى مخفية، أما الأولى فتتجسد في القسم الظاهر [ الوعي ]، فيما الثانية تتعلق بالقسم المخفي [ اللاوعي ]، يستحيل ان نرى بنفس الوقت وجهيْ الميدالية الواحدة، الإنسان كائن ثنائي، وراء ظاهره يختبئ باطنه، في جسد تتجسد روحه، على وجهه ثمة قناع، (كل الحقائق بسيطة)، أليست هذه كذبة مضاعفة؟ يجب وضع كلمة [ حقيقة ] بين قوسين، ولئن تسلح النفسانيون بكل الاستدلال المنطقي فأنهم عاجزون عن تفكيك رموز الوحش الطلسمية، لقد أوجدوا علم النفس لكن هذا العلم لا يحل مشكلة الا ليأتي بأضعافها، لسبرِ أغوار الكائن العميقة نحتاج إلى كرسي الاعتراف (الشيزلون)، نحتاج لمعادلة شاملة تستوعب النسبية والإطلاقية، الكم والكيف، الباطن والظاهر، الواقعي والافتراضي، الواعي واللاواعي، الفيزيقيا والميتافيزيقيا، الخاص والعام، التفاصيل وتفاصيل التفاصيل، ما يفعله النيورون العصبي منفردا وما تفعله ملايين النورونات مجتمعة، لكننا هنا نطالب بالمستحيل، بكشف سر من أسرار العالم، فالإنسان مُدان بأن يكون ويظل دون الأسرار، والعقل ليس دائما طريق الكشف، العقل قاصر والحواس الخمس تحس بالظاهر، نفس المعطيات لا تعطي نفس النتائج، والراسخون في العلم هم آخر من يعلم، يستطيعون دائما محاولة حل مشكلة بأن يثبتوا انه ليس لها حل، العلم الحديث يجيد إرسال مكوك إلى الفضاء الخارجي ويجهل دهاليز النفس الداخلية، العلم متحيز وجزئي، وليس عالما الا بتخيره ما يناسبه، وبتركه ما عداه، للإكتئاب ماهية مجهولة وأشكال جمة، ودلالات لا حصر لها، ورم خبيث في الروح، جذام باطني، آفة نوعية شمولية كليانية تصيب النفس والعقل والقلب والضمير، فاجعة خاصة، حياة تالفة مبتورة، غيبة الروح وغيبوبة الجسد، طوفان، زلزال، ريح عاصفة، نكبة روحية، هو كل هذي المحن وكل ما هو غامض وغير محسوس وطارئ، وكل ما لا حيلة في دفعه، الإحباط قرح غامض ومحيِّر، نتيجة مرئية لأسباب مخفية، في العموميات تتشابه قصص المحبطين ولكن في التفاصيل كل محبط هو حالة فريدة، يختلف كاختلاف البصمة عن البصمة، الإحباط مرض نسبي أعقد من أن تفسره نظرية جاهزة، شعور يمكن تصنيفه ضمن نطاق القلق العام، له إكسسواراته الأثيرة، استنفار دائم للأعصاب، نوبات الهلع والتوتّر والتفكير الدائم بالموت، أما أعراضه ورموزه الوجيهة فهي: حزن دائم، إنهاك عام، إضطراب وقلق وأرق وفقدان تركيز، شعور بالذنب ووساوس وخيالات وفوبيائات الغم والوهم والكرب والصداع والفم الناشف والإمساك والتشنج والسمنة والرجفة والدوخة وتعكّر المزاج، شحوب الوجه، اهتزاز الصوت، تندّي الجبين، خفقان القلب، زوغان العينين، الخ... لكن من عساه يكون هذا الزائر الطارئ اللجوج؟ نقّبتُ عن ملامح الوحش في تفل فنجان القهوة، في المتون الكلاسيكية، في الفاجعة الإغريقية، في أشعار الشعراء الملعونين، في الأنتروبولوجيا والإثنولوجيا وأركيولوجيا الطفولة، في دهاليز النفس الداخلية، في الذاكرة والمشاعر المُوَضَّبة من الدَّاخِلِ، في شجرة العائلة، لم أجد علة مباشرة، يتعسر على عقلي المحدود إدراك روحي اللامحدودة، كيف نهجئ حروف الوحش؟ البعبع اللزج اللامنظور، الوحشِ الضَّاري ذو السر المبهم لا يمكن القبض عليه، ربما انه غير موجود بالمرة، يبحث الباحثون، ينظِّر المنظِّرون، من هذا المنظور ثم من المنظور المعاكس، يعيدون النظر في النظرية، يقولون شيئا والوحش يثبت العكس، يفترضون افتراضات يمكن إثباتها ودحضها بالقدر ذاته، يقرئونه قراءة تفكيكية فتخرج معهم قراءة تركيبية، يرسمون له صورة روبوت تقريبية فتخرج معهم صورة تجريدية، والخلاصة هي ذاتها، استنتاجات فاسدة من مقدمات صحيحة، الوحش يربك المعادلات المعروفة، فيه من كل مرض أسوأ ما فيه، الأدلة معه قاطعة وليست دامغة، حين التكلم عنه (عن هلاميته) يُستحسَن ترجيح الصيغة الشرطية حفظا للتشكيك، بالفرنسية يقولون على سبيل الحذر il semblerait que la dépression soit[3]مشكلة الذين يحاولون فك شيفرة الإحباط انهم لم يحبطوا، يحيطون به من برّة، بِغَضّ النظر فإن الإحباط يبقى حالة ذهنية غامضة غموض النفس، هو ارتباك الإنسانية وحيرتها إزاء فقدان النهاية الحاسمة، بالتعريف الكلينيكي الباتولوجي هو إنقلابٌ سلوكي ناتج عن اختلال الانسجام بين الروح والجسد، صدمة شمولية، اضطراب عصبي، صفعة قدرية، صراع شرس مع الوهم، انه ذلكَ الإثمُ، ذلكَ الإثمُ في النفس، هو الهيئة التي عليها يجد الموجود عدمه الخاص به. ما هي أسباب السقوط؟ هل تكون الحرية سببا للإحباط أم أن الإحباط نتيجة للحرية؟ أتساءل (وأنا أعرف الإجابة جيداًلكنني أتعمد الإكثار من الأسئلة مع الإقلال من الأجوية حتى أورطك أيها القارئ وأقحمكفي حياتي)هل هو الإدمان على الحشيشة والتسكع! الإدمان على حديقة الشاتلية ومركز بوبور [4]وعلى أفلام البورنو ومواخير سان ديني! أم هو الإدمان على كل هذه الإدمانات! هَبْ إني أخطأت بإدماني فهل يعني هذا أن أحمل على عاتقي كل خطايا العالم وإدماناته؟ إفرِضْ انه عقاب على الخطيئة الأصلية فَلِمَ أختص به دون غيري من المخطئين الأصليين؟ التوسل بالأسئلة الضحلة يوصل إلى العميقة، فالسؤال بداية العلاج، جوهر الجدل المفضي إلى كشف التناقض، ما هي النفس؟ هل يتسنى القبض على سيرورتها؟ وهذا الوعاء الذي يستوعبها؟ هل هي نفسي المتصدعة التي أحبطت أم جسدي الهش الذي انهار؟ إنني أبحث عن أسباب الفشل وليس عن تبرير الفشل، لَن أُنْكِرُ أخطائي كما لن أحملها أكثر مما تحتمل، ثمة مُشْكلات يستحيل حلها ولا مفر من طرحها، سأعري نفسي ما أمكن، وأظهر عيوبي دون إخفاء مثالبي، ثم أنزع القناع عن وجهي ثم أنزع ورقة التين عن سؤتي، سأكنّي عن وجعي ب [ الوحش ]، وسوف أعطيه إسما شائعا [ اليأس ] او إسما علميا [ الإحباط ] أو أدبيا [ الاكتئاب ] أو أسميه باسمه الفرنجي [ دبرسيون ]، أو باسمه اللاتيتي [ الملنخوليا ] أو أسمه التراثي [ السويداء ]، قد يكونُ السقوط كفارة على حياة سابقة غلطت فيها كثيرا وتوجّب عليَّ أن أدفع ثمنها، ربما يكمن السبب في تراكم مشاكل الحياة اليومية! ضغوط العالم الخارجي على ضغوط العالم الداخلي؟ أو تراكم هذه التراكمات؟ السؤال تمرين شاق للعقل ولا يسمح للفضول بالاحتراق فينا، الشكّاك دائما قادر على توليد السؤال والأسئلة الأكثر سذاجة هي الأصعب، هل هو توعك مزاجي ينتفي بانتفاء أسبابه؟ أهو عنصر جيني وراثي أم عنصر بيئي خارجي؟ هل هي عقدة أوديب أم عقدة الأديب؟ هل ثمة فاعل للإحباط أم إنّه حركة بلا محرِّك! هل يتعلق الأمر بالأبراج الفلكية أم بسلوك عليه بعض الغبار؟ هل وقع عليَّ النرد بالقرعة أم إني أختزن في أعماقي عوامل السقوط؟ طبعا أنا لستُ من هواة نظرية المؤامرة وأميل إلى الخيار الثاني، الله لا يلعب بالنرد لأنّه ببساطة غير موجود، ها قد وصلنا إلى نتيجة إيجابية، الإحباط على الأقل يثير أسئلة، والأسئلة تحتوي على إحساس بوجود شيء كالخطأ والصواب، من الثابت ان فائض العنف يجد مخرجا في الحرب، وأن فائض الكبت يتبدد في العادة السرية، وأن تكاثف العنف والكبت يأخذ شكل الإكتئاب (ثمة على الأقل علاقة لفظية بين المكتئبين والمكبوتين) لنعترف هنا بفضل المرحوم فرويد علينا الذي فتح لنا الباب واسعا باختراعه سايكولوجيا الأعماق، لقد خرج الوحش من رحم الليبرالية كما يخرج الزيت من الزيتونة، الاكتئاب بضاعة غربية من صميم الرأسمالية التي تنتج المنافسة والتطاحن والأزمات والعاطلين عن العمل وعن الأمل، خاصة المكتئبين الذين لم يسايروا دابة الحياة في سعيها الحثيث نحو النجاح، الليبرالية وهي تؤكد على فردية الفرد تُمَتّنه بالحريه وتهشِّشَهُ باحتمالات الزلة والسقوط، صحيح أنه حر يفعل ما يريد لكن في إطار ما يُراد له، أزمتي هي أزمة الحضارة، إفراز جانبي للحياة العصرية، فالحضارة وهي تحضِّر تكبت، التربية وهي تُربّي تكبت، الدين وهو يُدَيّنْ يكبت، النظام وهو ينظِّم يكبت، حين تجمع كل هذه الكبوتات يحدث الانفجار بوم، بطبيعة الحال فإن كل رأس مفكّر فيه قابلية السقوط، الذاكرة الحادة حافز للسقوط، وكونك شاعرا حافزٌ آخر، كونك في الغربة سبب وجيه، كونك فلسطينيا سبب أوجه، أما كونك فلسطينيا ومغتربا وشاعرا موبوئا بذاكرة فالإحباط تحصيل حاصل، أضف إلى هذا كله، أضف فوق هذا كله، مزاجي الحاد، حاجتي للمستحيل،حياتي المحتدمة، عائلتي المُمرِضَة، نفسيتي السريعة العطب، عدميتي الفاوستية، شخصيتي المتطرفة، تفكيري المريض، وانحلالي الخلقي وانتمائي إلى اللقاطة، هامشيتي همشريتي صعلكتي استثنائيتي سيكولوجيتي الخاصة، لامبالاتي وطواطيتي، مسلكي الشائن، زعرناتي الخرقاء، أفكاري البرصاء، أيامي السوداء، إلحادي وعدميتي السالبة، تنوعت الأسباب والإحباط واحد، حتى اللغة العربية لها نصيب بوصفها لغة مُحبِطة، فأنا مقسوم على نفسي بين العامية التي أحكيها والفصحى التي أُشْعِر بها،كيف لا يسقط من يتصبح يوميا بوجه عبد السميع اللّميع وجريدة الأهرام والأبراج الفلكية ووإذاعة الشرق وصوت وليد العمري، الإنسان ابن الشرط الإنساني ونتيجة لبيئته، وليس نفس النتيجة ان يلد في زمن السلم او في زمن الحرب، في كانتون سويسري او في مخيم لاجئين، لكن مهلاً، لماذا حين الإعتراف يتموه المرء دائماً بكلام عمومي ومبرِرات غير مبرَّرَة فيسقط أمراضه على بني قومه؟ للأمانة فإن إحباطي ليس مشروطا بالشرط الفلسطيني، لا سيما أني لا أعرف فلسطينيا واحد قد اكتئب، فالفلسطينية إنتماء قطيعي يصون من السقوط، أنا معقّد ليس بمعنى أني أحمل عقدا نفسية ولكن بمعنى إني لست بسيطاً، قصدي إني فلسطيني وبنفس الوقت أكثر تعقيدا من بلدياتي، يعني أنا أقل فلسطينية من الفلسطينيين، يعني أكثر إحباطا، أنا بنفس الوقت متحد ومقسوم، الأنكى من ذلك هو أبني وحدتي على انقسامي، أنا إنسان مفرط في إنسانيّته، فأنا [ واقعيا ] من أكونه، وأنا [ افتراضيا ] من أود ان أكونه، وثمة بين الكينونتين بون بحجم الإحباط، سقطتُ ضحية عدم الاكتمال، عدم التحقّق، عدم القناعة بما تيسر، عدم الانسجام مع المجتمع، العدم ببساطة، كان الشر في داخلي أقوى مني، أخذتُ دون أن أعطي، ركَّزتُ على الحقوق دون الواجبات، تطرّفتُ في تطرفي، كرعتُ فودكا حتى الثمالة، نكحتُ شراميط حتى السفلس، دخنتُ حشيشة حتى السماء السابعة، سقوطي هو شغفي الصافي في التقويض الهدام والتخريب الذاتي، اغتصبتُ الحياة عشتها بالدقيقة والثانية، عشتُ في صميم الحياة، بحواسي كلها، بمنتهى الوحشية والفردية والأنانية، في حال اشتباك دائم مع الحياة، أطلقتُ رغبة الحياة إلى آخر حدود وحشيتها، ارتكبتُ الحياة حتى آخر هفوة، أسرفتُ فيها حتى آخر رمق، لوّثتَنِي قصدا في الطعرسة والصياعة بكل أشكالها، في المحظورات والرغبات الفورية والمتع المحرمة، توغلتُ بعيدا وراء الأثر المضلِّل، أردتُ ان أجتار أبعد مدى بقفزة واحدة فاختل توازني، جربتُ جميع الهلوسات الممكنة لأصل إلى المجهول من طريق تشويش جميع الحواس تشويشاً هائلاً عقلانياً طويلاً، لأحرر عقلي من ارتباطه العنيد بالإسلام، شئتُ ان أعيش العمر عمرين فشطرته إلى شطرين، عز عليَّ أن أكون خارقا فصرت أخرقا، أردتُ أن أتحول من كلب مدجن إلى ذئب شرس فإذا بي ضبع نتن، تغلغلتُ في الأعماق حتى عجزتُ عن الصعود إلى السطح، حدّدتُ أهدافا عالية ولم أفعل شيئاً لتحقيقها،مثل مدام بوفاري التي بقيت في مستوى الإنكباب على الحلم، مثل أوبلوموف الذي كان يجترّ المشاريع الوهمية، فسقط في الخمول وكراهية النفس، أنا الضفدعة التي أرادت أن تصير بقرة، أنا إنسان ساقط، أسقط رجل في العالم، أنا الخليع المتهتك فاعل السبعة وذمتها، أنا عاشق الحياة الذي اغتصبته الحياة، الشاعر الذي أكلته الأشعار، سقطتُ ضحية السذاجة البشرية والتفاؤل اللامحدود والأفكار الجاهزة عن فرنسا، كنت أتخيلها مصنعا كبيرا للنساء والدولارات فإذا بها فخ منصوب للإكتئاب، بلاد الأنوار والظلمات، تؤمن بحقوق الإنسان لا بالإنسان، تبهر بكلمات ليبرتي فراتيرنيته إيغاليته[5]" على واجهات المباني الرسمية، وتفاجئ بشعارت عنصرية على جدران المراحيض، ولا ينبغي ان أجرِّم فرنسا لأبرأ ساحتي، فأنا مهما تأوْرَبْتُ لا أتنصل من بداوتي، كنتُ أحسب أن مجرد إتقاني اللغة الفرنسية سيعجل في فَرْنَسَتي (كالزنجي البدائي يظن إنّه إذا أكل قلب محارب شجاع فإن الشجاعة تنتقل إليه) للحق فإن اللغة منيعة علي وأنا عاجز عن لفظ الراء المرققة، ما يكتب ولا يلفظ، وما يلفظ ولا يكتب، لغة موليير مُشْ لغتي وبلد غوبينو مُشْ بلدي لو وضعوا جمجمتي مع جمجمة أي غولي في طنجرة واحدة وسلقوهما لمدة مئة عام فستعطي شوربتيْن مختلفتين (هذا الفكرة مُشْ من بنات أفكاري بل هي للجنرال بيغو محتل الجزائر الذي تنبأ بفشل هذا الاحتلال) مفيش أمل، لستُ الدردارة تنبت على ضفتيْ المتوسط لكني شجرة الطلح لا تنبت إلا في الصحراء، أنا ككل العربان يتوقون للحرية وحين تصير في متناول أيديهم يسيئون استعمالها، الحرية تورط وتوريط وهي أساسا غير قابلة للتعريب، الحرية عندي توقفت عند إشباع الرّغبات الفورية، تلخصت بفكرة رعناء مفادها أن السعادة تأتي من العالم الخارجي وأن علينا ان نستهلكها بغباء، اللعنة تبدو منطقية، التراكمات الكمية أدت إلى تحولات كيفية، لا تستغربوا إحباطي، صحتي هي العجب، أنا إنسان مجروم علي وجارم وأعترف بأن عظائمي عظيمة وكبائري كبيرة، وأعترف (لأن إسلامنا لا يعترف بالاعتراف إذ ليس ثمة كرسي اعتراف بالمسجد) أعترف لأن الاعتراف تنفيس، إنني وأنا أعترف أنزع الأقنعة عن وجهي لألصقها بوجوهكم، أنا الأمام الناطق في الكتيبة الخرساء، ولكني لم أستنفد الكلام، ما أظهرته لكم هو نزر نزير مما أغمطه، هو الجزء الطافي من جبل الثلج، بصراحة فإن الصراحة لا تنسجم مع ميلي أسعى دوماً لأظل غامضاً نكايةً بالوضوح، التوائات الحياة درّبتني على أن أقول الحق بغض النظر عن الحقيقة، ما أكذبني حين زعمتُ إني لن أكذب عليكم! (لا يقتصر الكذب على قلب الحقيقة بل يتعداه إلى طمس الحقيقة) أنا بئر الأسرار، تروني رجلا طبيعيا من برّه ولكنكم لو فتحتم رأسي لوجدتموه يمور بالأفاعيوالثعابين، في داخلي غرفة سوداء مغلقة أنا بوابها الوحيد، وإنّه لمؤسف أن أكون كذلك ولكني لم أختار قدري كشاعر جُبِلَ على الغموض بين أقرب الظن وأبعده، ما زال هناك حلقة مفقودة في السلسلة، سبب مجهول لا أعلمه، أو سبب معلوم أتجاهله، لن أكشف كل أوراقي فليس عندي الجرأة الأدبية، أو إنّه لم يحن حين الاعتراف الكلي، من منا يقدر على الاعتراف الكلي؟ من هو هذا المسخ الرهيب؟
No trepassing[6]
على إنني أفضِّلُ ان أكون مسخا من أن أبتسر الحقيقة، الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة، من يحتفظ بسر ثقيل كمن يحتفظ بخنجر مسموم بقلبه، وكل حقيقة أكتمها تتحول إلى غرغرينا بدمي، لا يحسن برجل ان ينشر غسيله غير النظيف، لكن مثلي لا يُكتَم له سر (السر إن لم يخرج إلى الخارج فانه سيدخل إلى الداخل قرحةً في المعدة)، دعوني أكشف لكم الجزء الغاطس من جبل الثلج الايسبرج، منطقة الظل المظلمة في الوجدان، لنترك حاضري في باريس ونرجع إلى طفولتي ومخيمي، فالفلسطيني يحب أن يكبر بسرعة وأن يصغر بسرعة، الاعتراف الكلي هو الوسيلة الوحيدة التي تجعلنا نفهم سبب سقوطنا، في قصص تشيكوف كان السائس يبوح لحصانه لأن البوح يحرر، حين تتحطم الطائرة يبحثون عن الصندوق الأسود [ الذاكرة ] مقبرة الخوازيقوالأيام الفائتة، ما يستمده البطل من ماضيه أكثر ضخامة مما يمد به هو المستقبل، ذاكرتي، تلك الغلطة التي ستسمم حياتي كلها، التجويفة الهائلة بصدري التي اتسعت لجرب الماضي وقهره، بأس الطفولة وبؤسها، سيل الذكريات وسِلُّها،رعودها وعواصفها، قيحها وصديدها، دائما تهب رائحة كريهة خنزة من تلك الأيام القديمة الغير مباركة، إحباطي، قدري الخاص مصنوعاً من ذاكرتي وذكرياتي العقيمة، جراح الماضي التأمتْ على السطح وظل الصديد في الأعماق، لا أنسى، برج الأسد حقود، لا أستطيع أن أنسى، نسيت أن أنسى، ما أحسبه طي النسيان يبقى طي الحسبان، ذاكرتي إسفنجة تمتص كل الذكريات الخبيئة، ماكرة عاهرة كائدة ظلامية، خيميائية، حدّية،خربانة، انسيابية، مسعورة معطوبة سائمة، وتتسع للضّرّاء دون السّرّاء، تتسع للحسرات العتيقة، للأوجاع، للنفايات المتّحجرة، لكل شيء الا للنسيان، لا تسمح للماضي بالاحتراق فيَّ، لا تصدئ ولا تبلى ولا تسقط في التقادم، ذاكرتي خائنة لأنها لا تخون، استحضارها كاستحضار الأرواح، فيه خطورة وألم وفرح ومعاناة (حين تخيل السريالي رينيه ماغريه الذاكرة رسمها على شكل رأس صبية من رخام مغمضة العين والفم وعلى الوجه لطخة دم)، لم أسقط دفعة واحدة بل انحدرتُ على مهل، المأساة حبلت هناك وخَلّفَتْ هنا، وللحق فإن اليأس راسخ أصيل في وجودي، ثمة وحشان واحد أعيشه منذ ذلك اليوم المشؤوم على جسر أوشانج، وآخر يعشش فيّ منذ سقوطي من بطن أمي، يجب الإمساك بمعنى الوحش من منظور البيرسبيكتيف الأشمل لا من بُعد واحد، كان بودي أن أقول للطبيب النفساني أنَّ الحشيشة لم تسقطني بل عجَّلَتْ بسقوطي، كانت مجرد صاعق مفجر لشحنة مركبة من قهر عميق وعتيق، الوحش [ صُنِع في مخيم البداوي ] هو أيضاً مجموع الخسارات التي وسمت حياتي، جيناتي الوراثية، مخاضاتي، وعورة طفولتي، مدرستي الابتدائية، بداياتي العويصة، قصائدي العمودية، جذوري الطبقية، تربيتي الحاقنة، عقلي الباطن وذكرياتي المؤلمة، عائلتي إسلامي ماضيي التعيس،، الماضي هو الحقيقة الوحيدة التي تواجهنا، ومهما تنصلنا منه فإنّه ملاحقنا كلعنة أبدية، من خصائص الكائنات الحية أنها لا تتغير بسبب ظروفها وحسب ولكنها تحتفظ مع ذلك بكل ما يحدث فيها من تغيير كأنها تحوله إلى شيء عضوي لتوجد فعلا جديدا، لا جرم ان حروف المستقبل كُتبت بحبر الماضي، وهناك أفلام كفيلم [ المواطن كين ] تبدأ من النهاية ثم ترجع للأمام في فلاش باك، حين يشرع شاب في سرد سيرة حياته فاعلموا أنه هَرِمَ قبل الأوان، الشباب لا يسردون حياتهم، الشباب يحيون حياتهم وحسب، إسمحوا لي قبل ان أحدثكم عن حكمتي وجنوني أن أقدم نفسي، اسمي رمضان، فتحة على الراء وسكون على النون، ولقبي أبو عيد، رمضان أبو عيد، شأني بذلك شأن [قبيحة ] جارية المتوكل الجميلة، سُمِّيَتْ من باب تسمية الشيء بعكسه (الحادق يفهم). رأيتُ النور في مخيم لاجئين قرب طرابلس، كان ذلك في منتصف الستينات، أمي حين أسئلها عن سنة مولدي كانت تمط شفتيها وتقول "بعد فيضان نهر أبو علي [7]بشوية " وحين أسئلها متى كان الفيضان؟ تقول "قبل ولادتك بشوية " (علما ان شوية بقاموس أمي تمتد من ثلاثة إلى ثلاثة عشر سنة)، أبي (ويقال انه كان زير نساء) تزوج ثلاث مرات، المرأة لأولى لم تنجب له البتة فهجرها، والثانية أنجبت بنتين فقط فطلقها، والثالثة (أمي) أنجبت له خمس ذكور وأنثيين فحشرته في خانة الياك، أنا هو بكر الذكور، أخي التالي أسمه شعبان، والذي يليه أسمه رجب، أختي الكبرى أسمها حجة وهو إسم يلائم فقط شكلها الورع إذ أن الملائمة تنتهي عند هذا الحد فهي أبعد ما تكون عن الورع ولم تطأ مكة، هكذا تفتقت قريحة والدنا ليسمينا بأسماء الأشهر الهجرية، أبي كادح من عامة الشعب او الطبقة التي تصحو باكرا، رجل على السبحانية والتوكُّل، لهذا السبب لم يفكر طويلا في إنجابنا وكان ينفخ بطن أمي بانتظام، المرة الوحيدة التي ترك فيها مهلة عاميْن بين بطنيْن استدرك الفرق وبذر في أحشائها توأما هما محرّم وربيع، أنا صَدَفَة مغلقة وهناك عدة زوايا نظر يمكن من خلالها استبطاني، إذا تطلعتم إليَّ من منظور الأبراج الفلكية فسترون أسدا ناري المزاج، إذا جاز الحكم علي من المظهر الخارجي فأنا بعيد عن الوسامة وأشبه بالقراصنة الصومالين، لو تمعنتم بوجهي بعمق فستتبيون قبسا من فطنة وجمال، ولدتُ في الزمان الخطأ وفي المكان الخطأ، هي الصُدفة التي جمعت أبي الهادئ بأمي النقاقة، ومن هذه الصدفة تفتقت بقية الصدف، تمنيتُ لو اخترتُ والديَّ ولكنهما لم يختارا بعضهما بل اختارهما رجل يقال له المختار ليقبض حلوان الزواج، تمنيتُ لو ولدتُ فوق خط الطول 36 وليس تحته، في غير تلك البلاد التي لم تعد تنتج غير الموت والدمار، تمنيتُ لو ولدتُ يابانيا، لولا خوفي من صرامة الساموراي حين ينتحرون بهاراكيري لأقل هفوة في الإتيكيت، تمنيتُ لو جئتُ سويسريا لولا خوفي من الاختناق في البلاد التي لا بحر لها، كما ترون فكله مكتوب كيلا أكون إلا ما أنا عليه، الصُدفة بمجرد أن تحدث تصبح ضرورة ضارة، وعسعس يسمي هذا [ القضاء والقدر ]، لم أختر شيئا في حياتي، أبي فرض علي اسمي ورسمي وكسمي ولون عيوني وديني وفلسطينيتي وجيناتي الوراثية، نشأتُ هناك في الشرق الأوسط (بين شرق موسى وشرق هارون الرشيد) حيث يسود الطوطم والصلعم، وكان الفرح ضئيلا إلى أبعد الحدود، لم ألعب كرة قدم ولم أنتسب للكشافة ولم أحتفل البتة بعيد ميلادي ولم تستهوني أغاني البوب، في حياتي ثلاث نكبات، نكبة ال 48 التي انتكبتُ بها نيابة عن الفلسطينيين، نكبة الدين التي انتكبت بها نيابة عن المسلمين، ونكبة الإحباط التي انتكبت بها بالأصالة عن نفسي، معي، مع صفاتي يجب الإكثار من [ جداً ] ويجب استعمالها جدا، فأنا متطرف جدا جدا، عبد السميع يزعم إني ضاغن على العالم لأني مُشْ شبعان حنان، هذا صحيح إلى حد ما ولا يحتاج لدليل، منذ طفولتي كنتُ مختلفاً، أقصد، كنتُ مخالفا، لم أكن ذاك الفتى النموذجي الذي تتغنى به النصوص المدرسية، المهذب، المقلم الأظافر، الذي حين يستيقظ يخلع بيجاما النوم ويغسل أسنانه ويغادر إلى المدرسة بعد أن يتناول وجبة إفطار متوازنة، لا أبدا مفيش منه، أذكر جيدا أن وكالة الأونروا [8]كانت تزودنا بشوالات طحين مكتوب عليها [ هدية للاجئين الفلسطينيين، ليس للبيع ولا للتبديل ] كانت أمي تفصِّل من شوال الخيش الفارغ ألبسة لنا، فكنتُ ترى على سروالي عند مستوى الخصيتيْن [ ليس للبيع ] وعلى المؤخرة [ ولا للتبديل ] طفولتي لم تكن عادية، طفولتي لم تكن استثنائية، طفولتي لم تكن بالمرة، كان والدي يشغلني معه أيام العطل المدرسية، يحمِّلني شوال اسمنت وزنه خمسين كلغ وأنا وزني لم يتعدى الأربعين، كنتُ أقبل هذا العنت، أقبله دون تذمر فالحياة درب جلجلة، وكل واحد يحمل صليبه على طريقته، أجل! الحياة ليست دائما عادلة، بعض الدروب مملوء بالورود والكثير منها مملوء بالأشواك، تلك المحنة التي تبدو لكم شذوذا كانت لي قاعدة، ليس الفقر رذيلة بعكس البؤس الذي يجعلك بائسا، أغلبية الفلسطينيين يقبلون البؤس (وبعض هؤلاء البؤساء يتباهى به)، أنا أرفض البؤس حين يتحول إلى إيديولوجيا او نمط حياة، وأطالب بإخصاء الجهّال رأفة بالأجيال القادمة، وكان عليَّ أن أكابد محنة القليلين المتمردين على ديكتاتورية الذوق العام، كنتُ مُشاغبا وعلى استعداد فرداني خصب، نذلا لأن أحدا لم يشرح لي معنى الشهامة، أنانياً لأن أبي لم يلقنني قيم الإيثار (هذا ليس ذنبه بل ذنب جدي الذين لم يلقنه سوى قيم القبيلة التعصب والإنجاب) عبد السميع يقول أن أباه أيضاً أُمِّي ولكنه أحْسَنَ تربيتَه، هراء! خراء! الجهل لا يربي الا الجهل، أبوه ليس أفضل من أبي ولا أسوأ، كلاهما من نفس المسطرة، كل الفارق هو أني أختلف عن سُمْعَة في إنني قتلتُ أبي بينما قتله أبوه، عسعس صلعمي بامتياز وعاجز عن التحقق بذاته لذا يحتاج لسلطة خارجة عنه يتحقق بها، نبي، فقيه، رب، إنتماء، أب وأم يقدسهما، هذا كله عندي مدنس، كله باطل، لماذا نسكت عن خطايا آبائنا؟ هل هم معصومون؟ لم يكن أبي ملزما بإنجاب كتيبة أطفال لفقره وأميته وسواد أيامه، اقترن بأمي في سن متقدم يضمن لنا مستقبل اليتامى، أصرَّ على الغلطة التي يصر عليها كل فحول الشرق: الإنجاب الذي يعني الخلاص من الجوع بالجوع، مات أبي في ذروة مراهقتي وقتلني بموته، ترك برقبتي ستة أخوة كلهم أصغر مني، مع ذلك فالحياة لم تكن كلها سوداء بالمرة، كان فيها أشياء آخرى أقل سوادا كاليتم والمواساة والشفقة ومفرداتها الرائعة [ يا حرام، خْطية، أرملة أيتام قواريط ]، شي ظريف أن تكون البكر في عائلة شرقية! هذا يعني انك مرشح بين ليلة وضحاها لتكون حمار العائلة، الواجب واجب وأي عديم مروءة يتنكر للواجب، وعلى هذا الأساس توجب علي أن أنزل للورشة لأكدح وأرقِّع ما لا يرقّع، تعطلتْ حياتي، كبرتُ بسرعة وهرمتُ قبل الأوان، تحولتُ من رمضان إلى [ أبي عيد ]، حرقتُ المراحل التاريخية قفزا من المراهقة إلى الكهولة، الذي أوجعني أكثر هو أولئك اللئام الذين جائوا يتصدقون على الأيتام، جائوا يريحون ضميرهم بسحق ضميري، جاء أحد النشامى طرق على الباب، اصطنع تواضع المحسنين وهو يدس في جيبي ورقة زرقاء من فئة مئة ليرة " صدقة جارية لليتامى المساكين "، طأطأتُ رأسي ومزقتُ الورقة ولعنتُ الرجل ولعنتُ أبي في قبره، لحسن الحظ لم تستمر الحال فحركة فَتْح نفسها هي ضمان إجتماعي للفقراء والعاطلين، انتظمنا أنا وبقية الأشهر الهجرية في صفوفها، عشنا من بركات الثورة ومرقنا من فصيلة الأيتام إلى فصيلة الفدائيين، ليس مستحسنا أن نكذب ولكن يحسن بمن يَسقط أن يُسقط سقطته على الجميع، إذا صارحتكم بهذا فلأنّه من المهم أن تعرفوه، القصص القصيرة تقص قصصا كبيرة، حياتي فيها من التراجيديا ما يكفي لصناعة كوميديا، تخيلوا المسلسل الدرامي، رجلا أمّيا جاهلا في الستين يتزوج بامرأة أمّية جاهلة ينجب منها سبع أطفال (شبه جهلة) ويرحل في السبعين، وكل هذا في بلد منهك بالحروب وليس فيه ضمان اجتماعي، وفوق هذا لازم نحترم آبائنا لأن صلعمو أوصى بالوالدين إحسانا، غير أني لا أعترف بصلعم ولا بقيمه الميتة، من حطّم الصنم الكبير [ الطوطم] لا يهمه الأصنام الصغيرة، أستطيع أن أن أقول بصوت عال ما يقال بصوت خافت، الإسلام يريد أن يحتكر الأخلاق كما احتكر بقية مجالات الحياة، ذلك بتأبيد الخضوع والاستسلام، فَوَلِيّ أمرِنا أدرى بأمرنا حتى وهو يبذرنا لينذرنا لليتم أو الشقاء أو للتسول على أبواب أوروبا، الإسلام يريدنا قطيعا من أغنام مدجنة خاضعة للآباء والبطاركة والرموز والأبطال، كان أكثر ما يريبني في أبي أنني كنتُ أسئله عن معلومة ما فيقول لي "لا أدري"، أتعجبُ وأسأله "كيف لا تدري وأنت من بذّرني!" تشهيتُ لو أن لي أباً غيره يجيب عن أسئلتي بدقة أكثر، وكنتُ أخجل منه لكونه أكبر من آباء زملائي، كان أقرب لجد منه لأب،على أي حال فاللعنات العائلية ليس شرا محضا، والنقص غالبا ما يدفع إلى الكمال، الصدفة السيئة قد تصبح ضرورة جيدة، كنتُ سبّاقا مجليا بكل مضمار وخاصة في الرذائل، وفضلا عن عقوقي كنتُ على درجة عالية من الديالكتيك، أملك أسرار اللغة وما يكفي من وعي المُفارقات، أتكلم مع الرفاق الماركسين في إقتصاد الصين وليس بجيبي فرنكا واحدا، كنتُ أجيدُ الكلام الطليعي، أميِّزُ بين التكتيك والإستراتيجية، وبين التناقض الرئيسي والثانوي، أتكلمُ في محاسن الإشتراكية ومساوئ العادة السرية، أعرف تضاريس بلاد الغال وجرمانيا وأسم عاصمة الأكوادور وتوغو والدول الحدودية للمكسيك دون أن أخرج من المخيم، كنتُ فضوليا لا حد لفضولي، القراءة كانت فاكهتي المفضلة، أطالع كل ما يقع تحت بصري: أوراق الجرائد التي يلف بها الدكنجي السكاكر، النعوات والكتابة على حيطان المراحيض، الإعلانات المبوبة وصفحة الوفيات والأبراج الفلكية والمنوعات وحوادث متفرقة. كنتُ أمتثل الأمثال، واستظهر المعلقات السبعة وأقرض شعر المناسبات، وفي الحقيقة فأنا لست ألمعياً بل موهوبا بذاكرة رهيبة فظة، كل ما أقرأه أبتلعه تواً، في الصف رغم كوني من النجباء لم أجلس البتة في المقاعد الأمامية بل في الخلفية مع تيوس الصف العتاولة الأشقياء الذين كانوا ينفرون مني لأن وجودي بينهم يلفت نظرات المدرسين إليهم، وكنتُ صرحا فكريا قائما بذاته، أقرب إلى طفل أنبوبة بذكاء اصطناعي، مَن مِنْ بين أربعين تلميذا يقدر على حل كلمات متقاطعة؟ من سوى أبي عيد يستطيع إعراب جملة فيها مضافين (الأستاذ نفسه لا يستطيع) كنتُ الزبون الوحيد للمكتبة الوحيدة بمخيمنا، قرأتُ فيها كتب التاريخ والأدب (باستثناء أدبيات المقاومة التي لا أفقه منها شيئاً، البروبوغاندة لا تناسب عقلي، أفهم حين يكون الفكر حرا لا تلقينيا) كنتُ هجنة تدهش وتقرف بمقادير متساوية، لا أحب أحداً ولا أعبأ بكارهي، بتُّ معروفا لدرجة أن أهل المخيم أطلقوا لقبي على كل إخوتي حتى أختي حجَّة لقبونها أخت أبي عيد، والدتي أم أبي عيد، والدي أبو أبي عيد، لم يكن أحد يعرف إسم عائلتنا الحقيقي، كانت دارنا نقطة علامة ليس لأنّها الوحيدة المبنية بالباطون المسلح وإنما لإنّها بيت أبي عيد، فلان أين يسكن؟ المخيم التحتاني في حارة أبو عيد، وعلان من يكون؟ قريب أبي عيد، هذا الخط الرقعي على شاهد القبر من خططه؟ مين غيره! أبو عيد، من ذاك الصبي الذي ألقى قصيدة حماسية بعيد المعلم؟ كنتُ أحب المدرسة وأكره المدرسين بسبب ميوعة أسماء أبنائهم المستعارة من أبطال المسلسلات (شادي، سمير، فادي، أسيل، وسيم، نسيم، زب حمار والذي منه) رغم ذلك فقد كنتُ أدلس على المعلمين بقصائد يوم عيد المعلم، لم أكن آبه بالمعلمين بقدر ما كنتُ أهتم بمعلميتي في القريض، كنتُ كذلك أكتب قصائدا حماسية تمجد الموت في ساحات المعارك التي لم تطأها أقدامي لأظهر أني أمتلك معلفاً ذهبياً بينَ شفتي، كما ترون فعيبي الوحيد هو عدم التناغم مع الواقع، (أن تكون مختلفا لا يساعدَك متراً واحداً) حياتي كانت دائماً أوسع من أن تكون، وقد أردتها أن تكون مغامرة على طريق الحرير مع ماركو بولو، مع السندباد في البحار السبعة، مع الغجر المغامرين في أرض الله الواسعة، إنما الصدف تضافرتْ كي أبقى في سجن المخيم الكبير (قطعة أرض بمساحة حاملة طائرات أمريكية) أنا من صنف طيور الحبارى التي إن مكثت بمكانها تفقد ريشها، أنا مذنب بالفطرة ملوث بالخطيئة الأصلية، لست بطلا ولا قديسا، لي شخصيتي الفريدة التي لا تنطبق إلا على مواصفاتي، يمكن تصنيفي ضمن الشخصية المضادة للمجتمع، لست الشاب المطيع البار الذي تختار أمه له خطيبته، حسي النقدي استقيته من أخطائي، فكل ما ألوم الآخرين عليه هي أخطاء اقترفتها أنا نفسي، أنا طفرة وراثية بين الأشهر الهجرية، أنا عصابي أكثر مما تظنون، في أعماقي عفونة المساجين والمطعونين والمصابين بالبرص في تكويني الروحي نقطة سوداء، في رأسي ثآليل ودمامل، كان من الممكن أن أتخرج طبيبا من كلية الطب لكني تخرجت صعلوكاً من الشارع، صحيح ان الصدفة خلقتني فقيرا لكن تعتيري لم يمنع دون اهتمامي بالأدب، وحسبي اني أقرض الشعر، وأحس بغير المحسوس، أستقرأ الطبيعة، أحوِّلُ ببصيرتي الجمادات إلى رموز، عبد السميع يقول إني شاعر درجة ثانية،معلش، أنا دائما مصنف في خانة ما رغما عني، صفدي بين الفلسطينيين، فلسطيني بين اليهود، عربي بين الفرنسيين، مسلم بين غير المسلمين، لكني رغم أنف من ينسبوني إلى غيري أنا شاعر وكفى، شاعر متمركز حول ذاتي، ولست كبقية الشواعير الفلسطينجية ينصرون القضية على ذاتهم وينصرون البلاغة على الشعر وينحازون للمجد ضد الشرط الإنساني، أنا شاعر إشكالي جئت لهذا العالم لاعترض مهمتي ازعاج الأمر السائد والمألوف، هوايتي الرقص على الألغام ومداعبة الأشواك، الاستقرار لا ينسجم مع ميلي، التجارة لا أحبها، الدراسة لا تناسبني، أنفر من السعادة البيتوتية، لا أسعى لمكان نهائي، أحبذ الالتواءات على الخطوط المستقيمة، أكره النهايات وأرى فيها نهايتي، أحب المخاطرة وأعيش مكشوفاً في عين الاعصار، المرتبة لا تهمني، الشهرة والعار عندي سواسية، باختصار أنا هو وعيي الخاص، فلسفتي جدّبسيطة والأشياء التي أؤمن بها قليلة، أظن أن ماركس أتى بأفكار جيدة عن العدالة ولكن البشر يرفضون العدالة، وأظن كذلك ان المال أقل أهمية من الحياة، والحياة أقل أهمية من الحب، والحب أقل أهمية من الحرية، هذا ما أظن إنني أظنه، لكن لماذا تنظر دائما إلى الوراء يا قلب؟ بإمكان أي إنسان أن يختصر حياته في أربع أو خمس جُمَل، فلماذا كل هذه الاستطراد وإفشاء الأسرار؟ لماذا تتجسسون أنتم أصحاب الخطايا الكبرى على أخطائي الصغيرة؟ أعترف بأني لم أعترف بكل شيء، ومهما قلتُ يظل المقال فيما لم يقل، وراء كلامي الظاهر كلام مستَتِر، ووراء الكلامين رمضان آخر، أنا مثل جريدة البرافدا التي تعني بالروسية [الحقيقة] كانت تقول كل شيء الا الحقيقة، أنا مفهوم لا يُفهم، ألعبها عالمكشوف وأوراقي مخفية، شخصيتي تقبل القسمة على إثنين على ثلاثة، كدمية البابوشكا التي تحوي بداخلها عدة بابشوكات، أخفي الحقيقة في المجاز، واللغة في اللغو، والتسمية في التعمية أذوِّبُ الدلالات الخاصة في العامة، البراني في الجواني، لا أجيد الكلام عني، ومهما طوّحتُ بوجوهي المستعارة أظل مقنعا وأقنعتي تسهم في تعريف من أكون، أنا توليفة عجيبة منكم كلكم ولا أشبه إلا نفسي، أنا هو آخر بعينه، ومهما صارحتكم تظل شخصورتي ناقصة، بابي ينفتح للداخل ولا يظهر ما بداخله، لا أحد يشبهني ولكني أشبهكم كلكم، وأختلف عن الكائنات طرّاً وجميعُ المخلوقات، أنا الواحد في لعبة الجميع، أنا صوتكم يا رفاقي المنافقين، الصوت الحق لأحلامكم الباطلة، تقولون إني شاعر محبط، حسنا، مع ذلك لن أحرق أشعاري، سيأتي يوم تدرسون فيه قصائدي ويصلكم شعري ناضجاً فجاً، ستكون نذالتي مثلا أعلى للجميع
24 ساعة في حياة محبط
كانت الساعة تشير للسابعة حين لفظني مأوى جيش الخلاص، ثمة في زنبيلي علبة تِتِنْ (من قبيل الإحتياط) وأربع علب بروزاك ولوكسوميل (من قبيل الإحباط) جرجرتُ جسدي
خرجُت من ضوضائي إلى ضوضاءِ الأرصفة[9]ِ.
اشتريت الخبز المحلى بالزبيب، اشتريتُ جريدة الأهرام ودلفت إلى مقهى، أنتحيتُ مكانا قصيا بطرف المُشْرب وطلبتُ قهوة مع كأس ماء، بلعتُ نوبة الصباح من المسكّنات (أغمضتُ عيني فمذاقها كريه كطعم زيت السمك) وفتحتُ الأهرام على صفحة الأبراج الفلكية " ثق بنفسك يا أسد لا تتخاذل " قلبْتُ صفحات الجريدة بآلية، الشعب يطالب الرئيس بالبقاء، الدربي المنتظر بين الأهلي والزمالك، إعلانات مبوبة، إبادة حشرات، عطاءات ومناقصات، وزارة الثقافة تحتفل بعيد الشرطة، سائح خليجي يغتصب ناقة، باب الوفيات، طوبى يا رب لمن اخترته ليسكن في ديارك للأبد...، طويتُ الجريدة وتنهدتُ، الأهرام كالأهرامات لا تتغير، إنجازات هنا وجنازات هناك، لعلها سبب من أسباب إحباطي! لماذا يقرأ فلسطيني جريدة مصرية تكذب حتى بنشرة الأرصاد الجوية؟ تردَّدتُ عند الناصية في حالة من الرجفان، مركز بوبور يفتح أبوابه عندما ينتصف النهار، أين أبدد الساعات الأربع؟ فتحتُ مفكرة العناوين، مريم المغربية! صارت تتطير مني وآخر مرة أطبقت سماعة الهاتف بوجهي، يانوش البولندي!صعلوك همشري لكن ما عنده عنوان، حسام الكحلوت! من جماعة أبو نضال وهاتفه مراقب، يكفيني إني مشبوه بشبهة الإحباط، بقي صديقي اللدود سُمعَة ما غيره، هاتفتُ عبد السميع من كابينة العمومي، رد علي تسجيل صوتي، دخلتُحديقة غوبلان، قعدتُ أتفرج على متقاعدين صينيين يمارسون ألعاب لياقة بدنية، فكرتُ أن أقحم نفسي بينهم وتراجعتُ، ماذا يفعل شاب مثقل بإحباطه بين مجموعة كهول مفعمين بالحياة؟ وأحرقتُ سيجارة وأنا أغادر الحديقة، مررتُ بمحاذاة عمارة [ جاك ] الشاهقة فشعرتُ بانقباض أوتوماتيكي، رأيتُ الناس تسعى لأرزاقها بخطى حثيثة فتباطئتُ، انخرطتُ مع سيل الجموع في شارع موفتار، بدأتْ تمطر فلم أفتح مظلتي نكاية بالسماء، عبرتُ إلى جهة اليمين نكاية باليسار، تسللتُ بين الأرصفة وباعة الأرصفة حتى ساحة كونترسكارب، انعطفتُ نحو مدفن البانتيون، لم أعرف أين أتجه في متاهات الطريق فدُرْتُ دورة كاملة حول الصرح الضخم، مشيتُ وحيدا وتائهاً مثل بزاقة عمياء حاذيتُ ميدان جيسيو، لم أدخل معهد العالم العربي، (أكره هذا الوكر الإكزوتيكي الشبيه بحظيرة خنازير بشرية) مشيتُ وفي يداي جيوب فارغة، نحيتُ في هذا الإتجاه ثم بالإتجاه المعاكس بلا هدف واضح سوى محاربة الوقت، لاشعوريا دخلت مكتب التشغيل، أعرف إنني لن أجد شغلا ولكنه طقس عبثي والفتُ عليه لتضييع الوقت، انتظمتُ مع العاطلين أمام لوحة إعلانات الوظائف الشاغرة، الإعلان الوحيد الذي يناسبني هو ناطور ليلي في فندق، لم أستوفِ الشروط المطلوبة، يريدون رخصة سواقة ونبذة حياة مهنية وثلاث لغات، كل ما لا أملك، مهزلة هذه الفرنسا! صار الCVفيها أهم من الأناجيل الأربعة، هرعتُ إلى مقر جمعية SOSدبرسيون استقبلتني موظفة الاستقبال قالت دون ان تنظر لي "إنتظِرْ"، أنتظرتُ قليلا قبل أن أتبين أن أنتظاري سيطول، نظرتُ للساعة فرأيت العقارب تمُشْي ببطئ، كم هو مختل مفهوم الزمن في رأس المحبط! يومه كبيس من 42ساعة، تحرقصتُ فغيَّرتُ قعدتي، تصفحتُ مجلة باري ماتش المرمية على الطاولة، صور الجت ست، والمشاهير، العشيقة الأخيرة لجوني هاليداي، شيلا في عطلتها الأسبوعية،صوفي مارسو برفقة البوي فرند في جزيرة نائية، عالم من السعادة يفاقم إحساسي بالكآبة، أطلَّتْ المرشدة الإجتماعية وقالت انه ليس عندها ما ترشدني إليه سوى مراجعة مستشفى مارموتون للمدمنين (الذي بدوره سيتخلص مني بإرسالي إلى جمعية SOSدبرسيون) لعبة بينغ بونغ (منذ سقوطي وأنا أطرق الأبواب الخلفية للحياة، جمعيات البر ومطاعم الحي الجامعي التي توزع طعاما رخيصا للطلاب)، أنا بعثرة خطواتي في الشوارع، أنا القط الأعور الذي لا تريد أي عجوز أن تداعبه، أنا مرفوووووض، رمضان أبو عيد إسم ممنوع من الصرف لا يلحقه تنوين ولا كسرة، أين المفر! سقطتُ فَسقطتْ باريس من عيني، هذه المتاهة الموحلة التي أحببتها أكثر من كل المدن، وتمرمرت فيها أكثر من كل المدن، جزيرة الكنز التي كنت أبحث عنها في الطلاسم وحين وصلتها وصلتها أعمى بلا حواس، المقبرة الفسيحة التي يسمونها المدينة، الجدران السوداء الطويلة المملة للعين، الوجود الناقص والأفق الكئيب، الوحش كماشة تكمش من الجهتين،كآبة، سويداء، إنكسار، طحن، قسر نكد، واحتضار أيضاً، حملتني ساقاي إلى قصر العدل لتبديد ساعات الضجر الطويلة في سماع قضايا المحكومين، مرر الجندرمة آلة التفتيش على بدني فرنّت عند مستوى فخذي، قلتُ هي رصاصة بقيت بساقي من أيام الحرب فتركني أدخل، شعرتُ باختناق بسبب كلاوستروفوبيتي وخرمتي، فانسحبتُ وسحبتُ سيجارة من علبة الدخان ثم تنبهتُ انها آخر سيجارة فقررتُ مجَّها بتركيز شديد، عند نافورة السان ميشيل أغاظني منظر عاشقيْن يتعانقان فأسرعتُ ثم تريثتُ أمام كتاتيب البوكينسيت على رصيف السين، مشيتُ بلا إتجاه بلا مقصد في الدروب المتيبسّة المعتادة (أتجول في المدينة فأتجول داخل نفسي) كنتُ في غاية التوجس لذا تجنبتُ جسر أوشانج المشؤوم، عبرتُ النهر باتجاه الضفة اليمنى فوق جسر أركول مزدحما بإحباطي وخرمتي، فتشتُ في جيوبي لعلي أجد ما أشتري به علبه غلواز فوقعتُ على خمس فرنكات فقط وهذا ما جعل شعوري بالخرمة مضاعفا، رباه ماذا أفعل والسيجارة عزائي الوحيد! أعرف مقهى يبيع سجائر فَلِتْ بالسيجارة لكنه بعيد بعيد بميدان كليشي وأنا تعبان، تعبان، اقتربتُ من رجل يدخنولم أجد الشجاعة الكافية لأجمركه بسيجارة، أمام مسرح الشاتليه سمعتُ معزوفة كالينكا تعزفها جوقة الجيش الأحمر إشهارا لحفلتها المتوقعة في السواريه، خطرت لي فكرة جيدة لكسب قرشين، فتحتُ زنبيلي وأخذت ألم تبرعات (لي) باسمهم، لكن عازف البالالايكا قال لي "سباسيبا [10]"واستولى على الغلة حتى آخر كوبيك، مشيتُ خائبا حتى كنيسة سان ميري، رأيتُ الباب مفتوحا فدخلتُ في أشد لحظات الوحش حين تضيق بي المدينة ألوذ بهذا المكان الاستثنائي الهادئ، أرتاح وأتأمل اللوحات ذات المواضيع الدينية، يسوع في المزود مع ملوك المجوس، مع أمه المادونا، في مصر مع العائلة المقدسة، في العشاء الأخير مع حوارييه، على الصليب وحده، لوحات زيتية ورسومات وخيال وزجاج ملون وأرغن وبخور وسكينة وكل ما لا أجده في مسجد عبد السميع، انشالتْ عيناي نحو لوحة زيتية تُظهر المسيح في درب الجلجلة مع جلاديه والصليب يثقل كتفه والسوط يسوط ظهره وإكليل الشوك يدمي رأسه، حملقتُ بلوحة ثانية تظهره مصلوبا، رجلاه مائلتان عكس ميلان رأسه بطريقة تغلِّب إنسانيته على ألوهته، هذا هو يسوع المُخَلَّص الذي أحيا العازر وأبرأ الأبرص وزاد غلة الصيادين، تلك هي أمه التي حبلت بلا دنس، هل معكِ سيجارة أيتها المملوءة بالبركات؟ وطفقتُ أراقب صندوق الزكاة، فكرتُ أن بإمكاني شفط ما فيه من زكاة بواسطة شفاطة كنس كهربائي، وفكرتُ أيضاً أن أطرق باب غرفة الشمَّاس لأطلب منه أن يسلفني ثمن علبة غلواز، مجرد تفكير قذفني إلى الخارج، نحو شارع سان مارتان، التقطتُ عن الرصيف بقايا سيجارة مستهلَكة لنصفها ودخنتها دون حرج، راودني حنينُ المجرم لمكان الجريمة فتوجهتُ إلى حديقة الشاتليه، قعدتُ بمكاني الأثير تحت برج القديس يعقوب، رحت أتسلى بتفتيت ما بقي من الخبز المحلى بالزبيب لزغلول حمام مبلل ومكرمشْ وبرجل واحدة، لكنه تلكأ في نقرها اذ جاء بقية الحمام نقروها ونقروه حتى يبتعد، كم يشبهني هذا الزغلول! الكئيب دائما حيطه واطي لأنه لا يجيد القفز عن حيطان الأصحاء، انتبه لوجودي فيلِكس الأنتيلي ناطور الحديقة، وسألني عن غيابي وهل كنتُ في زنزانة التصحية؟ أجبته أني مريض. "بأي مرض؟"
"بمرض لا أدري طبيعته، العدمية السالبة أو الدبرسيون!/
قال لي "ربما انك تعشيت على مائدة ضمن 13 شخصا؟" ثم رسم إشارة الصليب على صدره رجع مسرعا إلى ربيئته، الكئيب دائما مريب مُشْبوه باكتئابه قلت لنفسي، ثم فوجئتُ ب يانوش الصعلوك البولندي رأسه أقرعا تماما، مد قنينة ربعية وعرض علي رشفة " إشرَبْ، انها فودكا حلال مسروقة من متجر اليهود " تحججتُ اني أبلع أدوية والكحول لا تناسبني، عرض علي سيجارة جيتان بدونفلتر فقبلتُ، عاينَ لهفتي للتدخين فأعطاني سيجارة أخرى شكلتها خلف أذني، كانت المفرزة الصحية قد قادته إلى المحجر الصحي في نانتير حيث حُجِر عليه قسرا وغُسِل رأسه بالكيروسين وحُلِقَ شعره على الصفر، " تخيََّلْ صعلوكا لا يملك في الحياة الا شعره ويحلقوه! " قال هذا وكرع كرعة ناشفة ثم سألني بأي مأوى أرقد؟" بمأوى جيش الخلاص " ـ " هل يسرح فيه القمل؟ "ـ "في بعض الرؤوس فقط"ـ " هل يمكنك أن تتدبر لي فيه مكانا "ـ " سأحاول ". هكذا رديت عليه، اقترح علي مرافقته إلى أبرشية سيدة الفقراء لتناول الشوربا مجانا، قلت اني فاقد للشهية، أمسكتُ الزغلول العليل بيدي ورحت ألقمه الخبز، في هذه الأثناء كان البولندي قد شرب حتى انحلتْ مفاصله وفاجئني بقوله أن بولندة كانت تمتد من بحر البلطيق للبحر الأسود، لم يكن عندها مستعمَرات عربية قط " خرج عقب السيجارة من بين شفتي مسحوقا من شدة الرجفة والتوتر وأنا أقول "كيف تريدها بمستعمَرات وهي نفسها مستعمَرة روسية؟" أخذ الصقيع يرتفع من قدمي إلى ركبتي إلى مصاريني فانتزعتُ نفسي انتزاعا تسكعتُ نحو شارع الطعريس في سان ديني، رأيتُ النيون الأحمر يشع من دور السكس وصالات البورنو، بصبصتُ على المومسات لم ينتصب البتاع كالعادة، (هكذا حلَّيتُ مشكلة الجنس) مشيتُ بخيبة محارب يسير إلى هزيمة، كسندباد حول بيضة الرخ ولقيتتني قبالة بوبور، يوجد عدة مطارح لتبديد الوقت ويبقى هذا الصرح الحديدي الشبيه بمصفاة نفط المطرح الأمثل، دائما أبحثُ في التياعي عن ميناء آمنٍ فلا أجد سوى هذا الخازوق، مثل برج إيفل مهما ابتعدتَ عنه تراه، انه ملفى الحرافيش وبوصلة التائهين، يشدني بوبور كما يشد مغناطيس جبار نثارة الحديد، أعود اليه دوما بعد ان تلفظني الشوارع، أصيب فيه قليلا من الدفئ وأحياناً أغفو بعيدا عن أعين العسس، أتلصص على الطالبات والسائحات وأقرأ الجرائد العربية مجانا (عسعس يعرف أين يلقياني إن ضعت في باريس) الفكرة الأساسية عن بوبور هو انه مكان أساسي للمجهولية، للحشود العشوائية المنظمة، مثل بلاج السباحة في يوم صيف مكتظ بكذا ألف من السابحين ويمكنه ان يتسع لألف آخر، أنه على كل حال مكان دمقراطي مضياف بِرَسْم الكل، أدمنتُ على بوبور كما أدمنتُ على الإحباط والبروزاك وعلى أكاذيب جريدة الأهرام، في البلازا لم يكن ممكنا تجنب جماعة شهود يهوة لكثرتهم، كانوا يوزعون منشورات بكل لغات البلاد المصدِّرة للمهاجرين، تلقّفني أحدهم وأعطاني نشرة [ برج المراقبة ] باللغة العربية، وقللي بالفرنسية " الله يحبك"، أخبرته أني محبط وتشق علي القراءة فانفعل الشاهد وتشبث بي أكثر، بلل باطن إبهامه بريقه وفتح العهد القديم على إشعيا ثم قلّب صفحاته على مزمور 29 رؤيا 21 "الرب بسيفه الباتر سيقتل التنين في البحر ويدمر الموت ويشفي من الإحباط "، انضبعتُ بنظراته الضابعة أكثر من كلماته الضارعة، وضَّبتُ النشرة في الجيب الخلفي، انتظرتُ مع المنتظرين لدخول بوبور، صف طويل من الطلبة والعواطلجية والمُشْردين الصياع والنشالين والسياح والباحثين عن الدفء وعن العلم، تأملتُ عداد النيون الأحمر الرقمي الذي يعد عكسيا الثواني الفاصلة عن نهاية الألفية الثانية، ثمة كثير من المعايير أؤرخ بها سقوطي، مثلا عدد السجائر التي أدخنها (سيجارتين بالساعة) مقعرات البروزاك الفارغة (6 يوميا)، المعاينة الدورية في مستشفى مارموتون (مرة أسبوعيا)، عدد ثقوب الإبَر المهدئة في فخذي (ثلاثة شهريا) لكني أفضِّلُ عليها العدادَ الرقمي لبوبور، فهو يقول لي كم من الثواني مر عليَّ في وحشة الوحش، خمس ملايين ثانية، شهران كبيسان، كم هو مختل مفهوم الزمن في رأس المحبط! الثواني تمشي مسرعة بينما الوقت ينساب بطيئا، النهار على قصره، طويل، الحياة طويلة، طويلة أكثر من اللازم، تصفحتُ الكتيب الصغير بتاع الشهود فرأيت فردوسا طوباوي حيث الماعز يمُشْط لحيته بمخلب الأسد وحيث الكل زنوجا بيضاً أسيويين هنودا تشف ابتسامتهم عن أسنان ناصعة كأنها دعاية لمعجون أسنان، رميتُ الكتيب في أول صندوق قمامة صادفته، رحتُ أبحث عن وجه أليف مدخِّن يجبر خاطري بسيجارة، صادفتُ صباح العراقي بيّاع الجرائد، اقتربْتُ منه ولم أكن قد سألته بعد حين هبَّ في وجهي "وداعتك ماكو جكاير" ثم مد يده إلى جيبه وأخرج سيجارة واحدة ودسها بطرف فمه، صعدتُ الدرج الزكزاكي إلى الطابق الخامس، تمهلتُ عند الشرفة، ألقيتُ نظرة بانورامية على البلازا والإنسانية الشاسعة تحتي، نقاط سوداء من العازفين المهرجين والمُشاة والسياح وجماعة شهود يهوة، كومة هائلة من النقاط السود، عالم أسود يستدعي الأفكار الأكثر سوداوية، خطر لي خاطر أسود ثم أبعدته عن خاطري وهرولتُ نزولا إلى المكتبة، دخلتُ المرحاض وبلعتُ نوبة الظهيرة من العقاقير المهدئة وشربتُ من ماء الحنفية، تسكعتُ بين رفوف الكتب، توجهتُ تلقائيا إلى ركن الجرائد وتناولتُ جريدة الأهرام، ثم تذكرتُ أني اشتريتها فلعنتُ البروزاك، ذاك هو سُمْعَة سيء الصيت والسمعة، لمحته لابسا بدلة أنيقة متنافرة مع وجه بدوي صارم، تجنبتُ النظر اليه في عينيه وحاولْتُ أن أبذل جهدي لأبدو طبيعيا، لكن كيف تبدو طبيعيا وأنت محبط؟ شد على يدي فتوجعتُ، شدَّ أكثر كأنه تعمد إيلامي، عرف أني لست على ما يرام، أخاله سألني بالفصحى ليسخر مني " ماذا جرى للشاعر الهمامْ؟ قلت " وقعتُ في الفخ، وأكملتُ قبل أن يسألني عن الكيفية والسبب " غمة عابرة، وعكة، سوء فهم للواقع انتهى باكتئاب"أثارته طبيعة المرض أكثر من المرض، ظنني ألعبها معه رجلا خاسرا لأطلب مني تسليفي مبلغا من المال لكنه سرعان ما تأكد أن خسارتي حقيقية ولا مراء فيها،تهدلتْ عضلات وجهه بشكل علامة تعجب فقال بنبرة شامتة " بني آدم لازم يدفع ثمن حماقاته، من لا يحترم أصول البداية يحيق به خطر النهاية البائسة، دروس الحياة بالذخيرة الحية مُشْ بالرصاص الخلبي، أنت فالح فقط في الصياعة والزعرنة وأوهام التمرد الفارغ وتنمية تناقضاتك بدل ما تشتغل بشغلة، أنت من يوم يومك صايع، لا التزمتْ ببيت الله مع المصلين، ولا عندك رأسمال توظفه في البورصة متل الأوادم الماشين صح، ما درستْ في السوربون مع الناجحين، تستاهل، من يرفض المجتمع لازم يدفع ثمن الرفض، المجتمع يستقيم بالعمل مُشْ بالكسل، بالمستقبل مُشْ بغض النظر عن المستقبل، المجتمع خلاصة ألف قرن من التعايش والذكاء والفطرة والحكمة البشرية، وحضرتك عاوز تلغيه بسطرين من سارتر وسواه " انذهلتُ من صوابية تحليله، كنتُ دائما أنظر بفوقية إلى عسعس والآن أشعر انه فوقي، أهو حقا ذكي أم أن بروزاكي يجعلني أبدو غبيا لهذه الدرجة؟ المرة الوحيدة التي اتفقت بها معه شعرتُ اني على خطأ، لكني لم آت الى هنا من أجل النقاش البيزنطي،سألته ان يسلفني خمسين فرنكا لأشتري علبتي دخان فقال لي ان التدخين حرام، قلت " كله عندك حرام، السُّكُر والأبراج الفلكية والمواخير؟ قللي " أنت متل الصرصور، غنى في الصيف وجاع بالشتاء" وخرجنا من بوبور تماشينا نحو حديقة الشاتليه، لاحظتُ أن مشيتُه أخف من مشيتي، وأن خطواته على قصره أطول من خطواتي، توقفنا (أوقفني هو) في مقهى مسترال، طلب قهوة بحليب له وقهوة سادة لي(في الأحوال العادية كنت أنا هو من يبادر بالطلب، كنتُ أطلب كأس جعة سادة لي وقهوة بالحليب له، لكنه اتخذ القرار نيابة عني) مج قطعة السكر بالقهوة ومصها، قال أنّه عرفَ الدنيا قبلي ولِمْ يَرَ غير باب الله بابا، قلتُ إني لم أعرفها بعد، دَعْني إذِنْ أبلي فيها الثّيابا، دع عنك لومي، دعني بِغَيْ ضلالتي أتعثر.صاح في وجهي " أنت ليش حامل السلم بالعرض؟قلت لأني لو حملته بالطول أفقد ماهيتي، حاججني بأدلة للبرهنة على وجود الله، أعتبرتُها دليلا على عدم وجوده، (أنا أقتنع بالبراهين التي أقيمها بنفسي أكثر من اقتناعي بالبراهين التي يقيمها غيري) اندفعَ بحمية تبشيرية محمومة لانتزاعي من الغلط، أخذ يرطن بكليشيهاته الجاهزة وينخيني لمرافقته إلى بيت الله، واعداً إياي بقطعة أرض في السماء تسمى الجنة وكيف أنه بوسعي أن أصير مسلما جيداً إذا توقفت عن استهلاك لحم الخنزير والحشيشة، واذ عاين برودتي قللي " أنت ليش نشاز عن الأغلبية ولا تؤمن بالله؟ قلت له "وأنت ليش قطيعي مثل الأغلبية وتؤمن بالله ربك لن يحل مُشْكلاتي، ربّك أكبر مُشْكل، صرخ بوجهي " إخرس يا عدو الله أنت فعلا زنديق من أهل الكفر والعناد، خرّب عقلك العفيف الأخضر، الكفر عندك وجهة نظر. أنت فأر وجودي منحرف، مضيّع وقتك على تحشيش وحلب أيور " قلت وأنا أعد على أصابع يدي " أولا: أنا رجل حر بالغ وعاقل ومطعّم وما كفرت بفضل العفيف الأخضر بل بفضل ترهاتك، ثانيا: اليد العربية التي لا تستمني هي رِجْل، والفم العربي الذي لا يحشش هو طيز، ثالثا: الوقت الذي أستمتع بإضاعته مُشْ وقت ضائع، رابعا "أنا أحشِّشُ تداويا من إسلامي ودفاعاً عن حقي في التلاشيأما بالنسبة للانحراف فأنصحك ان تنظر إلى شكل مجسم الكرة الأرضية، فلولا انحراف قطبيها عن محورها لكانت الحياة فوقها مستحيلة " غير انه لم يتركني بحالي، لم يفهم كيف يخرج رمضان من الإسلام في الوقت الذي يدخله غارودي، عبثا حاول ترهيبي بجهنم فجهنم أرحم من إحباطي، عبثا حاول ترغيبي بالجنة، فليس هناك ما يثير الضجر أكثر من الخلود الأبدي، جنة الصلاعمة تجننني، مملة وشاحبة وفقيرة وتقتصر على ثلاثة أنواع من الفاكهة بينما هنا بباريس لدى أبسط فاكهاني تلاقي 99 صنف فواكه، في أتفه مقهى تصادفك 77 حورية ومن جميعه، إن كان ثمة فرنسيون اعتنقوا ديننا فلهوىً إكزوتيكي، بكل الأحوال هذا لا يدل على عظمة الإسلام بل على عظمة الحضارة الغربية التي تترك مطلق الحرية لأفرادها في الإختيار، غضب أبو الغضب، ورفع صوته ليوحي بأن صحّة الأفكار وعمقها تقاسان بوحدة الدّيسيبال الصوتية، هددني بأنه سيمزق رسائلي ويشطب إسمي عن صندوق بريده، جلب عياطه الفلكلوري انتباه رواد المقهى فشعرت بالإحراج، تركته وانصرفتُ، ما أن تفلتْ من شهود يهوة حتى تعلق مع شهود الزور، إنه لمؤسف أن يستغل هؤلاء الكهّان يأسنا لبيعنا صكوك غفران، يتعبني جدا هذا الموجيك الوهابي، ينزلني إلى مستواه ولا أرفعه إلى مستواي، يأبلسني عن لاوعي ليلبس معي لبوس الملائكة، ألّلاه يلعن رب الصدفة التي عرفتني عليه، غشيم أصولي متصحر، يحرّم أكثر ممّا يحلل، كلامه إيحاء عشوائي من الالتواءات، أحاول القبض على قصده فأكتشف أني أبحث عن سراب، لا أستوعب تفكيكه للأفكار، الطريقة التي يلتف بها على التفكير، التي يبقى من خلالها طافيا فوق التفكير، أكملتُ تطوافي، بدا برج إيفل من بعيد مائلا ء مثل برج بيزا، لا شك ان رأسي هو المائل بسبب الخرمة على سيجارة، شرَّقتُ وغَرَّبتُ حتى وصلت إلى سوق باربيس، عرجتُ على مقهي بوسيف الجزائري، طلبتُ شاياً منعنع، تركتُ ثلاث فرنكات على زنك المشرب وأقحمتُ الفرنكيين الأخيرين في صندوق الموسيقى وكبستُ على وجه ليو فيري فخرجت أغنية Avec le temps, vas, tout s’en va[11]، كم من الوقت يا ترى يلزم..! الأيام تمر والوحش يشتدّ فحيحه، نَوْرَزَتْ الطبيعة، اخضرَّتْ القبورُ بأعواد الآس وأنا شجرة يابسة، جاء رمضان وتلاه العيد ورمضان أبو عيد لا زال على إحباطه، مُرَةٌ وسوداء أيام الوحش، وطأتها ثقيلة كالرصاص،،الوحشالذي يصلب أعماق الإنسان كبَّرَني عامين في شهرين، إذا أفقتُ يكون أول من أراه، وإذا نِمتُ يكون آخرَ من أرَاهْ... رأيتُ على البار لوحة تذكر الزبائن ان عليهم أن يجددوا الطلبية فخرجتُ لأدخل محطة الشمال، عملتُ جولة ميدانية في صالة الخطى الضائعة وأحجمتُ عن دخول صالة الإنتظار الدافئة على رؤية العسس بكلابهم المدربة، أبحرتُ في المدينة حتى شابت أشرعتي، تسكعت حتى تعبتْ الشوارع من خطواتي، أضعت (كسبتُ) ساعات كثيفة في التسكع وتضييع الوقت الضائع، مشيتُ كالكلاب الضالة، واصلتُ طريقي مثل سيزيف حكمت عليه الأقدار في تراجيدية إغريقية، حيثما واينما مشيتُ تواجهني المدينة برموزها ومثالبها، تعقيداتها، الشمس مزولة الوقت بدأت تنحدر نحو الزوال، هبطتُ إلى مترو الانفاق، تسللتُ بالزعبرة من تحت الحاجز الحديدي، فوجئتُ بازدحام خانق، في الأحوال العادية كنت أستغل هذه الزحمة وأتدفأ بأرداف الصبايا، أما الآن فالآلة لم تعد تشتغل، احتليتُ مقعدا شغر بنزول أحد الركاب وفتحتُ الجريدة فتعبطت السيدة الراكبة أمامي بحقيبة يدها، أهملتُ القراءة طفقتُ أختلس النظر من خلال الزجاج العاكس على صبية ملحوقة تتمكيج وفي يدها مرآة صغيرة، حاولتُ أن أتخيل مهنة كل راكب من خلال تقاطيع وجهه، كلهم ميدوزات مصنمة، كل واحد غارق بعالمه، ينظر في الفراغ او في الكلمات المتقاطعه، في الووكمان، الراكب جنبي كان زنجيا يقرأ الكتاب المقدس ويعلم الآيات المهمة، كان يختلف عن البقية بفيض إيمانه وزنوجته، كان قد علّم ثلاث أرباع الإنجيل بقلم أصفر ثخين، لو كان بوسعي ان أضحك لضحكت، لو كان بوسعي أن أتكلم لقلت له " فريرو! لماذا لا تعلِّم الآيات غير المهمة هذا أهون بكثير، نزل الزنجي ونزل كل الركاب في المحطة الأخيرة ولم أنزل لأني لست قاصدا مكانا بعينه، لبث القطار وهلة ثم انطلق بالإتجاه المعاكس، بدأ الركاب يصعدون من جديد،صعد كمنجاتي غجري وشرع يعزف على الكمان فشعرت بتراخي رموشي، ألقيتُ الجريدة على وجهي، كان القطار قد ذرع المسافة بين محطتي الترمينوس مرتين او ثلاثة وأنا مستغرق في أحلامي، أحسست بيد تهزني رأيت شخصين بثياب ميرية خضراء، سألني كمسري التذاكر عن تذكرة الركوب فطأطأت رأسي، ضبطوني مخالفة، نزلت في مونبارناس، هي باريس باي نايت، كانت الساعة تشير للثامنة وخمس دقائق (هذا يعني أنها الثامنة إلا خمس دقائق) مشيتُ باتجاه بور رويال وصلت بطلوع الروح إلى وكري، رأيتُ المُشَردين متجمعين في قاعة الطعام، توجهتُ رأسا للمهجع رميت معطفي فوق الكرسيّ (عملا بنصيحة بريخت للمنفيين)بلعتُ الحبة المنوِّمة وأشعلتُ سيجارة، أسبلتُ رموشي دخلت في رحلتي الليلية
وهل يستوي الذين يكتئبون بالذين لا يكتئبون
ثمة في نهاية الليلة نافذة مُشْرعه
حلم كامن
رغبة للتحقق
جوع برسم الشبع
قلب للحب
يد ممدودة
عيون متيقظة
حياة تنتظر شريكين (ايلوار)
يسقط الإنسان فيدرك النواميس الكونية، بني آدم لا يتعلم إلا من بعد، يمتلك شيئاً ويفقد مقابله أشياء، بني آدم لا يتربى إلا من كيسه، الحياة موجعة وأوجع ما فيها انه لا بد منها cést la vie[12] يقول الفرنسيس ونقول نحن " هكذا ربّك شاء "، صنعتني الصدف وبوسعي أن أصنع قدرا من هذه الصدف، والحق فأني مخيّرٌ في تسييري (وهذه ليست أبسط تناقضاتي) تلك الحرية الداخلية العميقة التي ينميها المحبطون للالتفاف على إحباطهم، الزمنيجرح ويداوي، علاج الحياة هو الإحباط، ولا علاج للإحباط، لم تنفع المهدئات إلا في شَلْ من تبقى من أعصابي، لكن العجز (الذي يجب ألا نتعامل معه كشيء نهائي) لا يبرِّر التخاذل، المستقبل مُشْ ناصع البياض ولا حالك السواد، أريدكم فقط ان تعلموا إن فيّ بحرا أغواره صامدة، يوم مولدي سحبت القابلة رأسي بعنفسبَّبَ لي رضة دماغية، طبيب وكالة الأونرا رأى أن حظي بالبقاء حيا هو بالمية عشرة، مات الطبيب وبقيت حياً أرزَقْ، وماتت الداية مات الموت، ولا زلت موجودا، عندي أمل ضئيل بس عندي أمل، العشرة تنتصر على التسعين، لنتعلّقَ بهذا الوهم بطريقة غير رسمية، هي مسألة احتمالات حسابية، تلك المرارة التي تثير الشوق،"لم أفشل قال أديسون، بل وجدت ألف طريقة لا يمكن للمصباح ان يعمل بها" الدنيا ستتكرم علي بفرصة ثانية، ما زلت متمسكا بالحياةعلى قلّتها، سأكون قويا بقوتك أيها الوحش، ولكنّي سأصرعُك حتّى الموت، سأجعل من الهاوية الملعونة متراسي، أرفع يدي للسماء وأقول " إمنحيني القدرة على تحمل ما لا طاقة لي على تغييره، وامنحيني الشجاعة لتغيير ما يمكن تغييره، وامنحيني البصيرة للتفريق بينهما " تعلمتُ هذه الحكمة الهندوسية على ضفاف الإحباط لا على ضفاف الغانج، بدل نكبة واحدة صرنا بنكبتين، لَكَمْ أشبهُ بلاديَ الشقية! فلسطين أجمل الديار طراً في عيوني لا لشيء الا لأنها مغَتَصَبة، عندما يفقد المرء شيئا يرفعه إلى مستوى فردوس مفقود، ذلك هو الفقدان الذي لا يستطيع الفلسطيني ان يفقده، المازوخية او كيف تستطعم الهزيمة وتجعلها بطعم انتصار، الفلسطيني يحب أن يكبر بسرعة فيكون أباً لطفل لم يلد بعد، سموني رمضان لأني ولدت في شهر الصوم، ثم لقبوني أبا عيد لأن اسمي رمضان، لندرة الأمل علموني أن اليأس أكبر خطيئة، لكثرة الدمار دربوني على محو آثار الدمار بسرعة، أجل! ثمة مغزى للنكبة، للشتات، للإقتلاع، الحرية هي العلة الغائية للإحباط، وعلينا ان نقشع في مصيبة الوجود مبررا للأمل " لم نصل ذروة الحرية إلا تحت الاحتلال النازي "، كان سارتر يقول، ألمانيا كذلك لم تنبغ في فلسفة التفاؤلالا حين سقطت تحت نير نابليون، جَدَل النور وَالظُّلمَة، سأكون التوليفة بين الألم والأمل، والزمن كفيل، ولكن كم من الزمن؟ الزمن مفتوح ولكن على أي غد؟ في آخر عدد من جريدة الأهرامنصحتني النجوم أن أترك الأمور على عواهنها ". هذه الجريدة الصفراء! قناعتي لا تتزحزح بأن الإحباط سيتزحزح يوما، فنسبة كآبتي لِحياتي هي كَنِسْبَة الشّتاء لِبَقِيّة الفصول وأحياناً تنبت حياة من عدم مثل زهرة نبتت من جدار اسمنت متصدع، ونحن نسمي هذا [ القوة العمياء للحياة ]، الأمل المُنبت في قلوب الشعراء آلاف القصائد، منذ تسكرتْ بوجهي وأنا (على سبيل التعزية) أجتر الكلام الفلسطيني المعتاد عن فوائد النكبة [ السجن للرجل والقيد للبطل ] و[ السوط الذي لا يكسر ظهرك يقويه ] و [ العاصفة تجدِّد شباب الأزهار ]، وهلم جرا، الإحباط تشاؤمية إيجابية محرضة على الإنْطلاق، لعله أعظم شهادة يحصل عليها إنسان غر، الإحباط جدل الروحْ والجسد، جدل الذات والعالم، وآية الخروج من عصر الآلهة والقرآئين نحو عصر الإنسان والهشاشة، هو معمودية الوجود أو الثمرة المرّة للتميز والاختلاف، وهو علامة الفرد الفارقة مع قطيع مطمئن، عبد السميع يقول " في العالم مليار مسلم قَلّ أو انعدم بينهم المحبطون " هذا صحيح، الشعب المؤمن ليس محبَطا بل محبِطاً، لا يحبط من فيه بل يحبط من خرج عنه، إنني أقبلُ إحباطي كما أقبل فلسطينيتي ولن ألتفت خلفي كيلا أجمد في تمثال ملح، ثمة في قلب اليائسكنز مطمور، خلايا الأمل النائمة، دريسدن أحرقتها طائرات الحلفاء ونهضت من ركامها، هيروشيما أبادتها القنبلة الذرية وقامت من جثمتها، العنقاء من رمادها انبعث، ألعازر من ميتته قام، الأمثلة وافرة، ورغم كارثية اللحظة فإنني ممسك بخيوط اللعبة، ولا سيما أني ما زلت (بانضباط بروسي) أزور مستشفى مارموتون، وأبلع أدوية الدمار الشامل، وأتظاهر بالبحث عن عمل، أحلق ذقني كل صباح، وأنزع الشعيرات الزائدة من أنفي، وفي المساء أوضب سروالي المعفشك تحت فرشة الإسفنج ليخرج في الصباح مكويا، شكلية الوجود هي إشكاليّته، هي معناه، أحتاج لدرس في التخريب والترتيب، العدم العظيم لاحق وملاحق للوجود[13]، ليس نهاية وإنما بداية مغامرة جديدة، العدم هو المعنى الوحيد حين يمسي الوجود عديم معنى، الخلل ليس في المعنى ولكن هو في طبيعة السؤال حول المعنى، أيوه، هناك كوي عالبخار وكوي عالناشف وهناك كوي عالطبيعة، الشاعر مهما مات يبقى مُغنّي الحياة، عندي مشاكل بس أنا مُشْ مشكلة، أنا مأزوم مُشْ مهزوم، انهزمتُ لكني مُشْ هزيمة، خسرتُ جولة ولم أخسر المعركة، ارتكبتُ جريمة السقوط ولا أعتبر نفسي مجرما، من كُتِبَ عليه ان يكون محبطاً وفلسطينيا فعليه أن يكون صامدا بالمعنى الفلسطيني للكلمة، الفدائي في سجون المحتل تتحصِّن ساحته الداخلية بقدر ما يطول أسره، أخي رجب خرج بِعودٍ أصلب من سجن الشقيقة سوريا، أوشفيتز بالنسبة لبول تسيلان هو غاية شعره وشرط وجوده ورؤيته الواضحة، فالألمَ الحقيقيَ ليسَ حاضراً في النفس، ليس موجوداً في الهواء، ولا في حياتنا الألم الحقيقي هو الذي يُبقي الأشياءَ يقظةً سأحيا إحباطي، سأحياه بكل إحباطي، سأنصب له نصبا وأورثه للأجيال القادمة وأؤرخه بكربون 14 سأسعى بقدر المستطاع لأخلق من الوحش مبدأ جمالياً أتوائم معه، الحياة فضلاً عن كونها مراوغة هي مجابهة، السقوط نتيجة ملازمة لحركية الحياة، مجاز للحرية، الحياة إرادة واستطاعة، المستحيل مُشْ رمضان، الإنسان يتفوق على إنسانيته ببلوغ ما لا سبيل لبلوغه، فليس هناك شيء بعيد إلا بقدر عجزنا عن الوصول إليه، لن أرفع الأعلام البيضاء، سقطتُ حتى قاع القاع فلم يعد تحتي تحت ولم أعد أخشى سقوطا آخر، وهذا جيد، من يبلغ قمة الهرم الرئاسي يعلم ان لمنصبه عيب واحد وهو انه لا ترقية بعده، الوحش سلبني كل شيء فلا يمكن أن يسلبني المزيد، ماذا أفعل بدون هذا الشقاء الباذخ؟ حين ترحلُ الريحُ من سيهز الغصون؟ الصراع دين الحضارة وضامن ديمومتها، هناك دائما صراع بين شعبين، بين طبقتين، بين دينين، فلم لا يكون الصراع في الشخص ذاته (بين الشخص وذاته) عصر الأبطال انتهى وبدأ عصر الرجل المنكسر الذي تسميه هوليوود [لوزَرْ] ويسميه الطب النفسي [بسيكوباتيك] السقوط فسحة وجودية تسمح للكائن بالتأمل في كينونته المحجوبة، الجنوح مثمر على المدى البعيد، الاكتئاب نعمة ونقمة، عطية ومَعَرَّة، وصمة وشهادة فخرية، محنة ومنحة، لكنه بكل الاحوال عبقرية المحبط، طريق جديد لكائن جديد، واللعنة أحياناً تبدو جميلة، كل الفارق يكمن في عمق الجرح، المخاوف دائما رائعة، الإنسان لا يعيش الحياة إلا إذا خبر مآسيها، المحنة محك النفوس الكبيرة، الطفرة من الإنسان العادي إلى الإنسان الرفيع تمر على هذا الحبل المشدود فوق الهاوية، الوعي هو دائما الوعي بما كنا نجهله، ان كنت أعتبر نيتشه معلمي فلأنه يعلمني أن كل حياة عظيمة هي حياة مجرمة، من وضع نفسه في قلب العاصفة لازم يتحمل لسعاتها، الاحباط وجب لأكون جديرا بالخلاص، ما حدث لي هو ما يَجِب ان يحدث لذا أتقبله بجيرية الشرقي، أنا مجموع الفشل والحماقات التي اقترفتها، سقطتُ مع سبق الإصرار حتى لا أخيب البطل فيَّ، أحتاج إلى مصيبة وأخرى حتى أتماسك، أحتاج لمطبّات ومَزَالِقَ حتى أتذوق طعم الفرح البسيط، أن تسقط فهذه أفضل وقفة يمكن تصورها، بعد ذلك بوسعك أن تسقط أكثر، أنا رمضان الشهر القمري المتغير والمتجدّد باستمرار، أنا الرجل المفارقالذي أراد أن يتجاوز نفسه، أنا المحبط النرجيس المفتون بإحباطه، أنا هو هزيمتي، وقد خطر لي مرارا ان رجل مونخ الصارخ عند الجسر ليس لوحة ناتور مورت بل الوجه الآخر للقديسة تيريزا التي قداستها هي عين إحباطها، المحبط بطلٌ من زماننا، محطمٌ متعاظم بحطامه، متألم وقد صار إنسانا، ثمة علاقة ديالكتيكية بين الشعر والشعور، وبين الحرية والعمق، الأسماك الحية وحدها تعرف العمق فيما الأسماك الميتة تطفو على السطح، كنت أبحث عن وحش يشبهني، عن قلق يناسب طمأنينتي الزائفة، عن هاوية تستوعب عليائي الشاهق، كنت أعرف أنني سأنتهي نادماً على ما فعلت، كان يمكنني ان أظل متفرجاً كسمعان في الإنكفاء السلبي، لكنني آثرت أن أمارس السقوط، تحليقاً في الهاوية، سقوطاً في الأعالي، كسقطة إيكاروس الذي اقترب كثيراً من الشمس، يعلم الله كم غلطة أرتكبتُ لتحقيق ذاتي الناقصة في أعماقي، لأتدرًَّبْ على الكارثة قبل وقوعها، لأدرك محدوديتي ومجهوليتي، قدّمتُ كل البراهين على أن الرجل الفاعل قابلٌ لقانون التحول، من يريد أن يكون عليه أن يخرج من كينونته، سمعة دائما ينظر لي من أضيق الزوايا يقول اني سقطتُ لأني " شخص ساقط " وأظنني سقطتُ لأني أكلت من شجرة معرفة الخير والشر، أني كائن مطبوخ مُطَعَّم ومجَرَّب ومميَّز بإحباطي، من يفكر بطريقة مختلفة عنده ميل أكبر للزلة ممن يفكر بطريقة شائعة، في مرض نفساني غامض كالإحباط يجب التسلح بالنسبية، الإحباط نداء من الخارج واستجابة من الداخل، والنداء مرهون بالاستجابة، إن نفس الأسباب (المحبِطة)لا تؤدي دائما إلى نفس النتائج (المحبَطين) فدرجة الحصانة عندي وعند عبد السميع تتباينان، أبسط الأسباب التي يمكنها أن تحطمني قد لا تزحزح شعرة في رأسه، الإحباط اذن مرض ذاتي لا موضوعي، هو عين المحبط بتعقداته وهشاشاته، هو تحولات النفس الكبرى وضوضائها، الكيان الشاسع الغامض المجهول، أنا العربي الوحيد بين العربان وأجدرهم بالسقوط، لا يسقط سمعان، يتفوق علي بإسلامه وأتفوق عليه باكتئابي، السقوط يفترض السمو، والرجل الساقط لا يسقط، سقطتُ لأني اقتحمت الغمر وركبت الصعب، الحرية في عين عسعس خطر لذا يتحصن منها ببر الأمان، المسجد، الإسلام ينبذ الخطر ومن هنا خطورته، يصنع جبناء قانعين ببغاوات مرددين، أنا مثل السندباد بانحيازه الرفيع للخطر مضى إلى ما وراءَ التخوم والبحار، العيش في خطر يعني ان تعيش أسرع أقوى أعلى، أبعد أخصب أنقى، حب الخطر هو الذي جعل الغربييين يتجاوزون الضرورة فيصعدون إلى أعلى قمة في العالم وينزلون إلى أخفض نقطة في البحار، يطيرون إلى القمر، بينما المسلمون يمشون على أربع، لم أسقط لأني أضعف من الصلاعمه بل لأني شئت تجاوز الصلعمه، هناك أشباه كعبد السميع عصمهم الإسلام عن التجربة بالحدود والمحرمات، وهناك بشر عصموا أنفسهم من القطعنة بالتجربة واختراق الحدود، وعلى أي حال لا يمكن المقارنة بين متسابقيْن أحدهما تقدم للامتحان ورسب وثانيهما لم يتقدم أصلا، الإحباط يستحيلفهمه إسلاميا، ليس مرضا عربيا لكنه مرض مجلوب من أوروبا، جاء به السيد إستعمار مع كتبه الملحدة وحريته الجرثومية، وهو يصيب مواليد برج الأسد أكثر من مواليد بئر السبع (بلدة عبد السميع) الإكتئاب ان لم يكن مرض الريادة فهو حجّة طبقية وعنصرية من فصيلة الأمراض النخبوية النرجسية كانعدام الشهية وعسر الهضم والميغالومانيا والنقرس، هو الفوضى الداخلية التي تميّز الإنسان الفعّال المغامر، حالة تشبه تجربة الغياب الصوفية (الوجود حضور وغياب معا) تخترق معظم تجارب الوجوديين الفنانين وأصحاب المزاج العالي، كل الشعراء الملعونين عبروا هذه المفازة، ديستويفسكي، آرتو، بيتهوفين، بيسووا، هولدرلين، دورر، غوته، كيركغارد، كافكا، بايرون موزارت، السياب، خليل حاوي، همنغواي فان غوخ، ميشيما، كاواباتا، ومحسوبكم، محبطكم، رمضان أبو عيد، إحباطي تتويجي الخاصّ، انتمائي إلى نخبة الأنبياء الساقطين الذين دفعوا فاتورة الحياة الباهظة، الإحباط، تجربة تتخطى التمييز الساذج بين الخير والشر، مقامٌ من أوعر مقامات الوجود، رمز ثقيل بالمعاني والإشارات يوعّي بمفارقات الوجود، يكشف الوجود عبر تقويضه، وهو ليس شرا بحد ذاته بقدر ما هو طور في التطور، من شكل بدائي (هومو أرابيكو) إلى شكل أرقى من أشكّال الحياة، تستحضرني في هذا المجال المسيرة الطويلة التي سارها ماو والشيوعيون الصينيون، خرجوا مئة ألف ووصلوا ثلاثين ألفاً، لم يكن لهذه النزهة الماراتونية أي هدف استراتيجي سوى غربلة الرفاق الحمر للإبقاء على أجدرهم بالبقاء، إنه لرائع أن نتكرم على الوحش بحياتنا، لعله بذات الوقت يتكرم علينا بخلاصنا، أصعبُ الطرقِ لا بدّ أن نمشييها وحدَنا شأننا شأن كل من يفعلون أشياء عظيمة، لا يكفي ان نحتمل أحكام الضرورة بل يجب أن نحبها ولكن ما أسهل القول!
غوليات وداود
البروفسور جان بيير شيكل من أنصار التحليل النفسي للتحليل النفسي، من المدرسة المضادة (الأنتي بسكياتري) يفكّر خارج فرويد، طريقته للعلاج تهدف إلى إحداث صدمة لدى المأزوم، وذلك بتخييب توقعاته، ووضعه وجها لوجه أمام حل يخالف أفق أنتظاره ويحيله مباشرة إلى مرضه ذاته، يملك ترسانة من المصطلحات السيكولوجية، يتسلح بالمنهجية والشفافية، يوَعِّي اللاواعي، يربط السّبب بالنّتيجة، الجواني بالبرّاني، والمقدمة بالخلفية، العلة بالمعلول، إضافة لمواهبه التي أقلها إعادة الأمل لليائسين فإنه عضو فعال في رابطة مُشَجعي PSGوله مكان محجوز في مقصورة الفيب في رولان غاروس، يملك كل رموز النجاح، بيتا في المدينة وآخر في الريف، يملك بطاقة زيارة،ويملك بطاقة أميركان إكسبرس، يرتدي أجود الماركات، وكلما تقدم به العمر فإنه يجعل مفرق شعره ينحدر لأسفل ليغطي صلعته، عيناه لزجتان تتطابقان مع لؤم وجهه، أما دماثته فما هي سوى طريقة مصطنعة لافتعال الأدب مع المرضى،كلّ ما فيه يشي بالتّحليل النّفسيّ، هدوءه الخبيث، سكسوكته التروتسكية ونظارته المدورة، غليونه،حسن إنصاته وبردودة أعصابه وسحنته الداكنة،خمنتُ وأنا أنظر إلى أنفه الأبعد ما يكون عن الإغريقية انه من جماعة الأقدام السوداء، استبعدتُ فكرة أن يكون أرمينيا فاسمه لا ينتهي ب [يان]، عسعس كان أفطن مني فقال " أحلق شنبي اذا مُشْ من الجماعة إياهم، الكاشير "وهذه هي إحدى المرات القلائل التي لا يغلط فيها عبد السميع، فشيكل فعلا كاشير من عالم الدكاترة النفسانيين المكوَّن في أغلبيته من أولاد شلومو وكوهين، أرجو ألّا يخطرن ببالكم أني اخترعت شخصية يهودية اختراعا، لألعب دور الضحية مع الجلاد، او لأن الموضة الروائية عاوز كده، لا وحياتكم! أنا مُشْ بتاع موضة ولا بتاع نظرة مانوية وأكره العواطفجية والنوازع البؤسجية ولم أخترع أحدا، كل ما بالأمر أن موظفة الاستقبال في جمعية SOSدبرسيون نصحتني باستشارته، هي الصدفة واحتمالاتها، ففرنسا فيها 700 ألف يهودي، ما يساوي 1 %من السكان، معظمهم يقطن باريس، ومعظم الباريسيين منهم يقطنون حي لوماريه وبلفيل والدائرة 16 ونويي، اليهود كجماعة ذي مواهب محددة موجودون بكثرة في المدن الحدودية (ستراسبورغ وترييستي والبندقية وأنتيويرب) يعرضون خدماتهم كصيارفة ومترجمين، احتمال ان تلقى يهوديا يزرع الأرض في كل فرنسا ونبارّة هو صفر باليد صفارة، احتمال أن تلقاه يعمل في ورشة هو واحد على عشر آلاف، واحتمال أن تلقاه جنديا بالجيش الفرنسي هو واحد على مليون، بالمقابل فإن حظك ان تلقاه في مصرف هو % 30، وحظك أن تلقاه في البورصة هو 40 %، حظك أن تلقاه في السلك الطبي هو % 50، مع اليهود أنت وحظك يبو الحظوظ، أفيال الاقتصاد هؤلاء يكثرون حيث يوجد العجل الذهبي والأموال السهلة، يسلِّعون كل شئ وينقضّون على الفرص الثمينة، موهبتهم التجارية تطال كل السلع، النبيذ والأخشاب وحتى لحم الخنزير الذي لا يأكلونه، يشترونه من غوي ويبيعونه لغوي آخر ويكسبون من الغويَيْن، التجارة عندهم هي الحقيقة الشمولية، حين يربحون يربحون وحدهم وحين يخسرون يخسر الكل، عجبي من أولاد الشراميط هؤلاء مصابون بمرض الريادة وسبّاقون بكل شيء، قدرتهم على البقاء معجزة ذلك انهم تجاه التساؤل عن الوجود او العدم انحازوا للوجود بجعل الطبيعة زائفة، اخترعوا ألّلاه ومعه كل الأيقونات الأللاوية، موشيه كليم ألّلاه، وأبراهام خليل ألّلاه، جوب الصابر ذبيح ألّلاه، ومنهم مؤسس التحليل النفسي المرحوم زيغموند فرويد رضي الله عنه، ومنهم مخترع فكرة البنوك روتشيلد قبح الله وجهه، ومنهم مخترع المادية التاريخية الرفيق ماركس كرم الله وجهه، وبقية الصحابة تروتسكي وبيتلهايم ودوركهايم وسبينوزا وبيرغسون وسيمون فايل، تلقاهم في المراكز الحساسة بمختلف أسباطهم،صيادلة وسماسرة ونفسانييين ومرابين وممولين، رؤساء تحرير صحف، مدراء للوعي يصوغون الرأي العام في المحافل الفكرية (الرأي العام هو الذي يحكم الغرب وهم يحكمون الرأي العام) تراهم مايستروهات بكل الأوركسترات، مستشارين بكل الحكومات، مضاربين في كل البورصات، خبراء في كل المختبرات، وقوميسرات لبيع التحف في صالات درو، في هوليوود بصماتهم على كل الأفلام،
تركتُ عبد السميع في قاعة الإنتظار ودخلتُ العيادة فوجدت فيها كرسيا للمحلِّل وديوانا للمحلَّل وعلبة محارم (المحلَّل عادة ما يبكي)، على الطاولة يوجد حاسوب الكتروني، مجسم لجسم بشري بالأعصاب الحساسة، كما يحدث عادة في المعاينة الأولى فقد حرص كل منا أن يفحص الآخر دون ان تلتقي نظراتنا، تكلم البروفسور شيكل بلسانه وحركاته وإيمائته، وانعطافات أصابعه، شبه جمل متقطعة متوترة محفوظة غيبا لا تخرج عن نطاق العموميات الخشبية" بونجور مسيو، هذه غرفة متقشفة هادئة وآمنة، وهذا مكان مريح لتجلسون عليه، إجلسوا هنا لطفا،من الأفضل لو تمددتم على أريكة الشيزلونغ، على نفس كرسي الاعتراف هذا يتمدد كثير من الزبائن ال VIPوزيران سابقان ونائبان حاليان وبضع ممثلين سينمائيين، وأنتم نفسكم، القاعدة الأساسية في التّحليل النّفسيّ هي الصّراحة التّامّة مقابل الأمانة المطلق، كيف كانت مراهقتكم؟
" مفيش مراهقة، عبرتُ بقفزة واحدة من الطفولة للرجولة"
" ماذا ترون في منامكم،مسيو رمدام؟ "
" كل ماهو مؤلم وصادم وما يربك القلب، أحلاما بألوان سيكام وأخرى أسود أبيض، هرطقات خيانات ليلية، ودائما تلاحقني تلك القصص المخزية "
" أي قصص؟"
" تلك القصص المخزية التي أراها في منامي، في داخلي شيطان نائم وحين أنام يستيقظ، وبالأمس حلمت بسُفنُ قراصِنه تحاصرني، مهما كانت كواليس ليلي مريرة فهي أرحم من كوابيس نهاري، حين أتذكر أرى وحين أرى أحلم، وحين أحلم أرجع طفلا، لذا تراني في طفولة دائمة، وعبد السميع لا يفهمني، عسعس ابن جلدتي لا يفهمني وأنتم تفهمونني أكثر منه، بالحلم والذاكرة ألتفُّ على النسيان، أحلم ليلاً وأتذكر نهاراً، أحلم مفتوح العينين، ذاكرتي مبرحة تحفظ هفوات ماضيي وتسمم مستقبلي، تأتي على غير ميعاد تشهر شوكها كالقنافذ، الله في حكمته اللامتناهية وهبني أعتى أحلام وأتعس ذاكرة
" هل تؤمنون بالله؟ "
" لا ولكني اؤمن بحكمته اللامتناهية"
" أأنت مسلم؟ "
" بالوراثة"
قطب شيكل وجهه تحسس الفراشة السوداء على قميصه الأبيض، مر فجأة من صيغة الاحترام الجمع إلى صيغة المخاطَب المفرد" لا عليك الإسلام ca se soigne[14]، أنت لست مختلفا بل متخلفا وتعاني من عدم انسجام مع المجتمع الغربي، أنت طبيعي تماما، تعاني من لا شيء، من إسلامك voila tout،
" كْوا! ماذا تقولون بروفسور؟ إذن لماذا جئت إليكم؟ أنا محبط حتى الثمالة، محتضر ممزق ثلاثين جثة، أنا كلي إحباط، الربيع حولي يسخر من شتائي، الدبابير تلسعني، جسدي المعطل يعلمني ما هو الخراب، وكما ترون فأنا بليد متكلس، البرد القارس يزيد حالتي سوءاً، أنا موجوع ولا أدري أين مكمن الوجع، عبد السميع لا يفهمني يزعم اني ممسوس بجن، لا أحد يفهمني، أتفهمونني بروفسور؟ التحليل النفسي أعجز من أن يحلل نفسي، علم النفس وعلم ما وراء النفس، جمعيات دبرسيف أنونيم، sosدبرسيون، حاولتُ كثيرا وكل محاولة نوع مختلف من الفشل، رغم ذلك فإنني لم أفقد الأمل لذلك قصدتكم، برفسور!
" حسنا، هل جربت البروزاك واللوكسوميل؟ "
" نعم، ولم ينفعاني "
" بماذا تشعر الآن؟"
" بالخزي، بالموت، بالاحتراق والتبعثر، بالخوف أيضاً "
" أي شيء يخيفك؟"
" كل شيء: الناس، الأشجار، الجدران، العمارات العالية، الجيران ركاب المترو، وعبد السميع "
" تقصد الشخص الذي ينتظرك في قاعة الانتظار؟ ماذا يخيفك فيه؟"
" عناده، الرجال ذو العقائد الناجزة يخيفونني، يسحقون من لا يشبههم، يندفعون دائما إلى أبعد من مراميهم، يكره الفرديّة ويحاول تحطيم أي شيء يختلف عنه، عموما فهو يحقق سعادته في تنصيب نفسه قاضيا عليَّ "
تجهم شيكل مثل حارس السجن، جقّرني بنظرة لئيمة، دقدق فيَّ النظر بحدس السحرة السفليين، اتخذت ملامحه هيئة غورو، ركز عيناه علي كما تركز كاميرا تصوير سينمائية عدستها على منظر " هل أنا أخيفك؟ سألني فقلت " نعم." وسألني عن جنسيتي فتأتأت " فلسطيني " ارتاب رمقني بنظرات مرتبكة ومُربكة، نظر في انعكاس مشروط إلى الطبنجة المعلقة بالحائط، ثم أخفى دهشته وعدوانيته وتعامل معي (مع فلسطينيتي) بعادية شديدة في المظهر (عادةً حين يستقبل شيكل مريضا فرنسيا فإطار العلاقة العام هو طبيب ومريض، أما حين يكون المريض فلسطينيا فهنا لابد أن تغلب هوية شيكل على مهنته، يتحول من طبيب يهودي إلى يهودي طبيب، وبنفس الخيمياء يحوِّل مُلْتَمِسَهُ من مريض فلسطيني إلى فلسطيني مريض) عاد يسألني أسئلة غريبة غير ذات علاقة بالاحباط (علما ان كل الأسئلة حتى الأغرب لها علاقة بالإحباط) من أي شتات؟ إلى أين مخيم تشتتم؟ إلى أي منظمة فلسطينية كنت تنتمي؟ ما الفرق بين جورج هبش ونايف هواتمة، محور الإعتدال والتطرف؟ هل قتلتُ يهودا أثناء عسكريتك؟... أسئلة كثيرة أجبتُ عنها بطرف لساني، ب "لا" حينا أو ب "نعم" حينا آخر، أو ب "لعم" في أكثر الأحيان، تأمل شيكل حركاتي البطيئة فعرف اني مخلّع الأوصال، لاحظ ان بقايا الكلام بفمي تأخذ شكل لعاب سائل على شفتي فأدرك أني مهزوز ومشوَّشْ، استمد ثقته من ارتباكي، نفش صدره متألقاً بعظمته وغليونه ويهوديته، ضبعني بنظراته الضابعة، ألجمني بهيئته الصارمة، ارتبكتُ ولهثتُ، مسحتُ العرق عن جبيني المتندي وخسرتُ اللقاء من الجولة الأولى، استأذنته أن يسمح لي بإشعال سيجارة فرفض وأشعل هو نفسه سيجارا من النوع الغليظ ونفث دخانه في وجهي، بلعتُ الإهانة وأنا أتخيل هذا التصرف جزءا من منظومته العلاجية الصادمة التي تضع المأزوم أمام أزمته، ثم سرعان ما تيقنتُ انها إساءة مقصودة ونابعة من غل صهيوني غليل، هكذا ومن أول فرصة أخذ ساحتي، وما ذلك بمستهجن من ابن اليهودية، فأي أرنب من أرانب غابة بولونيا لو رأى هواني لاستأسد علي، لم أقل شيئا بلساني هو الذي قال بنبرة كيدية " أنت كعربي لا بد انك مبسوط بباريس، عندك سكن مجاني ومساعدات RMI، فرنسا بقرة حلوب تحلبونها حتى جفاف الضرع.
فكرت ان أرد عليه بقولي...كما ترى أنا مبسوط لدرجة فقدان شبابي، إذا كان ثمة من يحلب هذه البقرة الحلوب أكثر من العرب فهم أنتم اليهود، تحلبونها حتى الدم... لكن الكلمات لم تسعفني، بقيتُ غارقا في صمتي، واستمعتُ إليه وهو يتكلم بنبرة تفوق: " un air de jamais vu[15] ابْيَضّ شعري في الكار ولم أرَ عربيا محبطا، العرب قوم خام فطريون، وأستطيع الجزم أنك لستَ محبطا بل مصدوما ومصابا بارتداد هوياتي ".
لو قال لي هذا الكلام حين كنت أمتلك كل معنوياتي لكنتُ واجهتُ وقاحته بوقاحة أكبر، أما الآن فليس بوسعي إلا التمني أن يكون مصيبا في تشخيصه فأكون مصدوما لا محبطا، طأطأت رأسي كتلميذ لم يحفط درسه فأدرك مدى سيطرته علي، مد رجليه على الطاولة (بوجهي) وعالجني بقوله " للحرية نتائج صادمة مخيفة، بدل حرق المراحل قفزا من زواريب المخيم إلى الشنزيليزيه كان يجدر بك أن تمر بقبرص او مالطة لامتصاص الصدمة على مراحل، ما تسميه إحباطك هو الشكل المباشر لصدمتك، عبورك من النمط الواحد إلى الكثرة والتنوع، من العشائرية إلى المواطنة، العربي حين يجمع الشرق بالغرب فغالبا ما يكون الحاصل تجميعا لمساوئ الاثنين، أنك سوفاج متوحش ديناصور عبد لا ينسجم مع حريته، أنت بيرسونا نون غراتا في بلاد بيير وبول وجاك، لم تستوعب المعطى الحضاري، خرجتَ من الشرق ولم يخرج منك الشرق
رآني مُشْتدا في احتقار حالي، ضرب بيديه الإثنتين على الطاولة وانتفض بوجهي " Léve[16]_ toiففهمت الأمر على حرفيته ونهضت عن الشيزلونغ ووقفتُ أمامه في وضعية تعظيم سلام كما يقف جندي غر أمام ضابط قبل أن أتبين ان كلامه مجازي ويأتي ضمن سياق التشجيع "Léve_ toi، شد حيلك، أخرُجْ من سلبيتك، حقّق نفسك بنفسك، كن أنت نفسك، حرر نفسك بتجاوز نفسك، ميّز نفسَك، ثق بنفسك
بميكانيكية مد يده اليمنى إلى جارور الطاولة الأيمن وأخرج كتيبا من تأليفه عنوانه [ 20 طريقة لتكون أنت نفسك ] ورماه بوجهي، وبنفس الحركة الميكانيكية مد يده اليسرى إلى جارور اليسار وأخرج قارورة زرقاء تحتوي على حبيبات بيضاء بحجم حبات الخردق، برشامة إكس 3 مصنوعة من حليب المهرة، وطمأنني ان كل شئ سيكون على مايرام إذا قرأت الكتاب وبلعت البرشامة وتابعت بقية الجلسات، ثم نظر لساعة كارتييه بمعصمه بطريقة توحي ان مُشْاغله لا تسمح له بتضييع وقته مع فلسطيني غلبان، كبس فقاسة القلم وجمع على ورقة 199 فرنكا رسوم المعاينة زائد 99 فرنكا ثمنا للبرشامات زائد 99 ثمنا للكتاب. المجموع 397 (بدل الأرقام المدورة يستعمل شيكل الأرقام السيكولوجية التي تنتهي بتسعة) ثم رمى الورقة بوجهي، سجل لي موعدا آخر في الأجندة، أمرني بلهجة قراقوشية أن أحضر للجلسة التالية في الأسبوع القادم في الوقت عينه (لم يشاورني في الموعد) خرجت مدحورا ولم يكن بالإمكان أبدع مما كان
* * *
تصفحتُ كتيِّب شيكل فوجدته يتسع لكل شيء الا للحقيقة، أكاذيبا نوعية مزوقة بإيزوتيريك وقبّالا مع شوية فرويدية وطب بديل، واجترارا للكلام البارابسكولوجي المعتاد عن طاقة الشفاء الذاتي، ترهات مستهلكة من طراز [ كيف تضاعف ذكاءك ] و [ تمتع بشخصية أقوى ] و [ 20 وسيلة لاسترداد البسمة المفقودة ]، كان عسعس قد حذرني منه بقوله انه بيّاع كلام أونطجي،علاوة عن ان تيريزا ناطورة العمارة باحت لي بأشياء أكثر عنه، انه مشهود له بالكفاءة في تنطيف جيوب المرضى، يصف لهم كلهم (على اختلاف أمراضهم) نفس عقار حليب المهرة، يعالج تساقط الشعر وهو أصلع، وله خليلة يستغفل زوجته معها (كانت إحدى مرضاه وأغواها) انما ليس الوقت مناسباً للشك، الاكتئاب كمرض مُعضِل وغير محدد يفسح المجال لعدد غير محدد من المختصين والأشباه ليدلو بدلوهم فيه، المُشعوذين والكهان وباعة الكلام والعشابين، استسلامي لشيكل يقوم مقام علاج الصعقة الكهربائية التي لا أتحملها، صدقته لأني لم أجرؤ على تكذيبه، وصدقته لأن [الخلاص يأتي من اليهودي] حسب إنجيل يوحنا، وصدقته لأن المنطق يسقط بسهولة أمام اضطراب المعنى، توجهتُ إلى العيادة تلقائيا لحضور الجلسة الثانية، كانت دهشتي بالغة حين رأيته متمطياً في الكرسي الدوار رابطاً كنزة الصوف حول عنقه، عيناه مثبتتان على شاشة الحاسوب ورجلاه على الطاولة (بوجهي دائما)، لم يأخذ وضعية ولم يتحسس البابيون، استقبلني بتكشيرة دون أن ينظر الي، لمحتُ بطرف عيني على الشاشة أفخاذا عارية فعرفت انه موصول إلى قناة الإباحية 3615، قال دون ان يرفع عينيه عن صور السكس " كنت أعرف أنك ستجيء، تحسنتْ؟
هززتُ رأسي بالنفي فقال بالصوت نفسه بلا أي عمق في المُشْاعر " من غير الممكن إنكار أن البرشامة ليست فاعلة إذا ما استُعمِلتْ وحدها ".
خلته يتكلم ييدشْ ففي الأحوال العادية وبكامل قواي العقلية كانت تلخمني الجمل التي فيها نفيان أو ثلاثة (الاكتئاب مرض شمولي إمبريالي غاشم يضرب الحواس الخمسة ويتسلل إلى الفص الصدغي حيث تتمركز اللغة ومخزون الكلمات) ألقى نظرةً موروبة على وقال بصوت أحادي الوتر" كي تفهم يجب ان تبدأ بعدم الفهم "
وضع رؤوس أصابع يده اليمنى على اليسرى وتصنّع الاستاذية " الوعي هو مجموعة ذبذبات في حركة دائمة وعلى درجة معينة من التذبذب، قادرة على احتواء ذبذبات أخرى بدرجة تذبذب أقل "
دوَّرَ جسده فوق كرسيه الدوار، أكمل وهو يحرك الغليون " هناك قواعد يجب حفظها غيبا حتى لو لم يكن لها أهمية في ذاتها، كجدول الضرب مثلا 9 مضروبة ب 9 تساوي 81، ليس عليك أن تجمع على أصابعك تسع مرات لتعرف الحساب، المعرفة الأوتوماتيكية تفيد "
قرّب كرسيه من الطاولة رفع صوته بلهجة حازمة" حتى تكون البرشامة فاعلة، عليك باتخاذ خطوات أخرى أيها المغفّل، النتيجة تتوقف على مدى التعاون بين المعالَج والمعالِج، التحليل يجب ان يكون مكلفا ماديا ليكون مثمرا، وإياك أن تظن إني أضيع نصف ساعة معك من أجل ال200 فرنك، انه مبلغ تافه
لم أجرؤ على الاعتراف أن هذا المبلغ هو بالنسبة لي ثروة بل اكتفيتُ بالقول "بلا مؤآخذة بروفسور! أنتم تبيعوني كلاما لا أفهمه مقابل فلوس لم أعد أملكها، أظنها ستكون آخر جلسة.
أعلن وعيناه على الشاشة أني لستَ مضطرا أن أدفع نقدا، بل عيناً. ولم يترك لي فرصة ان أسأله كيف بل بادر وسألني لماذا لم يرافقني عبد السميع؟ فأجبته أنه مشغول بصلاة الجمعة، اتسعت عيناه في اهتمام مفتعل، فاجئني بنبرة تستمد هيبتها من انعدام هيبتي " صلاة الجمعة بباريس، هيه! vous êtes en france،[17]
لم أجرؤ ان أقول له ان هذه الفرنسا التي يمتدح تميزها قد أرسلت مليوناً من أجداده إلى أفران الغاز، بل تركته يسخر " أنتم العرب سحركم الحقيقي أنكم لا تصلحون للقرن العشرين، ولا حتى للقرن العشرين قبل الميلاد، أنتم دائما في المكان والزمان غير المناسبَيْن، إعملْ طلة على السجون 50%عرب، إذهب إلى أي مكتب للمساعدات الاجتماعية 80 %عرب، شوف المقاهي كل الزبائن عرب، إذهب لمكتبة المطالعة، ولا عربي واحد، أنتم شواذ عن كل الشعوب، العالم يتباهي بأعظم الانجازات، الأرجنتين تتفاخر بمارادونا وجيفارا، فرنسا تتباهى بفولتير وبلاتيني، إيطاليا أنجبت دافنشي وباولو روسي، البرازيل أنتجت بيليه ورقصة السامبا، وأنتم مفخرتكم ميونيخ وكارلوس وأبو نيدال، تريدون محاربة دولة نووية وأنتم عاجزون عن صناعة عود ثقاب، عُقْدتكم يسرائيل، ماذا تريدون من بلد صغير بالكاد تراه عدسة مكبرة؟ لو أن حكامها طغاة مثل حكامكم لما رفضتوها بشراسة، لكنها متقدمة ودمقراطية مختلفة تفضح تخلفكم، نسائها يقدن طائرات فانتوم ووزارات بينما نسائكم في الحرملك محرومات حتى من قيادة جمل
نفش صدره نفث الدخان بوجهي " حقا ان العربي الطيب هو المحبط، أنت هو أطيب عربي
ضحك ثم شد أذني " لا عليك، هكذا كان نابليون يداعب أذن جنوده المجمدة في البيريزينا لرفع معنوياتهم "
نهض، خطا ثلاث خطوات استدار، تذكّر ان عليه ان يكون دمثا فلطّف لهجته" إصغ لي جيدا يا رمدام فأنا أعلم بنفسك منك، فلتُغيِّرْ أفكارك حتى أستطيع أن أغير نظرتي إليك،إنْ أخشنتُ القول فلصالحَك، أريدك ان تستفيد من تجربة اليهود، في القرون الوسطى كنّا نُحرَق مع الساحرات، كل أمة كان لها عبيدها، فرنسا كان لها زنوج (ها)، إسبانيا لها باسك (ها)، أمريكا لها هنودها، بريطانيا العظمى لها إيرلندييها، وكنا نحن يهود الكل،
لم أتجرأ على قول... أنتم يهود الكل ونحن يهودكم،... صمتتُ مثل طفل مصاب بداء التوحد، ورحتُ أستمع له وهو يقول "أنا شخصيا مُشْ عنصريّ ولكنّي لا أهضم العرب، أحب كل الشعوب باستثناء العرب، وأستثنيك أنت من هذه الاستثناء، أريدك فقط ان تعرف ان سر قوة اليهود هو في كراهية الأغيار لهم، فيما مضى كان الغوييم الجنتيل[18]يركبون على ظهورنا والآن صرنا نركب على ظهورهم، أصبحنا نقود ولا ننقاد.
نقر بأصابعه على الطاولة " لفرويد ملاحظة جوهرية بشأن استمرارية اليهوديّة " إنّه لو لم تُدَمّر أورشليم لكان اليهود اختفوا، تدمير الهيكل المنظور هو ما سمح ببناء الهيكل اليهوديّ اللامنظور "
شمخ رأسه"نحن اليوبان انتصرنا على كل مصائب الشتات والعنصرية اللاسامية، في الآخر انتصرنا على الجرمان الآرييين أنفسهم، عندنا حصانة خاصة وقدرات إستثنائيّة، طبقنا سياسة بيت ميديشي وأفلحنا بالسيطرة على أوروبا بالمال والمصارف فيما عجز ملوك أوروبا بالسيطرة عليها بالحروب والمعارك، لكننا ونحن نسعى إلى ارتقاء القمة عرفنا المهاوي، الله جعل من عبوديتنا في مصر ثمنا يتوجب علينا دفعه لنكون شعبه المختار "
صمت وهلة ثم مد غليونه باتجاهي" وأنت كذلك يلزمك ان تتدمر لتخرج من المحنة بغلال وافرة، يلزمك ان تكون باطلا أخرقا قبل ان تكون بطلا خارقا، كن ضحية اليوم لتصبح جلاّد الغد، دع الآخرين يغلبونك حتى تصبح غالبا، دعهم يقودونك اليوم حتى تقودهم غدا، إنهزمْ لتنتصر، إستغل قوة ضعفك، السقوط الكلي هو الشرط الشارط للوقوف، انها لمزية ان تكون مكتئبا يا رمدان، اتبع النبض العميق لقلبك، اكتئبْ بكل قلبك واجعل من اكتئابك رأسمالك، البرشامة لم تنفع، اذن سنغير تكتيك الهجوم من 334 إلى 424، على المحبط ان يخدع الإحباط كما يخدع مُسدِّدُ ضربة الجزاء حارسَ المرمى بخدعة البانينكا، يعرف ان الحارس سيرتمي يمنة او يسرةً فيسدد في الوسط، بالمناسبة، أتلعب كرة يا رمدان، أتمارس أي نوع من الرياضة؟
"لا، لا شيء "
" ماهو برنامجك اليوم؟"
" لاشيء "
" أين تقضي وقتك الضائع؟ "
" في سنتر بوبور "
" ماذا تفعل في بوبور؟ "
" لا شيء"
" هذه هي مُشْكلتك يا رمدان، اللاشيْ العدم نْيِيتْ نوثنغ، نادا والو، الصياعة والنوم والكسل لا رياضة ولا مجهود، بلغتَ سِن التقاعد بعمر 26 سنة، بطبيعة الحال البرشامة لا تفيد الكسلان، البرشامة لا تُغني عن العمل، الإحباط فظيع لكن الكسل أفظع، الكسل أم الخطايا، شيء واحد ينقص فقط وهو الضروري، النشاط، secoue toi[19] النحلة المنشغلة لا وقت لها للاكتئاب، أنظر لتيريزا الناطورة لا تكتئب لأنها تعمل باستمرار، العمل أنجع وسيلة علاجية
تأبطني وماشاني خطوات، ناولني سيجاره وأشعل لنفسه سيجار " سأكلفك بمهمة جدية، تفيدني وتستفيد مني، من الآن فصاعداً ستكون ذراعي اليمين، تساعدني بتدبير شؤون العيادة سأعطيك مهلة دقيقتين لتفكر بالموضوع
واذا الإرادة عُطِّلَتْ
لم أفكر أبدا، أنا عاجز عن التفكير، أنا مجرد مستودع لأفكاره، كل تلك المقدمة عن معاناة اليهود وعن فضيلة العمل هي مجرد تلفيقات حتى يصل إلى دسم المؤخرة، يريد أن يشفيني بالركوب على ظهري، أحلى تكتيك، الرجل، (وبالاعتماد على إحباطي الذي يظهرني بمظهر حمل وديع) مصمِّمٌ على استغلالي، فرضَ علي منطقه، ضربة البانينكا، لكن ماذا لو لم يتزحزح الحارس لا يمنة ولا يسرة، عَمَلُ سُخرةٍ كهذا لن يخدع الإحباط بل سيخدع المحبَط، "إحترق بلهيبك، قال لي، إذ لا يمكنك أن تتجدد ما لم تشتعل رمادا، الشقاء ليس نقيض السعادة بل وسيلتها، "كان يحاول إقناع مقتنع إذ انه يعلم ان أمره مطاع وكلمته نافذة، المنطق ليس وسيلة موضوعية لتسيير العالم ولكنه ذريعة بيد البلطجية، النطاسي بتاع مستشفى مارموتون كان يسمعني أتكلم ولا يقول شيئاً على اعتبار أن صمت (المحلِّل) في التحليل النفسي هو شرط الكلام أو خلفيّة ضرورية حتّى ينطلق من المحلَّل ما هو غير متوقع، بخلافه فإن شيكل يتكلم وأنا أستمع، ليس هناك علاج صحيح أو خاطئ، المفهومان محض خلط سيكولوجي، فرويديات من عنديات فرويد، الفلسفة سهلة ولكن المنطق صعب، شيكل يملك أيضاً موهبة الكلمة ورثها من موشيه كليم ألّلاه، يؤمن بيهوة ولكنه قبل هذا يؤمن بالكاك كارانت،فالمال أهم مكونات الهوية اليهودية وضامن ديمومتها،(الكاتوليكي يفضِّل الريع، البروتستانتي يفضل الربح اليهودي يفضل الاثنين) النجاح بالمعنى اليهودي للكلمة هو أن تجمع أكبر ثروة ممكنة في أقصر وقت، المال حاسة سادسة بدونها لا يمكن تشغيل الحواس الخمس الأخرى، المفاهيم ليس لها نفس المفهومية بالعبرية والعربية، حين يقول مسيو فيلولوجي[ استثمِر عذابَك ] فهو يقصد [ دعني أستثمر عذابك ]، حين يقول [ عمل ] فهو يعني [ سخرة ]، ليس من مصلحته أن أشفى حتى أظل مطية يمتطيني، يحتال علي وعلى المرضى (ببرشامة حليب المهرة)، يحتال على زوجته (يغافلها مع خليلته)، يحتال على يهوة (لا يسبت يوم السبت)، يتحايل على مصلحة الضرائب مرتين (بتشغيلي بالأسود ومعالجتي بالأسود) مثل المنشار يأكل عن الطرفين، والأدهى من هذا زعمه انه لم ينجح في حياته إلا لأنه ورث مرارة أبيه الذي ذاق الويل في معتقل داخاو، لا يقدر اليهود ان يتخلصوا من الفهم البكائي لتاريخهم، جعلوا المحرقة وكالة حصرية لهم، لعذاباتهم، الهولوكست رأسمالهم الأساسي قبل المال ورأس المال، الذين يريدون تطويب أوشفتز كماركة قومية مسجلة لآلامهم يسخرون من ألآم الآخرين وخاصة من الألم الفردي، أساسا أنا لست محبطا بنظره بل أعاني من بداوتي، هكذا ضرب عصفورين بحجر، شخّصَ أزمتي وهو يتحامل على عشيرتي، لم يفهم كيف يشاهد مليار شخص يد مارادونا وهي تسجل الهدف، ويعَمِى دونها الحكم التونسي " ألم يجدوا أفضل من عربي ليحكم مباراة دولية؟ العرب كل العرب مبرمجون للفشل، أما الفلسطينيون فهم أسوأ العرب، صحيج ان الفلسطينيين ليسوا كلهم إرهابيين ولكن الإرهابيين كلهم فلسطينيون " هكذا تكلم، بعلوية أخلاقية، وبين الجملة والأخرى كان يتلصص على صور البورنو في الحاسوب، قلت لكم: الإرهاب هو حرب الفقراء، بينما الحرب هي إرهاب الأغنياء، في ذاكرة شيكل يوجد ميونيخ واحدة في ذاكرتي ثمة ألف ميونيخ، هؤلاء القتلة جربوا في لحمنا كل أسلحة الحرب النظيفة والقذرة، سرقوا أرضنا وسرقوا الفلافل وخبز التنور وهاهم يصادرون إرادتي، إذا التقى فلسطيني مخوزَق مع يهودي فالخسائر (والأرباح)ستكون حتما جسيمة، أبناء عمومتنا لا يمكن مقارنتهم إلا بأنفسهم فكل مقارنة مراوِغة، وإن كنا كلنا (سماعلة واسحاقيين) قد نزلنا من إير برهومة ذات يوم بعيد فإن الحزازات قد باعدَت بيننا وحولت العمومة إلى عماء، ماذا تنتظرون من شعب اختار نفسه ليكون شعب ألّلاه المختار! شعب نفروزي عصابي يعاني من رهابات واقعية ومتخيلة، أقلية، لكنها أقلية هائلة وتمسك بخناق الأكثرية، أنجبوا كتابا عباقرة وكتبوا التوراة والمبادئ العشرة الكويسة والأناجيل الأربعة (وكتبوا حتى القرآن في نسحته الأصلية التي ترجمها صلعمو إلى العربية) كانوا مضطهَدين فتمكنوا وصاروا مضطهِدين، كانوا تائهين فاستقروا وتيّهوا غيرهم، لعنة أن تكون فلسطينا، لعنة مكبرتة أن تكون فلسطينيا ومحبطا، أما أن تكون فلسطينيا ومحبطا ويُعالجك يهودي، فإنك قد ربحت جائزة اللعنات الكبرى في سحب اليانصيب، أنا العبد العبد، الخادم المطيع للخواجة شيكل، أملك التفاني والخضوع والساعدين الرخوين وكل مؤهلات العبيد، ظل شيكل يحكى وأنا أسمع، أوصلني إلى معادلة معقدة، العبودية ليست نقيض الحرية، لكنّها تعديلها الناجع سيكولوجياً، العاهر نيتشه برَّر عبودية العبيد، وهذا يكفي، وجهة نظر وجيهة، العبودية وجبت بموجب وجود الأسياد، هذا هو الدرس الذي يجب حفظه جيدا: الاستثمار الإيجابي للسلبيات، التزامات المريض بإلزامات المُمَرِّض، حرية بنكهة عبودية، أول مرة أشعر إني عبد ولهذا أنا مطمئن، من العبيد من يفقد آخر مزية له اذا انعتق، أعرف شاباً موريتانياً ابن شيخ قبيلة درس الحقوق بباريس ولما وصل إلى مطار نواق الشط، استقبله عبد زنجي من جملة عبيد أبيه، باس يده وحمل عنه الشنطة، لكن الشاب المتمرس على حقوق الإنسان والمساواة استهجن هذا السلوك فقال للعبد " إذهب فأنت حر " ارتعد الزنجي وولول " أويلي أسيدي! من سيأويني؟من يطعمني؟ من يكسيني؟" أفهموها يا مكتئبين، الحرية مناهظة لطبيعة الإنسان، احترسوا من الضعيف حين يصبح قويا لا من القوي حين يمسي ضعيفا، احترسوا من العبد النائم فيكم، في عالم شايلوك كل شيء بضاعة حتى الإنسان نفسه، انتهت تجارة العبيد فتشكل الاستعباد بأشكال أخرى، بِ شيكل (يات) أخرى، أمهلني دقيقتين لأختار بين أن أقول نعم أو أن لا أقول شيئا، تغلّبت حجة القوة على قوة الحجة، فعلتُ ما أمرني مُسيّرا لا مخيّرا، أنا البغل وحسب، يحمل ويتحمل ويسير حسب مشيئة البغَّال، كنت زبونه فصرت ملكيته الخاصة، اعتبرني هدية هبطت من السماء مع زخات المن والسلوى، تصرف معي تصرُّف المولى بأقنانه، استحمرني وسخرني لطلبياته المتكررة، وهئنذا بحواسي التي خرّبتها الأدوية، بخمولي وذراعي اللتين لن تفيدا الا شيكل، أنظف العيادة يوميا، أكنس الأرضية وأمسح الغبار عن الأثاث، وأغيِّر المياه في مزهرية أصص الأزهار، أفرغ الزبالة وأجهز المرحاض وأتأكد إذا كان فيه أوراق لمسح الطيز، وأبخ فيه مزيل الروائح، أوزع إشهارات دعاية للعيادة في المكتبات الروحانية، أحضر الرسائل من ربيئة تيريزا الناطورة البرتغالية التي لا يطيق شيكل رؤيتها لثرثرتها (يسميها وكالة رويتر)، أقوم بالواجب على أكمل وجه، أشتري له جريدة ليكيب الرياضية، أسَرِِّح كلبه جازي في الحديقة، او أذهب إلى المختبرات وأشتري له إبر البوتوكس اللازمة لشد الوجه (شيكل يمارس هذه المهنة زورا وبالتعدي على القانون)، حين يكون على موعد غرامي مع خليلته أشتري له بعض أعشاب الجنسنغ المنشطَة لتعزيز عجزه الجنسي، انخدعت عالمكشوف عينك عينك، تحملتُ العنت باقتناع، خضعت له في العلاقة المغناطيسية بين المنوِّم والمنوَّم، وأعجبني خضوعي اليه، وفهم هو جيدا ان وسيلتي الوحيدة للدفاع عن نفسي هي تلبية رغباته فازدادا عتوِّاً وجعل يرسلني كل سبت إلى منزل والديه لأقوم بأعمال محرمة عليهما كالحرتقة والبريكولاج، انقدتُ له بشكل أعمى كما ينقاد النهر للبحر، استعبطني وعطل خياراتي، سيطر علي كليا فلم أعد أستطيع إلا القبول به كليا، استعملني بنية حسنة على قواعد علمية ووفق منطق صارم، قنّع الاستغلال بصيغة صداقة همشرية فطلب مني أن أسميه ج ب وسماني رام ومن جهة أخرى وتأكيدا على التبعية ظل يخاطبني بصيغة المفرد [ toi] بينما فرض علي ان أخاطبه بصيغة الجمع والاحترام أنتم [ vous[20]] تغير صوت حنجرته مع إعطاء الأوامر واكتسب نبرة خطيرة، عبد السميع كذلك نصب نفسه علي قاضيا ومحاميا ووصيا، ارتفعت أسهمه بانخفاض أسهمي، لم أعد أشد بقوة على يده، صرت أتوجع من شده على يدي، كما ترون فالإحباط ليس كله سيئاً، انه على الأقل أكسبني مزايا إضافية، دجَّنَ ذئبيتي وجعلني أميل تلقائيا إلى تعظيم من كنتُ أحتقرهم، سقطتُ في الجحشنة وفي مازوخية الخضوع وفي التلذذ بالجرح حتى عبادة الجرح، تلذذتُ بالتحالف مع الفشل والهزيمة، أهملت مظهري الخارجي حتى يتناسب مع الداخلي، ما عدتُ أتهندم (أي بنت ستنظر إلى حطامي؟) الحيوان المفترس كمن في داخلي، أوقعني بأسري في أسره، خلع عني كل صفاتي الجميلة: إرادتي، ماهيتي، مواهبي الاستثنائيّة، نخوتي، همتي، معنوياتي، آدميتي، حساسيتي، فعاليتي، دهشتي،انبهاري، شكي المنهجي، فوضويتي، كبريائي، شغفي بالشعر، تطلعاتي، انشغالاتي الوجودية،شهوتي وشهيتي، تفاؤلي ومبادرتي، حماسي وهوسي بالحياة، تمردي وعنادي. سقط كبريائي وسقطتُ من الأعين، أصبحت اللامساواة بيني وبين الناس مفهوما ذهنيا فطريا، صرتُ ملطشة للصحيح والمعتل، آخر من يعصي وأول من يطيع، حتى تيريزا البوابة فرضت نفسها علي بعدما رأت شدة هواني، طلبت مني أن أرعى كلبتها دولسينا أثناء غيابها، وطلبت مني أن كذلك أوزع البريد على سكان العمارة، الرجل الدون يقنع بالدون، إذ جعل نفسه دودة فانه يجب ان لا يشكو عندما يتم الدوس عليه، من يسقط هذا السقوط يستهزئ بكرامته، رميتُ نفسي في الفخ بإرادتي وعليَّ المضي إلى آخر الشوط، دخلتُ في منطق علاقات القوى، العبودية وطقوسها الجميلة، أدمنتُ على شيكل ونقمته، وقبلتُ بالغبن من قبيل الغباء الطوعي والاستباق الدفاعي، ولكنني لست غبيا تماما، فاستسلامي تكتيكيٌّ وعليّ أن أخدع وحشي بوحش أوحش، الاستمرار في الإحباط هو أنجع علاج للإحباط، الإحباط الذي يقتصد ليس الإحباط الحقيقي، المحبط يشبه المقامر في التلذذ بالخسران والمجازفة والإدمان، يقامر حتى آخر فلس، يرهن البيت ويخسر، يرهن مجوهرات زوجته ويخسر، يرهن زوجته ويخسر، يفقد عمله وبيته وزوجته، يتمسح جلده ويخسر حتى شعوره بالخزي، الإحباط فن لا يتقنه إلا المحبط، أنا بالوحش وللوحش، أنا قديس المسالخ، البهيمة الصابرة، ما دامنا صدقنا مقولة القديس أوغسطينوس بالخطيئة الأصلية القائلة أن سقطتنا من الفردوس هي عقوبة على خطيئة أبينا آدم الذي نتش التفاحة، فلماذا لا نصرُّ على آدميتنا، نحن أبناء آدم وأنغاله، فنكمل أكْلَ التفاح سقوطاً سقوطاً حتى القاع! لا بأس، شيكل عسعس على حق وكل مضطهدي الأنبياء على حق ما دام ان الاضطهاد هو الطريق الذي تمر منه النبوة
دليل وشمُشْومة
نقرتُ على الباب فاستقبلتنني امرأة رشيقة وعليها سمات بنات النعمة، بادرتني بابتسامة هوليودية "تْفَضّل منْ هْنا " إلى بيت المؤنة، حيث كوَّمْتُ المُشْتريات البيولوجية، قادتني إلى الصالون وعباراتُ الشُّكْر الميكانيكية تفيضُ على شفتيها، أطلقتْ بسمة عريضة تساعدني على طرد الخجل، تصرفتْ معي بلا تكلف وهي ترشدني للكيفية التي بموجبها يجب أن أرتب المُشْتريات، "المعلبات تحت، الشوكولا، البيض فوق، قناني الخمرة بين بين، المثلجات.." لم أنتبه لما قالته ذلك إني كنتُ غارقا في استهجان وجودي وحيدا مع امرأة وحيدة بلا مَحْرَم (أنا كشاعر أعتبر المرأة ندا للرجل نظرياً، لكن قناعاتي بالمساواة الجندرية تتوقف عند هذا الحد من التنظير فأنا ابن حضارة تُقْرِن المرأةَ بالنّير إلى جانب الثور) فوجئتُ بنفسي لأول مرة داخل بيوت الأفندية الفرنسية، البيت واسع وأكثر اتساعا مما يتطلبه رجل وامرأة، فيه تغصُّ الحياة البورجوازية بأبهتها ووفرتها، الصحون من خزف البورسلان والكؤوس من كريستال والأثاث من خشب الأكاجو، الصالون تزينه لوحات زيتيه كلاسيكية ورسوم تكعيبية،كأنه متحف للماضي والمستقبل (هؤلاء اليهود بعكسنا سحرهم الحقيقي أنهم يصلحون لكل القرون ما قبل التاريخ وما بعده) فوجِئْتُ أكثر بنضجها التكتيكي وبرودة أعصابها، فوجِئْتُ خاصة بسؤالها " أعندك خمس دقائق لتناول قهوة؟" لم يكن بوسعي أن أقول لا فلم أقُلْ شيئا، جلستُ على كنبة من طراز فيكتوري بشكل أخرق (تذكرتُ ذلك اليوم البعيد في خضم الحرب الأهلية إذ دخلتُ بيت دار خالي فأجلسوني على أريكة موبيليا افرنجي آخر طراز كانوا قد نهبوها من بيت زغرتاوي) لم أعرف كيف أبدأ الحديث فتكلمتُ عن تقلبات الطقس، ثم دمدمتُ بكلمتين عن الفارق بين أسعار المواد البيولوجية وتلك الغير بيولوجية، شعرتُ بالارتباك الذي يحدث عادة في احتكاك الناس الجردية بالنواعم، بذلتُ جهدي لأبدو طبيعيا مثلها، بيولوجيا مثلها، لكن خجلي وإحباطي فضحاني، كيف أتكلم دون أن أتلعثَمَ أو أرتبكْ؟ أصبحت نظراتي ثقيلة وأنا أرصدها وهي تتجه صوب المطبخ... سيدة رقيقة وديعة مُتَوهِّجة، أنفها ناعم كالمخمل، خصرها رشيقة كخصر مصارع ثيران، شّعرها معقوص كما في التماثيل اليونانية، بشاشة وجهها تتعارض مع قتامة وجه زوجها، ليس فيها نبرة لؤمه (النساء ليس من طبعهن العنف تستثني من ذلك بعض الحموات) ضحكتها مرسومة بعناية كأنها هاربة من لوحة تشكيلية، تعيش بمذاقها الخاص وعبر ما يحلو لها، جسدها يبدو كأنها شكَّلته وفق قانون الرشاقة المصانة بالغذاء البيولوجي، وجهها العذب شاحب قليلا،عيناها داكنتان، في الأربعين ولكنها تبدو بنت ثلاثين....أطلَّتْ واثقة الخطوات، خفة دمها تموه على صرامتها، وضعت صينية القهوة أمامي:
" أتدخِّنْ؟"
" أدخن "
" ما رأيك بسيجارة غلواز!"
" مفيش مانع "
" ما أسمَك؟"
"رمدان، وج ب يناديني رام ".
طفقنا نستكشف بعضنا، نتقهوى ونُتَتّْنْ ونتكلم في بساطة الحكي وتداعياته، قالت انها من اليسار الإسرائيلي (يعني صديقة العرب) قلت أني من اليمين العربي (يعني صديق إسرائيل) قالت انها تحب الفلسطينيين فقلت اني لا أكره اليهود، قالت إنّها ضد الحرب وقلت إني مع السلام، قلنا كل شيء في بضع دقائق، الديباجة نفسها، بيس أند لوف[21]، الاعتراف المتبادل والمتكافئ لجميع أبناء أبراهام بجميع أبناء أبراهام (مجرد حكي ففي هكذا موقف تسود عبارات المجاملة، ويبقى ما يجيش بالصدر مستترا) عرّفتني على بقية أفراد العائلة، الكنار الحبيس في القفص، على الكلب جازي الذي أعرفه، وعرّفتني على القط أنغورا الذي لم أتشرف بمعرفته بعد (ككل العائلات الميسورة الفاميليا شيكل بدل الأولاد رُزقت بكلب وقطة وعصفور) عرفتني على جدَّيْها المعلَّقيْن في الجدار كطابعين تذكاريين، باروخ روزنطال حاخام مدينة لوبلين في مسوح الحاريديم السوداء، كتلته الضخمة تكاد تخرج من الإطار، المسكين هو الآخر لم يرجع من أوشفتز، ثم بورتريه جدها لأمها أهارون بوشناق من أكابر يهود الجزائر الذين باعوا القمح لفرنسا قبيل الاستعمار، ثبتتْ فنجان القهوة على راحة يدها وقالت "إنك العربي الوحيد الذي يدخل هذا البيت، هذا لو استثنينا فاتيما، الخادمة المغربية، انها فتاة مطواعة ومطيعة تنظف كل شيء،كل شيء ". وبَعْبَصَتْ في الغراموفون وهي تقول "الحياة بدون موسيقى ستكون غلطة " خيّرَتْني بين جورج موستاكي وجورج براسانز ثم استدركتْ إن عندها أشرطة موسيقية لمُغَنٍ جزائري اسمه أنريكو ماسياس، قلتُ "ما دامه يغني بالعربية فهو عربي" قالتْ كذلك أن عندها في المكتبة مؤلفات لكاتب عربي أسمه تاهار بن جلون. قلتُ" هذا الجلّون اسمه فقط عربي، انه في الحقيقة قرد إكزوتيكي بمؤخرة حمراء لتسلية الفرنسيين " اندهشتْ المدام من ملاحظتي " ولكنكَ أنت نفسك تتكلم الفرنسية! ".قلت " نعم أتكلمها مع غير العرب ولا أكتب الا بالعربية " وعلى ما يبدو فإن هذا الموضوع لا يهمها فلم تتوقف عنده (المدام ليست مشغولة بالهوية والتباساتها، انها يهودية مئة بالمئة وفرنسية مئة بالمئة ولا ترى تعارضا بين الإنتمائين) حدثتني عن وجعها البورجوازي، علاقاتها الإجتماعية ألوانها المفضلة، لا تجيد الطهي، تفضل طعام دليفري، نباتية (حتى قطها نباتي) مدججة بوعي بيئوي، ملتزمة بغابة الأمازون وملتزمة بالريجيم على الطريقة الأمريكية، مواقيتها ديكاليه مختلة، تنهض عند الظهيرة، تتغذى عند العشاء، كسلانة وتعمل ما يشبهها فقط، ترسم وتعزف على البيانو لتعيد خلق الأشياء من جديد، تحب ليرمنتوف ومندلشتام وبوظة هاغن داز والمعمار القوطي والجبنة ذات الرائحة القوية، وتفضل بيكاسو في مرحلته الزرقاء، فنانة شاملة مغرمة بالمسرح لكنها فاشلة في التمثيل، تعشق الرسم ولا يطلع معها الا شخابير، ترسم البحر باللون الأحمر وترسم السماء باللون الأخضر، وتحزن لأحزان الحزانى والطيور المهددة بالانقراض، والفهود السود والهنود الحمر والفلسطينيين السمر، تقترف الاحسان بلا منّة وتتعاطف مع أي شيء، أي أحد، مع قطة شاردة، مع كلب شالو، مع غمامة في السماء، مع معزوفة جاز (تعاطفتْ معي لأني حقيق بالعطف ولأن عمري 26 سنة ولأن فيَّ شيء يمكن استغلاله) اقتربتْ مني أكثر لتذيب جليد التفاوت الطبقي، لتلغي حفظ المسافة المرادف للعلوّ الأرستقراطي، أطلعتني على ألبوم الصور، عبرنا أربعين عاما من يوم مولدها حتى يومنا مرورا بإقامتها في مدرسة داخلية ثم مراهقتها مع الهيبيين الخنافس والبوهيميين، (كلما تقدم الزمن تقصر التنورة فوق ركبتها، حتى تتحول إلى سترنغ) أشارت إلى صورة قديمة بالأبيض والأسود لحارة اليهود، وقالت بنوسطالجية " لا تتخيلنَّ العالم الغابر كان أكثر سوادا من عالمنا، كان ملونا كعالمنا لكنها آلة التصوير البدائية التي تقتصر على هاذين اللونين". ثم تشعَّب الكلام، باتجاهي، باتجاه "ما هو برجي الفلكي؟(هي هكذا كل ما تتعرف بشخص تحاول تحديد برجه) قبل ان أجيبها بدأتْ تتحزر
"العقرب!"
" لا"
الدلو!"
"لا"
" إذن القوس!"
" لا، أنا من برج الأسد "
" أوه قلبي دليلي كنت أعرف إنك أسد"
نادتْ "أنغورا "فقفز القط من حضن تمثال بوذا إلى حضنها، راحت تداعبتْ ظهره وهي تستجوبني:
" هل تحب المسرح؟"
"لا "
" الموسيقى الكلاسيكية؟ "
" تقريباً "
"أتحب التصوير الفوتوغرافي؟ "
" لا أكرهه"
متى وصلتَ فرنسا؟
" منذ أربعة أعوام"
من أين؟ "
" من تحت "
"تحت أين؟ "
"إسبانيا "
"قبل إسبانيا؟"
"بولندا "
" ماذا كنت تفعل هناك؟"
" أدرس"
" ماذا درست؟"
" شُرْب الفودكا "
" قبل بولندا؟"
"تونس "
"ماذا كنت تفعل بتونس؟ "
نكرزتني أسئلتها المتتالية، ورحتُ ألوك بصمت الكلمات التي لم أجرؤ على قولها علناً.... كنتُ أفعل لا شيء، أقصدُ، كنتُ عسكرياً مع عرفات، وقبلها كنتُ في العراق أيضاً مع الختيار، وقبل ذلك كنت في لبنان، وقد لا يعنيكِ أنني في مخيمي النائي كنت فدائيا في كتيبة المحمولة أشرس كتائب حركة فتح، كنت أتمرجل برجم صواريخ كاتيوشا لا على بيتكم (الذي هو بيتنا) في الجليل الأعلى بل على بيوت جيراننا في زغرتا [22]الانعزالية، رغم ان تاريخي هو تاريخ شعبي فأنا حالة عرضية بين الفلسطينيين، لا أحب كلمة الشتات لأنها مسروقة من قاموسكم،كما لا أحب ان أتقمص دور الضحية رغم انني ضحية، الرصاصة التي برجلي لم يطلقها علي جنود إسرائيليون بل أطلقها علي فلسطينيون مثلي، أخي رجب أسرته الشقيقة سوريا لا إسرائيل، كما ترينْ أنا فلسطيني من صنف خاص جدا مخوزق بخازوقي الشخصي، بالمحصلة لست وطنياً، أعيش خارج السرب، إنسانا أولا وفلسطينيا بالصدفة، أنا شظية طائشة من الانفجار الديمغرافي، لِنَقُلْ أني مجرد سائح من ضمن مليوني سائح خرجوا للاصطياف في دول الجوار منذ عام 48 ولم يرجعوا، صيفوا وشتّوا في دول الاصطياف، شرَّشوا في بلاد الاصطياف ودمروا دول الاصطياف...
مدام شيكل أثناء صفنتي الطويلة كانت تَقْرَأ مَا يَجُول بِخَاطِرِي، (يبدو ان زوجها قد أخبرها بجنسيتي) أفهمتني أن كوني فلسطينيا لا يضايقها بل على العكس، فالبشر وُجدت لتكره وتحب ثم لتتعارف وتتغلب على غرائزها، رشفتْ من القهوة وأردفت " أنتم ونحن نعادي بعضنا البعض ولا نعرف لماذا، متى يجلس أبناء اسماعيل وإسحاق معاً على بيانو واحد كما فعل أدوارد سعيد مع دانييل بورنبايم ليحولوا قرع طبول الحرب إلى لحن جميل؟" استوتْ خلف البيانو عزفتْ مقطوعة [حزن] لشوبان، لم تنظر إلى النوتة أمامها، طفح وجهها بالمشاعر الحادة، حواسها تمركزت في أصابعها في رؤوس أناملها وهي تنتقل بين الأزرار السوداء والبيضاء بخفة ميكانيكية وسلاسة، أشعلتْ سيجارة مجتها بلذة وقالت أن الكلام معي ممتع لأني مستمع جيد. قلت لها أني مسمتع جيد لإني متكلم ردئ. مع السين والجيم ذاب الثلج الطبقي، سألتني عن مهنتي فتجرأتُ وقلت "شاعر"، وصَمَتتُ... أجلْ يا سيدتي، أنا صوت من أنقى الأصوات الشعرية، ويمكن تصنيفني ضمن شعراء القرى النائية، أطبع دواويني على نفقتي، قصائدي (أولئك الأبناء الذين أنجبهم عقلي) تُنْشر في بريد القراء لا في الصفحة الأدبية، أنا شاعر بسيط وكلماتي تشبهني، أؤمن بالشعر كوسيلة لتغيير العالم، لستُ خبيرا بشؤون النساء ولهذا أحفظ غيبا أشعار نزار قباني...
َسألَتْني عن هواياتي فقلت اني بلا هوايات وأحتقر الرياضة وجَمْعَ الطوابع، " هل عندك شهادات؟" قلتُ" عندي دكتوراه فخرية في الاكتئاب" نظرتْ لي من زاوية مختلفة فرأتني كائنا متوحدا وانطوائيا خامدا وتعسا باستثناء عيوني، قالت " تبدو مثل القديس سيباسستيان تخترق السهام بدنه ولا يبدو عليه أي معاناة، كيف وقعتَ في الاكتئاب؟ قلتُ " هكذا عوكست، عاكستني الحياة،كنتُ أريد المضي إلى أبعد حدودي مستثمراً قواي الديونويسية الهدامة، فاقترفتُ الحماقات بالجملة والمفرق، تجاوزتُ كل التجاوزات لأطهِّر ضميري من سموم الأخلاق، قمتُ بكل ما أستطيعه من منكرات قبل فوات الأوان، ثم اقتنصتني الهاوية وسقطتُ ". وقالت وهي تداعب ظهر القط أنها تفهمني تفهم إحباطي، ولم أفهم كيف تفهمني؟...كيف تفهم ما لا يُفهَم؟ هذه الخرقاء! حتى زوجها مُعالجي لا يفهم شيئا عن أزمتي، الإحباط هو المرض الوحيد الذي لا تتسع له مفاهيم الأصحاء، هو سِفْر الخروج وسِفر أيوب مجتمعين في رجل واحد، أنّى لغير المحبط ان يفهم الإحباط؟ انه شكل مجازي للموت، حزن أساسي، تمزق داخلي، جرثومة فتاكة أعتى من الحرب والغلاء والوباء ووجع الأضراس والزلازل والطاعون وهجمات التتر والمجاعة والمسغبة، ولئن كان الأصحاء متشابهين في صحتهم فإن كل محبط تعيس على طريقته الخاصة، الإحباط إحباطان، مجرّدوعيني، على أنه يبقى الإحباط نفسه ولا يجوز تجزئته، هو فقط يتشكل بأشكال مختلفة، الألم الجسدي، العُزلة، الموت المؤجل، الاحتراق، الصمت، الخرَس، العفن الداخلي، تعددت الأسماء والإحباط واحد، كيف أستطيع أن أفهمكِ ذلك أنا الذي لم أفهم شيئا من إحباطي؟ دائما يحول سوء الفهم بيني وبين الفهم، أتوسّلُ بالمنطق والرياضيات فتخيب وسيلتي، الرياضيات مفتاح الطبيعة لا النفس البشرية، التأمّلات كلها مجرّدة، الإحباط إحباطي، هفوتي الخاصّة، أرضي المحروقة، بيريزينا(ي) ومع ذلك لا أعرف عنه أكثرَ مما تعرفيه أنت، لا يمكنني أن أتكلم عنه إلا بالصمت، فذهني ما زال غائما وكثيرا ما يكذب الشعراء، الإحباط وحشٌ مراوغٌ كامن غير منظور،كاوس عمائي، فوضى واسعة، حياة وبيلة، أعطال وأعطاب، علة باطنية لاعضوية، مفهوم اعتباطي مثل ألّلاه بتاعنا أو يهوة بتاعكم، الأغلبية تؤمن بهما والقلة تنكرهما، والمؤمنون بهما لا يتصورونهما بنفس الطريقة، تخيلي سيارة تسير بسرعة صاروخية في أوتوستراد ثم تجنح في انعطافة قوية نحو مكان مجهول وترتطم في الخواء، هذا هو الإحباط يا سيدتي، تقريبا لا تحديدا، انحراف عن السوية، نكسة تعتري المسار، طفرة هائلة غير مفهومة، الإحباط يبقى سراً بين اثنين، المحبط وإحباطه، فعل مجهول يحيل على نائب فاعل، مبتدأ بلا خبر، لو كنت موسيقارا لَلَحَّنْتُه بشكل سمفونية كاكافونية أنغامها كصفير منشار يأز في لحم طري، لو كنت رساما لرسمته على صورة [ الصرخة ]، اللوحة الأشهر للرسام النرويجي الأشهر إدفارد مونخ، هذه هي رمز دين الإحباط، على ان الرمز علاقة بين طرفين نجهل أحدهما، الإحباط لغة فوق اللغة، لغة في اللغة، يُعاش خارج الكلمات، الكلمات عقيمة قلَّما تصف ما هو أعتى من المعنى ولا عزاء لأهل المعنى، في فيلم [ هيروشيما حبي ] تقول الممرضة الفرنسية التي تطوعت لمساعدة المنكوبين بالإشعاع النووي، تقول أنها تحس بالمأساة، ويرد عليها عشيقها الياباني الذي شاهد بأم عينه الرعب "لا، أنتِ لا تعرفين شيئا عن مأساة هيروشيما " تصر الفرنسية على أنها رأت آثار الدمار (بعدياً) على وجوه الجرحى والمُشَوهين والمعاقين والأطفال المعطوبين الصلع ألخ الخ.. ويصر الياباني على انها لم تر شيئا، ولا غرو، فالاحساس بالكارثة حكر على ضحاياها، الإحباط هو ان ترتفع درجة الحرارة فجأة إلى عشرة الآف درجة مئوية وتصهر كل شيء، انه الجحيم بعينه...كان بودي أن أجاهر بكل هذا ولكن الوحش سلبني من كلماتي، احترمَتْ صمتي وجبرتْ خاطري بابتسامة متضامنة، قالت وعلى وجهها الابتسامة الحانية نفسها " أفهمك، أنت ضد الثرثرة لأنك أكبر الثرثارين مع نفسك، طويتك مطوية، أوجاعك الغميقة خرساء، لا عليك، لا زلتَ في عنفوان الشباب وأمامك مستقبل " كظمت غيظي منها بكظ أسناني... المستقبل هو الشيء الذي أمامي ولا أراه، المستقبل كان وراءي، المستقبل جثتي، شَبابي انتهى في رَيعانه ولن أسمح لك أن تقولي ان الشباب أجمل الأعمار، الشباب فجيعة، الشباب خريف العمر لا ربيعه...
فكرتُ بكل هذا واستأذنتُ للخروج، نظرتُ للساعة فكانت الخمس دقائق قد استطالت إلى ساعتين ونصف
خلوة غير شرعية
" تَفَضَّلْ يا رام " ناعسا جاء صوتها من الجهة الأخرى، تفضلتُ وحدي للبيت الذي صرت أعرف دهاليزه، كرّجتُ الكراجة بنفسي إلى غرفة المؤنة ووضبتُ محتوياتها بين الثلاجة والنملية والبراد الكبير، وقعدتُ على الأريكة الفيكتورية أنتظر قدومها وتعليماتها، رأيتُ الطاولة مجهزَة بشموع وكؤوس وقلب كيوبيد، وخمنتُ ان اليوم هو عيد ميلاد شيكل (ها)، لمحتُ القط أنغورا نائما في حضن تمثال بوذا، بعثرتُ بصري بين الصور قبل ان أثبته على صورة جدها بوشناق التاجر الذي باع قمح الجزائر لفرنسا ثم باع فرنسا للجزائر، بروفيل ثلاث أرباع لوجه خبيث بارد على خلفية سوداء تماما،فتحت جريدة الأهرام وأخذت أقلب صفحاتها، سمعتُ وقع خطواتها في الرواق فوقفتُ باحترام عسكري "بونجور مدام " ففاجئتني بحنان حقيقي " ناديني نادين حاف بلا مجاملات "، وطفقتْ تشع بأناقتها وامتلائها بذاتها، قميص نص كم يعصر الخصر ويبرز حجم النهدين، تنورة فيها من القماش أقل ممّا في منديل جيب، ترتفع كثيراً عن الركبة وتنخفض قليلا عن الثمرة المحرمة، توهجتْ أنوثتها مع الكعب العالي، تخصورتْ خفيفةً لَزجة كثمرة ليتْشِي، وعلى وجنتها بسمة ناعمة جدّاً، ساذجة جدا " ما رأيك بهذه اللوك يا رام؟" وأخذتْ تمدح حسنات الميني جوب لكونه يمنح للمرأة العصرية فرصة للتعبير عن ساقيها، خمنتُ أنها لو مُشْت هكذا في الشارع فستسبب عدة حوادث اصطدام، ساورني شك بأنّ شيكل وهو يطلب مني أن أقضي حاجات المدام يقصد حاجاتها العاطفية (لعله يعرف إني مخصي فلم يخشَ من إرسالي إلى الحرملك بتاعه، أو لعله قصدا رماني عليها لتفعل بي ما يفعله هو مع خليلته) وتأكد شكي حين تبينتُ ان المحتفى به هو أنا خدامها، اذا كان اللقاء الأول عموميات وقهوة فالثاني خصوصيات وسكر، خيَّرتني بين نبيذ كاهور والميدوك فاعتذرتُ متحججا إنني معتكف عن الشرب بسبب الأدوية. "هل عندك عشيقة او زوجة لتواعدها؟ سألتني فقلتُ إني أعزب، قالتْ ان العزوبية لها عيوب كثيرة لكن الزواج ليس له أي لذة،واستدركتْ وهي تنزع فلينة القنينة" ربما أنك مسلم ملتزم لا تشرب خمرة." استفزني قولها فقلت " بلى أشربها إذا كانت حلالا على سنة ألّلاه ورسوله " لم يكن بوسعي التنصل، المدام شيكل شكل تاني، تعيش ليومها فقط تفرح دائما وعندما تحزن تحزن بصدق، أكرر وأعاود القول: إنني لم أنزلق إلى مطب الموضة الدراجة لدى كتبجية العربان، يقحمون شخصية يهودية طيبة إقحاما في رواياتهم لزوم الحبكة الدرامية، لا وحق اللات ويهوة! لم أقحمها ولكنها أقحمتْ نفسها في حياتي، وهي ليست طيبة ولا خبيثة ولكنها يهودية تنتهز الفرص بدل تضييعها، قرعنا كؤوسنا ورشفنا، راحت تتكلم عن تعاستها مع شيكل ببرود وحياد كأنّها ليست معنية بهذه التعاسة " ما يغيظني في ج ب انه يهتم بكرة القدم أكثر من اهتمامه بي " صمتتْ منتظرة أن أبادلها مصارحة بمصارحة، لكني لم أعترف، إذ لوْ زل لساني وصارحتها بأن أقصى طموحي هو التشبه بزوجها فبالتأكيد أنها ستنفر مني، تحدثنا (هي التي حدّثتْ) عن مشكلة النساء التي هي مشكلة الرجال، وتحدثتْ عن مشكلة اليهود التي هي مشكلة الأغيار الغوييم، وتحدثتُ عن السعادة والمبادئ المليحة الرشاقة والرياضة ومشاكل الحموات، ومشاكلها هي، كانت يوماً وسيمة ذا شبابٍ نيِّرِ، غير أنها كانت تدرك أن هذا لن يدومْ بسبب الذبول الضجر العقم، حياتها صدفة جميلة من الخارج فارغة من الداخل، وتحتاج لمن يعمّق إيمانها بالحياة، لهذا تقتني القط والكلب والكنار (وتريد ان تضمني إلى جنينة حيواناتها)، لا تعرف معنى اليأس اذ لم تكن يوما فاقدة لليأس " من قال ان السقوط لا يحصل إلا للآخرين! لعلي محبطة مثلك يا رام!" هكذا دمدمتْ وهي تمج السيجارة، خطر ببالي انها تنمّي التماهي مع مدام بوفاري حدَّ التطابق، لو وضعنا المظاهر جانبا فإن النسخة أتعس من الأصل، نادين تشكِّل مع شيكل(ها) الكوبل النموذجيالمُستهلَك بطول السنين، كان يعترف لها في بداية الزواج " ستكونين زوجة طيبة يا حبيبتي أما أنا فلن أكون أبدا زوجا رائعا" كان قدرها، تعرفه من زمان كانت تناديه دكتور وهو ما زال سنة أولى طب، تزوجته في ستراسبورغ وجائتْ معه إلى باريس، ولم تكن مسرورة حقّاً في أيِّ مكان، لكن الحياة علمتها أن تبتسم في أحرج اللحظات وأن تجد العزاء في العزف على البيانو "
واستوتْ خلف البيان وعزفت مقطوعة لحن هنغاري لشوبرت، ثلاث دقائق من الخيال المحض، سألتني بالمناسبة هل أفضِّلُ هاندل أم باخ؟ قلتُ إني أفضِّل الجزائري أنريكو ماسياس، على أنها وضعتْ في الغراموفون شريطا للقوالي نصرت فتح خان، واكتشفتُ انها لا تمزمز النبيذ مزمزة بل تبلعه بلعا، هي أيضاً راديكالية في تحررها، حبها للشباب هو نقطة ضعفها الوحيدة إضافة الى حبها للخمرة والشوكولا، كل ما تسمع بهما تهتز أعصابها وتفكر بهجر الريجيم، ما أشد وحدتها! الحزن المدروس على وجهها هو شبهة نقص عاطفي حاد، عيناها الهادئتان ثمرتان لوجع بورجوازي، كل هذه الأنوثة الفادحة، تسبيلة رموشها، شفتاها، بسمتها التي تخفي قلقا خاصا، امرأة شاملة مدجَّجَة بقناعة شرسة كأولئك النساء اللواتي خرجن للتو من تجربة وعرة، لا مساحيق على وجهها، مشارف الأربعين هو العمر الذي تعودت النساء إخفاؤه، لكنها لا تخفي شيئا، من حبها للجمال لا تحب مواد التجميل، من البديهي ان ينسجم برج اللبوة مع برج الأسد، هذه هي فرصتها، شاب فحل لقطة، لحم عربي طازج ورخيص، مجرد كليشيهات نمطية عن فحولة العربان، لم ينتصب قضيبي لكنه ريقي الذي تحلب بسبب الحنين للخمرة، " بِصَحتَِك"، لنشرب نخب حياتنا التعسة، ليس الوقت وقت تراجع، عندي ضعف خاص تجاه خمور الميدي، ضعف بمعنى العطش، أنني صائم منذ تلك الرؤيا السوداء، الأرض دارت حول الشمس دورة كاملة ومحسوبِك عطشان ريقه ناشف... فتحتْ قنينة سميرنوفا فاحتجيتُ عليها شكليا، وأصرّتْ أن الفودكا هي أنجع معالجة طبيعية للإحباط "أتَشُكَّ في حسن نيتي يا رام؟"... معاذ الله يا ست نادين، كل ما في الأمر أن هذه الفودكا اللعينة تذكرني بزعرنات مُشْتركة مع يانوش، كما ترجعتني لأيام زمان، لعامَيْ طيش قضيتهما في بلاد الصقالبة، كنت مبتعثا أدرس هناك في خمارات وارسو، أسكر كل ليلة حتى آخر حانة مفتوحة، فليس فقط ما يجمع بيننا هي فلسطين التي تسمونها يسرائيل بل أيضاً بولندا التي نسميها ليخستان، هناك حيث ولد ومات جدك حاخام مدينة لوبلين... بلعتُ أول رشفة فودكا، ازدريتُ ريقي شعرتُ بحريق في أحشائي، أطفئتُ النار بجرعة ثانية والقوالي يشطح [ مولى علي مولى ]، والكلب جازي يلعق يدي، وهي تلح عليَّ بالكأس الأخيرة، الكأس ما بعد الأخيرة " ناذدروفيا"، قعدنا نخمر ونتجاذب أطراف الحديث، سرّها كثيرا إني أكره كرة القدم واعتبرتْ هذا من علامات الرجل الحقيقي، اعترفتْ أنها تحب العرب لأنهم بدائيون... هل هذا إعلان حب أم إعلان حرب؟ هؤلاء اليوبان في مناوراتهم اللغوية! هو كان يقول لي ما ينقصك هو العمل (ويقصد السخرة) وهي تقول لي ما ينقصك هو الحب (وتقصد السكس) تريد ان تضاجع مومياءْ، ان تستفرد بي لإطفاء حرائقها الشبقية، كيف أرضع من الذئبة من دون ان تعضني؟كيف أستوعب الدرس الثاني وأنا لم أستوعب الأول؟على العموم فإن الهوانم النواعم يشعرن بنكهة حريفة مع البروليتاري الجردي، فالنكاح شكل من أشكال الصراع الطبقي، الخيانة الزوجية هي الحد الأقصى الذي يمكن أن تبلغه البورجوازية في انحطاطها، ارتباطها به لا يعني انها مربوطة في عصمته وفي زواح كاثوليكي، كيف تتزوج جنديا واحدا البنتُ التي تحب الكتيبةَ كلها! الطلعات البرانية ضرورة لتخطي الرتابة الزوجية وذلك انطلاقاً من فكرة أن جسد الإنسان يحتاج إلى أكثر من جسد، تخيلوا إنسانا (إنسانة) يأكل أطيب طبق في العالم، يأكله كل يوم (كل ليلة) في آخر المطاف سيفقد الطبق نكهته، صديقات المدام عادة ما يشهقن برعشة كاذبة لإسعاد أزواج خربانين، لكن المدام وحدها ترفض مهزلة تقديم ذاتها قربانا على مذبح الذكورة، تصر على أنوثتها التي هي نقطة قوتها وضعفها، وعلى رغبتها في الإنتقام من زوج مخادع، وهذا ما يقرِّبْ بيني وبينها، إننا مخدوعان وعلينا ان نخدع خادعنا، هو يخونها مع زبونة أشب منها وهي تسعى لتخونه مع زبون أشب منه، ومنها، واحدة بواحدة، يتبادلان الخيانات الزوجية كالأنخاب (تصير بأحسن العائلات، تصير) هذا الصباح وأنا أكنس العيادة لمحتُه بصحبة عشيقته وذهلتُ من شبابها، هل هي زوجته أم ابنته؟، من يراني الآن معها يتسائل هل هو زوجها أم إبنها! دزينة سنوات تفصل بيننا وفوارق طبقية، حين فتحتُ الجريدة على صفحة الأبراح الفلكية قرأتُ "ثمة لبوة بانتظارك يا أسد " الحب، هذا الشقاء الرائع حلو في بداياته فقط، الحب هو المطلق في متناول الخنازير[23]، كانت تبحث عن طمأنينة وحيدة في الحب والآن تريد هدم المتراس الوحيد الذي تتمترس خلفه، إنه قلق الأربعين الذي يسمونه أزمة منتصف العمر، في عمر مفصلي كهذا يملك الجسد الأنثوي عقلا خاصا به، لستُ وحدي زبونا للتحليل النفسي، المحللون النفسيون بحاجة لمن يحللهم، الفاميليا شيكل تزرو ثلاث أطباء نفسيين، واحد لها وحدها، وثانٍ له منفرداً، وثالث لهما الإثنين مُجتَمعيْنٍ، وكل هذا لأن اللبوة لا تنسجم مع الضبع، أهملها يوم عيد الحب ولم ينفحها بوردة جورية ح، يفضِّل الكُرَة عليها، حبه للكرة مقياس كرهه لها،حين لا يذهب لملعب بارك دي برنس يسترخي أمام التلفاز يمد رجليه على الطربيزة، بوجهها (كما فعل معي) يفرض عليها الصمت وحالة الطوارئ، يكرع البيرة وهو يشاهد الصبيان ال22 يركضون وراء شيء جلدي مكور، PSGهو ضرتها، إذا فاز على مرسيليا يتحول البيت إلى نعيم واذا انهزم يتحول البيت إلى جحيم، حدثتني عن باكورة علاقتهما قبل أن تتخرب وينامان في سريريْن، ناولتني رزمة من رسائل الغرام لأقرا لواعج قلبه، حبر على ورق، رسائل الغرام الأولى للعشاق تشبه البيان رقم واحد للإنقلابيين، أكاذيب من طراز بالشعب وللشعب، بالحب وللحب، رسائل الحبّ إن كان هناك حبّ، لابد لها أن تكون سخيفة[24]، هكذا انتهى شهر العسل ليبدأ شهر البصل، احتضر الحب إلى غش ميكانيكي، je t’aime ; moi non plus[25] الحبّ ان لم يكن مهدّدا من هذا الطرف أو ذاك فهو مهدد من الطرفين، بعد 14 سنة، بعد خمسة آلاف يوم من تناول طبق البصل اليومي صارت المدام بلا شهية وبلا اشتهاء، نسيتْ أنوثتها، لكن معظم الباريسيات لديهن أزواج سابقين وعشاق لاحقين.
صبَّتْ الفودكا في قدحي فذكرتها إني أبلع أدوية " سحقا للأدوية، هوِّن عليك بلحظة أُنْسْ يا رام، إذا داهمتْكَ الحياةُ فعشْها كما هي، كاسك، عالج الوهم بوهم آخر" المدام بالكاد تؤمن بفاعلية البروزاك وتؤمن أقل ببرشامة إكس 3 بتاعة زوجها، بالمقابل فهي تؤمن بالشفاء العاطفي والتيرابي العرفانية، العلاج السكسي، فاجئني برموزها البسيطة، بوجعها البورجوازي، وهاهي تفاجئني بشبقها، أعلنتْ إنّها من أنصار السلام وهي تفرج فخذيها وتكشف عن كيلوتها الأحمر... حقا يسيدتي، علينا بالحب لا بالحرب وأزيدك من الشعر بيت، السكس توليفة ممكنة بين الحب والحرب، هو التعبير المباشر عن غريزة الإنسان واندفاعاته وشهواته، (لهذا يكثر المناضلون الفلسطينيون في مواخير تل أبيب) السكس هو كل حياتي لولا إني خربان، مشلول النصف السفلي، وحتى العلوي، مشلول كليا، الوحش سرق مني زهرة شبابي، وشرِّش في البتاع فجعله رخوا مرخيا، إنني محبط أكثرَ ممّا تتخيلين، رغم شبابي فأنا أكهل منك، أنا رجل ناقص رجولة، مهدّم معطل مفكفك، مفلس جسديا ومعنويا وعاطفيا ووجدانيا، وممنوع من الصرف سكسياً، الإحباط مؤشر لعطب الوجود والعلاقة المتشنّجة مع الحياة، برود جنسي، انقباض، انعزال، حريق جواني، كدرْ، انحدار، الوقوع فيه يعني أن تكون (ي) عند الدرجة الصفر من الوجود،ميتا وأنت حي... وأغْرقتُ عاري وأفكاري الخرساء في المشروب بينما أسندت مدام بوفاري الحزينة رأسها على صدري، أصبحت عيناها حالمتيْن وهي تقول بباتيكية ". Je crois que je t’aime[26] تفاجئتُ بهذا المقدار من الحب والحنان، أنا المُشْ شبعان حب وحنان، يا غارة الله ويهوة! للقلب شطحات لا يدركها القلب ذاته، الرجال بارعون في التنظير، النساء في التنفيذ، عندها فائض من فيتامين ح وأنا عندي نقص حاد، تحبني ولا مراء باسم ما يربطنا من حقد أبدي، بنفس الطريقة التي تحب بها كلبها جازي، تحمله على ذراعها كأكسسوار طوطمي وتداعب خشمه، حب كلاب عابر للأعمار وللأديان وللأحقاد، أحبتني من طرف واحد كما أحببتُ مريمَ المغربية، رف قلبي لها في بوبور دون ان تدري، كتبتُ لها خربشات وسميتها شعرا حين أقرأتها إياها نفرتْ مني، لا عدل ولا اعتدال مع جنس حوا، في الوقت الذي ملئني الوحشُ امتلئتْ المدام بي، حين كنتُ واقفا على رجلي عز عليَّ الحب وإذ سقطتُ أحبتني يهودية، الحنان مقابل السكس، أظنها تظن إنها تحبني، لستُ واثقا من ظنوني وليستْ واثقة من حبها، ديسيدامان، أنا فارس أحلامها وتشتهيني ليس برغم الفوارق وإنما بسببها، خيلاء الحب لا يعلى عليها، بعض الصوفيين يعشق ولا يدري من هو المعشوق، ثمة نساء يغرمن بمصاص الدماء، ومِن الأطفال مَن يقع في غرام الدمية، وهي خليط من كل هؤلاء المهابيل وتريد أن تهب جسدها لرجلٍ دُونٍ من باب جَبْر الخواطر، أنا البوي بتاعها شماعة أهوائها المتقلبة، تحب انكساري، أليس حقا ان المرآة المكسرة تساهم في ترميم الوجه، تحبني لأنها تكرهني، حسمتْ أمرها بين زوج لا يحبها ورجل تحبه، أن تكون محبطا وبلاي بوي يعني أن تمشي في حقل زهور مزروع بالألغام، أين نقطة التوازن بين مونسنيور ومونآمور، بين طبيبي وحبيبي؟ بين الصقور والحمائم، وبين الدجاج الديوك، هو مبرمج للأخذ وهي للعطاء، وأنا هو القبان، هو يؤمن بواجبات الإنسان وهي تؤمن بحقوق الإنسان، وأنا هو الإنسان، هو مصاب بالعجز الجنسي وهي مبتلاة بالشبق الجنسي، وأنا بيضة القبان، هو يهودي ديوث وهي يهودية خائنة، وأنا الغوي، هو يكرهني لأني فلسطيني ومحبط وهي (لنفس الأسباب) تحبني، المكتئب يثير الخيال كالقرصان، بعضهم يظنه مجرما، بعضنا الآخر يحسبه بطلا، كم كان شيكل ماكراً حين زج بي في متاهة [ العلاقات الخطرة ] لنغدو ثلاثتنا كأبطال مسرحية [ الغرف المغلقة ] يواجهون معضلة كونهم ثلاثة، لو كانوا أثنين او أربعة لأمكن ان يؤلفوا زوجا او زوجين، انما مع عدد مفرد سيبقى عصفور فالت ويسمم حياة الآخرَيْن، خبيبي رام، روميو، لم تحب شخصي بل أحبت حالتي أحبت في قوة الضعف، إحباطي وجذوري الطبقية، المخصي هو خير من يفهم النساء، القادرون على الكراهية هم أجدر الناس بالحب، وعد بلفور غرامي، فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وهي أنثى بلا ذكر لذكر بل أنثى، ألم يختار إسكندر المقدوني عشيقته روكسانا من بين ألد أعدائه، في كلمة إحباط يوجد حب، وفي المحبط يوجد رومانسية وجلال الشجن، الرجل المجروح يغوي المرأة بجرحه، يحدث غالبا، لا في روايات عبير بل روايات ستندال، الحبّ الحقيقي هو ذاك الذي يكون فيه بين المحبّين نوعا من اللامساواة، لا أظنها تحبني بل تشتهيني كفحل، المرأة دائما تواقة إلى سلب من تغدق عليهم، مثل هذا المكر ينشأ من عزلتها[27]، مدام روتشيلد لا تستطيع ان تحب الا نفسها وعالمها الضيق الحميم الآفِل، لوحاتها، فنها، البيانو بتاعها، حيواناتها الأليفة، شمس أصيلها الغاربة خلف السين، سلالتها العريقة الآيلة للانقراض وصور أجدادها المعلقين بالجدار، متحف للهولوكوست تفوع منه رائحة تاريخ عطن ومكرس للوجوه العتيقة والذقون الحاخامية، هي من ضمن هذه التحف قطعة ثمينة لأنها وحيدة اما أنا فباريس تعج بالأطنان من أمثالي، انها على أي حال ثمرة لم يحن أوان قطافها، رغبات مؤجلة، ليس هو ضميري الذي لا يطاوعني بل قضيبي، قلبي مشغول عنها بالوحش الذي لا تعرف معناه، ضموري وقصوري عن الحب، شهوتي المتكلسة في مستنقع الإحباط
وقررتُ ألا أصحو أبداً، صرتُ أنا من يشجعها " صبي يمدام من هذا العصير السحري واسقيني، نذدروفيا يشتة راز،في القلب ركن ناشف لم يرتو بعد، نظرتُ للتحذير المكتوب على بطن البطحة (الإفراط باستهلاك الكحول يضر بالصحة إشربوا باعتدال) كرعتُ بإفراط من فم البطحة، شعرتُ بتجويفة هائلة بمعدتي، تقيأتُ عليها وعلى كيلوتها الأحمر على الحب وعلى رسائل الحب، ثم فتحت الباب لأتنشق الهواء خرجت ولم أعرف طريق الرجوع
أبو لهب وعشيقته ليئة حمّالة الحطب
عادةً حين يدخل ذئب بين الكلاب فإنها تنسى بعضها وتنبح ضده ولكن شيكل جعلنا أنا وبلدياتي ننبح ضد بعضنا، استغرب عبد السميع علاقتي بيهودي، ولم أستغربْ هذا الإستغراب من مُطَوَّعْ تعود ان يلومني على أقل من هذا بكثير (كمطالعة برجي الفلكي في جريدة الأهرام مثلا)، إذ دخلتْ المدام على الخط، زاد غيظه نظر لي باستهجان " يهودي نص مصيبة، أما يهودية فمصيبة ونص " قلتُ له " المدام حرة مُشْ حرمة، ولأنها حرة أحبّتني " عوج فمه بطريقة ساخرةوزعق بدينامية اليهودوفوبيا التي تتغذى من نفسها " يا خبيبي يا خبيبي! روميو وجولييت عربي ـ عبري! نحن واليهودي لا ننام بسرير واحد، والله لو طلبتْ مني قول لا إله إلا الله ما قلتها، والله لو غطسوها في العسل ما نحبها، ومهما طبعتْ لن نطبع". مع النسوان دائما ترجح النية السيئة، المدام في مقاييس عسعس شرموطة لأنها مُشْ بقرة وهابية، يرفضها بالجملة لأنها أنثى، فكيف إذا كانت أنثى ويهودية، أربد وجهه واتخذَ بُعدا أخلاقيا، رمقني بعينين امتزجت فيهما الإدانة بالصرامة الوهابية وزقزق بلهجة موتورة "! نحن نتظاهر ونحرق نجمة داوود وحضرتك عامل تطبيع مع اسرائيل، تبيع القضية علشان يهودية، تنفر من ليلى لتعشق ليئة، أنت فاسق مُشْ عاشق، أنت الخاصرة الرخوة للقضية، نسيت دير ياسين وكفر قاسم! ودم الشهداء! ووو " هذا الداحض للحياة، قوميسير الأخلاق المانع لكل مسرة وطرب وابتهاج!
اعتاد على المزايدة في بازار الجعجعة والسجالات العقيمة لدرجة إنّه لو حُلََّتْ القضية بما يرتضيه كل الفلسطينيين لخلق فلسطينا أخرى في مكان آخر، فلسطينيته توليفةٌ عجيبة من مشاعر باتيتيكية مع جرعة حماسة مركَّزة مع شوية بداهات خادعة، التزامه بالقضية حجاب يحجب عنه ذاته، طيب أنا مالي ومال القضية! أنا مملوء بنفسي حتى الفيضان ومشغول عن الحماسات المُشْتركة بإحباطي، في مجال الطعرسة أنا متقدم على زمني بعشرين سنة لكني في مجال الوطنجية متأخر بثلاثين سنة، من علامات وطنيتي المتدنية اني عاجز عن تمييز علم فلسطين عن علم السودان، أنا فلسطيني من نوع خاص جدا جدا، لم أتبرع البتّة بدمي (زمرتي الدموية تأخذ من الكل ولا تعطي إلا لنفسها) الكوفية المرقطة التي يضعها حول رقبته أربطها أنا على خصري، بينما كان هو يتظاهر في المناسبات القومية الكبرى كنتُ أدلف إلى سينما السكس، شو يعني 250 ضحية بدير ياسين! أقل طوشة بين الصعايدة تزهق نفس عدد الضحايا، في صبرا وشاتيلا قتل الكتائبيون أكثر من هذا بعشر مرات، في مجزرة حماه فتك البعثيون مئة ضعف هذه العدد، ما يفعله صدام بالعراقيين أكثر بألف مرة، وحشيتهم تجاهنا لا شي أمام وحشيتنا بين بعضنا، ظل عسعس يشبح ويعنتربصوت كصوت الطبول وهي تحفز الجنود للمعركة، اتهمني بتشويه صورة الإسلام (وكأن الإسلام صفحته ناصعة) اختلف معي (كأننا كنا متفقيْن) فتح جبهة على حسابه وأدخلني في متاهة الحق والحقيقة " نسيت فلسطين، الأرض المقدسة، مهبط الأنبياء وقبة الصخرة وثالث الحرمين وووو" لكني في الأساس لم أتذكر وجود المقدسات حتى أنسى، كله عندي مدنس، اذا كنا أصحاب الأرض بعد 637 سنة بعد الميلاد فهم أصحابها قبل أربع آلاف سنة قبل الميلاد، يظن عسعس ان على الفرد نكران فرديته لتكريسها للجماعة، هراء! الجماعة لا تحتاج لِإمعات بَني وي وي، وقناعتي أنّ الفرد هو أساس الجماعة، مدام ليئة أيضاً عندها قضيتها لكنها لم تشهرها بوجهي بل شهرت البيانو واللوحات وكيلوتها الأحمر، وبينما رأيتُ في بيتها مكتبة عامرة بالكتب تمتد من الأرضية حتى السقف فقد رأيت في بيته كتابين فقط (تفسير الجلالين وتفسير الأحلام) بئس القضية التي لا تتيح للفلسطيني مجالات أخرى سوى المناضل الإيجابي والشهيد والبطل الملتزم الجذري والثورجي والغيرجي؟يلعن رب القضية شو هي وقفت على زب رمضان! ما عندك ملكة جمال اسرائيل أسمها عبير، وعندك نصف لاعبي منتخب الكرة الاسرائيلي اسمهم أحمد ومحمد، وكثير من المجندين في تساحال يسمونهم نعيم وبهيج، القضية مُشْ زوجتي لأتهم بخيانتها، وإن خنتُها فلدي دائما مبرراتي، وبحسبي فإن الاحتلال الوهابي أخطر بكثير من الاحتلال الإسرائيلي، أنا قضية القضايا، مصاب بكل أمراض المدن لكني بريء من نقاوة الثوار، أنا ماركة مسجلة برسم المفارقات، طليعي برفضي للطليعية، أنا أزعر بين الأوادم، شيعي بين أهل السّنة، خارجي ضمن الشيعة، داخلي مع الخوارج، لأني لستُ بطلا أحاول ان أبدو باطلا، لأني لستُ مهما أحاول أن أبدو كأني لست مهتما، ولست من جملة من الباكين على حائط المبكى الفلسطيني، جدلي محتدم مع هويتي، مع التباسات هويتي، لا أنكرها ولا أقبلها، كونك بلا هوية رسمية هو بحد ذاته هوية باطنية، يعني أن تكون مثل الخوارج والبدون والغجر واليهود والمنبوذين الهامشيين، وهذا يناسبني من جهة، عسعس يظن إن من يفقد وطنه يفقد حريته بينما أظن أن الفقدان حريةٌ وأن الحرية بحد ذاتها وطن داخلي حميم، اللاأنتماء ينسجم مع فوضويتي ويزودها بمزيد من اللاءآت النافية للواجبات الممجوجة، لا ارتباط بأرض، ولا إنتخاب، ولا خدمة علم، ولا نشيد وطني تضع يدك على قلبك أثناء عزفه، أن يكون المرء بلا وطن يعني أن يكون حراً في أن يحلم بوطن خيالي (ولهذا لم أطلب جنسية فرنسية بل ألومه لأنه تجنس بها) أنا حج معارِض ولا أتموقع بمحض إرادتي بل نكاية بالأغلبية، لا أؤمن بألّلاه ولا بمقدساته ولا بمعجزاته (خاصة معجزة طيران صلعم على حماره من القدس إلى السماء) لا أؤمن بشيء لذا أحتاج لامرأة تؤمن بي، وقلت له بلساني " ليئة إنسانة حرة فهمانة وواعية ترسم تقرأ تكتب تعزف على البيانو، بينما ليلى بتاعك حرمة مكرسة للمطبخ والنميمة والتفقيس والأرنبة ومُشاهدة المسلسلات المدبلجة " احتدَّ وارتسمتْ على وجهه سيمياء المُطَوَّعَة المحتسبن " كول خره، أبو لهب، علماني كافر تتبع قاسم أمين ولا تتبع أبو القاسم الأمين،كاشير مُشْ معتوب عليك، موساد طابور خامس " هكذا رمى علي اتهاماته وآرائه القطعية، أخذ يلعن أبو اليهود "أحفاد القردة والخنازير" ويلعن جنس حوا " اللي طلّعتنا من الجنة علشان تفاحة" تقوَّل عليَّ حتى انشغل عن تفلية لحيته من القمل، لا يستطيع ان يتخلص من وهابيته، يستنتج من كل حدث أسوأ من يمكن استنتاجه، قال ولم يكن يمزح " أحلق شنبي اذا ماكانت جاسوسه للموساد، زوجها جاسوس، وأمها أيضاً جاسوسة متقاعدة، شيكل تعلبْ يستعملك لغاية بنفس جاكوب، يصورك معها في لقطة إباحية لِيَبْتَزَّك " لم أسئله عن غاية الموساد من مكتئِب متلي لأني أعرف إجابته الجاهزة " الغلابة من أمثالي قناة سهلة للتجسس على المناضلين من أمثاله " أعرف منطق سمعان عبد المجيب قبل ان يجيب، لا يسنتطيع ان يتخلى عن أفكاره المسبقة بخصوص اليهود، يكرههم كرهَيْن، لأنه دون مستواهم ولأنهم فوق مستواه، عقدة نقص تقابلها عقدة تفوّق، يتخذهم شماعة مشجب لكل خيباته، لو يدري هذا البدوي الجربوع ان الفضل يعود لليهود الذين فتحوا له أبواب أوروبا وخلصوه من رعي الأغنام في صحراء النقب، لو يدري أن إسلامه برمَّتِه دين كاشير مستعار من اليهود، أن المسيح بذاته يهودي، وبرهومة كذلك الحال، ومن قال أن الله ليس يهوديا؟ قرآنه مكب لنفايات التوراة، يكره اليهود ويعبد إله اليهود، تناقضات! تناقضات! هو نفسه كاشير متنكر في زي أفغاني، أراني بعض الأحيان وأنا أتجول بحي بلفيل عاجزا عن تمييز مسطرة يهودي من الحاريديم عن مسطرة سلفي من الوهابيين، نفس مساطر رجال الكهوف، والكل متعصبون على طريقتهم الخاصة، يتشابهون بأدق التفاصيل، القبعة المخرمة على الرأس الفارغة، الذقن المرعبة، الظلامية الشاعة من عيون بائسة، الوجه المكشر خوفا من ألّلاه /يهوه، كان بِودي ان أقول له كل هذا، لكني فقدتُ جرأتي القديمة في محاججته، من فوائد التعصب الوهابي انه لا يسمح بالنقاش مع الوهابيين، شعتْ عيناه ضغينةً وتبرمتْ شفتاه اشمئزازا "إحكِ الدغري، هل طلبتْ منك ان تتجسس علي؟ إياك ثم إياك تكون أعطيتها رقم تلفوني أو عنواني!" البغضاء أحياناً تحول التافهين إلى مُهمين، لا يستطيع ان يتخلى عن فوبيائه وعظمته،يظن أن البوّاب يتجسس عليّه ويراقبه وأن هاتفه تحت التنصت، لا يتخلص من عقدة وعقيدة المؤآمرة.قعد يجتر الكلام المعتاد، يرصِّف كلمات كبيرة لمعان صغيرة ويكرز نفس العبارات السمجة، حَدَّ عليَّ حد الزنى (رغم اني لم أفعل شيئا معها) ثم فجأة فوجئتْ به وهو يلطّف لهجته " اسمعني يا بلد، سيبك من اليهودية الخبيثة، قريباً إن أحياناً الله نجد لك عروس مسلمة منقبة عذراء " هكذا هم الصلاعمه يفضلون السيارة جديدة من الوكالة ومُشْ مركوبة، إنما ألّلاه يسترنا من المنقبات فهن غالبا مايكن مستهلكات من الخلف او من الجهتين ويموِّهن على العذرية بغشاء بكارة صيني مصطنع، رحتُ (بخبث شديد) أصف له صدرها البارز ومؤخرتها المثيرة وردفيها وهما يطلعان وينزلان حتى حرقت قلبه بالحرقان (ما أكثر ما يتفنن العربان (وأنا أولهم) في الكلام عن النيك وما أقل ما ينيكون) فتحتُ الباب واسعا أمام الهوس الإيروتيكي وأنا اقول بلساني " بس أنت لو شفت المعركة بيننا في السرير، نكاح نوعي على ألحان البيانو والسيكا والنهاوند، اقتحمتُ القدس على غاصبيها، دخلتها دخول الفاتحين مُشْ دخول العاشقين، كسرتُ عينها وعين الأشكناز والسفراد، تصرفتُ بها تصرف المنتصر بسباياه "، شط ريقه وتحول تنفسه المنتظم البطيء إلى لاهث سريع، وحفل وجهه بالاستنكار والشبق، مرَّق لسانه بين شفتيه دمدم بنبرة وهابية" أعوذ بالله من عهر النساء خارمات المروءة، باطل عليكي يا يهودية! أين الرجل بتاعها! أين القوامة وحدود الله؟"قلت له (بخبث أشد) " زوجها خربان لا يكفيها، وهي أساساً أخذتني بدلا عن ضائع، حتى أنا لا أكفي هذه المستورة المبتلية بمرض الشبق، كيف تكتفي بجندييْن البنتُ التي تحب الكتيبةَ كلها " شمشَم بأنفه الذي لا يخطئ رائحة نكاح ممكن، أصبحت عيناه جمرتين، تشنجت الزبيبة على جبينه في متعة التخيل واستيلاد اللذة الجنسية، تأرجح بين الرغبة والكبت ولم يَقْوَ على أكثر من الحرقصة، نشل سيجارة من علبة دخاني ودسَّها بفمه وأشعلها (أول مرة ينفخ) قح، شع في عينيه ذلُّ الاشتهاء، خرج كلامه على شكل توترات شبقية " هاليهودية خطر عليك يا بلد، لازم تبعد عن طريقك، أنا بنفسي سألزمها، أعطيني تلفونها، أعطيها تلفوني " هكذا تحول العبد السميع إلى عبد الفرج، لم تعد المدام من الغزاة المحتلين بل صارت سبية او ضجيعة محتملة، عندما يكون الحديث عن السكس فكل الناس على دين واحد، السياسة تفرِّقْ والإير يجمع، كل هذه الأمور إغواءات، كل هذه الأمور انحرافات، لكنها ليست زنى بالمعنى الحرفي لكلمة زنى (الذي لا يكون إلا مع مسلمة محصنة)، الزنى بتاعي كبيرة من الكبائر أما الزنى بتاعه فصغيرة من الصغائر، هناك الجهاد الشرعي في سبيل القدس وهناك الجهاد الشرجي في سبيل الكس، فالله والكس وجهان لميدالية واحدة، يجب وضع أخلاق عسعس بين قوسين فهو لا أخلاق ولا يحزنون، أمة لا إله إلا الله، من فوق ماشالله ومن تحت يبعت الله، نسبتي إليه هي نسبة التّمساح إلى الديناصور، تعوَّد أبو الخطايا الكبرى ان يتجسس على أخطائي الصغيرة، عندما يُكثر الحديث عن الأخلاق فهذا مؤشر على أنها في طريقها إلى الزوال، هذه قضية مفروغ منها، علاقته بالأخلاق مثل علاقة شيكل بالطبّ، أعرفه باطنه وظاهره، مهما تلون أكشفه بأشعة ما تحت الحمراء وما فوق البنفسجية، لا يخدعني تشدقه بالفضيلة فهو يموه على رغباته المقموعة بأخلاق متقنة الرداءة، حافظ الدرس من صلعم مثال الخيانة الأعلى الذي سرق زوجة ربيبه وأعز الصحابه، هذا المسخ المتحرق بالشهوات، يجمع في داخله الكبت والشذوذ الباطني والتناقض، يكره الواقع كرها غريزيا، يكره النساء لأنهن لسن ذكورا، ويكره اليهود لأنهم يهود، ويكره نفسه لأنه مكبوت، لا يهضمني لأني أفضحه براديكالية أفكاري، أنا بعينه مشبوه بإلحادي، بفردانيتي، بإحباطي، بمعرفتي بعائلة يهودية، بإنصاتي لجماعة شهود يهوة، يريد إقحامي في بازار الدين والتديّن لأكون نسخة مكررة عنه، قسَّمَ الناس قسمةً مانوية كفّارا ومسلمين، أبطالا وخاينين، قاطع الكوكاكولا لكنه ما زال يلبس سروال ليفي شتراوس، ولا يغرني انه درس في السوربون فهو في العمق عقلية أول ابتدائي، يجهل حضارة اليونان وما فيها من فلسفة وفن، ويجهل حضارة الرومان وما فيها من سياسة وقانون، يفقه حضارة العربان وما فيها من حلال وحرام، باريس لن تغيره لكنه هو وأضرابه يمكن أن يحولوها إلى قندهار أخرى، لم يكن متزمتا لهذه الدرجة في بداياته، هما صدمتا الغربة والغرب اللتان صلعمتاه، ككلّ الشرقيين البدائيين حينما يطئون أوروبا ينبهرون ويصابون بقلق الحضارة، يأخذهم الخوف من التغيير ثم يحتارون بين إيمانهم وحريتهم،لكنهم بأغلب الأحوال يحسمون التمزق الداخلي في ارتداد هوياتي ضيق، اللجوء إلى طمأنينة الدين ثم تالياً المبالغة بالتدين، ما يجمعنا بل هو الشيءُ المغايرُ بيننا، أنا وهو نؤكد بعضنا في جدلية التجاذب والتنافر، يعزز إيمانه في شكي الديكارتي مثلما أعزز إلحادي في يقينه الصلعمي، يثيره إيماني المفقود، يصر على إرجاعي إلى الحظيرة لتحقيق رغبته في أن يساويني به، يريد جري من جحيمي إلى جحيمه، ليحاول! ليحاول! من الأسهل أن أصير يهوديا من أن أرجع صلعميا، الإسلام يضم مليار درويش معتر فلا يحتاج لواحد إضافي، دائما أتصبح بهذا الصرصار في بوبور، يحرق دمي بغبائه، يفرغني من أفكاري، يدخلني في نقار متواصل ومهاترات جانبية:"كيف لا تصوم واسمك رمضان؟" أنا إسم على غير مسمى، إنسان أولا ومسلم بالصدفةً، هرطيق بالفعل، فلسطيني بالوراثة، محبط بالإرادة، مفرد بوجه الجماعة، أنا (ولله الحمد) أكثر الملحدين إلحادا، وأن سقطتُ فلأني منسجم مع تناقضاتي، سقوط الإنسان أمر طبيعي كسقوط الحجر من أعلى إلى أسفل ولا ينأى بنفسه عن السقطة إلا من لا يسمو، لماذا سقط سور برلين ولم يسقط سور الصين؟ لماذا سقطتُ أنا ولم يسقط هو؟ سمعة كائن خام جردي مقتنع بغرارته بتياسته، لا يعرف الاكتئاب إلى قلبه سبيلا، لا تشغله انشغالات وجودية، لا يخرج البتة عن إجماع الجماعة، بالجملة فهو يعرف أمراض الجسد ويجهل مرض الروح، يتخاصم مع خصمه لا مع ذاته، ليس عنده أي وعي بذاته حتى يكون عنده وعي بانشطارها، ولا يتجاوز ذاته لأنه لاذاتي، شخصيته لا تقبل القسمة على إثنين لأنه معدوم الشخصية، حياته ماشية على وتيرة واحدة (صَلِّ، استهلكْ إخرسْ) لا يكتئب لتحصنه بالقافات الثلاث (قرضاوي قرآن قطيع) الإسلام رسم له حدودا لا يتعداها، حاجاته الفسيولوجية تتوقف عند بطنه ولا تصعد أبداً إلى الرأس والقلب، أصرَّ عليَّ لأفك ارتباطي بشيكل ومدامه لبرتبط هو بهما، أصر أن أرافقه للمسجد حتى يشفيني بآية الكرسي، كظمتُ غيظي، وما لم أجرؤ على قوله بصوت عال علكته مع نفسي بصوت خافت... ألّلاه بتاعك، وآياتك، ضعها كلها في جورة القاذورات وشِدْ سيفون الماء عليها....
ومن الفودكا ما قتل
مشيتُ بحذر فوق الثلج المكدس على الأرصفة، دخلتُ حديقة الشاتليه واقتربتُ من شجرة الماغنوليا فرأيتُ باقة زهور طازجة مربوطة بمسند المقعد عن روح يان لفوفسكي، رميتُ إعلانات عيادة شيكل في الزبالة وهرعتُ نحو ربيئة الناطور، رآني فيلكس فسارع يرسم إشارة الصليب على صدره وأخبرني أن يانوش مات من البرد، وجده البارحة ممددا على المقعد ذاته بلا حراك، أخبرني ان مراسيم الدفن ستتم بعد الظهيرة في الكريماتوريوم، شَعرتُ بدبيب جنازة في دمي، العدم (دائما هو) كالهباء يجيئ على حين غرّة مثل الشاب القاشوش في لعبة الباصرة يقش كل شيء، هكذتيصطدم الإنسان الحقيقي بنهايته وينتهي إلى لاشيء، جاء وذهب دون أن يزعج أحدا، كان يحس بدنو أجله لذا صار يتردد على الكنيسة البولندية ويغنيبوغورودجيسا [28]، هنا رأيته آخر مرة كان متعبا كأنه بوذا يعاني في ساعاته الأخيرة، كان قد سألني عن العالم الآخر، قلت له كيف تريدني أن أفك رموز الموت وأنا بعد لم أفك شيفرة الحياة، كان يرفع بصره إلى تمثال القديس يعقوب ويقول لي إن بنيته أن يحج على قدميه إلى مزار القديس نفسه في سانتياغو، لكن القدر (البرد/ الفودكا/ اليأس) لم يمهله... قطفتُ شتلة شمشاد من تخوم الحديقة وضفرتها قرب باقة الزهور، توقفتُ عند كشك السجائر، احترتُ ماذا أشتري بالعشر فرنكات الباقية بجيبي، تذكرة مترو أم علبة دخان؟ حسمتُ أمري بشراء علبة غلواز، تسللتْ بالزعبرة قافزا فوق البوابة، ركبتُ خط المترو رقم 11 إلى مقبرة بير لاشيز، خرجتُ من المحطة وركضت لاهثا نحو المحرقة، رأيتُ سنديانات المقبرة مصطفة على الجانبين كسرادق عزاء، هرولتُ بحذر فالثلج يغطى حتى القبور، لمحتُ القس بيير بوز راعى المُشَردين في كنيسة نوتردام دي بوفر بمسوحه السوداء، سلَّمتُ عليه فهو يعرفني (وكان يحاول تنصيري) وقفنا ثلاثتنا أنا والخوري والدفَّان مثل علامة السباتي، نزع الدفان الشرشف الأبيض فانكشف جسد يانوش هامدا، الحياة لها عدة أشكال للموت شكل واحد، كل وجوه الأحياء تختلف كل وجوه الأموات وجه واحد، عصرتُ أصابع يدي في محاولة لمقاومة الانكسار، لبثتُ أتأمل وجهه الصقلبي الشاحب، رموشه مسبلة لا ترفّ، على ذراعه وشم الصليب، محزن منظر الرجل وهو يرحل وحيدا ويشيّعه شخصان فقط (عِلماً أن الفضوليين يتوقفون بالعشرات لرؤية ممثلة تتسوق) بحذر بحذر اقتربتُ منه وفكرتُ ان أمد يدي فألمسه، هل حقا مات؟ ارتجفتْ يدي فسحبتها وخبئتها راء ظهري، لا يمكنني القبض على الموت، أستطيع فقط الاقتراب منه، الأشياء المهمة على ما يبدو، ترتبط بنا نحن فقط، الحياة تخصنا نحن فقط، الموت لنا نحن فقط هذا ما قالته بنت بلده الشاعرة شمبورسكا، ألقينا النظرة الأخيرة عليه، بالنسبة للقس بدا المنظر عاديا وبالنسبة للدفّان عاديا جداً، وبالنسبة لي مدهشا، أقيم جناز مرتجل عن راحة نفسه كرّز أثنائه القس بكلمتين عن معنى الموت والقيامة ثم التفتَ نحوي " لا تحزن يا بُنَيْ، الرب أعطى والرب أخذ، فليكن اسم الرب مباركا " وللحق، فأنا لستُ حزينا وجئتُ فقط بحكم العادة، ولا أظن أن يأسي نابع من غيابه لأني ما زلت حاضرا، ولا أستطيع تصور موته لأني ببساطة ما زلت حيا، وعليه فإن حزني عليه هو قناع يخفي حزني على نفسي، اننا جميعا مطروحون في زنزانة الموت نختبر يوميا موتنا في موت الآخر[29]، منذ طفولتي كنت مولعا بالمُشاركة في المآتم، كان بيتنا في المخيم محاذيا للجبانة والجامع، كنتُ أحياناً أشارك في جنازتين بيوم واحد، كلما بعدت قرابتي عن الميت كلما شعرتُ برغبة أكبر للانغماس في حزن شخصي على فقده، هكذا أصبح الموت تمريناً يومياً، تره لماذا تلاحقني الآن نذالات الأحياء بحق الأموات؟ لماذا نسي النسيان ان يختم على ذاكرتي؟ الموتى يذكرونا بحضورهم، لأسمائهم رائحة الغياب، تخيلتُ جثمان ابن خالي مسجى في هولندا، دهسته شاحنة هناك فمات، جائت أخته وخاله من برلين، جاء أخواه من الدانمرك، الحامولة كلها جائت وقد لجمتها الفاجعة، قاموا بواجب النواح الفولكلوري على أكمل وجه بادئين بالعويل وشد الشعر مع شوية دموع تماسيح، حين دَفْع الخمس الآف دولار اللازمة لتلحيده فقد حلفوا يمينا (حانثة) أنهم مفلسون، يوم الجمعة نفروا بين مساجد المهاجرين في روتردام ودينهاغ فشحدوا من المال ضعف المبلغ المطلوب ثم استنفروا مكتب م ت ف بأمستردام فتكفل بنقل الجثمان على نفقته، بيد أن الأخوة المفجوعين لم يردوا الصدقات إلى المتصدقين بل تقاسموها حول تابوت أخيهم الرصاصي... أثناء صفنتي الطويلة كان قد تم ترميد جثمان يانوش بسرعة، أُدْخل في فرن الكرماتوريوم طوله مترين وأُخرج قد كمشة رماد، اختفى مثل بحار فاجئه الموت في سفينة بعرض البحر ودُفن في الماء، دقتْ أجراس الكنيسة دقة الحزن وانتهى الأمر، موت الأموات لا ينبغي أن يشوِّش على حياة الأحياء، موظف الشؤون الاجتماعية ببلدية باريس أطل متأخرا أعلن ان الترميد أفضلْ إيكولوجياً، وفهمنا قصده (انه أرخص ماديا) غادر القس مستعجلا أخبرني انه ماض بسيارته إلى أبرشيته في إيسي لمولوينو "هل تريد ان أوصلك بطريقي يا بني؟" قلت " من فضلك يا أبَتِ لساحة شاتليه" أمسك القس العجوز المقود بتؤدة وقال " الرب يسترنا، آخر نشرة أخبار أعلنتْ أن موجة الصقيع قتلت أربع مُشرَّدين "نفيتُ من رأسي هذا الافتراض، رجّحتُ لتوّي أنه انتحربجرعة زائدة من اليأس، البرد تسرب إلى قلبه مع الفودكا، التفتَ الخوري نحوي وسألني " كان صديقك أليس كذلك؟ هزيتُ رأسي بالإيجاب... وي مونسنيور، رغم اني لم أره الا نادرا، فقد كنا صديقين مُشْتركين في عَبَثِ مُشْتَرَكْ، رغم كوننا لاجئَيْنْ سياسيّيْن فإننا أبعد ما نكون عن البولوتيكا، نحن لاجئان كحوليان وحُبسنا مرات معا في زنزانة التصحية المخصصة للسكارى في مخفر شارع فيكتوريا... هجستُ بهذا كله ثم فكرتُ ان أطلب منه ان يسلفني مئة فرنك ولكني خشيتُ ان يحرجني (القس بصفته مرشدا روحيا لجمعية eau viveالتي ترعى الكحوليين لا يهب نقودا لأنه يعرف ان هذه النقود تذهب لشراء الكحول) هل أقول له إنني الآن (في هذه اللحظات بالذات) مستعد ان أتنصر من أجل مئة فرنك! ولتذهب الماركسية والوجودية إلى الجحيم، مستعد أن أَتَهوَّد من أجل قنينة فودكا! لكنه لن يقبل أعرفه جيدا، يعرفني جيدا، نعرف بعضنا جيدا، سيقول لي " لن يخسر الإسلام بمروقك شيئا كما لن تربح المسيحية بك شيئا" كبح على الفرامل وتخلص مني قرب مقهى مسترال، هِمْتُ مهزوماإلى أقصى حد، لفيتُ لليمين ثم لليسار، تراجعتُ إلى الوراء تقدمت إلى الأمام، مغيّبا ومحذوفا ومفخخا بالعدم، أين أفر من سوء الحياة؟ شقائي إحباطي لوكسوميلي وبروزاكي كوابيسي السحيقة، طفري وقلة حيلتي! هذا الوحش الذي أملى على دانتي صفحات الجحيم! هذا الهوس الذي يتحكم بي من الداخل ولا يدعني أرتاح! آلة الهدم، القدر الإغريقي، الزمان الضرير، الهزيمة الموت والحصار، البهدلة والسلبية والفوضى، كراهية الذات والعالم، التذنيب العميق، الطحن اليومي القسري ركام القلق والدمار! وكل هذه اللعنات تهون أمام المشهد الفظيع، الموتى يعاقبوننا مرتين، مرة بالموت معهم ومرة ثانية بالحياة دونهم، ماتدفْعَةً وَاحدَة وتركني أموت على دفعات، لفظ أنفاسي الأخيرة، جاء خبره ليذكرني إني الأكثر موتا بين الميتين والأكثر إحباطا بين المحبطين. ومشيتُ تائها كبزاقة، دخلتُ كنيسة سان ميري (عند مدخلها كنا أنا والمرحوم نمد أيدينا للمحسنين، هو من علمني أسرار الكار وكيف أهز يدي برجفة مصطنعة لاستدرار الشفقة) تناولتُ شمعة طويلة أشعلتها عن روحه، لم أضع ثمنها بصندوق الصدقات، لن تَهِمُّ ألّلاه خمسُ فرنكات، أشعلتُ شمعة ثانية للكثيرين الذين ماتوا من البرد، أوقدت شمعة ثالثة أمام قدمي العذراء Notre Dame des causes désespérées[30] نذرت أربع شموع مجانية على نية نوتردام دي كلوشار، نوتردام دي دبرسيف، نوتردام دي ألكوليك، نوتردام دي ريفيوجي بولوتيك، طابتْ لي اللعبة فأشعلت الشموع كلها، على ضوئها أخذتُ أتأمل تمثال يسوع المصلوب، ثمة قدر مأساوي فوق أجفانه، وجهه المتألم مجرد من الغطرسة، ساعداه المفرودين يقولان تعالوا اليّ يا جميع المُحبطين وأنا أريحكم، هذا الإنسان الإله مفصوم الشخصية مثلي، قال انه جاء ليفدينا بموته من الموت، هممتُ ان أشعل سيجارة ثم تذكرت إني في كنيسة، صفنتُ بصندوق الزكاة وفكرت اني بوسعي ان أفتحه بمطرقة وإزميل، خرجتُ فأحسستُ حلقي جافا، دلفتُ إلى سوبرماركت فرانبري تناولت قنينة فودكا فيبوروفا وخبئتها تحت معطفي، بالثلاث فرنكات اشتريتُ مرطبان خيار مكبوس وفتحت زنبيلي للحارس الزنجي حتى يفتش ما فيه (لن يهم ألّلاه إنني اختلست قنينة فودكا من متجر لليهود السرقوا كل أرضنا) رجعتُ إلى مكاني، مكانننا، تحت برج القديس يعقوب، برجنا، كرعتُ جرعة عن روح يانوش، ثم جرعة ثانية عن روح ابن خالي، ثم جرعة ثالثة عن أرواح كل المرحومين، أحسستُ بدفء في أضلاعي، الفودكا خدّاعة لها مذاق الزمزم وبإمكانك أن تنهل منها دون أن تغص، المشروبات الروحية سميت كذلك لأنها تحيي الروح، تجبر الخواطر المكسورة، كنتُ أدمنت عليها أثناء دراستي في وارسو، وواظبت عليها بفضل المرحوم ومدام شيكل، وبلعتُ نوبة استثنائية من عقاقير البروزاك ثم كرعت بإفراط، نازدروفيا، بولسكا لن تموت ما دام العرب أحياء [31]، الفودكا جبارة فظيعة ومفعولها أعتى من قنبلة مولُوتوف، ليست ملاءمة لكل الرؤوس، شربتُ ما أتيح لي وأحرقتُ علبة التبغ بكاملها، ازدحمت في رأسي صور غريبة، موكب من الهياكل العظمية تمسك بأيدي بعضها البعض وترقص دائريا رقصة المقابر الجنازية، حيثما وجهت نظري يواجهني الموت، هذا الأسود الساخر! الفكرة الغبيّة! هذه المدينة ـ القبرستان ـ النيكروبول، مقبرة الأحياءِ والأموات، الموت يعشش في واجهات مبانيها الهوسمانية، في تشنجات وجوه المتقاعدين والبرص والمطعونين، في بسمة المومس الكاذبة لاستدراج الزبون، في شهقتها الكاذبة لإسعاد الزبون، في رغبتها لنقل السفلس من زبون لزبون، الموت في إكْسْ عدسة التصويب، في صفحة وفيات، في تفل فنجان القهوة، في نصب الجندي المجهول، هذا الجائع أبدا إلى لحمنا، ينز من الإسمنت من الإسفلت والقصدير والفولاذ، ومن العناصر الأربعة، من قصيدة الحب والحرب والمتحف واللوحة والرواية والتمثال والصنم، لا مناص، رعب القلق وكارثتيته، دائما هذا القلق الذي بلا هدف، بلا رابط، بلا نتيجة دائما، دائما، دائما، غم الروح هذا المجاوز للحد بلا طائل[32]، لا بد لكل تعيس من مكان يلوذ به بحكم تعاسته، هل أذهب إلى بيتها؟ بالكاد شغلتني غرامياتها عن وحشي، ومشيتُ وحيداً ومزدحما بيأسي، اتجهتُ تلقائيا نحو مركز بومبيدو، في البلازا تلقفني المبشر اليهيوي وهو يفتح الإنجيل " اذا لم يكن المسيح قد قام فكرازتنا باطلة " لم ألتفت إليه بل أكملتُ طريقي، بوبور هو المكان الوحيد حين تعز الأمكنة، ألجأ اليه باستمرار حين تلفظني الطرقات لأصيب قليلا من الدفئ، رينزو بيانو المعماري الطلياني الذي صممه حَسَبَ حساب المُشردين والمتعبين فجعل لهم مصاطب والتوائات تسمح لهم بغفوة عابرة بعيدا عن أعين العسس، كذلك حسب حساب اليائسين فسيّج أعالي الطابق السادس لمنعهم من السقوط، أخذت أفتش عنه في الباحة الأرضية، ما أحوجني لبركاتهالآن(في هذه اللحظات تحديدا) بكل مرة يعتصرني القلق أحسد عبد السميع المطمئن القلب، أحتاجه كصديق لا كضد، مثلما يحتاج الكاهن إلى خطاة فإن الخطاة بدورهم يحتاجون لكاهن، أحتاج لبعض اليقين، لقليل من الوضوح، أحتاج لما هو راسخ ومخلِّص، إله الضرورة والطوارئ والحد الأدنى... ذاك هو سمعان عبد المجيب،شمس تبريز، لمحته في ركن الجرائد الدولية، فاردا جريدة الحياة على ملء الصفحتين، لم يستقبلني بتكشيرة بل بابتسامة حانية " مالك يا بلد مُشْ على بعضك!"خبئتُ وجهي بين يدي ونشجتُ "البولاك أعطاك عمره، صار كمشة رماد (شددت قبضتي) تخيل كمشة رماد " شَمشم رائحة الفودكا تفوح من فمي لم يعزرني كعادته بلعب دور رجلَ المطاوعة والحسبة بل لعب دور أخ كبير وديع حانٍ، طبطب على كتفي أخذني بكلمات بسيطة وثاقبة " لا تقل يا رب عندي هم كبير قل يا هم عندي رب كبير، أطرد اليأس بالرجاء، إعتصم بحبل الله " عادةً ما يدخل كلامه أذني اليمنى ويخرج من اليسرى فمجرد تفكيري بالله وببيت الله يشل قدرتي على التفكير " أنت متأكد أن الصلاة تشفي من الإحباط؟" سألته فأجاب " الصلاة تشفي من كل الأمراض ومن السرطان من نقص المناعة، آمن بحجر تبرأ، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، دَعَكْ من فرويد هذا صناعة إسرائيلية بتمويل أمريكي"، هذا هو الكلام الزين وأزين ما فيه خروجه من فم تعود على كلام الشين، صمتتُ متنازلاً عن حقي في التفكير، أنا ذكي لذا لا أفكر، ليس لي سيطرة على أي شيء ولا حتى على أفكاري، صفع الوحش عنادي وكنس أشعاري، جعلني ثمرةً ناضجة للميتافيزيقا الورائية، للأكاذيب البيضاء، كما يبول الضبع على الإنسان فيسلبه عقله ويجعله يتبعه إلى وكره ضبعني عسعس فتبعته صاغرا، لم أعترض (من فوائد الإحباط أنه يجرد من القدرة على الاعتراض) هكذا تضافرت الصدف لتقودني إلى المكان الذي أمقته أكثر من كل الأمكنة، يا رضا ألّلاه ورضا عبد السميع
عودة الإبن الضّال
أنا لك وحدك وسأرغب فيك بكل إحباطي، أيها المجهول اللامفهوم المخترق حياتي كعاصفة.
ليس من قانون ثابت سوى قانون التغير، أن تكون معافى وتؤمن بألّلاه فأنت بلا عقل، أما حين تصير محبطا وتظل على إلحادك فأنت بلا قلب، يجب الشك في الشك كما يجب إعادة النظر في النظرية، الحقيقة هي القدرة على اعتناق كل شيء من جديد، فالمفاهيم تحمل في داخلها نقيضها لإنّها أصلاً إنسانية وتحمل تناقضات الإنسان، الإسلام ليس الإستسلام لكنه السلام، الإيمان ليس الإذعان لكنه الأمان، أن نكون شكّاكين لا يعفينا من أن نكون على يقين، العقل قاصر عن النظرة الشاملة ومحدود، وما وراء الحد لا يمكن إدراكه إلا بالقلب، المحبط كائن نسبي والإطلاقية تناسب إحباطه، التفكير لا ينحو سهميا بل يدور في مسار دائري يوصل النهاية بالبداية، الحياة تناقض وتعدّد وصيرورة ، في بداياتي كنت عرفاتيا ثم تمركَسْتُ وفيما بعد تَنَتْوَشْتُ (من نيتشه) والآن استسلمت، تفهموني! الفلسفة هي الدائرة وأنا ألِفُّ وأدور، أساير زمني وأسابقه، علمني الوحش أن أتلون وأن ألبس لكل موقف لبوسه، ويمكنني أن أنتمي غدا إلى جيش الرب الأوغندي او إلى القراصنة الصوماليين، الماء في قنواتي تسيل في إتجاه واحد: إتجاهي، أنا مجرد نكرة من مليار النكرات المنتشرة بين طنجة وجعكرته، أنا غلبان وتعبان وسريع العطب وسرع التصديق، أنا إنسان مثلكم، بوجه واحد وأقنعة كثيرة وقناعات متقلبة، لو كنتم مكاني في المحرقة ورأيتم مشهد الرجل وهو يتحول إلى كمشة رماد! لو أنكم تبولتم على أنفسكم من كرع الفودكا! لو رأيتم التدهور الجسدي والنفسي الذي بلغته! في الأوقات الحرجة تظهر الازدواجية في الواحد، تستحوذ علينا ونحن في الحضيض تصوراتٌ قاهرة عن حقيقة عليا، لحظةُ الافتتان بالمطلق تُطلِق السراح، تعزي، تغري، تواسي، وتفتنْ أيضاً، الإنسان مهما تنمرد يحتفظ بقليلٌ من الله في صدره، ثقته العمياء بالحكمة الأللاوية، لا أمل لنا في الحياة، قال باسكال، سوى أمل ما بعد الحياة، إبتلائي بالجهل مع الجماعة أهوَنْ من امتيازي بالإكتئاب وحدي، كلُّ خلاص يتضمن إنكارا للذات، الله تمرين شاق، الشكوك مجدية لإثبات واجب الوجود في محاولة إنكاره، فالإلحاد التام يقف عند أعلى درجات السلّم حيث يوجد تحته مباشرة الإيمان الكامل، الدين تولَّدْ من التقاءِ الأرض بالسماء، وربما تكون فكرة الإله الواحد هي إنجازنا الوحيد كعرب، المحبط وهو يتوغل في إحباطه يكف عن تقديم الشروح لمأزقه فيعبر من المنطق إلى الغيب ثم يغالي في جبريته، كله مكتوب، وعسعس يسمي هذا [ القضاء والقدر ] الإنسان لا يختار الدرب الذي يسير عليه بل يختار أن يمشي فيه بسرعة او ببطىء، الاكتئاب ويل، شين، خزي، عار، شنار، دمار، لوعة، فقْدان،خسارة، كابوس، كارثة تامة، مَهْلَكة، مصيبة، فظاعة، الإحباط كالحرب نعرف متى تبدأ ولا نعرف متى تنتهي، جرَّبتُ كل أنواع العلاج: الدوائي، النفسي، السلوكي، المعرفي، الكلينيكي، جرّبْتُ شيكل وبرشامته العجيبة، والمدام وعلاجها العاطفي، جرَّبتُ الشيزلون والمعرفة البيضاء الإيزوتوريكية، بكُلّ تعالجنا، بالطب والطب البديل، تعبتْ التجربة من تجاريبي الفاشلة، ثم وسط هذه التيه الكبير جاء عبد السميع ليقول أنَّ الأوبة إلى بيت الله هي إبرة الشمال، الله مرسوم في قلب كل إنسان، في طبعه وطبيعته وجيناته الوراثية، نحن جميعا نحمل بطريقة او بأخرى الغرائز الرديئة، من يحدق بأعطم رجل وأحقر رجل لن يلمح فارقا كبيرا، المؤمن الفطري يؤمن من قبل والملحد يؤمن من بعد، هي مسألة توقيت فقط، جئتُ متأخرا ولكني جئت، أنا دائما متأخر عن اللحظة بلحظتين، كيف يستجير علماني بالسماء على بُعد فشختين من ضريح فولتير؟ لكن فولتير نفسه كان يقول إسحقوا العار (الديني) وبنفس الوقت يزعم انه لو لم يكن ألّلاه موجودا لوجب اختراعه، ألّلاه يحتوي على قدر كبير من الخرافات (قد يقول قائل وأنا لا أعترض) لكن هذه مشكلة المؤمنين مُشْ مشكلة الإيمان، لنأخذ من ألّلاه ما يلائم إحباطنا ونطرح الباقي، لنعتبر ألّلاه فكرة براغماتيةقائمة على المنفعة وحدها، إذ يبتعد المرء عنه فهو أقرب ما يكون منه، لا مهرب منه إلا إليه، تلك اليد الخفية العظيمة التي تَتقن هَندسةَ المصائِرِ " الخاطئون هم أجدر الناس بالدخول إلى الملكوت بالتوبة " بشّرني المبشِّر اليهيوي ثم فتح العهد القديم على سٍفْر جوب (الذي نسميه نحن أيوب) أنت تتألم إذن الله موجود، كلام زين!كلام بلسم! الإنسان لا قيمة له بدون إله يحرر من عبودية الخطيئة والذنب والألم، إحباطنا يجسرنا مع ضفاف الرب، علينا من الآن فصاعدا أن نفكر ونحيا بالأساطير اليهودية،المعاناة تُسنَد بالرجاء، وكثيرا ما تحصل المعجزات عن طريق الإيمان، ألّلاه يضع للحياة غاية قصوى تبررها، ألّلاه يهب الطمأنينة واليقين والتفسيرات المريحة، يجعل الشدائد قابلة للاحتمال، ولنثق بألّلاه ما دامنا عاجزين على الثقة بأنفسنا، هذه هي القاعدة الصارمة لكل أللاوي ومن الآن فصاعدا قاعدتي، عادت السماء تقبض على الأرض من خناقها، وانبعث الله من رميم الموتى، مات يانوش وبقي الله، مات النمرود وبقي الله، مات ماركس وبقي الله، نيتشه نفسه مات وبقي الله، الإحباط و قادر على تبرير الشيء ونقيضه، التراجع يعني أن نتراجع عن كل القيم التي صُنعنا من أجلها، معلش، إنني الآن (في هذه اللحظات بالذات) مستعد أن اؤمن بإبليس لو شفاني، ولتذهب الإيدولوجيات كلها إلى الجحيم، تعبتُ من الرفض الماكر، بِودّي (أن) أخدع الموت والحياة معا، لي حياة واحدة وبوِدّي إنقاذها بأي ثمن، لا بأس فالأمر واحد على كل حال، تضييع وقتي في عيادة شيكل او بالمسجد، المفارقة في الدين هو انه بؤس وترياق ضد البؤس، انه يمتح الأمل من بثر الألم، الخروج من الوحش يعني الخروج من حالة الوحشية، يعني الدخول في جوق القطيع المؤمن النقي القلب، حين خرجنا من بوبور كنتُ على وشك ان أسلِّم نفسي إلى جماعة شهود يهوة لولا ان عبد السميع زاود وأغراني بالمبيت في بيته مقابل الالتزام ببيت الله، كما ترون فإنني براغماتيكي بطريقة ميكيافيلية، وأفضِّلُ كتاب [ الأمير ] على كتاب [ الأمير الصغير ]، لستُ مع اليمين ولا ضد اليسار، ويمكنني أن أزيبق من يسار اليسار إلى يمين اليمين، حسب مقتضيات المصلحة، مصلحتي، أفكاري تزيبق على خطٍّ متعرج إلى حد يصعب معه تحديد الحقل الفكري الذي تنتمي إليه، المادلية الجدلية! المادلية الماورائية! الداورنية! الهرطقة البحتة! النيتشوية! الليبرالية! النيو ليبرالية! العدمية السكسية!، أنا واحد ومتعدد كرمال الصحراء، ماركسي علي سنة ألّلاه ورسوله، ألواني الحربائية تسهم في تعريف من أكون، وللحق فأنا أنا، لا أتغير ولكني أتأقلم، ليس هو أبو رياح من يدور بل هي الريح التي تُدوّره، رحلة البحث عن الذات تتقاطع أحياناً مع رحله البحث عن الله، وغالبا ما ينتهي الهيبي الخنفوس راهبا في الدير، ولستُ وحدي، مصطفى محمود كوَّع نفس التكويعة اللألاوية أمام قداسة شلالات نياغارا، ديستويفسكي (يا لتواضع المقارنة) آمن في آخر لحظة عند منصة الإعدام حين جاء قرار العفو عنه، حواسي التي هي أقوى ما فيَّ تحس بأن المهدي ليس منتظرا بل قائما، وكل الأدلة تأتي من الحواس، أي مكان بلا إلهْ هو مكان فارغ، سيمون فايل وهي تشرح لغز الألم غير العادل اعتبرتْ انه إذا كان حقا أن النعمة الإلهية تملأ الفراغ فلا مندوحة من فراغ يستوعبها، وحسب هايدغر فلا يخلصنا إلاّ إلهْ، دائما هو، الشيء المقدس، العرفانية،التي نصطدم بها في لحظة السقوط اللانهائي، التوكيد الكبير لكل الأشياء، الأشياء كلها التي تحسها الحواس كلها، انه اختيارٌ اضطراري أملاه الوحش، انقلابٌ أبيض، تصحيح مسار او إعادة اصطفاف برسم المرحلة، وثبة دراماتيكية من اليقين الجدلي إلى اليقين الساذج، مفيش طريق ثالث، القطيعة أو القطيع، إذ تنسد الطرق حولنا فإننا ننظر إلى فوق، حين لا يسعنا إتباع ما هو سديد نتبع ما هو سائد، حين نفقد البوصلة ندور حول أنفسنا، في الخضّات الشرسة ينحاز الإنسان للحياة ضد الحقيقة فالحقيقة خطر على الحياة، بني آدم ضعيف ويحتاج لمقدس يتقدس من خلاله، يحتاج لإجماع الجماعة، لصُلح المصلحة، مافي خلاص من الطوفان بغير سفينة نوح " لكن هل سيقبلني ألّلاه بتاعك بعد كل هذه المعاصي؟" سألته فأجابني " بالتأكيد يا بلد، ربّك شديد العقاب وغفور رحيم " أول مرة يستعمل الديالكتيك في إقناعي، الالتزام بالمسجد لا يلزم بشيء سوى بالمسجد، يمكنني ان ألتزم كما يمكنني التنصل من التزامي، أتقدم وأنا أحفظ خط الرجعة، لا منطق في الإكتئاب سوى منطق الإكتئاب نفسه [ اللامنطق ] الذي يشط عن المنطق ويبرَّر كل الشطط، الإصرار على تجنّب الخرافة المعتادة يوقعنا أحياناً في خرافة من نوع آخر، في التشنجات والأزمات يعود المكبوت الديني بشراسة، الارتداد الهوياتي، الناس بعد كل هزيمة يبحثون عن ألّلاه " لكي تجد الله عليك بالبحث عنه، مُشْ في بوبور ولا بعيادة شيكل بل في بيت الله " أفحمني بقوله "لا تكن كَمَنْ أضاع المفتاح في البيت فأخذ يبحث عنه في الشارع، من البديهي أن يسقط من أسقط الله من قلبه، النَزْعة البشرية نزّاعة للسقوط، الإنسان ملاك ساقط من ملكوته، وجوده الدنيوي هي بحد ذاته سقطة من الجنة " صار ذكيا، صار يستمد ذكائه من غبائي، ثمة منحرفون غيري غيَّر مجرى حياتهم فأصبحوا صالحين "ماذا يثبت أن ألّلاه بتاعك موجود؟" ـ "وماذا يثبت أنه مُشْ موجود؟ عدم وجود دليل ليس دليلا على عدم الوجود " الأدلة قاطعة وغير دامغة، وقد تكون دامغة وغير قاطعة، البراهين لا تصلح أساساً للإيمان، الله يُستدَل به ولا يُستدَل عليه، وكل ما هو من الطراز الأول يجب أن يكون علة في ذاته، هذا لا يعني الإحاطة بكل حيثيات الربوبية بل قد يكون من الحكمة ألا نعرف ماهيتها، قد يكون الرب مجموعة أكاذيب تامة ولكنها أكاذيب صادقة، الطريق إلى الله متعرجة شائكة وتتعدد بتعدد السالكين، الحواري طوما لم يؤمن لأنه رأى المسيح يقوم من ميتته بل لأنه كان ظامئا للإيمان، الإمام الغزالي عرف اليقين بنور باطني قذفه الله بقلبه، وهو نفسه عسعس آمن بالوراثة (إيمان العواجيز)، باسكال راهن على وجود الله رِهانا حسابيا، واحدة من اثنتين، ان كان موجودا نربح الحياة الأبدية وكل شيء، وإن لا فلن نخسر أي شيء، طُرّة او نقشة، عندي أمل بالمية خمسين، كُلّه يكسب في بورصة ألّلاه، على أونه، على دوييه، على تريه، الإسلام دين الرحمة يا ناس، قَلَّ ما تلقى مكتئبين بين أمة محمد، الإسلام برشامة مضادة للاكتئاب، هذا واضح، وبشكلٍ فاضح، هل تكون أمم العرب والعجم والترك والزنج كلها غلطانة وأنا وحدي المُشْ غلطان؟ حتى مدام شيكل اليهودية نفسها اعترفت ان دينا يعتنقه مليار إنسان لا يمكن اختصاره بخرافات، لا يضير الحرية انها بنكهة عبودية، الطمأنينة هي الأمن القومي للفرد، وقد أثبت التاريخ أن العبيد تنسجم بشكل أفضل مع عبوديتها، عندما ألغى لنكولن الرِّقَ توجس أغلبية الزنوج من قراره، عندما ألغى بورقيبة قانون تعدد الزوجات عارضته معظم الحريم التونسيات، الإنسان مداهن كبير يخطو خطوة للأمام وخطوتين للوراء، ومهما تَطوَّر يظل منحازا إلى بدائيته، وفي آخر المطاف فإن معظم بني علمان يجهلون مع بني جهلان، رجعةً طواعية إلى بيت الطاعة، الرجوع إلى الأصل أصل، وغالبا ما تبدأ السهرة الفارسية بشرب النبيذ عند قبر حافظ لتنتهي بالندب وجلد الذات عند قبر الحسين، العديد من الرفاق الحمر أسلموا (استسلموا) مع موجات الإحباط الفكري، هذا زمن ردة ورداءة يحول الشيوعي إلى شيعي، الماركسية كانت طارئة على مزاجنا، كانت موجة معاكسة على سطح التيار العميق الدافق، أنا ابن الأمة التي اخترعت حقوق ألّلاه ولم تخترع حقوق إنسان، إسمي رمضان أبو عيد مُشْ سوسو ولا كوكو، وأخوتي كلهم يحملون أسماء الأشهر الهجرية، وأمس في المنام رأيتني في باحة الحرم المكي مرفلا بثياب بيضاء، هبط من السماء ملائكة مجنحون بأيديهم طست من زمرد طهروني من أدراني ثم أقبل النبي وألقى بُردته علي، وهذا الصباح قال برجي الفلكي " ما ترفضُه أيها الأسد هو ما يخلّصك في النهاية "، الإلحاد كان جملة معترضة، فتحتُ القوس وضعتُ فيه بضع نقاط ثم أقفلته، وكفى الله المؤمنين شر الاكتئاب.
ما أحلى الرجوع إليه!
حقاً إنني وجه وقناع!
وستظنونني في حفة تنكرية لو رأيتموني مرخيا لحيتي ومتسلحا بسبحة ومسواك، صرتُ واحدا من أرتال الساجدين لله والراكعين استسلمتُ لأكثر النزوات مجانية، قلبتُ السترة ولبستها على القفا، انزلقتُ إلى ليل الأديان، عاشرتُ معشر المصلين وحافظتُ على الصلوات في أوقاتها، اعتكفتُ أتعبد وأتهجد، قرّبتُ القرابين ونذرتُ النذور،حلّتْ فيَّ قوة الأسماء فصمتُ رمضان، أقلعتُ عن تناول لحمَ الخنزير ورجعتُ للحلال، أخذ إبن تيمية وابن باز والعثيمين مكان نيتشه وسارتر وماركس كمعلمين، أخذ المسجد مكان بوبور كَفسحة وجودية، كان السؤال أكون أو لا أكون فصار يجوز أو لا يجوز، لم أعد أقول ألّلاه بل أرخِّمُ الله معطوفةً بسبحانه وتعالى، لم أعد أقول صلعم بل رسول الله معطوفةً بصلى الله عليه وسلم، كانت التعابير السائدة في حياتي السابقة هي: صح، غلط، إرادة، إستطاعة، حرية، فردية، تجربة، زلة، والآن انتعشت مفاهيم: حلال، حرام، جهنم، جنة، قضاء وقدر، مكتوب فحشاء ومنكر إلخ. لم أعد أتكلم بالنبرة الوجودية ولا بأفعال الإرادة والصيغة الجازمة، بل بأفعال التمني والشرطية وان شاء الله، لم أعُد أسلِّم بصباح الخير بل بالسلام عليكم، تلقنتُ حسناتَ ومزايا الخضوع، تنازلتُ برضى عن شكي المنهجي، ضبطتُ الساعة على توقيت الحجاز، أنا كلي إيمان، أنا العبد الفقير لله، العبد الآبق، العبد السّميع لعبد السميع، رمضان وسمعان تتهجيان معا، كنا متكامليْن فصرنا متشابهيْن، لم أعد أغضب منه بل أتسع لغضبه، بايعته على السمع والطاعة وملازمة الجماعة، هو ولي أمري وسيدي ومولاي وملاكي الحارس، أول أسبوع طبَّقَ علي الآيات المكية المتساهلة، إذ تَمَكَّن أسفر عن وجهه الوهابي وطبَّقَ علي الآيات المدينية الصارمة، قسرني على نمط تفكير واحد، سيّرَ حياتي كلها على معيار الشرع وديكتاتورية الذوق الإسلامي العام، نهاني عن التدخين لأن الدخان خبيث (حسب حساباته فوجد أن ثمن علبتيْ دخان مضروبة بعدد أيام السنة يوفر لي ما يمكنني من الحج إلى مكة)، منعني من الاستماع للغناء لأنه يلهي عن الذِّكْر، ومنعني من الفودكا لأن الخمرة حرام، وزاد فحرَّم عليَّ قراءة برجي الفلكي لأن الله وحده علّام الغيوب، حذرني من الرجوع إلى عيادة شيكل لأنه ساحر يهودي، وحرّم علي تسريح الكلب جازي بحجة انه نجس، رمى في القمامة حبوب البروزاك وطلب من صديقه الشيخ جيلاني أن يعمل لي حجابا، فرمن عليَّ بفرمان همايوني " أريدك مصليا في أول الصفوف"، حاصرني بالممنوعات، بالمزيد من الممنوعات، حظر عليَّ الكلام مع شهود يهوة ومنعني حتى من التردد على بوبور للقراءة " لأن العلوم كلها موجودة في القرآن " (وظل هو يتردد عليه) منعني من السؤال في أمور محرجة بحجة أن المنع مناعة ضد الانحرافات "إن شاء العلي القدير،قَلْلي،سنجد لك فتاة ملتزمة (بالمسجد طبعا) وتكمل نصف دينك، وبلاش من بنت الكاشير ". لا تظنّنّ أن بيت الله يقتصر فقط على المحرمات، لا أبداً، هناك يوجد أشياء مباحة كالابتهال وقيام الليل والموالد والأوراد وحلقات الذكر والاستغفار، هناك أيام خاصة يجب الاستعداد لها بشكل خاص، كيوم الجمعة مثلاً، أيام رمضان، ليلة القدر وليلة النصف من شعبان، هناك الشرع وما احتواه من حرام كثير وحلال قليل. سارت الأمور على أحسن ما يرام في أحسن بيوت الله الممكنة، وسِرْنا بثبات على سكة المستقبل (لا سيما أن الوهابية نصبتْ بكل مسجد عشرين عبدا سميعا يشدّنا إلى الوراء) نحن في باريس أواخر القرن العشرين، غير إننا في مكة بداية القرن الأول الهجري، طائرات الكونكورد تطير فوق رؤوسنا، قطار تِ جِ فِ يبرق كالبرق من قربنا ونحن نزحف في العصر الحجري بتاع أبي هريرة وسواه، لا شيء يعادل في الطول الأيام المتعثرة، جاء الشتاء وانقفص العصفورُ في القفص، جاء الخريف فنفق العصفور في القفص،وكل يوم يشبه الذي قبله والذي بعده، يوقظني عسعس عند الصباح، نشرب قهوة الصبحية جماعة على إيقاع سورة الرحمن، أتوضأ (بماء باردة)، أبلع البروزاك (خفية)، نصلي صلاة الصبح في غرفته جماعة (هو الإمام وأنا المأموم)، نمشي حتى حي باربيس، ندخل المسجد نتوضا من جديد (بماء باردة)، نصلي الظهر، نخرج من المسجد لمقهى بوسيف (المصاقب للمسجد)، نقضي الفسحة السائبة بين صلاتين، هكذا دواليك، تدوزنتْ وتيرة الحياة على إيقاع الصلوات الخمس، الوقت لا يمضي إلا ليتوقف، تنتهي صلاة العصر لتبدأ صلاة المغرب، لا بد من الإشارة إلى ان حي باربيس هو قطعة من بيشاور في باريس، كأنك في الشرق وفي الحقيقة لا حاجة لكاف التشبيه فأنت فعلا في الشرق، في شرق الشرق، في يوم الجمعة يطفح المسجد بجحافل المصلين والحرامية وجعيدية السوق ومن هم قيد السراح الشرطي وسماسرة الهجرة والمهاجرين والتنابل والعواطلية (من كان فالتا ببلادنا صار لا يقطع فرضا هنا)، كله تلقاه بالمسجد حتى عملاء الDST والمخابرات الجزائرية والمغربية (يحتكرون الصفوف الأولى للمُصلِّين) ولضيق المطرح فإنهم يتمددون يحتلون الشوارع المصاقبة ويتعطل السير، أما مقهى بوسيف فهي حِتّة غُرزة مشبوهة ويمكن شراء كل المسروقات فيها لكنها في رمضان [تلتزم] وتتوقف عن بيع الخمور وتفرد صواني الزلابية والمقرود وتمور الدقلة، لسوء حظي فإن [ التزامي] تصادف مع بداية رمضان، صمت بعضه ثم فيما بعد بِتُّ أتظاهر بالصوم (وذات يوم اكتَشَفَ عسعس أنّ الحلوى تختفي في عِز النّهار، استجوبني فنفيتُ الخبر بطريقة هي أقرب لتأكيده) تَلَوْتُ الصلاة تلو الصلاة كببغاء يردد ولا يفقه ما يقول، أسرفتُ في الصلاة فلم أعد أفرِّقُ بين العادة والعبادة، صلاة وإحباط، إحباط وصلاة، إحباط موزَّع على خمس صلوات، تكرار يومي لحركات ميكانيكية مملة، أصلّي وأنا أبتلعُ الضجرَ، أتلو الفاتحة وأنا سارح بخمريات المدام، وبسيجارة أدخنها بعيدا عن مراقبة عسعس، أركع وأسجد وأنا أبصبص على ظهور المصلين، على الفانيلات الرياضية التي يلبسونها، هذا الأللاوي حامل مارادونا على ظهره، وذاك الجدع حامل كانتونا، ذاك المؤمن يتباهىبأزياء الماركات الكبرى: غوكي أديداس فرساشي هوغو بوص، (كلها ماركات أصلية، وكلها،حتى يثبت العكس، مسروقة على سنة الله ورسوله)، الإسلام كلما اقتربت منه يبدو مخيفا كالطاعون، لم يتغير على الاطلاق، قيمه المزدوجة، دونيته واستهلاكيته، صلعمه وطوطمه، خلفاؤه الراشدون والمنحرفون، حريمه ومحرماته، هي ذاتها، سماؤه لا زالت تتواطأ على أرضه وروحه توشك ان تغتال عقله، حزينٌ ذاك الذي يظنأنه بحاجة ليخدع نفسه بأوهامه، الإحباط يحاصر من الخارج والمسجد يسيّج من الداخل، انتظرتُ الله فجاء أبليس أكل الطعم وخري على السنارة، نسي ألّلاه ان يشفيني، إتسع ملكوته للعالم بأسره وضاق بي؟أين يحتجب هذا الإله المتراخي المسعور العديم الاحساس الأخرس الأطرش الأعمى السادي الغافل الغافي الفادح الفاضح المقمل؟في اليوم الأول خلق السموات والأرض، وفي الثاني خلق الليل والنهار، وفي الثالث خلق المرأة والرجل، وفي اليوم الرابع خلق العرب والعجم، ثم خلق السعادة والشقاء،ثم خلق اللوكسموميل والبروزاك، ثم استراح ونام لم يسمع صراخ الأنام، ألّلاه إجمالا هو فكرة جيدة لكن الشيطان يكمن في التفاصيل، في تعميم التذنيب والبلاهة والدروشة والهلوسة والهسترة والبارانويا الجمعية واللامعنى والحماقات والتعصب والتلقين واليقين والتقليد ووهم الكمال، والمفاهيم المعتمة كالجنة والنار، وكل تلك الآفات التي منها العرب مريضون، أسمعُ لاءات الإسلام النافية للحياة (لا تَزْنِ، لا تأكل خنزير، لا تخمر، لا تدخن، لا ترقص، لا تسمع موسيقى، لا تصوِّر، لا تنحت، لا تضحك، لا تشطّف طيزك باليمنى، لا تحلب إيرك باليسرى) فأتسائل لماذا لا يحرمون الفجل والفقوس والعرقسوس والماء البارد؟ أسمع وابل الفتاوى والمستفتين بأسئلة وجودية من طراز: هل لامرأة عجوز لا ترجو نكاحا ان تقود سيارة؟ هل يحوز للرجل ممارسة نكاح الوداع مع جثة زوجته؟ ما حكم الشرع فيمن يجمع زوجتيه في سرير واحد برضاهما؟ أسمع كل هذا فأحمد ربي الذي لم يخلقني أنثى، غير أن حال الذكر ليس أحسن فالإسلام عادل في توزيع البؤس على الجنسين، الأنثى جارية للرجل، والرجل جارية لولي الأمر والكل (ذكورا وأناثا وأمراء) شخابيرٌ سوداء على خارطة العالم، ظل عبد السميع يبيعني صكوك غفران مع عدم ضمان الجنة " القرآن أسبرين صالح لكل زمان ومكان وإنسان، يشفي من الإحباط ومن داء النقرس ومن السرطان " عجبي عجبي، لماذا إذن يتعالج قرضاوي وشيوخ الوهابية وأمراء بني سعود في ديار الكفار؟ رجعنا للسين والجيم (في الحقيقة فإن نقاشنا ليس بيزنطيا خالصا لأننا مضطرون لتفسير التاريخ مرّتين، مرّة مع إله ومرة دون إله) أسأله عن حكمة تعدد الزوجات فيفحمني بقوله " هذا أفضل من تعدد الخليلات"، أستفسرُ عن قوامة الرجال على النساء في الشرق فيفاجئني بنظرية قوامة النساء على الرجال في الغرب، أجادله عن مغزى ارتداء المسلمة للنقاب فيرمي بوجهي جملته الجاهزة " تريدها تلبس مايوه، أترضى هذا لأختك!" هكذا هو، أجوبته تغتال الأسئلة، قَللي أعبد ربك حتى يأتيك اليقين، وأنا أعلم علم اليقين أن لا يقين، أنا من المؤلفة قلوبهم الذين يؤمنون أول النهار ويجحدون في آخره، لا حجاب الشيخ جيلاني حجب عني الوحش (الحجب والتعاويذ تؤثر فقط على من يؤمن بها) ولا المهدي المنتظر هداني، ولا المنقذ من الضلال أنقذني، حاولتُ كثيرا مع النصوص المنزّلة تأويلاً وتجميلاً وبقى القبيح قبيحاً، مشكلة الإسلام انه كله مُنَزَّل من فوق يعني متحجر من تحت، لم أجد فيه كلمة [ حرية ] البتة في حين إني وقعت على كلمة [ سجن ] عشرات المرات، أتحدى من يقول العكس، أتحدى أطول لحية، القرآن يتسع لكل شيء إلا للحرية، يتسع للقتل والجَلد والبتر والرجم والحدود والتعزير والبراء، آياته ان لم تكن جعجعة شحيحة ركيكة مجردة من جدليتها، محنطة بقدسيتها، فهي طلاسم لاهوتية مصُمَّمَة لحجب الواقع، مزامير متكلسة بالبلاغة ومعبرة بفصاحة عن شيء غير موجود أصلا، كرهت القرآن برمّته، كرهتُ حتى دعوة الخير فيه لاحتوائها على نسبة أكبر من الشر، القرآن اذ يرفع سقف الفضيلة عاليا يجعلنا نلهث خلفها، في علاقته العكسية مع القيم يفرغها من محتواها، فالعفة تعني زيف العفة، والحشمة تعني كبح الغبطة، والحياة تعني بطلان الحياة، أخلاقيات أكثر تعني أخلاقا أقل، والطهارة هي إسم آخر للعهارة، كرهتُ كرهَه للشعراء وتوظيفه إياهم للمديح، وكرهتُ كُرهَهُ للنساء وتلزيمه إياهن بالإنجاب والتفقيس، وَعْدَهُ إيانا بسبعين حورية فوق لينسّينا حوريات الأرض تحت، وَعْدَه لنا بخلاص بدل أن نجد الخلاص بأنفسنا، كرهتُ فيه حتى بِرّ الوالدين (هل علي أن أكون برا بشخصين لم يبرّا بابنهما؟) معلوم عند كل أحد (سوى العميان) أن ديننا دين يهودي بامتياز، فالقرآن أخذ من الكتاب المقدس أسوأ ما فيه (كل نفايات العهد القديم) وأهمل أحسن ما فيه (العهد الجديد) الإسلام بمحرماته يقتل الغرائزَ المتوثبة ونوازعَ الحياة، يلغي الفرد وفردانيته وآدميته وخصوصيته، يخضع المغايرين للمتجانسين في انشداد نحو الأسفل، نحو الدرجة الصفر من العقل الحنبلي، الاسلام يدجِّن الذئاب البرية إلى دواجن بيتية، يعيد إنتاج التخلف واجترار الماضي، يوفر على المسلمين التجربة ليصنع منهم بشرا خام ضعفاء فاشلين. أتساءلُ (دون الوصول لاستنتاج مفيد) كيف أوقع ذاك الساحرُ القرشي المسلمين بأسرهم في أسره؟كيف استطاع ان يقيد بقيد واحد مليار عنق؟ كيف امتدت شجرته الخبيثة لتفيئ بظلها العرب والعجم والترك والأفارقة والهنود؟ هل انتصر علينا بذكائه أم بغبائنا؟ كيف فرض رأيه ورؤيته على الكل ورسم مصيرهم ومسيرهم ومستقبلهم وحاضرهم؟ لو أن عشيرة بني هاشم رضخت له وحدها لقلنا ماشي الحال! لو أن قبيلة قريش لقلنا معلش! لكن أن نرى ثلاث قارات تسلم لنبي أقصى ما ينالها من حسن معاملته هو الخضوع فكيف نسمي هذا؟ استلاب! إسلام! استسلام! جهل مقدس! عبوديّة مختارة! ترى لماذا فضّل أسلافنا العربان إله السامية (ألّلاه ـ يهوة) على زيوس وأثينا وأبولون وديونيسوس؟ الإيمان يخلّص إذن فهو يكذب، الإيمان حاصل عملية ينجزها المؤمن بوعي، لكن بوعي مُغرِض، الإيمان خدعة لاهوتية لإطالة غش الحياة، والاستفادة من الربوبية لإبراء المحبط كالاستفادة من علم الجبر لجبر الخواطر، الإسلام في مفعوله الخلبي هو مثل الشامبو العجيب الذي يفصم الرجل الأصلع نفسه إلى رجلين، أصلعا بلا باروكة قبل استعمال الشامبو وأصلعا بباروكة بعده، دائما يأتي الله ليجود بِمُشْطِ على الصلعان، الإسلام دين هو المبالغة في الالتصاق بالله لدرجة الاستلاب، حياة المرحوم يانوش كان مسيحياً مؤمنا بعمق، وكان يقتصر في صلواته على حضور قداديس الميلاد والفصح والأحد، شيكل هو الآخر يتردد على البيعة يوم السبت ويوم عيد الغفران فقط، أما ان تكون مسلما ملتزما فعليك ان تتكبّد التّكرار بالمسجد خمس مرات باليوم، وعليك ان تتوضأ قبل كل صلاة، وعليك ان تخلع نعليك قبل الدخول وأن تنتعلهما بعد الخروج، وعليك أن ترخي لحيتك وأن تحف شاربك وأن تلبس وتمشي وتأكل عالطريقة الإسلامية، وعليك أن تعيش مع الجماعة بدرجة عالية من إنكار فرديتك، وعليك أن تتمعن جيدا في خريطة الحلال والحرامقبل ان تتنفس، وعليك وعليك، إذن ماذا تبقى لك! للدنيا! لغير المسجد! للمزرعة! للمصنع! للمتجر! للمسرح! للمدرسة! للثكنة! للكباريه!. كان هناك فلاح ميسور يملك كثيرا من الأبقار لكنه لا يصلي، ذات يوم أقنعه الإمام بالصلاة حتى تطرح البركة في أبقاره فتسمن وتدر حليبا أكثر، اقتنع الفلاح وجائت النتيجة عكسية وحلَّ النحس محل البركة، فالرجل بالتزامه بالمسجد أهمل رعاية الأبقار ففتكت بها الأمراض، في اليوم الأول نفقت خمس بقرات (بعدد الصلوات الخمس) وفي اليوم التالي نفقت نفس عديدها، هكذا على هذه الوتيرة بكل صلاة تنفق بقرة حتى جاء يوم وبقي له عجل واحد مُشاغب أخذ يلبط ويكسر، راح الفلاح يتوعد العجل وهو يتوضأ " قسما عظما إلا أجيب أجلك بركعة واحدة "، تفهمون قصدي، قصد النكتة، شريعة [ بِعْ الدنيا تربح الآخرة ] التي شرعها محمد بوجه العالم هي وجه آخر للعدم، أراد إضفاء المعنى على الحياة فأفرغها من كل معنى، من يراهن على الطوطم يراهن على خرافة، من يراهن رهان باسكال يخسر الدنيا والآخرة؟ انها لحماقة ان يكون قدر المرء مصاغا بمعادلة بلهاء من الطاعة او المعصية، الدين للجماعة مُشْ للفرد، الفردانية تخيير والجماعة تسيير، كلمة هرطيق باليونانية مُشْتقة من فعل [ اختار ]، الإنسان الرفيع يخلق سعادته بذاته، الحرية تنبع من الكائن مُشْ من الرب، إن المفارقة بين فرد وآخر لزهيدة جدا ولكنها على غاية من الأهمية، ليست الحقيقة هي ما يملكه واحد ولا يملكه الآخر، وليست الكثرة من أمارات الحق، ولا القلة من علامات الباطل، الشك الديكارتي لا ينسجم مع اليقين المحمدي، الرضا عن النفس هو قمة الفشل، إلحادي هو وضوح رؤيتي، يحرّرني من الأفكار الجاهزة التي تحدّ من استخدام المسلمين لذكائهم، أُفضّلُ أن أكون مهرّجاً على أن أكون قدّيساً، لا أستطيع ان أؤمن بإله خَيِّر فالشر في داخلي أقوى مني، وأعتقد أن الذنوب تجدد إنسانية الإنسان، أظن (مجرد ظن) أن هناك حقيقة كونية تتجاوزنا، حقيقة واحدة وأبدية متناقضة ولا يمكن صياغتها في معادلة نهائية ولا يمكن لدين إدعاء احتكارها الحصري، ما علينا، يجب ان نحتفظ بأوهامنا، صلاتنا اللامجدية، لازم نصلي لأن الصلاة لا تفيد بشيء، صفقة كذب متبادل مع إله مشكوك به، ألّلاه يمن علي بشفاء كاذب وأنا أرد عليه بإيمان مزيف، الإحباط قتل نيتشويتي وسواني بالأسوياء، الإحباط أحبطني وجعلني كأشعب يكذب الكذبة ويصدقها، حكى لي شيكل مرة حكاية حاخاميْن راحا يتناقشان حول ماهية يهوه فوصلا إلى قناعة انه فكرة من اختراع البشر، وفي اليوم التالي فوجئ أحدهما بالثاني يصلي فقال له " ألمْ نتفق ان يهوه مُشْ موجود!. رد الآخر " وما علاقة الصلاة بوجود يهوه؟". واظبتُ على الالتزام الرخو بالمسجد، سجني الآمن، فصلاتي صارت امتداداً لإحباطي،(الإسلام ازداد جثة جديدة) فوق هذا فعسعس ماسكني من خناقي (أنا رهينته وأرقد ببيته بعدما أجبرني على ترك مأوى المُشردين)، المدمنون وحدهم يعرفون معنى القوة اللزجة للعادة، جاذبية الإغواء التي تُمَارس على الرعاع المستلبين، إسئلوا مجرِّبْ، الإدمان على المسجد كالإدمان على سينما السكس، كلاهما ملاذان افتراضيان لتفريغ التوتر الداخلي، مجالان لوجود مستعار، أُلْهِية الله والكس تشدّان الإنتباه لأنهما تخاطبان الغريزتين الإحشائيتين الأعمق فينا، كلاهما إسراف في الإدمان، تشاهد غيرك ينيك وأنت تحلب إيرك، تسمع عن حوريات في السماء ولا ترى إلا ذكورا حولك، برغم انعدام السيناريو والأكشن والذكاء في البورنو فبوسع المُشاهد ان يضيِّع وقتا طويلا في مُشاهدته لأنه مسلوب الإرادة، كل أفلام النيك تتشابه كأنها فيلم واحد، وكل الصلوات تتشابه كأنها ركعة واحدة، نواح مكرر ونكاح مكرر، الصلاة الواحدة تتكرر 5 مرات في اليوم، الركعة الواحدة تتكرر 10 مرات في الصلاة، ألّلاه نفسه يكرر ذاته 15 مرة في الركعة، إحباط + إسلام = سوبر إحباط، أن لا ترى إلاّ التشابه فهذا دليل على ضعف بصرك، عندما يكون ثمة إجماع على فكرة ما فآلية التفكير هي الخاسرة، ماذا أفعل بهذا الله ـ فزاعة الطيور؟ بهذه الأساطير كلها؟ بهذه الحماقات المتراكمة! سولومون الذي يتحدث مع النمل؟ وموشيه الذي شق البحر، وبرهومة الذي نام في البوتاغاز، وصلعمو الذي طار في السماء، وطوطمو الذي يرانا ولا نراه؟ هؤلاء المصلون ـ الدناصير الني نسيت ان تنقرض! تخيلوا لوحة ناتور مورت من مئة جثة، مساطر متشابهة مستنسخة مكشرة، لا يفعلون بل ينفعلون، لا يفكرون لأن ثمة من فكّر عنهم، يضادون الواقع ويحقدون على فكرة الصيرورة، تلقاهم بالمسجد قبل الصلاة وبعدها ممددين متكئين مسبِّحين، يقتلون الوقت ويتقاتلون معه (الوقت كالنفط هو الشي الفائض عند المسلمين ولا يعرفون استغلاله)، يركعون ويسجدون كآلات مطيعة، وفي الحقيقة لا يُصلّون وإنما يتوسلون، يتقاسمون الغباء بعدل، يشوَّشون كل ما تلمسه أيديهم، المسجد جائحة، أطعن من الطاعون، أعْدمُ من العدم وأجْهل من الجاهلية، أفْسد من الأمكنة الفاسدة، فسحة للغباء والمحدودية، خشخاشة للموتى، تكية للدراويش، مغارة للعناكب المسمومة، هو مجموع أشباه عبد السميع، لو جمعت ألف صفر صغيرة فلن تكون أكثر من صفر كبيرة، أضربْ إطرحْ ضاعفْ، النتيجة نفسها: أصفار عالشمال، لكن تاريخ الشموليات يعلمنا أن أسطع الأكاذيب هي التي تنطلي على أكبر عدد من الناس، ليس الدين حقيقة صارمة بل شهوة غامضة تحجب الحقيقة وتمتصها من الفكرة، إن مجرد السؤال (لماذا تخترق السماءُ الأرض؟) هو قلب للمعنى كالسؤال (لماذا يخترق النهرُ المدينة؟) فألّلاه ليس أساسا للوجود بل طارئا عليه، لم يخلق البشرَ على شاكلته بل اخترعه البشرُ على شاكلتهم، بدليل أن الآلهة الزنجيّة أنفها أفطس، أمّا الآلهة الصينية فعيونها مشدودة الأطراف، لقد خلقتْ البشريةُ إلهها ينبوع حاجاتها ووضعت في فمه مفاهيم الدينونة، الدين منظومة متكاملة للأوهام تغزو رؤوسنا لإنّها توفر علينا فكرة الشقاء، الدين تبرير مزيف لحياة مزيفة، تفسير بدائي للخوف من الطبيعة، سلبٌ للعالم والإرادة، الدين تولد من تحالف الوهم والميتافيزيقيا لسد عجز الإنسان عن الخلاص من محنه بعقله، الدين حيلة جماعية للتخلص من مأزق الوجود، الدين شمس وهمية تدور حول الإنسان ما دام الإنسان لا يدور حول حياته الواقعية، إلخ، لم يبتكر العقل البشري مكيدة أبشع من خرافة الحق والحقيقة، ما من دين الا وأراه مقصرا عن مجاراة أفكاري، ولا أستثني دينا بعينه، ولكن مع إسلامنا أستعمل صيغة أفعل التفعيل فهو أغبى الأديان طراً وأكثرها تعصبا وأقلها تسامحا وأشدها إرهابا، جرب وهابي، تقزيم، إفلاس، فطرة منحرفة، إفقار مستمر للعقل، فيتو ضد الحقيقة، أخطبوط توتاليتاري أعتى من الشموليات الشيوعية والنازية والفاشية التي تختلف عنه في مسعاها لبناء إنسان جديد، دين كهذا ناجز ونهائي ومُؤسَّس على اليقينييات القطعية ينمي فينا الكسل والضمور والقصور، يخاطب فينا حاسة وحيدة: غريزة القطيع، الفرد فيه معدوم ولا وجود له خارج الأمة، والأمة ذاتها معدومة لا وجود لها خارج ماضٍ وهمي من البطولات الزائفة (يسمونه العصر الذهبي وهو في الحقيقة تنكي) كل الإسلام شواذ، وكل ركن من أركان الإسلام له مغزى يشط عن معناه الأصلي، الشهادتان تعنيان أن كل من هو غير مسلم كافر، الزكاة تعني تسمين الشيوخ التنابل، الحج وتعني استغلال السياحة حول قبر صلعم كمعاش لقبيلة قريش، الصيام يعني أن تأكل في شهر رمضان أكثر مما تأكل في بقية الشهور، الصلاة وتعني الترديد الببغائي الأعمى، تعدد الزوجات وتعني الدعارة الحلال، نكاح القاصرات وتعني البيدوفيلية، قوامة الرجال على النساء وتعني أن القوي يأكل الضعيف، التقية وتعني الكذب، القضاء والقدر يعنيان الارتهان لمشيئة ألّلاه أو التنازل عن مشيئتنا، الغيب وتعني الغباء، أما الركن الركين للإسلام فهي العادة السرية، ولا غرو فقرآن الكبت يصنع مكبوتين وحَلّيبة أُيور من الصنف المثابر والملتزم، الإسلام وهو يبالغ في تجنيبنا الزلة والغواية والتجربة يقتل إنسانيتنا ويقزمنا إلى كائنات مقموعة ومكبوتة ورافضة للحياة، يعلّمنا أن نعيش دون الذهاب بعيداً في معيشتنا، وأن نرضى دون أن نفهم، أن نعتقد دون ان ننتقد، ان نتبعْ ولا نبدعْ، ان نقلَّد ولا نجتهد، وأكثر من ذلك يسحق خلايا الحرية وجينات التفكير والفوضى الخلاقة من خلال إبطال التناقضات، الإسلام دين السقم والشرمطة، سرطان الحضارة، نكبة البشرية، عصر حجري على أعتاب ألفية ثالثة، فقه إعرابي بائس مضاد للجدلية والتطور، كان علي أن أكابد لعنة هذا الدين الذي استعبدني منذ ولادتي بإسم رمضان، ألّلاه ـ الخنزير اليهودي هو الغلطة التي سممت حياتي كلها، الطريق من بيتنا إلى مدرسة الأونروا كانت تمر بمقبرة المخيم العتيقة، كنت أعبرها راكضا وواضعا إصبعَيْ في طبلة أذنَيْ حتى لا أسمع صياح منكر ونكير وهما يعذبان الموتى، كل ليلة أرى أحلاما كابوسية من شياطين ومسوخ وأجساد مخوزقة، كنت أسمع أستاذ الدين يزقزق بأن الله خالق كل شيء فأساله " طيب من خلق ألّلاه؟"، فينبهت الأستاذ ويسألني "أنت ابن من يا ابن الحرام؟ " فأجيبه" أنا ابن أبو رمضان" فيزداد انبهاتا "أبوك رجل آدمي أعرفه لا يقطع فرض بالجامع، بس إنتَ لمين طالع زنديق؟ كان من البديهي لفتى شب على فكرة الإله السادي ألا يتصور نفسه خارج جحيم الجلود المشوية، جهنم بذرت في وجداني الجرثومة الأولى للإحباط، في سن ال19طرحت ألّلاه من حساباتي، تغير كل شيء في حياتي مذاك، وكل تلك المساحة الهائلة التي كان الطوطم يحتلها في وجداني أفسحتْ المجال لطاقة خلاقة أخذت كل مداها في باريس التي لجئتُ اليها هرباً من الإسلام ومخازيه، لشدّة ما عانيت من صلعميتي وبكريتي شئتُ أن أكون الإبن الضال، المراهقة المبتورة بالخرافات التي لم أعشها في مخيمي عشتها مضاعفة في عاصمة النور، وابتكرتُ أكثر من طريقة للعيش، التزمتُ بنفسي فقط، (من يبلغ الشباب متأخرا يحتفظ بشبابه لأمد طويل) باشرتُ المناكر في تحالف فاوستي مع الشيطان، أطلقتُ الطاقات المكبوتة، سكرتُ وحششتُ وطعرست، صعتُ تمايزا عن الأسوياء، لهوت وأمعنت في الّلهْو كالصوفي الذي يذهب إلى الفضيلة من طريق التطهر بالرذيلة، لم أضيّع وقتي في الجوامع والجامعات بل كسبته في المواخير والبارات، لم يكن الأمر متعلقاً بمواجهة بين خطأ وصواب بل بين أن أكون (بالاستطاعة) أو لا أكون (بالجبر)، كانت الصعلكة مشروعي الوحيد، الصعلكة الأبيقورية بصفتها مشروعا جماليا، كان من الكياسة لشخص يرفض الأبدية أن يحيا بكل طاقته على الحياة، عشت حياةً راديكالية في خطر دائم، عشتكثيراً في وقت قليل، عشتُ بمفعول رجعي، بجسدي، انطلاقا من جسدي، في سبيل جسدي، بكثافة، بالنبرة الوجودية، ببلاهة وبذكاء معاً، عشتُ مدججاً بالوقاحة وسوء الصفات، تغلغلتُ في السفالة والرذالة نكايةً بالدين، اعتصمتُ بالمعاصي لاكتساب مناعة ضد عبيد ألّلاه وعباده، ذهبتُ إلى أبعد ما يمكن، لكن الدرب أضاعني قبل الوصول، اصطدمتُ بالفجائع وانتهيتُ إلى لاشيء، الإيمان بألّلاه لا يضمن الجنة كما أن الصياعة لا تضمن الحرية، والآن قولوا لي يا سادتي، أليس الإسلام سببا من أسباب الإحباط، أليس هو عين الإحباط؟
معركة بين الأنس والجن
أنا العطش الكربلائي.
كيف آخذ نصائح الحياة من مُعْرِض عن الحياة؟ كيف أُعْمَى في مدينة النور؟ كيف تُحْظَر علي الخمور في مدينة الخمور؟ (تاريخياً حين طبق الحظر الكحولي في أمريكا تقاطر سكارجية الأنكل سام على باريس) بِوِدّي (أن) أكسر القاعدة، فأنا وحدي بلا رقيب، بجيبي مئة فرنك زائدة عن اللزوم، والمسجد ما زال مقفلا في البرهة الرخوة بين صلاتيْن، وعسعس الآن مشغول بجهاده الأسبوعي لتحرير فلسطين (من ساحة ريبوبليك) يتظاهر ويحرق نجمة داوود،
تركتُ عطشي يقودني إلى مقهى المليون شهيد (سميناها كذلك لأن القهوجي بوسيف يزاود في جزائريته ويتبجح بأنه أب لشهيد وابن شهيد وأخ لشهيد).دخلتُ فرأيت الزبائن يشاهدون مباراة كرة على التلفاز، انزويتُ في الزاوية الميتة التي تمكنني أن أرى دون أن أُرى(عملا بقاعدة إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا، فكثير من زبائن المقهى هم بنفس الوقت زبائن المسجد) هَمَّ النادل ان يتوجه إلى إبريق الشاي (عوَّدتُهْ على طلب شاي بالنعناع فصار يحضره أوتوماتيكيا قبل ان أطلبه) استوقفته " بلاش شاي، بِوِدّي شي تاني يعبي الراس، صار لي ما بلعت الزمزم من يوم ما ارتحم المرحوم، ثلاث أشهر!"تفاجئ بوسيف بالتغير الطارئ على مزاجي، أجاب بغريزة النادل المجرب " كلشي كاين ويسكي روج بيرة كونياك زطلة كوكايين، واش تبغي؟ " اقترحتُ عليه أن يصب لي قليلا من السعادة الاسكتلندية في قدح بورسلان (للتمويه) لكنه لم يعبأ بتحفظي ووضع أمامي قدحا زجاجيا شفافا فيه مكعبتان من الثلج وبعض الويسكي المغشوش، قعدتُ أمزمز وأنا أطالع جريدة الأهرام من صفحة حوادث متفرقة... عصابة بلطجية تسرق كاميرة روسية من سائح بلغاري، روميو وجولييت بالكردية، بريجيت باردو تتبنى حمارا جديدا، صفحة الوفيات، انتقلتْ إلى رحمة الله الحجة مكية والحجة محمدية والحجة هاشمية، التهاني بولادة الكتكوتة ريماس، والكتكوتة نايا، الكتكوتة كادي، مصر تعيش أزهى عصور الدمقراطية، محافظ الدهقلية للرئيس "نناشدكم عهدة جديدة "، الأبراج الفلكية، برج الأسد يقول" لا تحرق كل جسورك وأحفظ دائما جسرا للرجعة "...كله حكي جرايد قلتُ لنفسي وأشعلتُ سيجارة وجرعتٌ بعطش الكحوليين، هذه الويسكي أفضل استراتيحية للنسيان، تحرر الشعور من كل قيد، أكبر مشكلة في العالم هي الإسلام وأكبر مشكلة في الإسلام هو انه دين ناشف، أبو عيد يبقى وفيا فقط لرمضان، يمكنه أن يغير التكتيك دون أن يغير الثوابت، الخطيئة أضمن طريق للجنة، الحياة تتطلب شوية استهتار ومسرات بسيطة جداً...
إنتبه النادلُ إلى إني أخمر على الريق فوضع أمامي صحنا فيه فول ولبلبي وصب لي قدحا جديدا " هيا، عيش ليومك، أخبط حتى ترى الديك حماراً، الضرورات تبيح المحظورات " عندما أسكر يتحرك لساني وعقلي معا وأصير بلبل لغات، عربية بولندية، سويحيلي، رفعت الكأس على صحته وقلت بالفرنسية Il vaut mieux un bon barman qu’un mauvais psy[33]، رحتُ أداعب كلب بوسيف الأسود وألقمه حبات الفول، تذكرتُ الكلب جازي ثم تذكرتُ المدام فأقحمتُ قطعة فرنكين في صندوق الموسيقى وكبستُ على وجه عبد الوهاب فخرجت أغنية الحبيب المجهول، امتلئت نفسي بلذائذ قاتمة وأنا أدندن... حبيبي يللي خيالي فيك، يللي حياتي حتكمل بيك.. فكرتُ أن رجوعي للخمرة يعني ان عسعس سيغلق باب غرفته بوجهي، يعني اني سأبيت الليلة في العراء (مأوى المُشردين لا يأوي المُشرد نفسه مرتين متتاليتين) هل أذهب إليها هي أم قلب طيب؟ إلى عيادة زوجها؟ وشرعت أمزمز بالكأس الرابعة حين دخلا منكر ونكير (عبد السميع والشيخ جار النبي جيلاني)، خبأت القدح تحت الطاولة، تقلصت الزبيبة في جبينه، تهدلتْ عضلات وجهه بشكل علامات استفهام وهو يرى سيجارة على المنفضة (وهذاأمرْ لا يُغتفر) قلت له " شوفة عينك، أفضفض عن نفسي، أدخن عن نزق، نكاية بك وبالسرطان " ضبطني بالجرم المشهود وهو يشمشم رائحة الخمرة من فمي وانبرى بصرامته وقتامته وانفعالاته المجانية " رجعتْ للحرام يا ابن الحرام! " لشد ما أكرهُ هذا الكاروز الواعوظ! عدو النبيذ والكباريه والموسيقى والنساء، إنه المختصر التام لما يمكن أن يعنيه المسلم للعالم، لا عايش ولا تاركني أعيش، يضع لعناته على أجمل مسراتي، يخطئ من يظن أن الإسلام يقتصر في تعسفه على أهل الذمة، أول ضحايا الإسلام هم المسلمون أنفسهم، صحيح انهم لا يدفعون الجزية نقدا ولكنهم يدفعونها عيناً من النكد والتهاويل والمحرمات، قلت له ولم أكن أدري بأني أصرخ " ماني محتاج لصكوك غفرانك، بِوِدِّي أسكر وروح بلِّط البحر، أنا مُشْ مسلم بالمرة، أنا محبط بسيط ورّطه الله بمسجده، أنا نغمة نشاز ذمي كتابي سهروردي مجوسي خارجي أمازيغي كردي أشوري ماروني قبطي، أنابتاع شارع مُشْ بتاع جامع، أنا حر بالمعنى الفرنسي للكلمة ". تثائب القهوجي وهو يقول لعسعس " يرحم والديك، خلينا من الزعاف وصْداع الراس، ذاك هو بيت الله وهذا بيت عبد الله، نحن في باريس ماشي في مكة " تشجعتُ وأخبرتُ عبد السميع أني أريد فك التزامي بالمسجد، صفع الطاولة بكفه كيلا يصفعني " عندما تلتزم بشيء فعليك ان تلتزم حتى النهاية وإلا فلا تلتزم من البداية، الظاهر اشتقت لشرموطتك اليهودية! "قلت أني أفضّلها على شراميط الجنة " على الأقل معها أدخن نَفَسْ سيجارة وأخمر وأسرِّح الكلب،
" تفضل معانا للصلاة " قال الشيخ جيلاني وهو يكظ اسنانه المسوسة
"ماذا تنفعه صلواتي؟ قلت
" تنفعك أنت" قال عسعس
تناولت القدح من تحت وبلعت ما فيه بجرعة واحدة، قلت لعسعس وقد ثملتُ تماما " يقدر صلعمك أن يخدع من قبره بعض الناس بعض الوقت، ولكنه لن يقدر أن يخدع كل الناس كل الوقت، أنا هرطقة دائمة ولا أبالي بإله يُحطِّم حياة المخلوق في الدنيا لينقذه في الآخرة، أنا مذنب بالفطرة ملوّث بالخطيئة الأصلية
تضامنا معي راح الكلب الأسود ينبح على عسعس، وهنا ارتعد الشيخ جيلاني وقال لي " وحق ربي أنت ملوث بالجن، أنتايا مسحور " ووافقه عسعس " أيوه مسحور بكيد ساحر سفلي يهودي، كنت مشتبه أن شيكل كاتب لك سحر القبالا والآن انقلبت الشبهة دليل"، سقط فكي من الدهشة... جني مرة واحدة! يا اسم الله! أنا ربيب الجان وآخر من يعلم، هذا الناقصك يا أسد، لا يكفي الوحش فجاء ما هو أوحش، قذفت بوجههما كل حججي واحتجاجاتي " مُشْ معقول يا ناس! هذا باطل ويجافي المعطيات السيكولوجية الوعي واللاوعي الذكريات المؤلمة وتراكم الصدمات، إلخ" أصر عسعس على التشنج وعلى الكلام بالفصحى (من وقت لوقت يطعم كلامه السوقي بعبارات بليغة البلاغة) "وجود الجن أمر مفروغ منه والشك به مكابرة فيما هو معلوم بالتواتر، شرِّف معنا للجامع، الشيخ جيلاني من أهل العرفان، عاوز يكلمك كلمتين على انفرد "، رميتُ عليه نظرات شكاكة وتهما صامتة... منذ متى صار من أهل العرفان! هذا حرامي نصاب محتال من أصحاب السوابق، شغلته لحاد دفان يغسل ويحنط الموتى،وتدخل ضمن مهاراته مهنة ترقيع البكاره الرائجة جدا بين المسلمات، كان عنده ببغاء حفَّظه الشهادتين ثم باعه لبوسيف نفسه... قلت بلساني "انا شربان ولا يليق بي دخول المسجد" حاولتُ التملص فأمسكني البصار الجزائري بيد حازمة ولوى ذراعي خلف ظهري ومشى خلفي ومشى عسعس قدامي، جرجراني عنوة إلى المسجد، اكتفيت بالقول "تستطيع سحب الحصان إلى البئر ولكن لا تستطيع إجباره على الشرب "، وزاد الطين بلة أني أَفْلتتُ ضرطة رنانة بخرّت المسجد بفساء له شذى البروزاك والويسكي، تحججتُ بالأدوية، لكن سمعة لم يدعني أكمل " لاء مُشْ أدوية، هذا تلبيس إبليس، الجن دليل وحجّة على جنونك، الجن طابور خامس يشوش عليك من جوّه " ورأيت العيون الأربعة تدينني من أربع جهات، هممتُ أن أقول شيئا فتبعثرتْ بقايا الكلام في فمي، للشيخ جيلاني إضافة لميزاته المعروفه بتزوير الأوراق الثبوتية، سرُّه الباتع في فك السحر عن المسحور وإزالة النحس عن المنحوس، مسد لحيته، أقفل الشبابيك والباب وأطفأ الضوء، بخّر بخور حرمل (الجن تفضل الغرف المظلمة وتتغذى على رائحة البخور) انتفض مسربلا بمهابة مستعارة، باشر شعوذته قافزا كالجندب بحركات مسرحية، راح يدور حولي مثل مجاذيب الحضرة ويرقص حتى لم يعد يميز رقصة الزار من رقصة الأدغال، خرج كلامه على شكل توترات " إظهر وبان يا خافي عن العين يا رايح مع الريح، لا سألتك عن فضة ولا على ذهب، سألتك أن تخرج من رمضان، بحق أنه من سليمان، وأنه بسم الله الرحمن، هيا به يا خدام اسماء الله الحسنى وصفاته العليا، سريعا سرعة البرق الخاطف والريح العاصف، إلحاحا إلحاحا، العجل العجل، إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم لدينا محضروووون " لم يحضر المُستّتِر فوقف الشيخ في حالة هيجان، هدد الجنيَّ ذهب في تهديده إلى حد التصفية الجسدية " أُُخرج يا لعين بالتي هي أحسن، متضطرنيش لاستخدام القوة " رأى أن الجني متمترس جيدا فقرر تحطيم المتراس، تحطيمي، أربدت ملامحه أصابه تشوش مباغت، تناول قبقابا خشبيا من الميضئة وانهال به على رأسي"أخرج يلمسخوط، أخرج يا دين الزب "، من جهته نزع عسعس القشاط من سرواله أخذ يجلد الجني ويجلدني " حلال دمك يا سكرجي، حد الله بيني وبينك ثمانين جلدة "، طارت السكرة، التخمتُ بالمرة في فظاعة الكوميديا السوداء، أخذت أترنح بين ضرباتهما حتى وقعتُ مشجوج الجبين، وضعتُ رأسي بين يديّ وتكومت على بعضي كقنفذ مكور وأخذت أسترحمهما فلم يرحماني، ولم يخلصني منهما إلا عياطي من حلاوة الروح " يلعن إلهكم يلعن محمدكم " أحس عسعس بالحرج فساقني إلى مخفر الدرك الواقع بشارع غوت دور، جَرِّمني كي يبرأ ذمته، وضع نفسه فوق الشبهات ووضعني تحتها، لفّق لي تهمة أني اعتديت عليه تحت تأثير الحشيشة، عزز إدعائه بأقوال الشاهد الوحيد جيلاني، قضيتُ ليلتي في نظارة التوقيف ولم يكن بالإمكان أبدع مما كان
من الجن إلى الجنون
واو، واو، واووووو!
هكذا غردت سيارة الإسعاف وهي وتتجاوز بقية السيارات، يا له من قلب للمعاني حين يتحول شيء محبط وتافه إلى شخص مهم ومميز بأولوية المرور! لو يعرف السواقون حقيقة المريضيْن لما أفسحوا المجال بتاتاً، ثمة قبالتي مجنون آخر مقيد مثلي اسمه جانو، شاب نحيف ويكاد يكون أحد شخوص جياكوميتي، شعره يتدلى خلف رقبته مما يجعله أشبه لتمثال نصفي لموسيقار كبير، إنسان تعبان من الحياة ويتقييء الحياة، وجهه فاجع ونظرته بليدة، عيناه منسجمتان مع بلاهته، لا شيء يبدو طبيعيا فيه وخاصة عيونه، فيهما تلك النظرة الملائكية ـ الشيطانية التي نراها في أعين المخبولين،" معك سيجارة؟" سألني فأجبته "كيف تدخن وأنت مقيّد اليدين ومقمصل بقمصلة الجنون؟ " نظر إلى قيوده كأنه اكتشفها لتوه " en effet[34]" تمطى فوق المقعد وأردف " كنت أرغب أن أكون مغني روك ففشلت وبقيت بلا مهنة، وأنت ما هي مهنتك؟" قلتُ " فاتني أن أكون رائد فضاء فصرت شاعرا" سألني "من أي بلد أنت؟" فقلت "من موريتانيا، بلد المليون شاعر " جقرني بنظرة ثابتة " أأنت من مواليد برج الأسد؟" لم ينتظر جوابي بل أكمل بصوت مزمجر " أنا مثلك أسد، كلانا أسدان مقيدان ومسوقان إلى المصح العقلي " نظرتُ في الزجاج فرأيت موميائين، أنا هو، قريني، كلانا، نسخة كربونية الواحد عن الآخر، بداهات خادعة، لخبطة دماغ، حففتُ ذراعي المقيدة بالنافذة للتأكد من واقعية العالم حولي، تحسستُ الرضوض ببدني من أثر لكمات جيلاني وعسعس، ثم تلقائيا انتقل خيالي إليها وتخيلتُ تنورتها القصيرة وكيلوتها الأحمر، وتخيلتُ شخابيرها ولوحاتها التجريدية، بحرَها الأسود وسمائَها الخضراء، هي الأخرى مجنونة، المجانين أكيس الناس أو أغباهم، سألتُه " لماذا ساقوك لمستشفى المجانين؟" فقال "لنفس السبب الذي جعلهم يسوقوك " أووف، لعلي أنا الآخر من الجماعة إياهم، قبيلة بني بلاعقل، مسحتُ العرق عن جبيني نظرت حولي، الإسعاف، البرية، الأشجار العارية، الذاكرة، الأسد المقابل [جانشير]، كله افتراضي، الطريق السريع وأسهم الاتجاهات، السيارات الآتية من الاتجاه المعاكس، يسقط المنطق فيضطرب المعنى، تنتصبت الفخاخ بين الواقع واللاواقع، لا مراء فالعالم حولي بطانة لعالم آخر، الإسعاف والمجنون وأنا كلنا أوهام، ما هو أكيد ليس أكيدا، سألني "هل بوسعك ان تسلفني 10فرنكات لشراء علبة دخان؟ " قلت "سأعطيك إياها عندما نصل ويفكوا قيودنا " حرك فكَّيْه في آلية التشنجات المعهودة للمدمنين، خبط رأسه بدرابزين النافذة حتى فارت الرغوة على فمه ثم هدأ ثم خبط في نوبات متعاقبة من الصراخ والهمود، تطلع الممرض المرتينيكي للخلف وقال بلهجته الكريولية التي تحول الرءا إلى واو " كل هذا علشان سيجارة، يا لِلْعُته! وفوق هذا حاول طعن أمه يوم عيد ميلادها، "علّق السائق "من حسن حظنا انه مقيد، واضح من عيونه إنه سيريال كيلر "، فكرتُ بتلك المرأة التي كنت أناديها [ أمي ] وعندها نظرتُ للشاب النحيل من زاوية منفرجة، جان مجنون سارتري، بطل جبان، لا يبدو شريرا بل غير مفهوم، لو حيّدنا أثر الخرمة والإبرة المخدرة وقمصلة الجنون لبدت عليه الدماثة ولطف المعشر، المسكين! هجم على أمه بسكين، قتل الأب ونكاح الأم، حسب فرويد، جريمتان وهميتان ولكهنما أشد وقعا من أي جريمة أخرى واقعية، قتل الأم كقتل الأب جريمة عاطفية أنتي أوديبية، والجريمة موضوع يجب أن يعالجه الأطباء لا الشرطة، أنا وهو نتشابه ليس فقط في كوننا أسديْن مساقين إلى سيرك الجنون، بل في الأسباب التي سببت جنوننا، أم رمضان لا تقل سوئا عن أم جان، فتشتُ في وجداني عن مكانة لتلك المرأة فلم أعثر، نسيتُ شكلها لشدة نفوري منها، أغمضت عيني لعلي أمسك بتلابيب صورتها فرأيت حية هيدرا بسبعة رؤوس، كنت،عندما أسمعها تقول "ابني رمضان " أخالها تخاطب شخصاً آخر، أكرهها بدقة، تلك المرأة الشرسة الباذخة في الاستحواذ والأمومة المتكلفة، منّتها الوحيدة علي أنها أعطتني حياة الموت أحسن منها، أنجبتني لنفسها، أرادتْ ولدا تولد من خلاله مرة ثانية، حتى تجد من يعيلها في كبرها، ونكاية بالعاقرات، لكي تباهي المبتورين من الذرية بذريّتها، وتباهي بيوت البنات بعدد ذكورها، كانت غريبة الأطوار مثلي، كانت تتمناني ان أموت في معركة ما حتى يقال انها أم شهيد، ولكني خيّبتُ ظنها، كانت تريدني ان أتخرج من الجامعة فيقال عنها أم مهندس أو طبيب وأيضاً خيبت ظنها، هي مخيبة الظنون، أثناء الاجتياح الإسرائيلي جاءت أم فلسطينية من مخيم اليرموك تبحث عن ابنها الفدائي، طرقتْ باب دارنا الواسعة وتوسلتْ أن تبيت ليلتها عندنا، لكن تلك المرأة التي يقال لها [ أم رمضان ] رفضت بحجة أن بيتها صغير، كيف أنسى ذلك المشهد الذي لا يُنسى؟ لعلي أدفع الفاتورة المؤجلة! الشعور بالخزي الذي يتحول إلى إحباط، الغريب انها بعد تلك المهزلة كانت شهريا تزور أخي رجب السجين في سوريا وتبيت في مخيم اليرموك، من الجائز جدا انها كانت تبيت في بيت نفس المرأة التي صدت الباب بوجهها، كانت تتصل ببيت عسعس وتقول لي "الفلوس اللي بِودَّكْ تبعثها لأخوانك إبعتها لي وأنا أوزعها عليهم "حساباتها بعيدة، تريد أن تبقى ست البيت، الأم الحنون الجدة الرؤوم الحماة السلطانة، تخشى أن يضعوها في مأوى عجزة فتقايضهم بالمال الذي يأتي مني، يراودها خوف الآباء من عقوق الأبناء، تحسب الفلوس بغريزة صيرفي وتميِّز ورقة الخمسين دولارا من ورقة المئة، تقرِّب عينيها من الجملة السحرية in god we trustهي أيضاً تثق بالله وصلعمه ودولاره وتميز المزيف منه، خزنتها مليئة بعملات صعبة من الدول المستوردة للاجئين الفلسطينيين: كراون دانمركي ومارك ألماني وفرنك فرنسي وليرة لبنانية ودولار أميركي حتى دولار كردي، المصائب العمومية والنكبات علمتها أن القرش هو الصاحب الوحيد، وعبد السميع يستغرب عقوقي فهو بخلافي منحاز للأمومة ضد الأنوثة، يقول "الأم مدرسة" و أنا أقول "الأم مقبرة"،يقول "تحت أقدام الأمهات ثمة الجنة" وأنا أقول "جهنم"، أربع سنين غربة قضيتُ نصفها في الإحباط ولم أحن إلى أمي ولا إلى خبز أمي، وأستطيع بكل طمأنينة أن أقلب المعادلة الإيطالية التي تقول "كل النساء قحبات إلا أمي قديسة"، أنا مغضوب والدين، ولا أحد يجبرني على حب من لا أحب ولا على كره من لا أكره، الطوطم ذاته والصلعم لا أقدسهما فهل أقدس امرأة مُشاكسة نقّاقة! هناك ألف سبب وسبب للإحباط وهي أوّلها، هي عينها التي لوثتني بالوحش من خلال حبل السرة، علينا أن نَحْمِل شهوات آبائنا وأن نُحَمِّل شهواتنا لأبنائنا ليستمر نسل الأنغال المحبطين، يا لرأسي الذي أتلفته السفرات الباطنية! التنزه في الذكريات كالتنزه في حقل ألغام، تره لماذا أتجول دائما في تاريخي؟ لماذا تلاحقني الآن كل تلك الذكريات المخزية؟ المخبول جانو يريد تحطيم رأسه لفراغه من النيكوتين وأنا بِوِدّي (أن) أحطم رأسي لأنه مصدع بالذاكريات السود، رديئة هي الذاكرة التي ترسم خرائب الطفولة بدقة علمية، دائما وأبداً تعاكسني وتذكّرني بما أردت نسيانه، ليلا تتجلى في الأحلام، ونهارا في الاستذكار، تره بأي مكان من الجسد تستتر هذه المستورة؟ يقال انها تستتر في الجبين لذلك عندما يتذكر المرء او ينسى شيئا فإنه يخبط لاشعوريا على جبهته، لعلها تكمن في نفس المكمن حيث يكمن الوحش، الإحباط إسمٌ آخر لتراكم الذكريات، والخيبات على الخيبات، ليس التّذكّر نفيا للنسيان، هو شكل من أشكال النسيان، شعرتُ برأسي مُشَوَّشاً بين الأمكنة والأزمنة والواو، واو، واووووو!" أين نحن؟ سألتُ السائق فقال"نحن هنا في سيارة الإسعاف " / " إلى أين نحن ذاهبون؟ ـ " لا أعرف"/ كويس جدا، إن الذين لا يعرفون إلى أين هم ذاهبون يذهبون بعيدا، ناس تختصر المشوار إلى نزهة وأنا أطوَّله إلى رحلة، أجملُ الأمكنةمكان لم نذهبْ إليه بعد، الجنون هو أقصى مدى يمكن ان يمضي إليه العقل العاقل، استقر بصري على يسوع الطيب المعلق في سلسلة تحيق برقبة جان، رأسه متوجا بأكليل من الشوك وجسده مخروقا بمسامير، نسخة مصغرة عن اليسوع بتاع كنيسة سان ميري، قال (هم قوّلوه)" أنا الطريق،الحقيقة والحياة" يا لها من حياة خاوية! المسكين عمره ما ناك ولا حشَّشْ ولا تُوتََنْ فانقصف عمره بسن 33، وفوق هذا عاوز يهدينا للطريق! هراء! الإنسان لا يجد نفسه إلا حين يضيعها، الطريق إلى كليرمون دانلواز طويلة بطول هلوساتي، بطول خرمتي على سيجارة، ثمة كليرمون أخرى في وسط فرنسا منها انطلقت شرارة الحروب الصلبيبة، المجد ليسوع دائما الذي أشعل الحروب وهو يبشِّر بالسلام، فكل تلك الفتوحات والعبث والضحايا علشان قبره في بيت لحم! كلهم حربجية، إسلام ومسيحية، مجانين تنطلق من الشرق للغرب ترفع راية الهلال وتسمي زحفها جهادا، ومجانين تنطلق بالإتجاه المعاكس ترفع خشبة الصليب وتسمي ذلك حملة صليبية، جنون مقابل جنون، الجنون هو القسمة الأعدل توزيعا بين البشر، في باريس 15 مليونا لو فرضنا ان هناك واحد بالمية منهم فقد عقله، يعني 150 ألف مجنون، المجانين برة أكثر من جوة، وبلدياتي هو الأكثر جنونا، لم يُخرِج الجن مني لكنه أخرجني إلى بيت المجانين، قضيتُ ليلة البارحة في مخفر الشرطة راقدا على اسفنجة، ورأيته في المنام كانت زبيبة جبينه تتسع حتى تحول وجهه كله إلى زبيبة، أمرني بحفر خندق بطول مترين بعد أن انتهيتُ من حفره قال "إطمره "، سيزيف لم يكن مجنونا، الآلهة الأدأنته هي المجنونة، كلنا مجانين بدرجات متفاوتة ومن يقرضون الشعر هم أجن من غيرهم، ولهذا يشعرون، الشعر لا يحتمل المعنى، العالم كابوس، الحياة جريمة، البشر مجرمون، الجريمة بكل مكان، الوجود لغز مطلسم، أين يهرب المرء من ذاكرته سوى إلى ذكرياته! أين يهرب من تتقيئه مدينة العقلاء سوى إلى المارستان! الشرطي الذي استجوبني سألني اذا كان لي سوابق عدلية؟ أفدته بأن سجلي أبيض إلا من عدة أيام حبس بتهمة تشبيك ورقة مئة دولار مزورة في ستيانة رقاصة شرقية، سألني "أتريد إخطار أحد معارفك؟ فكرتُ بها هي أم قلب طيب ثم نفيتها من فكري، ما جدوى إقحامها بمشاكلي، بجنوني، "هل تنكر التهمة الموجهة لك؟" قلت كاذبا "لا "، الكذب منجاة من المبيت في العراء ويضمن لي ملاذا، الحجز الاستباقي الوقائي في العصفورية يدوم شهرا على الأقل ونحن في عز برد شباط، تفهمون قصدي، هذا التكتيك تعملته من المرحوم يانوش، كان حين يلقى نفسه بالشارع يدعي انه مجنون فيساق إلى المصح العقلي، "إلى الدفئ"، وسألني الشرطي عما إذا كنت أتعاطى الحشيشة؟ قلت "أتعاطاها"، قرأ علي التهمة: الجرح العمدي وانتهاك حرمة المسجد مع سبق الاصرار، "هل تقر بما اقترفته؟" كان علي أن أعترف بما لم أقترف فقلت "نعم" / "هل لديك أقوال أخرى؟" ـ "لا" / "جيد، وَقِّع هنا ". رسمتُ اسم رمضان على شكل فأر مذعور يسبح في نون كبيرة ووضعت ثلاث بعرات تحته، أنجز شرطي آخر عملية القيس والتشبيه وأخذ البصمات، كومني مكلبجا في سيارة شرطة حتى مستشفى سانت آن، الممرض المرتينيكي الأسود نفسه وخزني بإبرة مهدئة وضعني في قمصلة المجانين ثم كوموني بهذه الإسعاف ولم يكن بالإمكان أبدع مما كان واو، واو، واووووو!
طيران فوق عش الوقواق
هذا هو عرين الأسد
بناء قرميدي صارم في لاهندسيته ويتربَّع بغطرسة في خلاء مقطوع، كأن ساحرا شريرا بناه ليزِّجَ خصومه فيه، شكله (لاشكله) تحدٍ سافر للانسجام، لا مربع ولا مستطيل ولكنه مكسّر الأضلاع كمكعّبات سكّرنبات (الجريمة الوحيدة في المعمار هي عدم تناغم الجزء مع الكل،والجريمة الوحيدة في الإنسانية هي عدم تناغم الفرد مع المجتمع) مكان مُشَوَّش ومُشَوِّش، منغلق على العالم البراني ويتسع لكل شيء إلا للعقل، توليفة من الغولاغ الستاليني ومن معمار الحد الأدنى، يكنون عنه بالمصح العقلي على سبيل التورية، في لبنان يسمونه [عصفورية]، في العراق [ الشماعية ] في مصر [ العباسية ]، أسماء مختلفة والمسمى واحد: المارستان أو مستشفى المجانين، جائت رئيسة الممرضات، امرأة سمينة كأنها خارجة من لوحات بوتيرو، صارمة كالممثلات اللواتي لا يلمعن إلا في أدوار الشر ولا يمكن تمييز وجهها عن وجوه المجانين كأنما حصل تناضح بين الطرفين، دققتْ في ملفي وقتا أطول من ملف جان، رمقتني ببرودة " نزيل جديد، (قالتها كأنها تقول مجنون جديد) أنت أول بونيول يشرف المصح، أهلا أهلا، لا شك أنك ارتكبتَ غلطة شنيعة ليؤتى بك إلى هنا" التصق لساني بحنكي فلم أقل لها أن حياتي كلها أغلاط، عرفتْ وزني الحقيقي من شكلي وليس من حجمي، استمدتْ سوبرمانيتها من حيونتي، أمرتني ان أكشف عن ذراعي لترى إذا ما كنتُ من مدمني المخدرات القوية، سألتني عن عنواني؟ فقلت إني بلا عنوان مثل الحلزون يمشي ويحمل بيته معه. قالت بأكبر مقدار من الصلف "إتبعني" فتبعتها صاغرا، كل خطوتين من خطواتي تساوي خطوة عندها، مشيتُ خلفها في مجاز طويل في طرفيه غرف كثيرة، راحت تعرفني على عالمي الجديد" هذا الصالون، وهذا التلفاز نافذتك الوحيدة على الخارج، هذه الكافيتريا، تُفتح ثلاث ساعات يوميا، هذه حديقة للتنزه، هذا مكتبة متواضعة فيها شوية مغامرات لتان تان وأستريكس وما شابه،هؤلاء المصاريع هم أصدقائك الجدد، ذاك هو السور الذي يفصلك عن العالم البراني الذي لن تراه قبل شهرين، لا تنس مسيو أنك محجوز عليك في إقامة جبرية بأمر من مدير الشرطة، هذه دورة المياه والمراحيض، هنا غرفتك وهذا شريكك بالغرفة جاكي اندريه، قم يا جاكي سلّم على صديقك الجديد " قام رجل معتوه وعانقني كأنه يعرفني من زمان، طلبتْ هي مني أن أغيّر ثيابي قائلة انه لا يمكنني الخروج من غرفتي إلا ببيجاما الخروج، قلتُ لها ان الغرفة تفوح برائحة خراء وصنة، قالت بصوت أحادي الوتر" voyons[35]! بونيول! هل تحسب نفسك في فندق خمس نجوم إنك في مصح عقلي " تركتني وحدي مع جاكي، مع نفسي، مع جنوني، اقتربتُ من الباب لأخرجوتصنمتُ، كيف أخرج بدون بيجاما علشان إحضار بيجاما للخروج؟ هذا هو الدرس الأول في مدرسة المجانين، اللغة الفرنسية بالنسبة لعربي مجنون لا يجب نسبتها إلى موليير بل إلى الماركيز ساد، ماذا يعني العقل؟المعنى؟ الحس السليم؟ ماذا يقول برجي الفلكي اليوم؟ العقل زينة يا أسد، ومن أجل ان تعقل يجب ان تجن، 1+1= 11، الفلسفة هي الدائرة، الجنون عقلٌ جديد، الجنون هو ان يكون عندك أفكار غير منسجمة وسلوك مماثل، المجنون هو بلا شك أذكى إنسان،وأنا لا أقول هذا لأني مجنون بل أقوله لأني أذكى إنسان، لمحتُ البيجاما موضبةً تحت المخدة فارتديتها، بديتُ مندمجا تماما في الإطار والديكور، أشعلتُ سيجارة، تحركتُ دفعة واحدة ووصلتُ بقليل من البسالة إلى الصالون، بين بوبور وعيادة شيكل والمسجد العصفورية مسافة متساوية، كل الحالات متساوية بالنسبة للمجنون فهو فوق الحالات، الأمور هنا ليست أسوأ منها هناك،فأنا في مكان مفصل على مقاس فوضاي الكاوتيكية،كنتُ دائما أحس ان المكان المثالي هو مكان آخر لست فيه، في المخيم كنتُ أحِسَّني يهوديا، في عيادة شيكل كنتُ فلسطينيا، بالمسجد كنتُ كافراً، مع الأغلبية كنتُ أقلويا، لكني هنا أحس بالانسجام، لا قيمةَ لِي هنا وهذه قيمة بحد ذاتها (عندما يكون للإنسان قيمة فعليه ان يحافط عليها بجهد او بآخر) هنا لابد أن تكون الحياة سعيدة، فقط لإنها ليست حياتي [36]، هنا يصبح النشاز قاعدة ويبدو اللامعقول معقولا، هنا لا يوجد تناقض ولا مراتبيات ولا صراع طبقي فالكل ينتمون لطبقة واحدة، هنا نجمع أنفسنا ونجتمع مع أنفسنا، مع أشلائنا، جنونستان بلد الممكن جدّا، تختلف عن كل البلدان، لا يوجد علاقات قوة مختلة مع المختلين، الاختلال يحصل فقط مع المتزنين، لا يمكنني ان أرفضهم لأنهم يقبلوني كما أنا بعقلي وجنوني، المصح هو انسجام التناقض، هو الخراب الذي أصبو اليه، بساط أحمدي، بازار لكل أشكال الجنون، الجنون كرديف للحكمة، كفقدان للعقل، كفيض للعقل، كتمرد على العقل، مكان هادئ ومعزول لتقاعد المتعبين من أمثالي بعيدا عن مناورات شيكل وعسعس والمدام، هذه هي المدينة الفاضلة، اليوطوبيا الأكثر اشتراكية فكل شيء فيها موزع بالتساوي: الجنون والأمصال ورائحة الصنة والخراء والبارانويا. هذه منفضة خالية من أعقاب السجائر (المجانين يدخنون السيجارة بكليتها مع الفلتر) هذه مزهرية فيها زهور بلاستيكية حال لونها لكنها لا تذبل، ليست هي الزهرة التي تذبل بل هو الوقت الذي يمر، إذن نحن خارج الزمان وداخل المكان، هذه السمكة الحمراء الوحيدة في الأكواريوم (هي الحياة الوحيدة العاقلة) هذا هو السور الذي يقسم الزمان الواحد إلى زمانيْن ويشطر المكان الواحد إلى مكانيْن، (شيزوفرينيا تامة!) هذه هي الحديقة، تشبه صالة الخطى الضائعة في محطة سان لازار، عند الجنبين صفان من أشجار الدلب مثل فصيلة جنود شامخة الرأس تحيي قائدا مهزوما، هذه الحماقات المتراكمة، الحياة المستنزفة في التفاهة والعقم، هذا الوحش الذي يدفع فريسته إلى التخوم القصوى، هذا البلد المجنون، هذا البلد الذي لم يكن عاقلا في يوم من الأيام، موطن ميشيل فوكو وآرتو وألتوسر ونيجينسكي، إتْبَعْ دابّة الحياة أو إفْطَسْ وحدك، لا مكان للموتى في متحف الأحياء، باريز لا تتسع للمحبطين فكيف اذا كانوا محبطين وعربا، جننتني بلاد البقرة الفاقعة من الضحك، أحببتها أكثر من كل البلاد وكرهتني أكثر من كل الغرباء، لم تفرش لي البساط الأحمر، كنت قد دخلتها عنوة، مختبئا في مرحاض قطار آت من اسبانيا، كنتُ ألقاني هنا وهناك في كيس النوم ممدداً على ضفاف السين، على مقعد عمومي عند أرصفة محطة أوسترليتز، في مأوى جيش الخلاص، أو في دهاليز مكتبة بوبور، في بيت عسعس، كان كل شيء متوقعا الا أن أجدني في عصفورية، يا لفداحة غربتي! أنا غريب الغربتين، غريب عن الفرنسيس لأني عربي، وغريب عن المصح لأني عاقل، كان العالم مقسوما بين كفار ومؤمنين فصار مقسوما بين عقلاء ومجانين، من حفة تنكرية إلى حفلة تنكرية، بدَّلتُ حياتي بحياة أخرى، يتغير وجهي باستمرار لكن المرآة العاكسة لا تتغير، تشبه وجهي دائما، هذه الخردة البشرية المنكسرةَ المرتعشة، زمرة المضادين للواقع، المرفوضين وأنصاف الموهوبين المدعوسين الضعفاء والمهزومين والطارئين والفاشلين الثَوْرِييّن السابقين والحالمين من كل الأصناف، دخلتُ عليهم من برّه، من العالم الآخر الذي كادوا ينسونه، اقتحمتُ عالمهمُ كضيف شرف طفيلي في مستعمرة البكتيريا السلبية، توقعتُ أن أثير دهشتهم لكن أحدا لم ينتبه لي (كم أحتاج ان لا ينتبه لي أحد) بذلتُ جهدي لأبدو عاديا، لكن ما معنى أن تكون عاديا في مطرح كل ما فيه خارق للعادة، أخالكم أيها القراء تستغربون كون حكايتي سلبية قاتمة رافضة للحياة، لكني أذكركم أني عصَابيٌّ مكتئب وأن الأدب الجيد لا يصنعه السلوك الجيد، أنتم ترفلون في الجانب الزين من الحياة بينما أنا في الجانب الشين، الملنخوليا هي الفكرة الأساسية عن قلق الحضارة، الاستلاب، الكآبة والفراغ والضجر، الفشل في القبض على الواقع، ممارسة العدمية بلا قصد او نية، وكل هذه المعاني تصح للمصح،! الإنسان يحتاج للكثير من عدم الفطنة، مَنْ مِنّا لا يرغب أن يكون مجنوناو لو لمرة أخيرة! الجنون يحررنا من شرط العقل الذي نحن فيه، الانحياز للبدائية يحررنا من أعباء الحياة العصرية، كل هذه الحيوات المعطوبة! وجوه ببعد واحد سطحتها العقاقير والإبر المهدئة كأنهم وجه مستنسخ عن وجه مونخ الصارخ، رسومات متحركة من كوكب والت ديزني، كائنات رخوة مؤقتة هلامية، يتصرفون بمقدار من البراءة، لا يميزون العيب ولا تقمعهم نظرات العاقلين، يخرج منهم كل ما هو مسرحي وعلى درجة عالية من الدراماتيكية، لا يكادون يهدئون حتى يصخبون، يثرثرون ولا يقولون شيئا، لمْ تعُدْ لديْهم هموم ولا يبحثون عن مجاملة، يتأرجحون بين محترق ومُشَوَّش، كلهم (بدون حفط الفوارق) معاتيه، فيهم من هو جامد مثل تماثيل متحف الشمع، ومن هو مخيف مثل ممثلي الرعب في أفلام ما بعد منتصف الليل، تراهم وقورين في مشيتهم ثم ما يلبثوا أن ينفجروا ضاحكين، في كل العيون ترى نفس النظرة التي لا تُسبَر أغوارها، قطعوا أواصرهم مع الواقع بصورة قاطعة، شوّهوا الواقع لدرجة كاريكاتورية، تخففوا من عفن المنطق لدرجة الحرية، يمشون هادئين غير مستعجلين، أجفانهم قلقة، حركاتهم مترددة، كأنما تحركهم من بعيد آلة ريموت كونترول، إنهم كما هم، ليسوا مجانين كليا ولا عاقلين بالمرَّة، يمكنك ان تصادف بينهم أكيس الناس وأحمقهم، نخبة حاملي الأوسمةوالشهادات مع أصحاب السوابق والزعران ناس غلابة غلبهم المنطق فسقطوا في السقوط الفكري والإجتماعي والنفسي، يتشابهون ولكن حدود الشبه تتوقف عند المظهر (الجنون) ففي الجوهر كل منهم له علامة فارقة (طبيعة جنونه)، كانوا بشرا عاديين بالمعنى الفرنسي للعادة،عاشوا شباباً راديكاليا في اللذة اللهو والعبث والسكس، في الثلاثين ارتطموا في الفراغ، في الأربعين اكتئبوا، بحثوا عن المعنى هنا وهناك، من لم تتلقفه المذاهب والنِّحَلْ الخلاصية تلقفه المصح، كلهم عاديون في جنونهم، كل مجنون يختلف عن الآخر كما تختلف البصمة عن البصمة، جيرار مثلا كان مهندسا راجح العقل، بعد طلاقه أدمن الكحول، اكتَتئب تحول إلى بالع أدوية، إلى نكرة تدور بين الطاولات يقال لها جيجي. ماري لويز مصابة بمرض نفسي نادر [ آفة الشراء المتهور ] كانت تدخل كل أسبوع متجر غاليري لافاييت وتشتري بعشرة آلاف فرنك من بطاقة الائتمان مما أدى بها إلى الإفلاس ثم إلى المصح (الجنون ابن الثروة والشباب والنرجسية) روزا عمرها بالكاد يتجاوز العشرين سنة أجهضت ثلاث مرات، كانبيال يبدو عليه الوداعه ولكن في رقبته دم، قتل كلبه وأكله، بييرو يقول انه اخترع راديو من تسع موجات ،دادا له تجارب مع الديانات الشرقيّة، يحلق حواجبه ويتلفع بثوب زعفران، كتب قصة جنونه في أربع صفحات ويبحث عن ناشر، كل يوم يبعت رسائل إلى غاليمار ويغلط بالعنوان تعود الرسالة وعليها عبارة retour à l’envoyeur[37]
فصلٌ في الجحيم
ذهبت الأيام الجيدةلكن أيّام الذلْ لم تأتي بعدْ
لم أكن لأصدق بوجود جهنم حتى وصلت إلى هنا، المجانين كالغجر تحبهم من بعيد أما حين تكون معهم فالأمر يختلف، هل أكتب شكاية إلى مجلس حقوق الإنسان للاحتجاج على الكيفية التعسفية التي بها زجوني في هذا الغولاغ؟ هل أهتف لأم قلب طيب كي تتدخل لتخليصي من هذا الأوشفتز المكان العقابي؟ ولو والفتُ على هذه السموم التي يسمونها مهدئات فمن الممكن ان أفقد الإحساس بالوقت ولا أخرج بالمرة، الجنون لو جذبني فلن أمشِ إليه مشيا ولكن سأنزلق انزلاقا، لا بد ان يحصل تناضح بين السائلَيْن الرخو والمُشْبع، بطبيعة الحال لن يعقل المجنون بل سيجن العاقل، منذ أن بدأت أعرف حقيقة الجنون لم يعد العقل عقلا الا في أقل حجمه، صرت أتوق لكل ما كنتُ أكرهه بباريس، حديقة الشاتليه، بوبور،مقهى بوسيف ولصوصه، مأوى جيش الخلاص وقمله وسكارجيته، شيكل وعيادته، عسعس ومسجده وتشنجاته، كنتُ أشمئز من كلمة منفى لكثرة ما رددها شعراؤنا الفلسطينيون بالطالعة والنازلة، ما كنت أستوعب كيف أن شاعرا يُنْفي من غزة إلى لندن، غير أني الآن أحس بهذه الكلمة تجسد نقطة التماس مع العدم، المنفى مُشْ نفي الإنسان من محيطه بل هو نفيه من إنسانيته، المرء قد يكون منفيا في وطنه فما بالك في عصفورية، مستودع العطب الإنساني والعقل المُعْتقل، كانتون مغلق للحمق، منفى في المنفى، خارج الخارج، علبة صفراء ضخمة من جذام وطاعون وصرع، مكان مختل موحش ويصلح لروايات الرعب القوطي والأفلام الهتشكوكية، في الصباح يبدو كروضة أطفال، وبعد الظهر يصير مثل سيرك للتهريج، عند المساء يصير أشبه بحَارَة ضيقةفُرِض فيها حظر التجول، عليَّ ان أنام بعد ابتلاع السمومحتى لو كنتُ أرِقاً، وعليَّ ان أتناول الطعام في عين التوقيت حتى لو لم أكن جائعا، مع أفول الشمس يُقْفل الباب المفضي من الصالون إلى الحديقة ويُقْفل الباب المؤدي من غرفة الطعام للصالون ويبقى باب واحد مفتوح، ذاك المؤدي من العنابر إلى المراحيض والروائح الكريهة، لكن النعاس سرعان ما يهبط بفضل الأقراص المنومة وتظهر أشباح الليل، ثم ينبثق يوم جديد لا أعرف ترتيبه بين أيام الأسبوع، الإقامة الجبرية طالت والإستثناء صار عادة، ربَّك لا يعلم متى يطلقون سراحي؟ مدير الشرطة نسيني، ويتهيأ لي ان مدام w w[38] (التي ليست الا رئيسة سجانات في هيئة رئيسة ممرضات) قد فعلتْ كل شي حتى يُحْجر علي لأطول مدة ممكنة، هذه الأنثى تشبه نجار التوابيت وتكاد تكونه، عسعس أمامها يبدو ملاكا، صلفة متزمتة شوفينية عنصرية،(ما زالت تعتقد ان فرنسا تمتد من دانكرك الى تمنرست) وضعتني في أقرب غرفة إلى المراحيض مع أكثر المجانين جنونا، في مراهقتي كنتُ أنظر إلى المرحاض على انه [ هايد بارك العرب ] او الفسحة الوجودية الوحيدة الذي تضمن حرية التعبير، كنتُ أستمرئ حريتي في الكنيف، أقضي فيه أوقاتا حميمة، أعيش في السر علناً، أشخ وأبول أمارس العادة السريّة علناً، على جدرانه أكتب شعارات مضادة لطوطم وصلعم، علنا، لكن مراحيض المصح لا تُحتمل، تفوح بكل روائح الخراء والفاصوليا والبروزاك، مرة قلت لها "الرائحة كريهة جدا "قالت لي " وهل الرائحة في بلادك أزكى؟" بنت الحرام رأتني عاقلا وتريد ان تساويني بالمجانين، وحين سألتها متى أخرج من الكرنتينه؟ قالت "غدا " وفي صباح اليوم التالي ابتسمتْ ابتسامتها الشنيعة وكررتْ "غدا عليك بالإنتظار "، كنتُ أنتظر موعدا كلما أصير فيه تؤجَّلُه إلى الغد، تتلاعب بالكلمات وتسوِّف، أفهمتني بلامبالاة صقيعية أن [ غدا ] هو اليوم الذي يتلو نهارنا ب 24 ساعة، إذ سألتُها "في أي يوم من أيام الأسبوع نحن؟" قالت " ماذا يهمك إن كان اليوم أحدا أو إثنين، ماذا يهمك إن كان الفصل ربيعا أو شتائا، أنت هنا في الجحيم وعليك ان تتعود على حقيقة أن لا معنى للزمن في الجحيم "، حقا قالت هذه الضبعة، فلا يمكن تحديد الأيام، لا قداس ولا جرس كنيسة يدق يوم الأحد، لا زمور خطر يزمر يوم الإربعاء، لا يهودي يسبت يوم السبت، لا مسلم يتهيأ ليوم الجمعة باحتفال وبذخ، لا روزنامة، لا ساعة حائط، لا مؤشرات ولا أبعاد، لا شيء سوى مجانين، نحن خارج الزمان والمكان لأننا داخل جحيم الأبواب المسكرة، السنة كبيسة من 40 شهراً، الشهر كبيس من 40 يوماً، اليوم كبيس من 40 ساعةً، والزمن ينساب فقط في العالم البراني الممتد خارج الأسوار، دارت الأيام ومرّت الأيام،وكل يوم يزيدني يقيناً أنني محبط للأبد، أطلَّ عيد الميلاد على باريس وتزيَّنت اشجار السروُ بالهدايا وأنا أنتظر في حقول الريح، هلَّ رأس السنة وتلألأ برج إيفل بالأضواء، شرب الناس كؤوس الشمبانيا وأنا أتجرع سموم البروزاك، جاء السان فالنتينو، تعانق العشاق عند نافورة السان ميشال وتهادوا ورودا حمراء وأنا أجترُّ وحشي وردتي السوداء، أربع أشهر كبيسة في عزلة عارية من الصقيع اللانهائي، الجرح أصبح متراسا وجحور الوحش أصبحت كهوفا، انغلقتُ على نفسي وانفتحت على الثلاثة من سجوني: إحباطي جنوني وسباتي الشتوي. أتعبني هذا الوحش ولسوف يأتي يوم يتعب فيه هذا الوحش من نفسه، الوحش سجنني داخل منطقه ومنطقته، لم أعُدْ أبدل بيجامتي فهي صالحة لليل والنهار ولكل الأيام، لم أعد أستحم، عين الجنون أن تكون أنظف من بقية المجانين، لم أعد أحلق ذقني، أضربتُ عن الطعام فمارسوا علي التغذية القسرية بالأمصال، تبلد ذهني فلم أعد أقْوَ على شيء (الكسل هو الاستثمار الأقصى للوقت الضائع، عدم القيام بأي شيء هو أيضاً علاج ناجع) فقدت القدرة على استيعاب مغامرات تان تان غير اني ما زلت أمشي بانتظام، أستطيع أن أقوم بنزهة في الفناء 100 مرة يوميا، مشية على وتر واحد من السور القبلي حتى السور البحري، إحسبوا معي، إذا كانت المسافة بين السورين تساوي 80 خطوة فأنني أمشي كل يوم 8000 خطوة، لا شك أن عداد بوبور الرقمي نقص عشرة ملايين ثانية، أضربوا 60 × 60 ×24 ×30 × 4 فسيخرج معكم عدد أكبر من عشرة ملايين بقليل، أضربوا 8000× 30 × 4 سيخرج معكم عدد أقل من مليون خطوة بقليل، الكارثة الحقيقية تُعَد بالملايين، ملايين الثواني والخطى المهدورة من عمري، هي على كل حال مهدورة هنا او هناك، فقدتُ القدرة على تمييز الألوان لكني ما زلت أقشع بوضوح، المصح ليس حجابا يسترني عن الكون بل شرفة تشرف عليه، الإقامة هنا إقامة في الرؤيا، كل مكان ضيق هو مساحة للجدل مع الذات، الحبيس غالبا ما يحول الزنزانة إلى مفازة ذهنية، إلى مجال حيوي للخلو الصوفي والانسحاب إلى الداخل، من خلال السور الشفاف أستطيع ان أبصر القصور الباذخة التي لا توجد إلا في اللوحات،استطيع ان أسقط على السور أسربة أوهامي، الأمكنة الموصدة تخلق ميكانيكا مدهشا سحريا، التَّنَامِي المُلازِمِ لرقَّة الإدراك البصري، فقدتُ القدرة على الطعان لكني ما زلت أحلم اني أطير في أحسن السموات راكبا على ثلاث خيولٍ أندلسية مطهمة، أحلم إنني مع زوجة حنون، في بيت دافئ، وسط عيون أطفال تشع بالفرح، السعادة بكل رثاثتها كما يحلم بها محروم من السعادة، مجرد حلم يشتعل باشتعال السيجارة وينطفئ بانطفائها، أحلم بإحباط أقل، أحلم بيوم بلا بروزاك، أحلم بيوم لا أحلم فيه، أحلم دائما لأني ما زلت أؤمنبمعجزات وخوارق، شيكل قال لي أن عبارات التفاؤل التلمودية لم تظهر الا في تيه سيناء، زوجته قالت انها ترسم لأن الفن تعويض عن نواقص الحياة، عبد السميع يقول انه يصلي لأنه يريد الجنة، هذا ما كرره لي المرحوم يانوش بأسلوب مختلف ومعانٍ متفقة،كان يسرف في شرب الفودكا لأن السعادة مستحيلة، الإنسان ينكر الواقع باستمرار لذا يسكر، يرسم، يُشْعر، يصلي، يحلم في الليل ويتخيل أناء النهار، الإنسان يحلم لأنه يدرك تخاريج الزمان الثلاث،كان هناك ذات مرّة سعادة، وكان كل شيء واضحاً وفي مرمى اليد، ما كان سيكون حتما، الحاضر كئيب والقلب يحيا في المستقبل، كل شيءٍ سيمضي، ما سيمضي سيصبح أجمل، الشجرة الميتة لن تورق لكن هذا لا يعني أن علينا قطع كل أشجار الغابة،في مستشفى المجانين يوجد أشياء أخرى سوى الجنون، ثمة العدم، السقام، التَّوَحُّد، الوَحْل، المَحْل، الدّم، السعال، البصاق، الفراغ، السأم، رائحة الخرا والصنة وكيد وايت واتشرز، لم يعد الفارق واسعا، بإمكان الوحش أن يستمر، الجنون صار حكما مؤبدا، من يتقفى الأثر زمنا طويلا يتشابه مع ظله، إنها مسألة وقت، يحكى عن سجين سياسي سوفياتي انه من أول يوم وصوله إلى الغولاغ راح يتأفف من الصقيع والجوع والإذلال، فضحك أحد المُغَوْلغين المخضرمين ونصحه أن يصبر شوية فأول عشرين سنة هي الصعاب وبعدها يتأقلم، على أن تشابه القصص لا يعني تشابه النهايات، ولن يغني الأمل عن الإنتظار، في اللغة اللاتينية مصدر فعل[يأمل] sperare هو نفس مصدر فعل[ ينتظر]، الحكمة قالت " نصبر، صبر المقهور على القهر شجاعة"، مع المستحيل يجب المحاولة دائما حتى يصبح ممكنا، إن أنجع وسيلة لعدم تقديم تنازلات للوحش هي أن تمتلكه، أن تتوحش معه، يقاوم الجندي عدوَّه بسلاحه، تقاوم الوردةُ قاطفَها بشوكها، يقاوم الثعلبُ صيادَه بدهائه، تصد الأعشابُ العاصفةَ بانحناءها، الا المحبط فلا يسعه أن يقاوم إحباطه الا بإحباطه، بالموالفة عليه (خط ماجينو سقط لا بمواجهته بل بالالتفاف عليه) في التكتيك الصيني فإن كل الغزاة الذين اكتسحوا امبراطورية الوسط كانوا في نهاية الأمر يتصيَّنون في العدد الشاسع، في التكتيك الروسي كانوا يسمحون للغزاة بالتوغل ليحاصروهم بالمساحة الشاسعة، تعلمتُ من كارثتي ألا أنتظر شيئا من الخارج وأن أدمن على دمار القلب، متخذاً من السقوط درعا لي لن أخشى سقوطا أكثر، رضيتُ بالوحش، وحشي الذي أنستُ به وضقتُ، أفضل طريقة للتعايش معه هي ان أدمن على غضبه الأسود كإدمان يابان على إعصار التيفون، سأمارسه باتقان حتى يصير جهنّم، أنذر حياتي له كشمعة مضائة تحت قدمي قديس، أنحاز له كليا، ألتحمْ به عضويا،بالطاعة والانسجام،أقاومه قليلا وأطيعه كثيرا سأتجرعه حتى المناعة، أعطيه من إنسانيتي وطمأنينتي وآخذ من وحشيته وقلقه، نتبادل الأدوار ويتحول الأصل إلى نسخة، وتحل تلك الطمأنينة الأبدية بيننا، نتعايش تحت سقف واحد، ننزف، نحترق، نتوحش، نتحارب ونتحاب ونتوحد، كائنيْن ناضجين متكاملين، ننجب طفلا يتابع الطريق ويتحقق فينا لغز التجسد، أثق به لعقدٍ من الزمن ثم أجدد الثقة لعقد آخر، أنسجم معه ثم أعيدُ انسجامي، وأعيشه كشرط إنساني، ببطولة سيزيفية فيها من العناد ما فيها من العبث، بأعلى درجة من اللامبالاة، لا بد ان أتضلّع يوما في فهم هندسته ورياضياته وطلسمه وشيفرته الجينية، ربما يسقطني في التقادم، قد ينسى من فرط افتراسي إني فريسته، أو أنسى من فرط افتراسه لي أنه مفترسي، وبعد طول معاشرة سيتحول من وحش متوحش إلى أليف، مع الوقت تصبح المأساة ملهاة، يصبح اليأس عادة، عبادة، يتمسح جِلديمثل حيوانات السيرك المسكينة، يتحول الألم إلى لذة خبيئة في الأعماق، هي حرب الوحش طويلة الأمد، لم أستنفذ ما بجعبتي من حِيَل، سأتظاهر بالجنون حتى أجننه، سأمشي وراءه على دعساته أسايره حتى تنشلّ خطاه، أخضع له بكامل عبوديتي مثل أَمَة مملوكة ثم استملك قلبه وأتسيد عليه بدهاء النساء، كما فعلت تلك الشابة في فيلم نوسفيراتو، ضحَّتْ بنفسها لإنقاذ المدينة من طاعون مصاص الدماء، ساهرتْهُ الليل كله متعمدةً إطالة السهرة حتى الصباح ليقضي النور عليه، وآخرتها يعني، دوام الحال من المحال، الحياة لم تضق يوما بشاعر، غدا يورق في جدبي فيضان الأمس، غدا يتآخي الضرير بالظلمة، وتتوحد الريح بالعاصفة، سيظل يأسي أوسع من شراسته، سأحطمته بحطامي، أحرقه بحريقي، أفقده صوابي وأجّنِّنه بغبائي، الوحش وحشي غير اني وحشه، كل هذا العار سيمضي ويصبح ذكريات، أمامي زمن طويل لأحيا ملهاتي،لا بأس إذا انتظر البائس حتى إشعار آخر، إحباط وعر أحسن من إحباط سهل، قالت الأسفار، لماذا تحبَط أقل إذا كان بوسعك أن تحبَط أكثر؟ الإحباط هو الشيء الوحيد الذي يقصر كلما طال، 9 أعوام دام حصار طروادة، 20 عاما تحمل عوليس نزق الأقدار والآلهة، الشوق الحقيقي لا ينبغي أن ينتهي بالوصل بل يجب أن يكون ويظل شوقا، عندما يبالغ الوحش في وحشيته فاعلموا إنه يعيش أيامه الأخيرة، وأريدكم أيضاً ان تعلموا أني ما زلت واقفا بشجاعة وسط العاصفة كأولئك الرجال الذين فقدوا كل شيء إلا أنهم يحتفظون بإرادة الحياة، خسرتُ مخالبي وبراريَ ولم أخسر ذئبيتي، أحرقت جسوري مع الضفاف ولم أحرق المجذاف، لا زلت ممسكا بقشة واهية في الطوفان، عنادي، الوحش كسب جولة ولكن ذلك لا يعني أن لانتصاره مدى وغدا، ورغم إني لن أستردّ ما سرقه من أيامي إلا إني سأواصل العيش معه بالكفاح اللامجدي، لن ينال من القنفد إلا أشواكه، لستُ أول شخص يحبط ولا آخر شخص ولكني لست أي شخص، أنا رب العزم والجسارة وأستطيع أن أحبط الإحباط.
أبو عيد يثأر لرمضان
كنتُ أهجس بها هي الساحرة الشمطاء ذات الأنف المعقوف، كنتُ أحلم أني أفقأ عينها الزجاجية الباردة، وأذبحها من الوريد للوريد، وأصب الرصاص المذاب على جراحها، كنتُ أستمع إلى أنينها بأعذب موسيقى سمعتها أذناي، حين لمحتُها هي عينها مدام w w واقفة قبالتي فتحولتُ إلى صرصار من الدرجة الثانية، تمنيتُ لو اعتمرت طاقية الإخفاء كيلا تراني، بعثرتُ نظراتي كي لا أراها (الوقوف أمامها كالوقوف أمام منصّة الإعدام) طأطأتُ رأسي خشية ان تكون قد قرأتْ أفكاري، ورأيتُ ان أؤجل أحلامي إلى ما بعد نوبة الأدوية التي ستجعلني أكثر شجاعة، أقبل جانو وقال " أنا مدين لك يا صديقي الأسد ب10 فرنكات، زدني 10 أخرى وهكذا أصير مدان لك ب 20 " فأعطيته، صادفتُ جاكي في قاعة الطعام، أعطيته سيجارة فقبض عليها بإصبعين عصبيتين، شممتُ رائحة خراءه على أصابعي فمسحتُ يدي القذرة بالنظيفة ووزعتُ الوسخ بالتساوي على اليدين، ما فائدة النظافة مع قذارة كلية الحضور؟ نحن ما زلنا في عصفورية لا تنسوا، المجنون له عقله الخاص به، يمتاز بحصافة ما ويستنتج بالمقلوب ويجب أن نحترم هذا، مجَّ جاكي السيجارة بطريقة خرقاء تدل على انه غرٌ بالتدخين وسألني " هل جسد الحمار الوحشي أسودٌ مخططٌ بالأبيض أم أبيضٌ مخططٌ بالأسود؟ " لم أحر جواباً فأنا لم أرَ الحمار الوحشي إلا بالصورة، واستطرد جاكي قائلا إنه يريد أن يزور بغداد بوفد رسمي للبحث عن بيت سندباد، عاد يسألني " هل صحيح ان لغتكم تكتب بالعكس من اليمين لليسار؟" فقلت له "بالعكس هي لغتكم التي تكتب بالعكس" ثم سألني كيف دخلت الطاولة الكبيرة من الباب الصغير؟ قلت له أنهم نصبوا الطاولة أولا ثم أسسوا القاعة فوقها، هنا يمكنك أن تصل إلى استنتاج صحيح من مقدمات فاسدة، الجنون ليس حماقة بل حكمة من نوع آخر، أكثر المجانين جنونا قد يكون أعقل العقلاء، في هذه الأثناء كرَّجَتْ الممرضةُ النوبتجية كراجةَ الأدوية بين الطاولات وناولتني سموم نوبة الغداء، لاحظتُ ان جرعتي من البروزاك تزيد عن جرعة الآخرين، سألتُ رئيسة الممرضات عن السبب فقالت "لأنك مجنون أكثر من الآخرين " أعلنتُ اني لن أبلعها وأغلقتُ فمي فهددتني " إذا رفضتَ بلع أدويتك من فمك فسنبلعك إياها من مكان آخر" لم يكن بوسعي سوى ان أغمض عيني وأدلق كل شيء في معدتي، وقفتْ معنزقة مثل ديك غلوازي وأمرتني ان أفتح فمي لترى ان كانت الحبوب عالقة بين اللسان واللثة والأسنان، هذه القهرمانة العكروتة ستريني نجوم الظهر، تستمد بأسها ومن رخاوتي وتتقوى بضعفي، عيونها الضبعية دائما تترصدني، كالقرصان الشرير الذي عليه من وقت لآخر ان يقتل واحدا من رجاله حتى لا ينسوا انه شرير، تقلصتْ شهيتي على رؤيتها وانعدمتْ تماما وأنا أرى خنانة جاكي تختلط مع الشوربا، هذا المعتوه ناهيك عن أنه شريكي في طاولة الطعام فهو يشاركني الغرفة ويشاركني سجائري ومأكلي وثيابي وأشاركه خرائه وصنته وفسائه، انه من قدامى المجانين وقد يكون عميدهم، كان معلم مدرسة لم يقدر على ضبط التلامذة، وَسوسْ في بداية شبابه فشُدَّ بالمارستان وبقي فيه، منذ عهد بومبيدو وهو هنا، يشتي ويصيِّف بعين المكان، تنازلتُ له عن وجبتي المكونة من شريحة جامبون وعصيد البطاطا، نهرتني مدام w w " هيه بونيول لماذا لا تأكل لحم الخنزير، انه حلال ومذبوح على الطريقة الإسلامية" لم أقل شيئا لعلمي ان مجرد الرد سيعطيها ذريعة للمزيد من السخرية، انشالت عيناي نحو السمكة الوحيدة في الأكواريوم، أنا مثلها وحيد في الماء ولا أستطيع العيش بدون ماء، نحن كلنا هنا للأبد ومدانون لأن نتحمل بعضنا للأبد، وارتفع صوتَ مذيع نشرة الأخبار في التلفزيون بلكنة محايدة لا تميز بين دم القتلى وموزلين الممثلاث، وراح المجانين يدورون حول الطاولات مثل بندول الدقائق ثم راحوا يدورون بعصبية بندول الثواني، خيل لي أن الطاولات هي التي تدور حول المجانين، عندما تحدق في جهنم عميقاً، فإن جهنم تحدق في عمقك، كيف أقاوم التشوّش في هذا المكان الضاغط! نوتردام دي نون سانس[39]!مسرح الفظاظة! وهذا البروزاك يدمر كل صوابية، يخصخص العقل ويأمم الجنون! هذا التلفاز، العالم المجازي وقد تقلص في شاشة مربعة، الحد الأدنى من الوجود! نهضتُ عن الطاولة المُشَمعة لأشتري، تخيلوا ماذا! جريدة الأهرام والخبز المحلى بالزبيب! لكنني بعد عشرين خطوة اصطدمتُ بالباب الموصد، واصطدمت بالواقع، بها بكل ما في قلبها الأسود من سواد، كانت خلفي تترصدني مثل عقاب يبحث عن مذنب، سألتها ولم أكن أمزح"أين أجد أقرب مخبزة في البيكاردي؟ فقالت بصوت أحادي الوتر "في باريس" تذكرتُ سالفة أحد السجناء السوفييت العطشانين في الغولاغ السيبيري، سألَ سجانَه "أين تقع أقرب خمارة؟" فأجابه "في هلسنكي" راوغتُ كثعلب مُحاصر يبحث عن فجوة في السياج، بلغتُ الحديقة وتأملتُ السور الفاصل عن عالم العقّال، يبدو بعيدا في المسافة والزمن ذلك العالم الذي تركته منذ 130يوما، هي أيضاً بعيدة، وبعيدة جدا، كم ساعة الفارق الزمني بيني وبينها؟ ليتها تسمعني وأنا أفكر بها! لعلها تعزف على البيانو! او ترسم سموات حمراء وبحارا سوداء، او تداعب وبر القط أو تنزه الكلب، وعبد السميع ماذا عساه يفعل الآن؟ يخرح من المسجد ليتوجه إلى بوبور، وشيكل في هذه اللحظات ان لم يكن يدهلز على زبون ما ببرشامة حليب المهرة فأنه يبصبص على أفلام البورنو في حاسوب مينيتل 3615، أستطيع ان أتخيلهم كلهم ولا يستطيعون أن يتخيلوني، لا يعرفون إني أذرع الفيحة الممتدة بين الشجرة الثالثة والرابعة، إني بلغتُ الشجرة الخامسة في هذه اللحظة بالذات وإني بعد ثلاثين خطوة سأبلغ السور القبلي ثم أستدير للوراء، أنا أيضاً لي عين ثالثة وبوسعي ان أرى دون أن أُرى، تريثتُ عند شجرة متفحمة صعقتها الصاعقة وظلت واقفة على جذعها، حفرت في لحاء الجذع شكل قلبين في أحدهما اسم رمضان وفي الثاني اسم الوحش وقرنتهما بكلمة FOR EVERوجاء جانو وقال " صديقي الأسد، لك علي دين 20 فرنكا هات عشرة أخرى ويصيروا 30 " لم أستطع ان أرفض طلب لهذا المخبول الذي يشبهني في كره أمه، وحتى لا أتوغل في التفكير بوالدتي فكرت بكنار المدام، ترى من يشتري له القنبز الآن؟ أحسستُ بأعصابي يعصرها ألم مترابط شبكيّ كآلام البتر، الألمُ الذي يستهزئ بالحواس، إلى أيِّ مدىً يمكن أن يصلَ الوحش في وحشيته! ألا يمكن اختراع بارومتر للوحشة! لقد اخترعوا القبّان لقياس الوزن، واخترعوا المتر لقياس المسافات، الساعة لقياس الزمن، لكنهم لم يسبروا ما لا مسبار له وما لا يُتَصور،أحسستُ بحشرجة مخنوقة، ماء حار نبعَ ارتجالاً من أعماق بركة آسنة، خبأتُ وجهي، في الجحيم الحقيقي لا يوجد باتوس ولا بكاء فلماذا أُئَنْسِن جحيمي بدموعي؟ عدتُ لتزجية الوقت الضائع بالعد على أفتار أصابعي، عديتُ للستين، للمائة، للمائة وستين، نظرتُ للساعة في معصمي فرأيت عقرب الدقائق يسير ببطئ شديد(منذ نصف ساعة لم يتحرك إلا بمقدار خمس دقائق) شلحتُ الساعة وقذفتها خلف السور، الساعة أداة لقياس الوقت الضائع، ما فائدتها ان كنا هنا للأبد! في عنبر المجانين تراءى لي شكل غريب ومألوف، رجل مونخ الصارخ عند الجسر، إلتفتتُ عن يميني عن شمالي وحولي، نفس الوجه المرعوب مكررا كذا مرة كأنني في قاعة المرايا، أعرف هذا الوجه الموميائي انه وجهي، كأني أنظر في مرآة، صورتي،شخصورتي، إنه مونخ نفسه، انه أنا الخالق الناطق، للجنون وجه، للجنون أنف وعينان وفم وأذنان، دنوتُ من رئيسة الممرضات وقلت لها إني أرى أشكالا غريبة وأحتاج لبرشامة مهدئة فقالت " لا بد انك عطشان كالكابتن هادوك حين تراوده الخمرة يرى تان تان في شكل قنينة ويسكي " ميَّزْتُ في كلامها وجاهة ما، فالقبطان هادوك كان فعلا مصابا بشيزوفرانيا الفصام تبعاً لحالتَيْ الصحو والمحو، ونفذتْ رائحة الخراء إلى أنفي حتى كدت أتقيأ أمعائي، رأيت على الطاولة جريدة الباريزيان فتحتها على صفحة الأبراج الفلكية " أحياناً تكون الأسود الغاضبة أكثر حكمةً من النمور المدرّبة " لويتُ رقبتي نحو التلفاز، في الشاشة إعلان دعائي لوكالة سفر وسياحة، شاطئ تاهيتيْ وسنسول خشبي يفضي إلى يخت فاخر عند جؤجؤه عاشقان يتشمسان، ما أقرب التلفاز مني وما أبعد تاهيتي عني! ما أكثر السعادة وأقلها! الوجه الإنساني بوجهين، أين عدله فينا؟ هذا الله لو كان موجودا فهو حتما مجنون وسادي، كان يلعب طرة نقشة حين وزَّعَ الشقاء والسعادة،ما فائدة ان تمتاز بعقلك إذا انجن رَبْعَك؟ أحتاج لقليل من الجنون لأنفي فكرة خرقاء مفادها ان المجانين لا يعقلون، أنا جزء صغير من الخطل الكبير، انا مجنون كلينيكي بَيْدَ أني لم أفقد عقلي تماما، كساعة معُطلة توقفت عقاربها ومع ذلك تعطي الوقت الصحيح رغما عنها مرتين في اليوم، أنا لم أكن عاقلا لهذه الدرجة إلا بمستشفى المجانين وسأثبت لكم إن ما تسمونه جنونا ليس إلا حدَّةً في الحواس [40]، أنا لا أعرف معنى الجنون إذ انني ما كنتُ يوما عاقلا، مَتى يتوقِف النزيف في دماغي؟ كيف أميز الواقعي من اللاواقعي؟ وهذا الجحيم يشبه قبرا فرعونيا موَشى برموز وكتابات هيروغليفية!و هذه الأشباح التي لا تني تتحرك [ أصدقائي القدامى ] الحشدُ المُترنِّحُللكتلة الجنونية الصماءّ! هذا الهواء الملوث برائحة الخراء الصنة والبروزاك! الحياة لا تبدو معقولة إلا لغير المكتئب ولمن لا عقل له، لا يمكن للعقل أن يتحكم بالواقع ما لم يصبح الواقع في حدّ ذاته معقولا. وقفتُ بين النائم والمتيقظ، وحيدا ومزدحما بيأسي، ترنحتُ ببلاهة تامة والخَدَر يشل أطرافي، جعلتُ أدور حول الكراسي مثل مجاذيب الحضرة، وأرقص رقصة هجينة بين هز الخصر والمارش العسكري،وسمعتُ صوتها يتناهى الي " أنت bongole dingo;timbré كف عن التهريج " تحول الغضب في دمي إلى غرغرينا وجعلني أرى كل ما حولي باللون الأحمر (الثيران،بخلاف البشر لا تميز اللون الأحمر، تلويح الراية بيد التوريرو هو ما يهيجها) جمدتُ مكاني مثل علامات استفهام كبيرة، الجنون هو الدائرة والعقل هو المربع، وأنا أريد تربيع الدائرة، أنا صرصار غير اني نمرود، أنا أول من يعصي وآخر من يطيع، أنا أبو عيد مش رمضان، أنا الشئ ونقيض الشيء واللاشيء، أنا المغوار دون كيخوتي، بطل اللابطولة، أحد اشكال الجنون هو أيضا جنون العظمة، الميغالومانيا، أنا الدكتور فولامور القنبلة الموقوتة، سلاح الدمار الشامل، السقوط غريزة خفية شبيهة بغريزة النسر وهو يمزق فريسته، حتى الجمل حين تفقع مرارته يرغي ويزبد ويهشل، أنا صبور إلى حد ما لكن اذا عيل صبري أقول للشر مرحبا، الفلسطيني مهما أذعن يظل في حالة رفض، يظل مسكونا بطاقة مدمّرة لكونها عاجزة أن تكون بنّاءة
اقتربتُ منها بخطوات ثابتة، عاينتها بعيون متحفزة " من تقصدين ببونيول؟ " شبكت ذراعيها على صدرها في بأس عسكري "وهل يوجد بونيول غيرك أنت؟ " اقتربتُ منها أكثر ورفعتُ صوتي أكثر " ضمير المخاطَب أنت يُستعمَل بين الخلاّن، هل نحن خلان؟ " انفعل وجهها البارد ورمشت أهداب عينها الباردة للمرة الأولى "ما بك اليوم ألم تبلع الحبوب المهدئة!" رفعتُ صوتي " أنت تُستعمَل بين الرجل وزوجته، هل أنت زوجتي ام تراني رَجُلك؟" خفضتْ صوتها " ما هذا الكلام؟ " حدجتها بثبات في عينها، في بؤبؤ عينها الزجاجية، صرختُ بصوت مجلجل " هل نمتُ معكِ حتى تناديني بِ أنت؟" تأتأتْ " كيف تريدونني ان أناديكم؟" قلت" أريدك ان تناديني مثلما أنت تناديني الآن، بضمير الجماعة " شعرتْ بالخطر فتراجعتْ، نظرتْ حولها باحثةً عن ممرضات تستنجد بهن وإذ لم ترَ أحدا جربتْ معي وسيلة أخرى " مسيو اذا لم تعجبكم الغرفة المطرفة مع جاكي، أضعكم في غرفة أنظف مع جانو " جانو جاكي جيجي دادا!فات الميعاد، فحد الجنون ان نجن بلا حدود، للجنون مزايا إضافية، يرفع التكليف والمسؤولية ويحررنا من وطأة التفكير، الجنون ليس شططاً ولكنه فكرة صاخبة عن العقل، ميتافيزياء لحظية وجدانية مُحرَّضة ديناميكية، التخريب ليس تخريبا ولكنه إعادة ترتيب، القضايا الوجيهة لا تبرر الحروب بل هي الحروب الوجيهة التي تبرر الكل القضايا، فقدتُ إحساسي بالنظام والأشياء، حصل ما حصل كشيء حتمي، بخطوات ميكانيكية تحركت (أنا هو المتحرِّك لكن المحرِّك هو الجنون) طوحت مزهرية الأزهار البلاستيكية، فَشّيتُ خلقي بالطاولة بركلة حاقدة، وحملتُ كرسيا ضربتُ الشاشة بضربات يائسة طاخ طاخ طاخ، أغلقتُ النافذة الوحيدة المُشْرعة على العالم البراني بتاع الأكاذيب والتهاويم، أغلقتها ألف شقفة، أغاظتني السمكة الحمراء الوحيدة بالأكواريوم، أجهزتُ عليه بضربة فسالت الماء أخذت السمكة تلعبط بين الطاولات، لحقتها بضربات متلاحقة حتى نفقت، قتلتُ الحياة العاقلة الوحيدة فأصبحنا كلنا متساوين أمام الجنون، داهمتُ غرفة المناوبة رحت أصرخ "أنا مُشْ بونيول، مُشْ مجنون، أنا عقل عظيم، سأكسر جمجمتكيا عاهرة " سمعتُ زمور الخطر، بدأ العالم ينهار فوقاني تحتاني، ارتميتُ جزئا لا يتجزأ من الخراب، ارتمتْ عليَّ وايت واتشرز ببنيتها الهيدروليكية، وضعتني في قمصلة المجانين، جرجرتني إلى غرفتي وكومتني على السرير ونفذ شيء حاد إلى فخذي، دخلتُ في غبشِ ثم في شخير كشخير ثور ذبيح
المهدي غير المنتظَر
" جهّزْ حالك "
قالت لي ولم أفهم قصدها، هل ستضع رجلي في الفلقة عقابا يليق بجريمتي؟ هل ستجرب بي عقارا طبيا أعتى من البروزاك؟ هل ستضع لي حفاضا كما فعلت مع جاكي اندريه؟ هل ستجرب بدماغي الصعقات الكهربية كما فعلوا مع أنتونان آرتو؟ هل ستنقلني إلى عصفورية أخرى؟ هذه القهرمانة الشرسة دائما تتكلم بشبه الجملة المبتسرة وتريد ان تكون مفهومة!
أشعلتُ سيجارة وقررت اني جاهز لكل الاحتمالات، قعدت أتفرج على المعاتيه ببلوزتهم الموحدة وهم يدورون حول الطاولات، من خلل دوائر الدخان الحلزونية لاح لي شبح دخيل على أشباح العصفورية، شبح ضليع في ذاكرتي، انه عبد السميع بطلَّتِه الدراماتيكية، يده اليسرى مجبرة بالجبس الطبي، يا صباح السوء! كلما حاولت نسيان هدا الصرصار يطلع لي ويذكرني بوجوده، عنيد عنيد حقا هذا الحلزون! يجي كالهباء حين لا أنتظَره، يجيء متأخرا بعد تفاقم الخراب، يروق له ان يراني شجرة ناشفة ليقيس مدى اخضراره، يعمق طمأنينته في قلقي، ويثبِّت عقله في جنوني، رمقته بعينين خاليتين من المشاعر ثم أزحتُ بصري عنه كأني لم أتفاجأ بهذه الزيارة الفجائية، كأني لا أعرفه، كأن الشخص الذي جاء يزوره ليس أنا، جاء وتَسَمّرَ قُدّامي مثل الفانوس السحري رآني كمومياء محنطة في حالة من الليتارجيا واختلال الحواس فرفع نظارتيه ليتأكد من تفاصيلي، وجهي المنتفخ، نظراتي الزائغة، لامبالاتي، شفاهي المتيبسة وأطرافي المهتزة، رأى الخنانة تسيل من فمي فتجنَّبَ معانقني وسلَّم علي بالمصافحة وهو يدمدم " إيش جابك لهذا المكان يا زلمي؟ " نظر إلى الجنون الكثير حولي فحمد لله على نعمة العقل، قللي حتى يخفف من درامية الموقف " مبروك عيدك أبو عيد " لم أسئله أي عيد يقصد! الكبير أم الصغير؟ السقوط في الإحباط يعني السقوط في الصمت، فقدان المبادرة، بطلان الفعالية، تبلّدْ الحواس، طيَّب خاطري بربتة على كتفي قائلا أن ما حدث بالمسجد كان سوء تفاهم وزال، سامحَني كمذنب يعفو عن بريء وأضاف انه سعيد بتجسير الصداقة، وإلا لما كان اهتدى لهذه العصفورية التي لا يهتدي لها الذباب الأزرق (لم أسأله كيف اهتدى، أليس هو من بعثني إلى الشرطة التي بعثتني إليه!) أرخى ذراعه فوق كتفي قادني نحو الكافيتيريا، طلب لنفسه قهوة بالحليب وطلب لي قهوة ساده، حاولت ان أقول شكراً فخرجت من بين شفتي بربرة ليس لها أي معنى سوى انها ناتجة عن تصادم ذرات الهواء، راح يستعجلني " إشرب قهوتك بسرعة، جهز حالك بسرعة، لنخرج من هذا المكان بسرعة، سترجع معي لباريس، هناك بانتظارك سرير نظيف وغرفة فيها منافع صحية ولن تضيع في مآوي المُشردين "، تباطئتُ في رشف القهوة، لبثتُ بذلك النوع من الاستسلام الصوفي المتعالي... في جحيم الأبواب المسكرة ينفتح الباب أمام غارسان فلا يسعى للهرب نحو الخارج الوهمي، الحرية جوانية مُشْ برانية، الجنون أخف الضررين، أنا هنا مع المجانين، أسعد أقلية في العالم في المكان الصح ومتناغم مع المصح،عندي العدم كاحتياط وعندي الجنون كرأسمال، الوحش هو كل ما أملك، تمرستُ عليه وأصبحتُ لا أعرف كيف أعيش بدونه مثل شخص يمكث دهراً في كهف معتم وإذْ يرى النور يُغشى على بصره، ماذا أفعل برّة بدون رحيق الصنة والخراء الذي ألفته؟ أفضّل الخلوة على الجلوة، أمتلكُ الكثير من الأسباب التي تنفرني من باريس، مدينة صعبة المراس، مرارتها أكيدة، المصح إدمان كالمسجد كعيادة شيكل كبوبور كالوحش نفسه، قلت له بلساني " يا نحلة لا تقرصيني ولا أريد عسلك " وتقلصت الزبيبة على جبينه "معقول! تضيَّعْ شبابك مع مجانين العصفورية!" قلت له " هذا أحسن ما أضيعه مع مجانين المسلمين، هنا على الأقل لا يفرضون جنونهم علي "فوجئتُ برئيسة الممرضات تزجرني بنبرتها التعسفية " هيا بونيول، معك خمس دقائق لتغادر وإلا أربطك بقمصلة المجانين، ديجاج هنا ليس مأوى عجزة " تَنّحْتُ بينهما متل تمثال غرانيتي أخرس، رسمتُ بخيالي جسرا معلقا في فراغ هائل، على طرفيه مجانين وصلاعمة، وفي وسطه رسمتُ رجلا وحيدا يتوقى نفسه من غضب الطرفين، رسمتُ خطواته وهو يهرب من اليمين لليسار ثم وهو يهرب من اليسار لليمين، ثم وهو يختبئ تحت الجسر وعلقته بين الجنون والغضب والفراغ، أشفقتُ عليه فهدمتُ الجسر ودلقتُ الكل في هاوية، أمسكتني مدام w w بذراعها الباطشة جرجرتني إلى الحمام، شلحتني البلوزة الزرقاء بفظاظة ووضعتني عاريا تحت الدوش البارد وقعدتْ ترش الماء على جسدي بصقيعية سادية (تظن ان الدوش البارد فضلا عن انه عقاب للمتمردين هو علاج للمصدومين) ألبستني ثيابي المدنية، أمرتني ان أوقِّع على ورقة الخروج، فرسمتُ اسم بونيول على شكل فأر صغير أمام قط كبير، وجاء جانو قال " صديقي الأسد، لك علي دين 30 فرنكا، هات 10 أخرى ويصيروا 40" قلت له "مسامحك بكل شيء " في المجاز صادفني جاكي اندريه نظر إلى هيئتي الجديدة مدهوشا " هل عاد إليك عقلك؟" فتحتُ خياشيمي وتنشقتُ خراءه وصنته حتى الإمتلاء، ثم شعرتُ بالفقدان وأنا أتخطى العتبة، سِفْر الخروج من جنونستان كسفر الدخول إلى عقلستان، أساطيرٌ والتوائات رموز وأنظمة وقوانين، تباطئت فكومني عسعس في المرسيدس " عجّل عجِّل " قاد السيارة بسرعة خوفا من ان يلاحقه فيروس الجنون، ضايقتني الروائح الكريهة للعالم العاقل، هل أغلقُ زجاج النافذة حتى لا أشم رائحة الأزهار المنبعثة من الطبيعة الفظة! أم أفتحه حتى لا أشم رائحة المسك الشرعي المنبعث من السائق الفظ! أسَّر لي أن رئيسة الممرضات " بنت حلال " لم أندهش للأمر فهو وهي من أولاد الحرام، ويتشابهان لولا زبيبة الصلاة (الأصوليون المسلمون والمسيحيون يختلفون على كل شيء ويتفقون على أصوليتهم) رمقته بنظرات مواربة من المرآة الوسطانية ثم وزعتُ بصري على طرفي الطريق إلى السنونوات المصطفة فوق أسلاك الكهرباء، نفس مشوار طريق الإياب لكن بالاتجاه المعاكس، مر الشتاء الكبير كله وبعض الربيع وأنا [ هناك ] حين جئتُ في سيارة الإسعاف كانت الأشجار عارية من الأوراق وتملوءها أغربة سود، وقال عسعس " على فكرة يا أبو عيد، أختك اتصلت يوم الوقفة وقالت انها ستبعت لك كيلو زعتر "، داهمني احساس مباشر بالاشمئزاز فقلت له "أختي نصابة لايهمها أبو عيد بقدر العيدية، لا يهمها رمضان بقدر ما تهمها فوانيس وبركات رمضان، بِوِدها تبيعني كيلو زعتر مسوس بخمس آلاف فرنك فرنسي " وأخرج عسعس من جيب سترته ظرفا ورقيا ناولني إياه " رسالة من أهلك وصلت في غيابك " ها نحن من جديد في بلاط العائلة الغير مقدسة، مستنقع الوراثة الدوديّ، [41]القبر الذي يأخذ ولا يعطي، الكنف المسموم، بالوعة القاذورات، ديكتاتورية الوراثة ورهاب الدم النفروزي ولزوم ما لا يلزم، وأحسستُ برائحة كريهة إضافية تنتقل إلي عبر القارات وعبر حبل السرة السري، هكذا فجأة يكتشف الغصن اليابس أنه جزء صغير من شجرة كبيرة وله امتداد وجذور، دائما تتصاعد روائح النتن من التفكير بالفاميليا، أعرف مضمون هذه الرسالة دون ان أفضها، دموع تماسيح وأحاديثٌ ملفقة، أشعلتُ النار بالظرف دون ان آبه بتحذيرات عسعس وصراخه وقعدت أنظر إلى الأكاذيب وهي تتحول إلى رماد، بدئا من تضرعات تلك الأم الباذخة في حب الصلعم، تريد أن تستخلص مني ألفي فرنك لتزور قبر صلعم، لتذهب إلى الجحيم مع صلعم ومع أراجيف ابنها شعبان، أعرف اسطوانته المحروقة: طفله مريض بثقب في القلب وبحاجة لعملة جراحية مكلفة، شعبان تنبل من التنابل، من جماعة [ الأحباش ] الذين يرتع القمل في لحاهم، لا شغلة ولا عملة غير الصلاة وتكفير الناس، في الليل يساهم في تأسيس جيش التحرير الفلسطيني، شعب مبتلي بالشقاء والتعتير ومع ذلك يبزِّر بالجملة، هاهي تحترق مزاعم أختي حجة، لا بد ان اللبوة أشبلت وتريد الحلوان، كنتُ أبعت لها بانتظام حسب قدرتها على التفقيس وقدرتي على الدفع لكن المشكلة أنها أرنبة، كله يقول هات، عندهم استعداد هائل للأخذ، يظنوني في باريس أرفل بالسعادة الفرنسية وألُمْ الفلوس عن الرصيف، لو قلت لهم اني طفران ومكتئب وطالع من عصفورية لشمتوا بي وقالوا تستأهل كان لازم تبعت فلوسك للأيتام بدل بعزقتها على السكر والصياعة، لا يلامون على دنائتهم ما دامَ المجتمع برمَّتِه مَبنياً بدناءة، إلى حد ما يقع اللوم على والدي الذي رباهم فما أحسّن تربيتهم، عبثا أنقب في نفسي عن صلة بهؤلاء [ الأصدقاء ] الذين لم أختارهم بمحض إرادتي، العائلة دائما فجائية وتأتي حين لا نتوقعها لتذكرنا ان الحنان الأسروي هو أعلى أشكال الفضيلة، وعندما تريد أن تكتئب فإن الأسرة بأسرها تتضافر لتساعدك حتى تواظب على اكتئابك، [ العائلة ] بالمعنى الفلسطيني للكلمة تعني ان على أفرادها المهاجرين في أوروبا ان يدعموا بالعملة الصعبة أكاذيب أفرادها المقيمين في المخيم... وقطع عسعس صفنتي بقوله" عن جد يا زلمي، ليش لا ترجع لمخيمك وتعيش بين أهلك؟" قلت له " أيش أعمل بينهم وهم سبب فاجعتي " حتى أحوِّل النقاش باتجاهه سألته عما حصل ليده المجبورة فخبطها المقود وقال انها متعافية من زمان ولكنه ما زال يحتفظ بالجبص الطبي ليقبض تعويضات البطالة، لمعتْ عيناه بالنصيحة " لو أنا مكانَك يا بلد كنت استغليت الإحباط والجنون وأعلنتْ اني معاق فأكسب بالشهر خمس آلاف فرنك من صندوق الكوتوريب [42]عالبارد المستريح " تره لماذا يلاحقني هذا الرجل العالة بقصصه الخرائية؟ الكثير من أبناء مخيمي لاجئون في الدانمرك يخدعون الشؤون الاجتماعية فيسجلون (زورا) بناتهن (وبعضهن بالغات) شخاخات حتى يقبضوا علاوة بطانيات إضافية، معظم اللاجئين الفلسطينيين في أوروبا شخاخون وعسعس أكبر شخاخ، أنا وهو من بلد واحد بس مُشْ من طينة واحدة، أنا فلسطيني من صنف خاص جدا، معاق حقيقي لذا لا أطلب شيئا، يكفيني إحباطي،ذخري وذخيرتي، أرخيتُ سمعي لضجيج محرك السيارة حتى لا أستمع إليه، لكن ضجيجه نفذ إلى أذني رغما عني "إلى متى ستبقى على هالحال يا بلد؟ غربتك غريبة! لا تزوجتْ، ولا اشتريتْ سيارة! ولا عندك حساب توفير عقاري ولا جنسية! " لم أستغرب هذا الاستغراب من شخص وصل لفرنسا بعدي وصار عنده جنسيتين وبيت وسيارة، وغدا سيكون عنده زوجتين، هو يعتبر البقاء في حظيرة العروبة مأساة وأنا أعتبر الهروب منها ملهاة، أنا أرفضُ الجنسية بوصفها كذبا مزدوجا من الذي يعطيها باسم الهوية الكونية لفرنسا ومن الذي يأخذها باسم المصلحة وتيسير الأمور... نكايةً بصمتي أقحم في المسجلة شريط سورة الرحمن، مع روائح الغلمان والمردان وشراميط الجنة المقززة تفاقم حنيني لرائحة الخراء والصنة، كم أشمئزُ من هذه السورة، كنتُ أسمعها في المآتم وهي تصوِّر الجنة بنبرة جهنمية جنازية صفراء فأحس أني ميت او فاقد لطفولتي، وشعرتُ بارتعاشة في حلقي، هممتُ ان أشعل سيجارة فمنعني وذكَّرني أن رئيسة الممرضات وضعتني في عهدته وذمته وتحت وصايته، هكذا يتقاذفاني مثل طابة بينغ بونغ، هو وضعني تحت رعايتها وعنصريتها وهي وضعتني تحت مراقبته وصلعميته، رفع صوت الترتيل فشعرتُ بارتجاج في طبلة أذني، فتحتُ النافذة حتى أغطي على صوت المرتل الجنائزي ورحتُ أردد بصوت داخلي..يلعنْ رب الرحمن، يلعنْ ألّلاه، يلعنْ دين اللي كتب القرآن.. حتى بلغ الرحمن نهايته، انتابني هلع شديد أن يفقس عسعس على زر replay[43] في المسجلة ويعلن عن جنازة ثانية، أخذت أتسلى بمراقبة هيكل السيارة، مرسيدس عتيقة انتهى عمرها الافتراضي وليس فيها شيء تحسد عليه سوى أيقونات الإسلام الحافظة من عيون الحساد، دائما يتباهى علي بما يملك لأني أتباهى عليه بما لا أملك، الإيمان بالله، بالعائلة، بالمستقبل، بحوريات الجنة، بمساعدات السوسيال، بالحساب البنكي، بالجنسية الفرنسية،بأسهمه في شركة إيروتونيل، بالبيت الذي اشتراه في الضاحية، ببدلاته الرسمية التي يشتريها من الحرامية الجزائريين المداومين بين المسجد ومقهى بوسيف، لكن هذه السيارة هي أبرز أسباب تباهيه، يقودها بيد واحدة...
التفت نحوي "أكَلتْ؟" قلتُ" لا وليس عندي رغبة " رغم ذلك أعلن بأريحية أنه عازمني لمطعم تركي على أكلة لحمة بعجين، أفهمته اني خلال إقامتي بالمصح والفتُ على أكل لحم الخنزير لدرجة اني لم أعد أهضم لحم الحلال، وظهرت علامات ما يشبه الورع عليه وقال بنبرة علمية أنتروبولوجية " لحم الخنزير يقتل الغيرة على العرض، لهذا السبب تشتم أختك، أتقوا الله في أعراضكم، ربنا سبحانه وتعالى أوصى بالأم والأخت، " أحلم بيوم يحدثني فيه بلا آيات قرآنية او أقوال عمومية، دائما يحشر الله فيما بيني وبينه، وفيما بيني وبين نفسي، وفيما بيني وبين الأشهر الهجرية، لايقترح علي أكثر منمحاصرتي بالصنم الكبير والتوبة النصوح، قللي "نشف ريقي وأنا أحاول أقنعك ان الإسلام أفضل علاج للاكتئاب، بس الظاهر انك مجنون، قلتلله " انا صحيح مجنون بس مش حمار" استطرد قائلا أن الإسلام دين الوسطية " كيف وجد وسطا ثابتا لطرفين متحركين؟ هذه هي المسألة التي حلها الفقهاء ولم تحلها الفيزياء، أين الوسط في عماء الكاوس والصيرورة الحركية والنسبية؟ أغبياء هؤلاء المثاليو الأفكار الذين يتوسلون بالهندسة الإقليدية القديمة لقياس المسافات، عندما يغتصب الفقهاء إسم العلماء فعلينا الحذر من العلم، فعدم أخذ المعنى بحرفيته عند هؤلاء الفيلولوجيين هو الشرط الأول للتمكن من اللغة والسيطرة على عقول العوام... حتى أغيِّر موضوع الحديث قلت "تسمح بالجريدة ألقي نظرة على برجي الفلكي؟ خطفها من يدي "دعك من الخرافات، أنا ما جئت علشان برجك الفلكي، جئت لإيقاظك من الغفلة" قلت له قاطعا الطريق على مناوراته " مدام ww قالتلي لازم تراجع مستشفى مارموتون بأقرب وقت، ما قالتلي لازم تراجع أقرب مسجد بأقرب وقت، بصراحة لا مكان لي بقلب ألّلاه " فاجئني على الفور " قل لا مكان لله في قلبك" هذا صحيح لحد ما فأنا قلبي دليلي وأعرف لمن يتسع وبمن يضيق، لا أستطيع، لم يعد بمقدوري الاستطاعة، أن أنتمي إلى رب يعد بالخلاص، ألّلاه وهو يعدنا بالخلاص يخلّص علينا، بني آدم لازم يخلص نفسه بنفسه، كيف تستقيم حريتي ومسؤوليتي مع وجود إلهْ مطلق الفعل والإرادة؟ أنا إنسان حر أفكر بنفسي ولا أسمح لأي شيخ أن يفكر عني، أفضل أن أتعلَّم من طير واحد كيف يغنِّي على أن أعلّم عشرة آلاف نجمة ألا ترقص، أنا حر بخياري مُشْ بخيار غيري، أرفضُ السعادة الغوغائية، أرفض الجنة وغلمانها وشراميطها، لا أبحث عن الكمال لأني أكتمل في النقصان، أنا مغني الشخصية القلقة، أنا هو تجديفي ولن يشيّد علي شيء وطيد، أمديتي تنفتح مع اللايقين، أشرعتي لا تبحر إلا في بحر الشك، الإيمان أصبح مستحيلاً في عصر الزوابع والأعاصير، ذلك أن شجرة العلم ليست شجرة الحياة، لم يعد بوسعنا قبول الظلاميات بعد كل ما زرعته فينا الأجيال المتنورة من أنوار...
قال والسيارة تقترب من ضاحية سان ديني " ماشي الحال، ترافقني لحي باربيس، تشرب قهوة بمقهى بوسيف بينما أنا أصلِّي ركعتين " لكني أعرف نواياه، سيجرني بالرضا إلى المقهي ثم يجرني بالقوة لمحجر الكرنتينا الصلعمي ويحجر علي كما بالمصح، ويتآمر مع جار النبي على إخراج الجني مني بالسكاكين والمطاوي وما كان هو ما سيكون، الله جريمة وإنكاره جريمة أكبر، وقد دفعتُ ثمنا باهظا لاستيعاب هاتين الحقيقتين، أن تبقى على إسلامك يعني أنك عصابي من نوع آخر، أو متعصب وهابي عايش في عصر حجري، أو مُستَعمَر لغوياً من طرف الروس والإنكليز والفرنسيس، وحين تخرج من إسلامك تصبح ذميا أو مرتدا مهدور الدم أو محبطا، كيف لسلب الإرادة أن يكون؟ أنا وهو بلديات ولكننا نرطن لغتيْن مختلفتيْن، لغة الضاد ولغة الضد، لا يستطيع أحدنا أن يهزم الآخر غير أني مستعد للقتال... قلتله " لا تضيع وقتك معي، يكفيني من الإسلام أن إسمي رمضان ولقبي أبو عيد، إعتبِرني متل أبو طالب مات دون أن يشهر إسلامه" صارت ملامحه أكثر صلافة وعدوانية، جاء كلامه على شكل توترات " إخرسْ يا عدو الله، لا تشبه نفسك بأبو طالب، أنت من المغضوب عليهم والضالين، أنت أبو لهب زوج حمالة الحطب، تترك دين محمد وتتبع طريق الصلبان، شاعر فاجر حشاش سَكَرجيعربيد"، عاودتني تشنجاتي بسبب الرسالة المزعجة وبسبب الخرمة على سيجارة وبسبب الأدوية المدمِّرة وبسبب كلامه الفارغ، صار رأسي صفحة من سواد كامل، داهمتني لمعة خاطفة من نوبات الشيزوفرانيا، نوية الصرع نفسها، فقدتُ إحساسي بذاتي تحركت أوتاري الصوتية في حركة ميكانيكية، سمعتُ صوتي وأنا أصرخ كأني بوق لشخص أخر " أنا رمضان مُشْ أبو عيد، أنا حاخام لوبلين، أنا يهودي كاشير في أوشفتز، أنا فرناندو بيسووا، كان يظن نفسه يهوديا مظلوما، أنا أنا وأنت أنت، أنت نازي هتلري من أنغال الحاج أمين، أين كان إلهك حين تعذب شعبه المختار في الهولوكست؟، إذهب أنت وإلهك ضعه في بقجة مع شوية نفتالين " لم يدعني أكمل فنجر عينيه استنكارا، كبح الفرامل عنوة، هَمَّ ان يصفعني فلم تطاوعه يده المغلولة، فتح الباب بيده ورفسني برجله نحو الرصيف وقال بلسانه " مْخَشْخِش، مْضيّع الطابق الفوقاني، روح خلي اليهودية تنفعك.
من أشقاه الوحشُ هل تسعده المدامُ!
وقفتُ عند الباب فسمعتُ عزفها على البيانو، لم أشأ ان أقطع عليها انسجامها فتريثتُ وتخيلتُ أناملها وهي (تتكلم) مع الأزرار السوداء والبيضاء، وتخيلتها هي ذاتها ترفع رأسها عن النوتة أمامها لتغمض عينيها، كبستُ على زر الجرس، سمعتُ نباح الكلب جازي، بمجرد أن انفتح الباب قفز يصأصأ ويلعق جبيني، لبثتُ في الردهة مثل الدرويش بتاع زوروني كل سنة مرة، يغيب غيبات طويلة ويظهر فجأة، تهدلتْ تقاطيع وجهها كعلامة استفهام، ارتعشتْ شفتاها في انتباه طقوسي، ما كانت عيناها تشبعان من الشبح الواقف أمامها بعينين غائرتين ووجه نفخته العقاقير، صفعتْ صدرها بيدها " مون ديو، رام! قلبي دليلي كنت أعرف انك ستجيء "
طبعتْ على فمي بوسة كعبوة ناسفة، وعبقَ عطرها الباتشولي وهي تسحبني من يدي نحو الصالون:
" ويلك! أين كنت كل هذه الغيبة؟ "
" في مصح كليرمون"
"ما الذي أودى بك هناك؟ "
" سي لافي [44]، ملماتُ الحياة "
قلتُ وسألتها عن أحوالها فتحسستْ نجمة داوود برقبتها " أنا أتعفن مللاً لولا ريشتي والبيانو بتاعي وحيواناتي "
وجلستُ على الكنبة الفيكتورية كمخصي في حرملك السلطان، جلسنا مُتقابلين، 27 شمعة مطفئة مقابل 40 شمعة مُشَعشعة، ولبثنا صامتَيْن نتقرى ملامح بعضنا البعض ونرصد التحولات والتغيرات الطارئة على كل منا، هي عينها أم عيونالسّود بكسلها البورجوازي، بكل ما في قلبها الطيب من طيب، كل شيء فيها ينز بالنزوة، بطارياتها المشحونة، مزاجها البوفاري، نظرتها العربيدة الراغبة جدا، حساباتها الشرسة، لديها ضعف خاص تجاه ضعفي، أنا في عينها بضاعة إكزوتيكية، أمتازُ عليها بقوة الشباب (نظريا) وتمتاز علي بحكمة السنين (نظريا أيضاً) في الحقيقة فإن المعادلة معكوسة وأمتاز عليها بإحباطي، انفعلتْ وصارت حركاتها آلية فأشعلتْ سيجارة نفختْ على عود الثقاب ورمته وراء ظهرها، شمشمتْ باقة الميموزا التي أهديتها إياها وقالت إن رائحتها رائعة (قالتها عن مجاملة فالزهور بلا رائحة) وحرَّكتْها غريزةُ الأنثى فدخلتْ مخدعها لوهلة بدلّتْ ثوب التافتا هندي بالميني جوب،عادت ِفي أَوْج زِينَتِها فاردةًً شعرها الذي كان معقوصا، قالت وهي تمرر أصبع أحمر الشفاه على شفتيها " سرّني اني خطرت ببالَك، وجودك رائع، كل ما يمنحنا الفرح رائع، ما تُحبّه الحبّ الصحيح لن يُغتصبَ منك، دعني أحتفي برجوعك الميمون، ما رأيك بكأس؟" لم تنتظر رأيي بل جهزتْ لوازم القعدة بحركات سنكرونيكية مموسقة كعزف البيانو، ليس ثمة حركة مجانية في حركاتها، برجلها دفعت كراجة الميني بار النقّالة نحو الصالون، بيسراها فتحت الجارو وتناولت قدحين، بكوعها أغلقت الجارورو، بأسنانها نزعت غطاء قنينة فودكا، بيمناها صبَّتْ، وبلسانها قالت "أنتَ لا تفهم معاناة العشق، إننا لا نستطيع أن نحب أحدا إلا إذا ظل متخفيا عن أعيننا " أمعنتُ النظر في أركان الصالون كأني أعيد اكتشافه، الرسمات ـ الشخابير والمكتبة العامرة بالكتب وتمثال بوذا الرصين والبيانو، هرمتُ أنا وهرمتْ هي ولكن وجوه أجدادها الحاخامات في اللوحات لم تهرم، سبعة أشهر منذ موت المرحوم يانوش، حاولتُ ان أتخيل هيئة البولندي في العالم الآخر فخرجتْ معي قبضة رماد، بلعتُ حبتين من البروزاك، أفرغتُ كأسا على ريق بطني ومددته لها فارغا...صبي المُدام يمَدام واسقيني، هاتي من بركاتك... شطفتُ معدتي بكأس آخر، بينما مزمزتْ هي وقضمتْ بعض المقبلات البيولوجية بامتعاض واضح (لا يمكنها ان تتذوق شيئاً دون أن يعذبها عذاب التفكير بالسعيرات الحراريه)، خيَّرَتْني بين الجاز والبلوز وقبل ان تسمع خياري بَعْبَصَتْ في الغراموفون فصدحت موسيقى ييدش بألحان كمنجية الإيقاع، داعبتْ أذني وهي تقول" هكذا كانت جوزفين تداعب نابليون(ها) في مالميزون " أجهدتُ نفسي في لملمة أفكاري المبعثرة.... هل صدفة! جوزفين كانت تكبر نابليون بعدة أعوام، حُضنُها كان المكان المفضل للأمبراطور بعد ساحة المعركة، مسيو شيكل أيضاً شد أذني وقال لي هكذا كان نابليون يداعب جنوده في البيريزينا، اليهود كانت مهمتهم بعد كل معركة نابليونية قلع أسنان الذهب من أفواه القتلى ونزع حوافر الخيل النافقة، والمضاربة (غير الشريفة) في بورصة لندن، كانوا المنتصرين الوحيدين في كل هزائم نابليون.... جائت بسمتها العفوية ردا جازما على التساؤلات العابثة برأسي وقالت إني أختلف عن بقية العرب، هل أقول لها أني لا أختلف عن أبناء جلدتي الا بإحباطي! هي على كل حال لزقة أمريكانية ألعن من عسعس، وتريد أن ترد لي الإبتسامة المفقودة كما تريد استرداد شبابها المفقود، أحسستُ بما تخبئه لي فلم أرتح لها، لا تناسبني هذه الحالة حيث يكون الشغف بإنسان ميت كاملاً جدًّا، أنا متأكذ من ان حضوري يساوي شوقها مثلما اني متأكذ من ان حبها لي ليس سوى أنانية مضلِّلة، تحتاج أن تشيِّدْ عليَّ ما ينقصها...
وانتبهتُ للعصفور الحبيس في القفص فأرخيتُ الكأس من يدي وقلتُ بلهجة حازمة " أطلقي سراح الكنار من فضلِك " ونظرتْ لي منتظرة ان أشرح لها السبب فألححتْ عليها " كرامة لي أطلقيه " هزتْ كتفها بلامبالاة" إطلِقْهُ، هو على أي حال لم يعد يغرد " فتحتُ كوة القفص وسرّحتُ الكنار، رفرف بجناحيه بشكل أخرق كأنه نسي عادة الطيران، ظل محلقا بعيدا بعيدا حتى صار نقطة سوداء فوق النهر، خيَّرَتْني بين ان نشاهد (على الفيديو) فيلم [ أمبراطورية الحواس ] أو فيلم [ إيمانويل ] الذي اصطف 12 مليون فرنسي في طابور طويل لمُشاهدته، تخيلتُ الغايشا اليابانية في أول الفيلمين تقص أير عشيقها فازداد قضيبي ارتخائا على ارتخاء، كان عسعس قد حذرني" اليهوديات لديهن طقوس شيطانية، يعجنْنَّ فطيرالفصح بدم الأغيار ". ماذا لو كانت فعلا عميلة للموساد تسعى لابتزازي في لقطات إباحية! اوه رام لا نريد منك إلا شوية معلومات عن أصدقائك الذين تربوا في معسكرات أبي نضال وجورج حبش ووديع حداد، برجي الفلكي أيضاً حذرني" إحترسْ من الذين يحرسونك يا أسد " هؤلاء القتلة الأعزاء حولوا فلسطين برمتها إلى أوشفتز، خوزقونا واتهمونا بالإرهاب، كانوا لا يتورعون حتى عن اغتيال الكُتّاب مثل غسان كنفاني وسواه، ارتسم في ذهني منظر يهوديت وهي تجز رقبة القائد الآشوري عليفانا، تسللتُ إلى سريرها المصنوع من خشب الأكاجو باحثا تحت المخدات عن ساطور لم أجده، بعثرتُ عينيَّ في أرجاء المخدع باحثا عن كاميرة خفية لم تظهر، رجعتُ للصالون ناظرا حولي وحيثما وكيفما وأينما وجهتُ بصري يصطدم بنظراتها الجشعة كشفرة سكين، نادتْ "أنغورا "فقفز القط الأناضولي من حضن تمثال بوذا إلى حضنها،داعبتْ ظهره بطريقة مثيرة، تحولتْ الشهوة فيها إلى ألم فكشفت عن لحم فخذيها، توترتْ أوتارها الصوتية وهي تقول
" une femme infidèle, c’est une femme fidèle à deux hommes l’adultère, du mensonge[45]، deJ’ai faim de l’infidélité أشتهيكْ خذني في ذراعيك، هذا وقتَأنْ نحرِّرَ أنفسَنا مِمّن لم نعد نُحب، فلنعشق فلنعشق، هذا آخر سلاح بأيدينا "، لا تنتهي مفاجآت هذه المجنونة! الجنون هو ايضا أسمى أشكال الحب الممحونة، دائما تفاجئني بالمتوقع، وتفاجئني لدرجة انني لم أعد آبه بمفاجآتها، ماذا يحببها بجثة غير هامدة هذه العمياء النكروفيلية! الرجل الخربان دائما قلبه طيِّبْ مع النساء، لكن النساء (الشبقات) لا يبحثْنَ دائما عن القلب الطيب، ثمات المدام واشتدت نزوتها فغالبتْ رغبة قوية لاحتضاني، لم يتجاوب قطبي السالب مع قطبها الموجب، انكمشت على نفسي،كبحتُ خجلي بحياء لاهوتي، طأطأتُ رأسي كزهرة حانية، أنا مُشْ أسد ولكني بغل مخصي، أنني مكتئِب أكثر من اللزوم، أنا كلي إكتئاب، من لم يشاهد زورقا يغرق وسط البحر لا يعرف شيئا عن الاكتئاب، هذا الوحش المتوحش، أعطه رجلا وبعض الوقت فيجعل منه جثة، الوحش إذا استولى على قلب إنسان أخلاه من غيره، لقد مات قلبي فلم أعد أحفل بالإناث أنا الذي كنت أتصوّرُ الجنةَ دائماًعلى شكلِ أنثى، أنا رجلٌ ناقص رجولة ومُشْ بكامل قواي العاطفية، خارج دورة الطبيعة والحياة وخارج السكس وكل الحسابات، مِن عامين وأنا مُضرب عن الزِكْزِكْ، وتحججتُ بأني أشعر بدوخة بسبب الفودكا والأدوية، الأمر الذي سعّر رغبتها، غمزتني " لعلك تخشى أن يفاجئنا ج ب، انه برفقة خليلته في ملعب البارك دي برنس "، وغضيتْ بصر حتى لا أرى اللحم الهبر، أغمضتُ عيني حاولتُ ان أقلد تمثال بوذا البرونزي في قعدته الزّنْ، نفوري منها أخرجها عن رصانتها فكرعتْ من فم القنينة مباشرة، قالت كأنها تَقْرَأ مَا يَجُول بِخَاطِرِي " ربما كان من الأفضل أن لا أكون صديقتك يا رام! دعني لهنيهة أعتقد أنك لا زلت صديقي، هل يزعجكَ اختلافنا الديني؟ اليهودية ليست دينا بل شقاءا، هل يزعجك إني أكبر منك سناً؟ أنا شابة طالما أحبتتني " دائما بعد الفودكا تأتي الرغبة (رغبتها) لتأكسد كل شيء، رغبة الواحد وانعدام رغبة الآخر، الرغبة الجنسية للأصحاء تفسر ذاتها بذاتها، أما بالنسبة للمحبط فالرغبة لا تحتاج لتفسير لأنها معدومة، أيور المكتئبين تصدأ كالحديد، أن تكون محبطا يعني أن تكون مؤجلا حتى إشعار آخر، عند الحد الذِي تتقَاطع فيه عطالة الروح مع بلادة الجسد مع الجحشنة مع البرود العاطفي مع السلبية والعقم والتشيؤ والغباء الشديد، الرغبة استبداد قصير الأجل بينما الوحش استبداده طويل الأجل، المكتئب كينونة افتراضية مؤقتة ونسبية، قضيبه عضلة رخوة للتبوُّلْ فقط؟ يأستْ من بلادتي فآل الشبق على وجهها إلى تشنجات، وضعتْ يدها على شفتيها لتحبس كلمة ساخطة، وامتلئت عيناها بالدموع " يا لبؤس الحبُّ إنه وحشتان في وحشةٍ واحدة، ما أتعسني اذ أضحي بحياتي من أجل رجال لا يستحقون التضحية "، حاولتُ إبداء ملاحظة فتبعثرت الكلمات بفمي لعابا سائلا، الله الذي جعل النمل يتكلم (وأنتم لا تشكون بهذا مطلقا) ربط لساني فتقوقعتُ في زهد كزهد القرود الثلاثة (لا أتكلم، لا أرى، لا أسمع)، تنكرزتْ هي رمقتني بنظرات غير مجدية " إحكِ أنت يا من كله أخرس، هل تجيد لغات أخرى غير لغة السكوت البوذي المصطنع؟ تحيط نفسَك بالغموض والأسرار! ولكنك في الواقع مثل أبو الهول بلا أسرار " بقيت لائذا بالصمت الذي يمكنني من الثرثرة مع نفسي... كيف لي أن أتكلم أنا المملوء بكِ، بالفودكا، بالوحش، بالذاكرة بالبروزاك؟ الألم يعرف القليل من الكلمات، الألم يصنع من السكوت لغة، لكن الصمت لا يعني البكم، يعني رفض الكلام، يعني الكلام دوما، رمضان إنسان محبوب لأن أبا عيد مهيأ فقط للكره، أنا على بساطتي معقدٌ، تفرقني الإنفصامات وتجمعني التناقضات، قبل أن تغلب عليَّ الخمرة أنظر لكم كيهود مضطهَدين في أوشفتز وداخاو وعندما تتغلب عليالخمرةأعتبركم مضطهِدين في كفر قاسم ودير ياسين، أنا لستُ في حضرة العشق ولكني في مطرح الإنتقام وبِوِدّي أحول ضعفي (الجنسي) إلى قوة للثأر، أنا لم أنسَ، نسيت أن أنسى تسخير زوجك لي، كثيراً ما أشعرني بالمهانة ونفخ دخان السيجارة بوجهي، أنا عاجز عن الصلح لأني عاجز عن النسيان، أنا لا أنساك فلسطينا، وكان لنا في صفد بيت من حجر وأمامه خرنوبة أجمل من كل أشجار غابة بولونيا، ثم جاء جدك من بولندا قتل جدي قطع الشجرة وهدم البيت، أنا أبو عيد مُشْ رمضان، فلسطيني أولا وإنسان بالصدفة، أنا أكثر الفلسطينيين فلسطينية، الإنتفاضة في الأرض المحتلة خمدت ولكنها ما زالت بقلبي مُشْتعلة، السنوات لا تزيل الأحقاد ولا تغسل الدماء، في ذروة السكر تظهر التثنية في الواحد، أنا أرباض مدينة لا وجود لها، أنا التعليق المحظور على كتاب لم يكتب قطّ، لستُ شيئا، لستُ احدا،أنا لا أعرف الإحساس ولا التفكير،أنا لا أعرف ان أحبّ، انا شخصيّة في رواية لم تكتب بعد، موجودة في الهواء محتقرة لم تكن قط في أحلام من لم يعرف كيف ينجزني كاملا[46] أنا مزدوج بوجه وقفا مثل فرناندو بيسووا، كان بيسووا وكان ألفارو دي كامبوس، وكان يراكم الأقنعة على وجهه حتى نسي وجهه الحقيقي، كان يتصور نفسه يهودياً مظلوما كما كان يتصور نفسه نازيا ظالما، أنا كبيضة الثعبان، ملمسها ناعم من برة، سامة من جوة، وأمس رأيت بالمنام أني في القدس العتيقة متنكرا في زي نبوخذ نصّر مادا يدي على طولها وصارخا "سيغ هايل سيغ هايل...
لم يفلح تكدَّسُ الصمت فوق شفتي إلا في زيادة غيظها، (أقذع أنواع الذل الطبقي ان يرفض شاب خام نكاح سيدة بورجوازية)كشرت بي " سيحبطني إحباطك، من يصارع جثة ستنتصر عليه في النهاية، إذهب إلى الجحيم، وجودك يسبغ على الجو مسحة المأتم"، ركنتْ كأسها على البيانو ونظرتْ الي بحقد كأنّها ندمتْ على إستضافتي أردفتْ بنفس اللهجة الكيدية " Tu es déprimé et déprimant[47]" وزادتْ فصبت كأسا آخر، خطتْ خطوات نحو البلكونة، أضافتْ كأنها تكتشف شيئا مكتشفا " Tu es dépressif تهالكتْ فوق الأريكة وأطفئتْ خيبتها بجرعة فودكا، أكملتْ " et de la pire espece " من الواجهة الزجاجية رأيتُ الغيوم عاتية كأنها حرملك نساء غاضبات يتصارعن على خصية رجل مخصي، عاودني الإحساس بالاشتباك مع رجفتي وخرابي، تركتها تتكلم بخشونة الصوت الناعم " أنت َفاقدَ إحْساس، أنت ورم خبيث في الرأس، سلبي في منتهى السلبية، أنت من الجماعة إياهم، الشواذ المثليين، أنت وَجْهُ الغَثَيَانِ، المصران الأعور، أنت محبط ميئوس منك، إرجع إلى مستشفى المجانين، إرم نفسك بنهر السين تريح وتستريح"
ثملها، كلماتها الجارحة، حركتها من الصالون للبلكون ومن البلكون للصالون، الإزدراء الكبير الذي قرأتُه في عينيها، الفودكا والبروزاك، مواء القط بوجهي وعيناه الفوسفوريتان، كل هذا كهربني فانتزعت نفسي انتزاعا من الأريكة، وأنا أطبق الباب سمعتها تنطق "مع السلامة" كأنها تقول(في ستين داهية)
وليمة لأعشاب النهر
"كم مرة ستحترق جان دارك[48]؟"
كم فرسخ سيطول عذابي؟
كم سندباد ستبلع هذه البحار؟
، من لا منزلَ لهُ الآن لن يبني بيتا بعد، من يخرج معه الوحش لن يرجع أبدا، مستحيل ان ترمم قدحا تكسر، الوحش طال حتى لم أجد لهوسطاً أو نهاية، خازوق دُقَّ ولن يُقلع، ما أعزك ايها الموت! تعبتُ من أنصاف الحلول ومن الترقيع والبريكولاج، الله نفسه تعب واستراح يوم السبت، الحياة معركة لكني ما بِوِدّي أتعارك معها أكثر، لن أصمد البتة فليس الصمود مزيتي، استنفذتُ حججي واحتجاجاتي، كل شيء قيل ولم يعد ثمة ما يقال، هل تريدونني أن أكرر نفس الحكايا! لستُ حكواتيا كشهرزاد، تلك المحنكة كانت تجيد السرَد وتقطعه في ذروة احتدامه كي تساوم شهريار على ليلة جديدة، أما أنا فقد نفذتْ ذخيرتي بعد 700 ليلة وليلة، وشهريار الوحش قريبا ما يضرب عنقي، أجلْ، لقد انتهى أجلُ هذا المجرم، عاجلوه بالموت فهو منقذه الوحيد من سوء الحياة، عندما يواجهك عدو ظاهر تظهر له وتقاوم، عندما يتموه العدوّ تتموه لتكون مثله، إذ يحاصرك العدو من بره تحاصر حصارك، طيب وعندما يكون اللغم مزروعا في داخلك! كلُّ ما بوسعك أن تفعله هو ان لا تفعل شيئا، خسارة الحرب أفضل وسيلة لإنهائها، هذا الوحش الوحش، القلق المتوتر، الهمجي! هذه اليقظة العديمة الفائدة، الحياة البائسة، الأكثر من بائسة! هذه الألم المزعج المستخِف بالموت! الأوجاع المبرحة! العفونة اللزجة! البشاعة الجنون الغبن الخذلان! خرائب الحياة! المحن المتزايدة! هذه الصعقات الكهربائيّة العابثة في جسد متَهالِكُ متهالك! ما الجدوى! إنها معاناة تشبه الفجيعة، الألم حين يخرج عن معدله المقبول يصبح إهانةً للحواس، لكن الألم لا ينوجد إلا بالحواس، إذن فلنخمد هذه الإحساس الذي نحسه فقط بالذهن، ذلك الوحش كله من نتاج ذهني، وأنا أتألم وألحس مَبارِدِ الفولاذِ في جمجمتي فقط، لا وجود لي خارج ذهني، يختفي فأختفي ويختفي معنا الوحش، قاسيا كان كلامها " وجودك وعدمك واحد" كل فتوحاتي في المواخير لا توازي خسارتي أمامها، ما الجدوى؟ كثيرا ما قلتُ: لن أخمر معها لن أخمر، ولن أرجع إلى عوالم عسعس الورائية، دائما لدي أفكار عما يجب ألا أفعله، لماذا لا أفكر بالعكس، بما يجب أن أفعله، بالشيء الوحيد الذي أستطيع أن أفعله؟ أنا الآنعلى مسافة واحدة من الوجود والعدم، الناس حوليكومة هائلة من نقاط سود تتحرك، ماذا يهم لو اختفت نقطة من هذا السديم الأسود، سيكون العالم أقل سوادا بكل تأكيد، سيقول عسعس "ضراط ريح وذهب مع الريح " أما شيكل فسوف يقول "عرافيم ناقص واحد "، أنا دائما سبَّاق إلى الهزيمة الطوعية وضالع في الخساراتولن أقبل بأقل من السقوط الكامل، تلك الحياة المريرة هي كل ما يجب أن تتحمل، ولكن إذا لم تقدر على ذلك فَلَكَ أن تنهيها، حريتي تعني اختيار لحظة وطبيعة موتي، أنجع علاج للمشكلة هو الهرب منها، لن أحبِّر رسالة توضيحية فالوحش وغضبها سيبرران كل حماقاتي الآتية، الشيء المهم هو ما لم نفعله بعد، وسأفعل ما أراه أفضَل، إن أكثر ما يخافه البشر هو ان يتقدموا خطوة إلى الأمام، ثمة لا ريب مرفأ أمان للسفينة الجانحة، مقامٌ أرحم، أفلاك أرحب، أماكن أخرى هي أيضاً نهاية النهايات، البرشامة المناسبة للوحش، من يخلو من الأمل يخلو أيضاً من الخوف، أنا ألف مسيح مصلوب، أنا روح صغيرة تنوء تحت جثة كبيرة، أنا هو الموت الذي هو أنا، جثة مؤجلة على قيد الحياة، وللحق فإني ميت منذ عامين، وليس وقوفي على رجلي دليلا على حياتي، إن مات الفيل وهو واقف فإنه يظل واقفا لبضع أيام قبل ان يسقط، موت بلا نزع أهون من نزع بلا موت، وحدهم الموتى لا يخشون الموت، لا يكتئبون، لا ينتحرون، وحدهم الموتى لا يحزنون، لا يبكون لا يتحسرون، برج الأسد لهذا اليوم قال " انتظار الطوفان أسهل من صنع السفينة "، إنَّ من يحارب مدججا باليأس يحارب حتى الموت، والذي لن يجيء إليَّ سأروح إليه بنفسي، والذي كان حقاً للكثيرين سيكون لي وحدي [49]، 27 خريفا يعني ثُلث العمر وهذا يكفي جدا، القدر الذي لم يزودني بالشجاعة الكافية لمواجهة الحياة سيعطيني الشجاعة لأضع حدا لها، يوجد في عمر كل منا مرة تُسمى أول مرة ولكنها ستكون آخر مرة، من يَمُتْ شابا يحتفظ بشبابه إلى الأبد، تلقنتُ هذا السر وأنا أحدق بصور الشهداء المعلقة في شوارع المخيم، هذه المرة أعرف طريقي ولا أحتاج لدليل، نيَّتي المبيتة في رأسي تنخطر مرحةً في قسوتها، سأدمِّرْ حياتي إنقاذاً لها، سُمعَة يقول ان الإنتحار حرام إذن فهو مفيد، الإنتحار على الأقل استباق دفاعي، متراس بوجه إحباطات قادمة، الأغلبية يموتون قبل وقتهم او بعده، وقَلَّما تجد من يمت بالوقت المناسب، نحن نفهم جيدا ان غريزة التسامي القطيعية هي التي تحفّز الجنود ليهلكوا في وثبة غرائزية نحو الفناء والإفناء، لكننا لا نفهم بالمرة ما الذي يدفع شخصا وحيدا ليموت وحده، فليس هناك ما يستحق ان يزهق إنسان ملحدٌ حياتَه الوحيدة علشانه، انما الحياة بقدر ما تصبح مستحيلة تمسي فكرة إنهاءها ممكنة، فمبرر الوجود ليس في مجرد الحياة بل في جدوى الحياة، المنتحرون دائما على صواب لأنهم أقلية، الأديان لا تبرر الإنتحار، الإنتحار يبرر نفسه بنفسه، ببؤس المنتحر، الكهنة يريدوننا ان نحمل صليبنا وننوء تحته، لنُنْحَرْ كل يوم، هؤلاء المنظِّرون الصغار للخلاص يوسمون المنتحر بالجبن، كذبوا، فالإنتحار ميزة الأبطال الذين ما زال بوسعهم ان يقرروا مصيرهم، دانتي حشر المنتحر في أسفل مراتب جحيمه، لكن حسب علمي، المذكور لم يكتئب كما لم يرجع من العالم الآخر ليخبرنا عن وجود الجحيم من عدمه، أنا من تلك الاجناس المنحطة التي عليها أن تنزاح طوعا لتفسح المجال أمام الأعراق العليا الأقوياء واللامحبطين، هذه المدينة اذا لم تنحر الشعراء فإنها تدفعهم للإنتحار، نحرتْ نورفيد ونرفال وباييخو وتسيلان، في المنام حيث تلتقي أرواح الأحياء والأموات رأيتني مع يانوش، كان يحمل بيده مسبحة بوذية، تناوبنا نحن الإثنين على حضور جنازتيْنا ككهليْن، وهذا الصباح قرأتُ في الأهرام ان مُشَجّعا مصريا رمى نفسه في النيل بسبب خسارة الزمالك، إذا كانت لعبة كرة تسبب انتحار بنادم فما بالك بكل هذه الهزائم المجانية! الوحش ووحشته! عبد السميع وشماتته التي تعذب أكثر من الخنجر! العصفورية وعصافيرها! المسجد وصلاعمته! شيكل وسخرياته وتسخيره! المدام وشبقها! العائلة المقدسة ودناستها! اللوكسوميل والبروزاك! جريدة الأهرام وأبرجها الفلكية! لاء لاء هذه الشدائد فوق طاقتي، أنا بشر يا ناس، جسدي مُشْ حجارة ولحمي مُشْ نحاس، لن أختار بين السيىء والجيد بل بين الفادح والأفدح، سأنصب كميناللوحش وأصرعه مرة واحدة نهائية وإلى الأبد، أنحره بانتحاري، أريد الموت وأريده كاملا وثنياً شريفاً، لن أمارس هاراكيري على طريقة ميشيما، تمزيق الأحشاء ميتة طقوسية وأنا مضاد للطقوس، لن أرتمي تحت عجلات المترو، تخيفني الميتات المريعة، لن أشعل النار بجسدي كما في محرقة يان بالاخ، هذه نبرة احتجاجية يرتكبها الأقوياء، أريدُ ميتة مميتة جدّاًشامِلَة لِكُلِّ الميتات، بجرعة بروزاك زائدة، بِتَنشُّق الغاز كما فعل صادق هدايت، أو ببلع ثلاث قناني فودكا كما فعل يانوش في ليلته الصقيعية، ميتة انطولوجية تشبهني، تشبه إحباطي، كتلك التي اقترفتها فيرجينيا وولف، ربطتْ جسدها بحجر ثقيل وألقت نفسها في النهر، بول تسيلان أنهى حياته غرقاً عند جسر ميرابو، مصطفى سعيد أيضاً انتهى بنفس الطريقة، ليس النهر إلا ديكورا للنهاية، يمكنني أن أنتهي هنا أو هناك،بطريقة أو بأخرى، هي الصدفة فقط التي جعلت بيتها يحاذي كورنيش السين، في علبة الغلواز ما يكفي من سجائر لتغطية المسافة حتى الجسر، هذا يكفي، طيار الكاميكاز الياباني كان يُقلع بعد ان يملئ خزان الطائرة وقودا للذهاب دون الإياب، المواجهة شطرنجية وأحد الطرفين يجب أن يفنى، الوحش هزمني بالنقاط وسوف أصرعه بالضربة القاضية، كش ملك، الجولة الأخيرة في المعركة الأخيرة، هذا آخر كلام عندي وهذه آخر أمتار أمشيها في جلجلتي، لأنفاسي نكهة النزع الأخير، لخطواتي معنى الهدف المقصود، نادرة هي الليلات التي تكون لي الشجاعة فيها كي أمضي نحو العمق [50]، النظرية والتطبيق تتطابقان في انخراط وجداني نحو الضرورة الأخيرة، أنشودة الوداع التي يجيدها الموتى الذين لم يموتوا بعد، والمحبطون الذين يشدون شدوهم الأخير، ستجيءُ بالرغم من كل شيء أيّها البسيطُ والرائع، فلماذا لا تجيءُ الآن؟ دعني أشربك نخبا أخيرا لحياتي التعيسة[51]، تعال بأي قناعٍ ترغب،خذني من من ظلمةِ أيامي، دعني أذهب، أرجوك، دعني أتوارى عجِّل، أعتقني أيّهذا العدمُ الأبديّ، إقطع ظلي أيّها الحطاب، خلصني من جدبي، من رؤيةِ نفسي دونَ ثمر [52]
ها هو النهر القبر النعش الكفن، الغانج المقدس الذي سيطهرني من دنس الوحش، وقفتُ وسط الجسر حتى أحرق جسوري مع الضفتين، وجَّهتُ وجهي للجهة التي يسيل فيها الماء، صفحة النهر تبدو راكدة لكن الريح خداعة، الشمس مهيئة للغروب والغيوم لها شكل قبور فاغرة الأفواه، السماء قريبة جدا من الأرض، النهر يزحف بين الروابي ويبحث عن البحر، على قاعدة الجسر تمثال حورية تحتضن مرساة، على يميني تخوم الدائرة 16، عن يساري تخوم الدائرة 15 عند الضفة طائر كركي ينظف ريشه يمنقاره، تحت جسر ميرابو يسيل السين، السكون المرير حولي والماء تحتي وجزيرة البجع ورائي، ذاك هو خازوق إيفل، رمز القوة اللامفيدة 300 متر من الحديد تبخش عنان السماء وقفتُ ناضجا مستعدا مُدَجَّجا بما لدي من مخزون القنوط، لم تتحرك أهداب عيني، استبعدتُ من رأسي الأفكار الجاهزة عن الموت، يانوش، كمشة الرماد، محرقة الكرماتوريوم، الأضرحة وأكاليل الآس والريحان، دقائق معدودات تنتهي اللعبة وترفع مرساة الرحلة الأخيرة وينتهي العالم وكل شيء، ويستريح منهكو القوى، قفزة أخيرة، قفزة رشيقة، قفزة دراماتيكية، ثم إحساس بالبلل ثم لا شي، بالمرة لا شيء، بضع فقاقيع هواء تصعد إلى السطح، والبقية بحياتكم، حياة كاملة ستحترق في الماء، الأسد برج ناري مُشْ مائي، وهذا يعني ان حظي أكبر في الجنوح نحو الأعماق مثل سفينة تغرق بجلال وبطئء، ربما يبتلِعُنِي القاع ويتحلل بدني هيكلا عظميا، وقد يحمل النهر اللامبالي قلوعي المحطمةإلى بحر المانش وأكون امتدادا لأمواج المحيط، هكذا تتحول العناصر، الشمس تبخر ماء النهر إلى هواء، الرطوبة ترطبه إلى غيوم، البرودة تكثفه الى ماء من جديد، تدور الدائرة من المصب للمنبع للمصب في رجوع أبدي، المادة هي نفسها ولا شيء يموت تماما، فقط ينام فينا الموتى، بنهاية دائرتي تبدأ دائرة أخرى، ففي الثوان التي يستغرقها موتي سيولد خمسون ألف نغل مكاني.... بالنظرة الهادئة المتعالية للمحكوم بالإعدام رمقتُ الضفتين ومضحل الماء وعمقه، صفنتُ لأرى وجهي للمرة الأخيرة معكوسا على صفحة الماء، أشعلتُ آخر سيجارة، مجيتُ نفسا عميقا ورفعتُ بصري لأشبع بإطلالة الوداع البليدة عينيَّ اللتين سيغلقها الموتُ إلى الأبد، رأيتُ الموج يلطم بعدوانية الضفتين معلنا قدوم معدية نهرية، ثريثتُ قليلا وأعطيتني مهلة إضافية، بعقب السيجارة الأخيرة أشعلتُ السيجارةَ ما بعد الأخيرة، كل شيء إذن يوشك ان ينتهي، Acta est fabula[53] في نهاية الطريق يذهب كل ميت إلى قبره، لن يكون الموت مظلما ما دام كله دياميسا ضريرة لانهائية، جثتي لن تكون للقبور الجاحدة ولا لكلية التشريح ولا للأشهر الهجرية فهؤلاء الجوعى قد يتاجرون بها كما فعل أبناء خالي مع جثمان ابنهم في هولندا، لن أدفَن في مقابر الصلاعمة، هذه هي وصيتي الأخيرة التي سأطبقها بنفسي، لن يشيعني عسعس وحفارو القبور وسماسرة الجنة، الشاعر اذ يموت تشيعه قصائده إلى مثواه الأخير، لا عزاء لا رثاء ولا جنازة، مجرد دقيقة أتآخى فيها مع الموت والموتى memento moriتسبق الصمت الأبدي عن روح راحل وشيك يقوم بشعائر الوداع الأخير، صفنتُ في صفحة النهر فرأيت تجليات وجهي وأقنعتتي الكثيرة، تشابكتُ طفلاً وصبياً وكهلاً، رأيتني طفلا بيدي أزاهير طازجة، ثم صبياً بيدي أزاهير مبرعمة، ثم محبطا بيدي أزاهير ذابلة، هي اللحظة حانت لمعتها، إنني الآن أكثر تهيئا وجهوزية، ومستعد لارتكاب جريمة قتل البشرية كلها، بيني وبين الموت تسع أمتار بطول ما بين السماء والأرض، هل سأتعرف على المرحوم يانوش؟ الأموات ليس لهم علامات فارقة، كل وجوه الأحياء تختلف كل وجوه الموتى وجه واحد، وجوههم شاحبة كوجوه متحف الشمع، أغمضتُ عيني الاغماضة الأخيرة فرأيت قاع النهر بجماجمه التي انمحت نظراتها منخورة صامتة مكدسة، كيف أقنع نفسي أن قاع النهر ليس كسطحه تماما؟ أن تعلم أنك بعد دقيقتين لن تكون، أنك كائن مؤقت بالوقت القليل الباقي، مشهد الموت ليس جميلا ولكن، ليس الوقت مناسبا لتبرير الموت أو عدمه، الوحش وهمٌ كالحواس وسيزول بزوالها، قررتُ يعني قررت، استنفرتُ شجاعتي وبلعتُ لعابي، أستجمعتُ أشتات نفسي، هممتُ لاقفز فوق الدرابزون الحديدي، فتخدرت ساقاي ولبثتُ كمصعد توقف بين طابقين، يابسا كحلزون دلق عليه الملح،
حصلت المعجزة! هنا الآن حصلت المعجزة
سكنتْ الريح السوداء، التحمتْ العناصر الأربعة في نور يطمس نصوعه البصر، انبثقتْ الشمس من غلل الغيوم السود كما تنبثق حمامة بيضاء من برنيطة ساحر، كأن كل شيء يحدث للمرة الأولى او الثانية، كالأعشى الخارج من نفق مظلم بهرني النور، مَسَاحاتٌ خرَافية من نور عجائبيٍصاف كالذي ينبثق من اللوحات الدينية بتاع الظهور والتجسد والنشور وقيامة المسيح من بين الأموات، طفت على صفحة النهر أزهار لوتس، فوق الجسر حلقت النوارس صادحة بسيمفونية العالم الجديد، فوق الضفتين تقوَّس قوس قزح بأطيافه السبعة:
بنفسجي! نيلي! أزرق! أخضر!أصفررر!برتقالي!أحمر!
عجبي! عجبي! الحياة في تجدد آخر
جاء الصحو بعد المحو!، جائت البشارة عند النعي!، آلتْ اللعنات إلى بركات، رجع سندباد من رحلته الثامنة، رجع من بحار الموت دون موت، على الضفتين انتصبتْ صفصافات النهر غابةً بيضاء من فراشات مضيئة، ورأيتُ القديس جورجيوس على حصانه يسحق التنين / الوحش، أفقتُ من عُمقِ ليلتي، من سباتي الشتوي، أحسستُ بخفقة هائلة بصدري، رغبةً غير محدودة تشب عبر روحي، اللمعان الخاطف الذي يضرب الرأس والحواس معا، دفقت في شراييني شعلة دافقة كأنما يحاصرني أربعون صيفا، اشتبهتْ عليَّ الأمور فتحسستُ بدني ومن خلاله علاقاتي الرخوة بما حولي، أنا لا أحلم ولكنني أبصر بوضوح وصرامة، أنا لست طيفا ولكني حقيقة مجسمة ثلاثية الأبعاد، أنا كتلة صلبة وليس هناك ما هو أكثر صلابة،
أنا نَفَسْ جديد في نَفْس جديدة! أنا قلب وعندليب وأغنية
النور والحبور في صدري أسمعُ اصوات ارتطامهم، تحولات صوفية لكل الحواس في واحد، ارتسمتْ على وجهي دهشة الولادة وابتهال الأطفال بإشراقة العيد، واستقرتْ طمأنينة الجبال في قلبي، خلايا الأمل النائمة التي تجعل النبض يدب في المرمر الصلد، شعرتُ بالامتلاء والتفاعل مع الطبيعة حولي، كل هذه التجليات والإشارات النورانية الملموسة! الرموز ومعناها الصوفي! الضياء النقي جدا الغير المشكوك به! الشفاء الخارق للعادة! لا بد انه حلم شفيف فكل ما نحن كل ما نرى، ان عقلي ينكر خوارق العادة لكن الطبيعة لا تفعل شيئا عبثاً، خرجتُ منتصرا من الهزيمة، اُنْقِذتُ بالخطر الذي يهددني وأنا أداعبُ الموت الذي يحملنا على الحياة، جائت الولادة قيصرية لأن المولود اسمه [ أمل ]، فاتحة الأوديسة الشاقة كانت عند جسر أوشانج خاتمتها عند جسر ميرابو، كم بطيئا مر الوقت! 24 شهرا منذ ذلك اليوم، ذلك اليوم المشؤوم، كأنها عشرينعام تيه عوليس، كم سريعا مر الوقت! الحورية التي ماتت ليلاً بِقُبلة عادت فجرا إلى الحياة بقُبلة أخرى، أنا هو الرجل الذي حلمَ بأنه وحش وحين استيقظ نسي أنه كان رجلا، لا يمكن القول ان ما رأيته للتو كان حلما، الحلم هو الكابوس الذي سبق ذلك، الوحش ليس أكثر من فراعة طيور، سراب،كذبة ككذبة أول نيسان، حلم كحلم ألِيسْ التي وجدتْ نفسها في بلاد العجائب من أجل أن تعود إلى الواقع كان عليها أن تفتح عينيها على يقظة مختلفة، أنا رمضان الأرسخ من الأهرامات، أنا الكائن الذي كان وسيكون، النار والرماد والعنقاء، الناسخ والمنسوخ، أنا مُشْ مصطفى سعيد الغرقان في النهر لكني الراوي الذي قاوم الغرق، أيقونة الوجود أدونيس وتموز والعازر، كوزي فان توتي، هللويا، الرجل السائر في الظلمة أبصر نوراً عظيما صباحالخير أيها الأمل، يا من كله أخضر، لطالما انتظرتُك أيها الفجر الصادق، فَتْحَتْ يا عبد الفتاح، اليوم عيدك يا أبو عيد، نجمك آخذ بالصعود يا أسد، وقد أتاك من الأشكال راية الفرج ومن منازل القمر سعد السعود، تخففتُ من رفقة الوحش الثقيلة ومن تصلّب الأطراف ومن صدأ المفاصل والرجفة، من الصداع ومن وحمة الخبز المحلى بالزبيب، رميتُ علب البروزاك واللوكسوميل، استعدتُ أندلسي الضائعة، كنوزي وبرائتي وانسجامي المفقود، صرتُ أنقى صرتُ أجمل، عادت للأشياء معانيها القديمة، السعادة التي نسيتها في تقادم الزمن، حلَّتْ فيَّ نيرفانا الخروج من دوائر التناسخ، تحررتُ من لَعْنة العارِ القَديمْ من كارما الوحش الخبيثة ومن سجن اللحم ومن سلاسل الدم والعظم، وعاد الشِّعر يزحف في قلبي، عاد تفكيري صافيا، عاودني خيال لبوتي فانتصب قضيبي (لأول مرة منذ سقوطي) ارتعشتُ بالدفء الذي يُشيعه تخيل أجساد النساء، حثثتُ الخطى نحو حارة اليهود، مفعماً بما اختزنه من تحرقات دمي الشبقية.
خاتمة من كِلمتينْ
إفتح يا سمسم، مي فَوالا يا رفاقي الشعراء فيني فيدي فيشي[54] لعلكم تريدوني أن أفطس، أوه ليس بتلك البساطة ينتهي الإنسان، الإنسان ضعيف وجبار كالنملة، ميتتي كانت ستكون مُشَوَّهة كحياتي، تريدونني أن أتشبه بيانوش حتى النهاية، أبو عيد لا يشبه إلا رمضان، يوجد ألف من يحمل اسمي بَيْدَ إني وحيد وفريد، الإنتحار ليس حلا روائيا مُقنعا (لو انتحرتُ من كان سيحكي لكم هذه الحكاية؟) كل الحضارات ولدتْ عند ضفاف النهر فكيف أموت عنده! كلّا ما بِوِدّي أموت لأني جديرٌ بالحياة، ما يزعجني أكثر من الموت هي تلك الأشياء الجميلة التي لن تكون أبدا، الناس، الخصوم الحلفاء، الحياة والموت (فليس في الموت موت!) والماء والفضاء والضياء، الأشعار الأشجار، الحلم، الحبّ الكره، الفنون الجميلة والقبيحة، التّحليل النّفسيّ والصراع الطبقي، الأمكنة الفاسدة، عُلَبْ الليل، أفخاذ النساء وأفخاذ دجاج كنتاكي، الجعة التِتن الحشيشة الفودكا وهلم جرا، الوعي الإنساني تشكل عبر ملايين السنين فلا يحسن إلغائه في دقائق، بموتي ستموت الحياة كلها، الشمس ستنطفئ بانطفائي، النهر الخالد سيجف بجفافي، العالم برمته سيترمل بعدي، ما زلتُ في ثلث الطريق وأجملُ الأيام في انتظاري، نحن نساق بالضرورة إلى الموت، ونساق بالإختيار إلى الحياة، والضروري لا يُسعى له لأنه واصل، والإختياري لا يُكْسَل عنه لأنه غير حاصل[55]الموت يفاجِئ ولا يفاجَئ، سيأتي في كل الأحوال ويقتنصنا جثةً جثةً ولو لم يخطفني عنوةً فسأغادر في حدود عام 2040 لم العجلة؟ أحب كثيرا هذا الوقت الباقي لي، أريدُ أثنائه أن أضحك، أن أركض أن أحكي أن أبكي، أن أرى وأن أؤمن، وأسكر وأرقص وأصرخ وأتكل وأسبح وأنتصب وأعصي، هذا ليس كل شيء، أريدُ كذلك أن أطير وأنطلق وأعيد الإنطلاق، أن أعاني أن أعشق [56]، الإحباط، تلك حكاية وطويتها، سوء تفاهم مع الدنيا وزال، كنتُ ممثلا يلعب دورا في كوميديا إغريقية سوداء دامت عامين وانسدلت الستارة، لا بأس من حق الحياة أن تستجيب ولتكن البداية من النهاية، ثقتي بالحياة لا حد لها، قلبي يشدو بالوجد الصافي، أنا لا أبني أوهاما ولكن تفاؤلي لا عودة عنه، كل شيء يسير حسب رغباتي، رغباتي تتطابق من مشيئة الكون، سأحيا بالعناد، بكل ضراوة العناد، ثرياً بما اكتسبته من رفقة الوحش، سأؤسس أعظم سلالة بشرية، وأنشد الأناشيد الرَّائِعَةُ، سأحوَّل الخشب القديم إلى نيران جديدة، يمكنني السقوط في هذا العالم ولا يمكنني السقوط من هذا العالم، كس أم الموت، الموت للموت، الموتى علِّموني كيف أحيا، أنا عازم على الحياة نكاية بالموت، كرمى لعينيها هي أم عيون السود، ثمة حياة تنتظر شريكين، لن أنتحر لأن بحوزتي كثيرا من المبررات لكتابة رواية إنتحارية، أعطاني الوحش طينته فصنعت منه حكاية، وهي لا تصلح للكثيرين بل للقليلين من أشباهي، أضعها بن أيديهم وفي عقولهم، ولا أفرضها عليهم بكليتها بل أنصحهم يأخذوا منها ما يناسبهم، لقد تحول الوحش إلى كتاب لكني ما زلت أحلم بيوم يتحول فيه الوحش إلى أغنية، أحلم بيوم يتجسد الوحش في طابع بريدي أو في نشيد قومي، أحلم بتأسيس نقابة للمكتئبين! أحلم بتأسيس كرسي جامعي باسم الإكتئابولوجيا! بانشاء متحف يؤرشف سلالة الوحش وجنيالوجيته، الإنسان يحتاج لعدو يعظمه ليعظم به، تعذبتُ عذابات القديسين، مشيتُ على الشوك والجمر، رأيت أقبح الأمور، شفتُ نجوم الظهر، وعشتُ العمر عمرين، لم يشفني بروزاك ولا شيزلونغ ولا مصاحف ولا أناجيل ولا باعة الوهم ولا حتى إرادتي، ولكن الدورة قد اكتملت، انه القانون الخاص للإحباط، ديالكتيك الأفراح والمكابدات، من الطريحة (اللذة) إلى النقيضة (الألم) إلى التوليفة (الأمل)، لا يمكن تجاوز مرحلة إلا بعد أن تستنفذ مبررات وجودها، الإسراف الطويل في الوحش والتوحش، لم يبق فيَّ ما يلتهمه الوحش فالتهم نفسه، لفظ أنفاسي فانبعثت من رماده، بعد 700 جنازةمات الوحش، كنت أظنني (متوحشا) إلى الأبد، لكن هذا الأبد سقط بالتقادم بعد عامين، الإحباط كقلعة [ تار ] الآشورية التي ما استطاع جيش اقتحامها غير أنها تهاوت وحدها، الطفرة اللامفهومة أو الميكانيك الجهنمي للإحباط، الإحباط أحبطني، أيوه، ولكنه أنضجني، طوّح بكل أقتعتي، كبّرَني كثيراً في عمر قليل، جعلني أجمع بين بصيرة النبي وعماء الحلزون، أنني أفكر في تلك الليالي السقيمة، أفكر بالمجروحين من الداخل، مكسوري القلوب، أفكر بكل من فقد شيئا ولم يجده، بأشباهي الذين كسرتهم الحياة وطحنتهم المقامات والظروف، إسمعوا أيها الرفاق، الحياة لا تؤمن بالبدايات، الوحش عظيم، وأنتم أعظم وغدا سيكون أجمل، الخلاص كامن فينا في لحظة فشلنا النهائي، ذخيرةً نفسية مستترة، تلكم هي طاقة الشفاء الذاتي، القوى البروميتوسية الخفية في الركام النفسي، هي احتمالات، هي مسألة وقت، وأحياناً مسألة صدفة، لكن الصدفة لا تنحاز إلا للذهن المستعد، وعندما نريد شيئاً ما فإن الكون بأسره يتضافر ليساعدنا، الوقوع في الإحباط يعني التَّبصر في الوجود بوجهه وقفاه، يعني السقوط مع كلّ ما يترتّب عليه من نتائج جذرية وخطيرة، ليس الكائن المحصَّن من يملك مناعة وممانعة ضد السقوط بل هو من سقط واكتشف حدود هشاشته، الإحباط دائما على حق فهو لا يحبط عشوائيا بل يختار من يستحقونه، أولئك الذين يرون فيه ضرورة ضارة لصقل إنسانيتهم، الكلام عن الاكتئاب دائما مكرر لكنه ضروري، أنا أكرّر وبكلّ مرّة، أحوّر لكي أبرهن بدليل غير قاطع أن الحياة والسقوط لعبةٌ واحدة، وأننا كلنا مرضى بدرجات متفاوتة ومن لم يكتئبوا بعد هم أمرض من غيرهم، فالفارق بين العصابي و الطبيعي هو في الدرجة لا في النوع، هيا هيا أيها البشر الأسوياء الذين ما عرفتم الشقاء، أن المسافة بين اختلالي وسويّتكم هي بحجم المسافة بين وجوهكم وأقنعتكم، ماذا يثبت أنكم لستم أكثر هشاشة مني؟ وماذا يثبت أني لست أكثر مناعة منكم؟ الفيلم الذي تتوهمون أنكم لستم إلا مجرد مُشاهدين له، قد يكون يوما قصة حياتكم، الإحباط هذا يحصل للمحبطين فقط، لكن المحبطين قبل ان يحبطوا كانوا أسوياء مثلكم (لا تنسوا هذا) اليأس أيضاً له خلاياه النائمة، وما أسهل أن تكون التعاسة في متناول يد الجميع، نحن جميعا (محبطين وغير محبطين) نملك نفوسا كامنة قد تُغير في أي وقت على حياتنا العادية وتحدث إنقلابا سلوكيا، إن لكل شيء في الحياة ثمناً، الإنسان لا يتوحد إلا بعد شتات، الحياة لا تكتمل الا بنقصانها، ان الوجود حقيقة واحدة ذات أوجه، وأن الخطيئة أمر قضى به العقل لنعرف الحقيقة، تفهمون قصدي،قصد نيتشه لقد تحتم عليَّ أن أتفوق على ذاتي، وان أكون الجهاد والمستقبل والهدف وان أكون كذلك الحائل الذي يتعرضني، إصغوا إلى صوت الجسد الذي أبّلَّ من إحباطه لأن هذا الجسد يخاطبكم بصوت أنقى من أصوات المبشرين بالموت والعوالم الماورائية، ان أقرب الطرق بين جبلين هو حبل مُشْدود بين القمتين، إن أروع ما في الوجود هو التجدد[57]، أقول لكم أن سقطة البطل حجتُه وولادتُه الأخيرة، أنتم لست سوى أخطائكم، اهدموا وخربوا فالحرية الخلاقة تنبثق من الأنقاض والخرائب، انحرفوا فان أسوأ المتاهات هو الخط المستقيم، أُسقطوا قدر المستطاع فالسقوط في التجربة سقوطٌ إلى فوق، وخاطروا ما استطتعم فالخطر الرئيسي هو أن تبالغوا في الحذر، غيِّروا جلودكم فالحية التي لا تغير جلدها تموت، طهِّروا ضميركم من سموم الصلعم والطوطم فالمرء يحتاج كذلك إلى إله شرير، بحبحوا من الزلات الخطايا، انهلوا من ينبوع المسرات فالحياة لا تتكرر مرتين، إعشقوا فالعشق بين الناس ألّلاه محلَّله، وارقصوا فالجسد الذي لا يرقص جسد ميت[58] كيّفوا (باعتدال) فالحشيشة الطبيعية أرحم بكثير من أفيون الوهابية، إغلطوا فالإنسان لا يكبر إلا حين يكتشف أغلاطه، إنهزموا فالنصر يأتي بعد هزيمة مؤكدة، في كل الأحوال إحذروا الوحش فسيأتي يوما ويخطف منكم زهرة أيامكم، لا تنسخوا درسي كربونيا ولا تتجاهلوا العبرة المستفادة منه فلستُ قدوة تُحتذى او تُجتنب ولكني حكاية تُحكى وقد اكتملتْ الحكاية واكتملتُ بالوحش، الوحش هو المصطلح الذي يطلقه الإنسان على تجاربه الفاشلة، هذا الشقاء الرائع (كان) لعنتي وخلاصي من أوهام بداياتي وعفونتي، (كان) معمودية الحرية، سمُّها الشافي، الاكتئاب في شكله الإيجابي هو داء الحياة المحتدمةً، نظرة إشكّالية للحياة، هو الحياة وما تنطوي عليه من رعب، هو ضريبة التميِّز والإختلاف والهرطقة والسمو والتمرد واللامتثال والشطط والتفرد والشك، هو أزمة الإنسان وتمزقه أمام تناقضات عالمه، هو الإنسان بعظمته وهشاشته ورغبته العنيفة في التغيير والإبتكار، كل واحد منا لأنه يفكر وحده فهو المسؤول الوحيد عن مصيره، إحباطي (كان) سقطتي تتويجي الخاصّ أسطورتي الشخصية، قدري الناتج عن حساسيتي ذاكرتي، (كان) حكمتي وجنوني واستثنائيتي، ديونيسوسيتي عوليسيتي فاوستيتي اسخريوطيتي، الإنسان لا يلد محبطا بل يصير محبطا، فالسقوط نتيجة للرغبات السالبة وشطط الحرية، وهو ليس نهاية الطريق ولكنه بداية على نحو ما، مجال لمجال آخر، رمضان ما عن خطأ صاع وحشَّش، أبو عيد ما عن عبث تعثر وسقط، فالحياة قحبة خالدة لا تستقيم دون التوائات، أحبك أيتها الحياة بقدر ما تزداد عهارتك، بكل تأكيد أنت قدري وندامتي وخياري النهائي، أحبكُ يا حماقاتي، أنت يا من جعلتني أكتشف الحياة،
طوبى لمن أخطأ ثم طبَّق فتطبيقه أنجع،
طوبي لمن سقط ثم وقف فوقفته أمتن،
طوبى لمن عرف الشقاء وتحرر منه فإنه لن يشقى بعد
[1] اقتباس من الشاعر سركون بولص
[2] ترجمتها اكتئاب ما، ضربٌ من انحراف الروح/ سانت آن هي مستشفى الامراص العقلية والعصبية بباريس
[3] ترجمتها على ما يبدو فإن الإحباط قد يكون
[4] مركز جورج بومبيدو يطلقون عليه اسم بوبور وهو اسم الشارع الذي يقع فيه
[5] حرية مساواة اخاء،.
[6] بهاتين الكلمتين يبدأ فيلم المواطن كين وينتهي وترجمتها ممنوع الدخول (الى داخلية الشخص)
[7] أبو علي نهر يمر بطرابلس فاض ببداية الستينات وخطف كثيرا من الضحايا
[8] وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين
[9] اقتباس من عندنان الصائغ
[10] شكرا بالروسية، كوبيك فراطة العملة الروسية
[11] ترجمتها مع الوقت ينسى الانسان
[12] ترجمتها هكذا هي الحياة
[13] من سارتر، الالم... يقظة (لوركا)/ حين ترحلُ...الغصون (اخمتوفا)
[14] ترجمتها مرض يمكن معالجته / voila tout = هذا كل شيء
[15] ترجمتها مُشْهد بكر غير مسبوق / RMI = مساعدات شهرية تعطيها الدولة اللعاطلين عن العمل
[16] Léve_ toi،معناها الحرفي (انهض) والمجازي (استيقظ)
[17] ترجمتها أنت (هنا) في فرنسا
[18] غوي كلمة عبرية وجمعها غوييم = غير اليهودي / اليوبان هو اليهودي بالدارجة الفرنسية /
[19] ترجمتها حرّك حالك
[20] صيغة فو وتستعمل للاحترام بينما أنت توا تستعمل للحميمية او للدونية كما هي الحال هنا / ج ب اختصار لحرفي اسم جان بيير
[21] بيس أند لوف= السلام والحب
[22] زغرتابلدة لبنانية قرب طرابلس
[23] اقتباس من سيلين / PSG هو اسم فريق العاصمة باري سان جرمان
[24] بيسسوا
[25] لعب على الكلام بالفرنسية وترجمتها أحبك وأنا كذلك أكرهك
[26] ترجمتها:أعتقد اني احبك/ ديسيدامان = قطعا/
[27] من نيتشه / ناذدروفيا يشتة راز من البولندية وتعني بصحتك مرة ثانية
[28] بالبولندية تعني يا ام الله
[29] من باسكال
[30] ترجمتها سيدة القضايا الميئوس منها، وهكذا سيدة المُشردين، الكحوليين والاجئين السياسيين
[31] ا الجملة تحوير للنشيد الوطني بولسكا (بولندا)لن تموت ما دام البولنديون احياء / دائما هذا القلق... اقتباس من فرناندو بيسوا
[32] فرناندو بيسووا
[33] ترجمتها النادل الفطن أفضل للمحبط من النفساني الغبي /روج = نبيذ بالجزائرية /زطلة = حشيشة / اخبط = اسكر
[34] ترجمتها فعلا/ سيريال كيلر= قاتل بالجملة
[35] ترجمتها هيا ايها العربي القذر/ العصفورية منطقة بيروتية يقع فيها المصح وسمى باسمها
[36] فرناندو بيسووا / يتغير وجهي... دائما (فان غوخ)
[37] ترجمتها يعاد الى المُرسِل
[38] w w= اختصار اسم weight watcher او رئيسة الممرضات السمينة
[39] ترجمتها سيدة العبث / البيكاردي = مقاطعة فرنسية حيث تقع مدينة كليرمون والمصح /FOR EVER ترجمتها للأبد
[40] اقتباس من الان بو / bongole dingo;timbré ترجمتها عربي سخيف احمق مجنون
[41] من موريس قيق / ديجاج = انقلع
[42] صندوق خاص لمساعدة المعاقين
[43]هو زر الإعادة في المسجلة/ أفضل أن أتعلَّم... ألا ترقص (اقتباس من ج كامنغز)
[44] سيلافي فرنسية وترجمتها هكذا هي الحياة
[45] ترجمتها المرأة الخائنة هي امرأة وفية لرجلين، انا تواقة للخيانة للزنى للكذب
[46] اقتباس من بيسسوا
[47] الجمل الثلاث بالفرنسية ترجمتها على التوالي ـ أنت محبَط ومحبِط، أنت مكتئب، ومن أردأ انواع المكتئبين
[48] اقتباس من فاتح المدرس / خازوق دق اقتباس من بدوي الجبل / عرافيم = عرب بالعبرية
[49] نيتشه
[50] ادغار الان بو
[51] أخمتوفا
[52] لوركا
[53] لاتينية وترجمتها أنتهت اللعبة / memento mori = دقيقة صمت
[54] لاتينية ترجمتها جئت شاهدتُ انتصرتُ / مي فوالا = هئنذا /
[55] ا اقتباس ظنه من التوحيدي
[56] من اغنية لسيرج رجياني
[57] نيتشه
[58] من ابن عربي