مسلم بين الحُجَّاج المسيحيين - رواية
مسلم بين الحُجَّاج المسيحيين
عبد الحميد عبود
.jpg)
رحلة على الأقدام إلى سانتياغو
عبد الحميد عبود
مسلم بين الحُجَّاج المسيحيين
رحلة على الأقدام
إلى سانتياغو دي كومبوستيلا
A quoi ça sert l’amour[1]
آه ماذا فعل الحب بنا
شربنا كل الكؤوس
دخننا كل السجائر
انطفأت الشموع
لم تصمد الموسيقى ولا اللوحات
الحب أرجوزة لم نعد نجيد غنائها
العاشق الحقيقي هو الذي يعرف كيف لا يحتفظ بعشيقته
شمل الحبايب فرط لكن القلب ظل ينبض بشكل طبيعي، الحياة مستمرة بلور، بدون لور، مطَلَّق يعني طليق، نهاية الحب بداية على نحو ما ،خيبة الأمل أمل ما، الوفاء لعشيقة واحدة هو عين الخيانة، فك الارتباط بامرأة واحدة يربطك بعدة نساء، je ne regrette rien[2]، أغلبية من تصيبهم خيبة الزواج المختلط يلجئون إلى الخمرة للنسيان، او يتزوجون (على سبيل التعزية) من حرمة شرقية مطيعة، الأغلبية دائما غبية لذا أنا أقلية، أريد أن أبداً حياتي من جديد، الحية التي لا تغير جلدها تموت، أعطني حريتي أطلق يديا، أريد أن أعيش بسذاجة بقرة تدخل المسلخ، السّعادة فكرة متجددة وممكنة وفي متناول اليد، يعلم الله كم غلطة سأرتكب، لقد نسيتُ ان أعيش وأنا أروي روايات، ونسيت ان أحب الحياة وأنا أحب حبيبتي ( الحب حين يتأبد يتحول إلى سجن ) ، متحررا من الحب، متحررا بالربيع العربي، ومتحررا بطيش الخمسين، متحررا بالخلع من عصمة لور، عزمتُ على الرحيل ، الرحيل مرض عضال ، سأرحل بطريقة او بأخرى، أنا من فصيلة طيور الحبارى التي إن مكثت بمكان واحد تفقد ريشها، لا يمكنك ان تقرأ رواية "على الطريق "وتبقى في البيت ، Je voudrais être là où je ne suis pas ! La vie est ailleurs [3]نشتهي دوما البلاد الأخرى، اليوم المقبل، الفصل الجديد، وما هذه الا شهوة الموت، الحياة هي ما سيكون، الانسان يندم عادة على ما لا يفعله لا ما يفعله، ثمة عند الجانب الآخر بلد يشبهنا، مدن أخرى تنتظرنا، مكان أفضل من المكان الذي نحن فيه، باريس غابة اسمنت منجرفة نحو الدمار، ثمة حاجة ماسة لشموس حارقة ، لازم أرحل من فرنسا، لازم أرحل أبعد من فرنسا ،في القنصلية المغربية حين عرف الحارس اني فلسطيني مرر جهاز تفتيش على بدني ثم قال القنصل " مكانش فيزا للاجئ السياسي" القنصلية المصرية استوفت رسوم التأشيرة ولم تؤشر لي( لو كنت يهوديا لبسطوا لي البساط الأحمر) سأهجر محمدا لأمشي بدرب يسوعا، فلا خير في المخزن ولا مصر، لبيك يا سانتياغو لبيك، قلوبنا اشتاقت إليك، لكن هذا الدرب سبق ومشيته مرتين، معلش، الرحلة لا تكتمل الا حين ترحلها 3 مرات، سانتياغو أم القرى لا يُمَل من زيارتها، الحواري متلهف لعناقي، لم يرني منذ 5 أعوام، قلبتُ الفكرة من جميع وجوهها، ان تكون مسلما عربيا فلسطينيا على درب حجيج مسيحي فهذه 3 مفارقات ولكنها ليست مفارِقة بمعنى اني أشربُ النبيذ أكثر من ماء زمزم، وأزور الكنيسة أكثر من المسجد، أحضر قداديس الأحد أكثر من صلاة الجمعة، لا شيء يجمعني بالاسلام سوى صدفة التقاء أبي بأمي اما بالمسيحية فتجمعني لور ( التي انفصلت عني)، أصحابي معظمهم مسيحيون، جوزف كامل، جمال حتمل، ان تكون يعني ان تكون هناك، الطريق هي الملاذ الأخير حين تنكرك المدينة، من يمشي على قدميه في عصر السيارة والطيارة والكونكورد وماخ 2، أنا ابن البراري وربيبها، أنا رجل الهواية الواحدة، أنا سوسنة الأسفارِ، أنا توقي لبلدان غريبة، المشوار الصعب يناسبني، الحياة أوديسه، سانتياغو تسمح بالمشي، والمشي يسمح للساقين بالتعبير عن نفسيهما، انا منحاز للبدائية، أنا حاج ولقبي ابو الحاج، ولكن كيف أرحل وحسابي تحت الصفر بقليل، قابلتُ مسيو اوجين بتاع البنك، طلبتُ قرضا بعد ان أوجزت له مشروعي للحج مشيا على الأقدام إلى سانيتاغو وتلخيص الرحلة في كتاب، رمقني ليتحرى قدرتي المادية /"عندك شغل ثابت لتدفع القرض مع تكاليفه ؟/ كلا، ولكني سوف أدفع لك . / كيف ستدفع، وليس عندك شغل ثابت؟ /. مسيو رفض بأدب ومد يده لوداعي لكني لم أستعجل بالمصافحة وقلتله " سأدفع لك من حقوق المؤلف " فتراجع أمام عنادي وأقرضني ألف اورو بفائدة 7 بالمئة، خدعته كما خدعت لور بالجملة السحرية، سنحل ونرحل ونؤلف عائلة من حقوق المؤلف، دبرت كل أموري وضبتُ الحوائج في حقيبة الظهر، كيس النوم و3 سراويل و4 قمصان وشورتين وبيجاما وثياب داخلية وجاكيته وجوارب وملعقة ومطرة ومطوى وشفرة وماكينة حلاقة وصابونة و3 كتب وكراسين وبضع أقلام، لم آخذ غازا سخان ولا أدوات طبخ (سأقضيها على النواشف ) ارتفع وزني فجأة من 80 كلغ إلى 92، بين ليلة وضحايا اتخذتْ حياتي مسارا مختلفا وجذريا ،أنا برة مش جوه، وحدي مش مع لور، وعلى الطريق مش بالبيت، في المجهول مش بالمعلوم، حاولتُ ان أوهم نفسي اني حزين على فراق لور ثم انتبهتُ اني أتصنع الحزن، دَوْزِنُت أوتاري الصوتية رحت أُردِّد أغنية العاشق الغجري اللوزر [4]:
لم أعرف أبي أبداً وليس لي أصدقاء،
أمي ماتت من زمن وتركتني حبيبتي غاضبة،
وأنت وحدك يا كماني يرافقني في هذا العالم ،
ULTREIA[5]
en avant[6] بدات المسيرة الطويلة، كامينو[7] 2013، سأوفر عليكم تفاصيل المشوار من باريس إلى كاهور، ركوب الباص مش رحلة بنظري، سأوفر عليكم تفاصيل زيارتي إلى تور وشارتر ومونتوبان، هذه المدن ليست ضمن درب الحجيج، صفرتُ العداد من كاهور، نزلتُ ضيفا على L’OCTROI كشك أصدقاء الحجيج الذين دمغوا لي أول دمغة في الكريدنسيال[8]، ثمة 3 حاجّات من طلوزة[9] عاينتُ واحدة ووجدتُ انه لا بأس بمؤخرتها ولكنها لم تنتبه أبداً لوجودي، ضيفونا شوية خوخ مجفف وعصيرا ووضعوا القجة الحصالة أمامنا لنتبرع بشيء، حاجّة أكلتْ مقدار 3 اورو وتبرعتْ بنصف اورو، حاجّة ثانية أكلت بمقدار نصف اورو وتبرعت ب3 اورو، أنا أكلت خوختين ولم أتبرع بشيء، كاهور شبه جزيرة يحيط بها نهر اللوط بزاوية من 300 درجة، لم أطل المكوث في كتدرائية سانت إتيان، برمتُ حول تمثال غامبيتا، غسلتُ ثيابي بالنهر واغتسلت وحلقت ذقني، أكلتُ الشمامة[10] وعلبة السردين فخفَّ الكيس وثقلتْ معدتي، فاجئني شخص صعلوك، شفتاه تتحركان بعصبية كأنما ينقصهما شيء وطلب مني ان أشتري له ( بفلوسه) قنينة نبيذ فهو بسبب سرقاته المتكررة ممنوع من دخول المتجر، نحن الآن في قلب كاهور، نحن الآن في ذروة رمضان، تستطيع ان تصوم عن الطعام والشراب ولكن كيف تصوم عن النسوان، من الآن وصاعدا سأبتسم لكل النسوان فأن نكون رحالين لا يعفينا من أن نكون عاشقين، عاينتُ في المقهى صبية فخمة، باهظة، شاهقة، متينة، رحت أرسم تكتيك اصطيادها ،ما زال بي جذوة من حريق الحياة تريد المحالا، عندما يذوي الشباب لا تفقد الحياة معناها بل تغيّر معناها، خراب الجسد هو ألق الروح، بيكاسو ما كان يغوى الصبايا بصلعته بل بفنه، ولم أجرؤ على أكثر من اختلاسة نظر من بعيد لبعيد، حماس خلبي، الأفكار انوجدت لتُفَكَّر لا لتعاش، كبرنا على الحب ولم نعد نجيد الكلام الرومانسي، 50 سنة مهما أخفيتها تظهر في الشيب، في تجاعيد الوجه، في عروق اليد النافرة، كنتُ في شبابي خجولا مع النساء وحين تلقنتُ مقدارا من الحرية والشجاعة رأيتُني كهلا، بيكاسو يظن ان الشباب يبدأ في الستين ولكنه يبدأ متأخرا، نتعلم الحياة حين تنقضي الحياة . قلبتُ الفنجان لأرى ماذا يقول التفل في القاع، فنجانك دنيا مرعبة وحياتك أسفار ودروب، ستحب كثيراً وتموت وكثيراً وستعشق كل نساء الأرض وتموت كالملك المغلوب، في الحديقة رأيت مهاجرا عربيا يسجل على ورقة، واضعا يده على صدغه في تركيز شديد، خلته يكتب قصيدة شعر، واذ اقتربتُ منه عرفتُ انه يبحث عن الحصان الفائز بسبق الخيل، في الشارع مشاة يمشون، في المعمل عمال يعملون، عند ضفة النهر مشردون، عند أبواب المحلات غجر يتسولون، هل تستحق هذا المناظر ان أسجلها في مفكرتي ؟ المعلمة أنايس (نان) تقول ان هناك طريقتين لكتابة اليوميات، ان تعيش يومك كله وتسجله ب5 دقائق، او تعيش 5 دقائق وتأخذ يوما كاملا لتسجيلها، أنا أظن انه من الممكن ان أعيش يومي كله وأن أسجله كله بنفس الوقت، لذا أمتشق القلم والورقة بكل مكان وزمان، بحركتين سنكرونيكيتين متزامنتين، أمد يدي اليسار لجيبي اليمين وأخرج القلم، وأمد يدي اليمين لجيبي اليسار وأخرج الكراس، أكتب وأنا أمشي، أكتبُ وأنا آكل، أكتبُ وأنا أقرأ، وأكتبُ كلما أتيحت لي فكرة وفرصة ،أسجل كل ما أشاهده حتى لو كان تافها ثم فيما بعد أغربل ملاحظاتي، تحركتْ أمعائي بسبب خوخ المضافة اللعين فهرعت إلى مطعم الفاست فود، ان الحسنة الوحيدة لماكدونالد هو انه يسمح لنا ان نتمرحض، وحين خرجتُ فاجئتني العتمة، أين أنام ؟ الفندق لا يليق بكلاوستروفوبيتي، عموماً النوم مش مشكلة ما دام أن كيس النوم موجود، يمكنني حتى أن أغفو واقفا، تعودتُ من كثرة نومي في العراء أن أنام بعيون مفتوحة كالتماثيل، عسكرتُ في محطة القطار، دسستُ بدني في كيس النوم، جاء أحد خفافيش الليل وأراد ان يسرق حقيبة الظهر من تحت رأسي فتيقظتُ، عرفت من أسنانه الذهبية انه غجري، صباح جديد، رأيتُ الناس يسعون إلى أرزاقهم، لقد كرسوا شبابهم لشيخوختهم وأنا أفعل العكس، يقولون اني تنبل كسلان، لا يهم، رأيي بالناس أهم من رأي الناس بي، أنا ضد الوظيفة وضد كل الوظائف وضد محاولات التوفيق والتلفيق، جوب البلاد مع المتربة أحب الي من المرتبة، يهلترى حين صنَّفَ ماركس الطبقاتَ الاجتماعية أين وضع الرحالة ؟ في خانة العمال أم الفلاحين ام المثقفين ام الهامشيين الطفيليين ؟ ام انه لم يحسب حسابه أبداً، اشتريتُ زادا للطريق، الحد الأدنى الضروري، علبة سردين وخبزا وجبنة وزبيبا، ساعة القيظ مش مناسِبة للمشي ولكني مشيت في الغراند روت التي يسمونها اختصاراً GR 65 ،سرت بمحاذاة النهر إلى جسر فالينتري، الأبراج الثلاثة تبخش السماءَ والماءَ ،القناطر الثمانية تشكل مع ظلها في الماء دوائر بيضاوية متكاملة، المعمار فوق النهر معماران، رجال العصور الوسطى كانوا يبنون من حجر بينما رجال اليوم يبنون من كرتون، أنهرتُ في أعظم نهرين في أفريقيا ولم أرَ جسرا واحدا، الآباتي فوكو في المغرب كان يقطع النهر سابحا، صادفتُ حاجا سويسريا وقال انه يرحل لأنه بلده صغير، قلت اني أرحل لأني بلا بلد، الرحيل هو التغريبة الفلسطينية، أشيدُ وطنيا خياليا وأنا أمشي، عبرتُ للضفة الأخرى وصعدت التلة، الأرنب البري يعود دائما إلى براريه الشاسعة، من لحظة وجدت نفسي بالطريق كان علي ان أمشي، وتاليا ان أستمر بالمشي، عبقرية خطوات المرء هي التي شقت الطريق، الدرب أهم اختراعات البشر، el camino . Le chemin. The way. Droga. Camminus. Via تونيعات كثيرة لأصل واحد، درب الحجيج، الدروب تسحرني، درب 66 من الشرق للغرب الامريكي، درب توكايدو من طوكيو الى كيوتو ( وبالعكس)، درب الحرير من البندقية الى الصين ( وبالعكس). درب الملح من تمكبتو الى تاودني ( وبالعكس)، درب العبيد من سواحل السنغال لامريكا، درب الجثث الذي يصب بالنجف، الدرب السلطانية التي تصب باسطنبول، درب العاج من أعالي نهر الكونغو إلى أسافله، الطيور المهاجرة تشق دروبا في السماء، الأسماك ترسم دروبا في البحار، ثمة درب للمجانين غالبا ما تكون دائرية تدور حول الطاولات، وهناك دروب معنوية، درب السعادة والشقاء، درب الحرية، الطريق، الهدف، السكة، السبيل، الوسيلة، المسار، انها بداية مشجعة ان تبدأ الحج بتجذيفة على الله لأن شيال حقيبة الظهر علق بغصن شجرة، ان تلعن الله يعني الا تلعن أحدا، يجب أن أتعود على الأسوأ من اليوم الأول، أول كيلومتر مشيته في الجبل جعلني ألهث، كم بقي لأصل، 1100 ناقص 1، السؤال يبدو سخيفا ولهذا تسائلت، الرياضة رياضيات، حين تكون وحدك على الطريق فأنت هو السخف المحض، لن يضيع أحد هنا لأنه ما من أحد، أنا وحدي في البرية، الضَياع لي وحدي، تهتُ قليلا ورحت أبحث عن علامة الطريق الحمراء البيضاء ،كانت الحشائش المتسلقة على الشجرة قد غطتها، في إقليم "كيرسي" يمر درب الحجيج ولا حجيج، وتكثر أبراج الحمام ولا حمام، السهل هذا كان مزروعا بطيخا في آخر مشوار ( قبل 5 سنوات) والآن زرعوه بدوار الشمس، الصمت يعمق أزيز الزيزان في الأحراج، صمت صاخب يصم الآذان، في هذه الساعة من القيظ تسكت الطيور وتتفق كل الهوام على الطنين، طنيناً طنيناً كأن كُلّ السماوات جرس، نزعتُ الحقيبة عن ظهري، تمايلتُ وطقطقت عضلاتي لأقاوم تصلب الشرايين وارتميت على العشب، جهزتُ سندويشة من جمبون[11] وجبنة وشربتُ من ماء المطرة، "لاباستيد مارهاك"، ثمة قلعة قروسطية مدمرة بقيت حجارتها شاهدا على الصراع العتيق بين الكونط والفيكونط، (بدايةً يجب التمييز بين القرون الوسطى الافرنجية التي تمتد من سقط روما إلى سقوط القسطنطينية، وبين القرون الوسطى الاسلامية التي تمتدت من الأزل إلى الأبد)، يا لمكر التاريخ !كونط طلوزة ريموند زارنا في طرابلس (نا) وبنى لنا القلعة، وها أنا أرد له الزيارة في عقر داره، لا أحد في القرية سوى صمت المقابر وسواي، رجل مضطرب يعبر قرية هادئة، جئت متأخرا عن قرني بقرون، أين فرنسا العميقة ؟ الحروب والمجاعة والطاعون والحناطير ؟ أين أغاني الذئب والراعي ؟ أين ناعورة الماء ومطحنة الدقيق ودلّال القرية وناطور الحقول وحطابة الغابة ؟ القرية تموت، تهاجر، "تصعد[12]" إلى باريز، هل يكون المستقبل بلا قرى ؟ فكرت بفيلم متروبوليس بتاع فريتز لانغ، ان تمشي الكامينو 3مرات يعني ان تعيش في مكان واحد و3أزمنة ؟كل مكان أمر منه له 3 تواريخ، 2005 و 2008 والآن 2013، لذا دائما أحاول لحم اللحظة الراهنة مع لحظتين هاربتين، الحاضر والماضي وماضي الماضي، هنا أكلتُ، هناك شربتُ، بهذه المقهى تقهويتُ، عند تلك النافورة تحممتُ، تحت سقف البلدية رقدنا أنا ولور، أتذكر جيدا، هي نامت بسرعة، لم تغمض لي عين بعد أن أغمضتْ عيناها، خفتُ عليها من الليل، سجلتُ ملاحظات الطريق ثم عدت للطريق، لحر الطريق، مرت نسمة عليلة وردت إلي الروح، زهور عباد الشمس تلتفت نحوي مثل جنود محنية تحيي قائدا، حاج أللاوي ويتكلم وحده يفكح على عصا كأنه أحد شخصيات الكتاب المقدس، اسمه اندريه، حدثني عن معجزات يسوع الذي أعطى عينا جديدة لحاج أعور وأعطى ساقا جديدة لحاج أعرج مثله، كثير من المعجزات تحصل بالايمان، سألني هل في بدني عاهة ما ليصلي لشفائها، فتحسستُ أطرافي وبدني ثم قلت " رأسي " وعدني أن يطلب لي شفاعة مريم ، مشيت وحدي أضحك، أضحك، الضحك هو السلاح الوحيد الذي يخفف التوتر، مشكلة المسيحية ( وكل الأديان) انها تصف نفس الدواء لكل الأمراض، يا سين واو عين Star[13] J C Super يشفي كل المرضى من كل الأمراض، في الطريق بيت مهجور وبرج حمام أيضاً مهجور، هنا كانت حياة وانتهت، هنا كان حمام وطار، الوحشة تزيد الأماكن المهجورة جمالا، كم خولة كان هنا ورحلت ! كم لور ؟ كم ليلى وكم قيس وكم امرؤ القيس، ترحل الغيوم في السماء، ترحل المراحل، يرحل النهار والليل، ترحل الناس، لور ترحل وتبقى راسخة مثل شجرة، الطلل حنين الحب الراحل، نوستالجيا البدايات، مطلع القصائد الباكية، أين يذهب الوقت الذي يرحل؟ هل ثمة زمان يستوعب الأزمنة المنصرمة ؟ وأنت بالطبيعة تسرح في ما وراء الطبيعة، الميتافيزيقا، الصيهور مصدر الأفكار العليا، روسو قال ان الإنسان لا يفكر بسهولة ولكن ان فكر لا يكف عن التفكير، جان جاك كان لا يفكر إلا وهو يمشي في الطبيعة، وحسبه فإن التفكير عمل مضاد للطبيعة، بطبيعة الحال يوجد في عقل الإنسان فكر، أفكرُ أفكرُ أفكرُ لأني لا أستطيع ان لا أفكر، في رأسي زنبرك فالت يمنعه من عدم التفكير، لا أحمل فقط كيس الظهر على ظهري بل أحمل أفكاري، أحمل حمص كلها على كاهلي، موسم الرحيل يتلائم مع موسم الزوابع والأيام الإستثنائية، نحن في الصيف ونحن في ربيع العرب الذي غطى على كل الفصول، حلم الحرية لا يتجزأ ولا يعترف بالحدود، ان تكون داخل الدرب يعني ان تكون خارج الموضوع، أنا من القلائل جدا الذين رفضوا البعث القائد والبعث الرائد لأني فوق المذاهب، والكثار جدا رفضوا دكتاتورية الواحد وقبلوا بدكتاتورية الثاني (تبعاً لخلفياتهم المذهبية) حزب أللاه خسر في حمص من " الشهداء" أضعاف ما خسر من "الضحايا" في حرب تموز 2007 ،لو نظرتم لخارطة الطريق فسترون ان الكامينو يمشي في خط أفقي ينطلق شرقا غربا ويوازي خطي العرض 40 و 50، يمكنني ان أذهب إلى سانتياغو من أقصر طريق، تلك التي تتجه غربا، او من أطول طريق، تلك التي تتجه بالاتجاه المعاكس شرقا شرقا مرورا بتركيا وسوريا وإيران وبالالتفاف حول محيط الكرة الأرضية، الناس تختزل المشوار إلى نزهة وأنا أطوِّله إلى رحلة ،لماذا انتصرتْ الثورة في مصر وتونس وليبيا وطوّلتْ في سوريا ؟ المستبدون يتشابهون ولكن الثورات لا تتشابه، كل ثورة هي فريدة بميكانكيتها وخصوصيتها، الطريق إلى سانتياغو يمر إجباريا من حمص، ستسقط الطائفة / الوطن لصالح وطن كل الطوائف، سيسقط الأسد بالنعال كما سقط بنْعَلي، سنتُتهك مؤخرته كما انتهكتْ مؤخرة القذافي، الدماغ أتلفه الرحيل الباطني، أفكاري جافة، سنابل القمح جامدة ولا نسمة هواء، الحر يصهر المسمار، العرق جف وترك رواسب الملح على وجهي ونظاراتي قميصي، يا رب السيقان، 15 كلم بنصف نهار! هذا يكفي، روداج للمحرك الذي لم يتحرك منذ عامين، المشي باليوم الأول صعب والوصول إلى "لاسكابانس " إحساس مثير كالوصول إلى سانتياغو، العزبة مكونة من 100 بيت، الخان المهجع يعج بالحجيج، دائما تراهم في المحل لا في المرتحل، هل يهبطون بالمظلات ؟ حطيتُ رحالي خلف دار البلدية، شعرتُ بالصمم أثناء قعودي بسبب توقف صخب الزيزان، العجوزة صاحبة البيت المجاور أغلقتْ نافذتها بالرتاج وراحت تصدر ضجيجا لتشعرني انها موجودة ويقظة، الرحالة مشبوه برحلته، فهو maraudeur[14] ينط على البيوت الآمنة ويغتصب النساء المحصنات، الضيعجية ما زالوا يخبئون المال والمجوهرات تحت بلاطة الحمام، عقلياتهم لم تتغير منذ أيام كليمنصو، ما ألذ علبة السردين بعد التعب، ما ألذ الزبيب بعد السردين، ما ألذ الرقاد بعد الزبيب، وضعتُ فردتيْ الحذاء تحت رأسي كمخدة ونمت على بعضي كقُنفذٌ مكوّر، النهار حاسة للبصر بينما الليل حاسة للسمع، تصمت الزيزان والبشر ويبقى خرير الماء الذي سرعان ما يصبح امتدادا للصمت، لكن بمجرد أن يبزغ القمر يصبح الليل كله ملكا للحواس كلها، في المنام رأيت اني حاج مشلول على عربة كهربائية أتسابق مع الحاج الأعرج، وحين وصلنا سانتياغو حصلت معجزة الشفاء بطريقة غريبة، لم أسترد ساقي المشلولتين لكن هي العربة التي استردت دواليبا لماعة، حصلتْ المعجزة حقا لما أفقت واسترددت ساقي، رأيتُ طلوع الشمس وسمعت صياح الديك، لم أعمل تمرين الضغط الصباحي 30 مرة ما دام اني سأمشي 30 كيلومترا، جرجرتُ نفسي بعسر ،كتفاي مخلعان، ساقاي منتفختان، جسدي برمته معضل، جلدة رجلي لصقت بالحذاء، خرّاج بالقدم اليمنى وخراج باليسرى، هذا جيد للتوازن، ان تعرج بالرجلين أفضل من ان تعرج برجل واحدة، رحت أمشي على الكعبين، بلغت ضيعة "مونكوك" وجدتها تتكلم إنكليزية أكثر من الفرنسية،أعيش بفرنسا منذ ربع قرن وأحس اني غريب عنها أكثر من السائح الانكليزي الذي جاء لتوه يقضى الصيفية، وليس أدل على ذلك من حادثة حدثت معي قبل مدة بباريس كان يجب ان اسجل نفسي بمكتب العمل هاتفيا، طلبتْ مني الموظفة ان أهجي اسمي بالفرنسية، عسر علي ان ألفظ أحرف u و h فأطبقتْ السماعة بوجهي، دمغتُ دمغة الحجيج في مكتب السياحة، اشتريتُ لزقات كومبيد لدمامل القدم، كلما أرتاح قليلا تتخدر ساقي ويعسر علي المشي، أتثاقل ثم تبدأ الماكينة بالحركة، مفهوم الحركة الدائمة هو نفسه في الماكينة وفي الكائن الحي، بمجرد أن يمشي لا يتوقف عن المشي marcher un jour; marcher toujours[15]، مشيت كثيراً ولم يحدث شيء، ماذا تريدون ان يحدث، لا مشكلة ولا خناقة ولا اصطدام، الحوادث تحدث مع الآخرين ولا أحد في الطريق سوى الأشجار المثمرة، المشمش تأخر نضوجه، وموسم العنب سيكون جيدا، الكرز دبل على أمه، تركوه لي وللطيور، عبئت مرطبان البلاستيك زادا للطريق، أعطيت منه لحاجة تمشي ورائي، انها مناسبة للتعرف عليها، أسمها إليزابيت، بلجيكية ساذجة كالبلجيكيات، حظي جيد جدا مع البلجيكيات، كل مشوار إلى بلجيكا كنت أصطاد بلجيكية، قالت اليزابيت انها تبحث عن الله بالطريق، كل الحاجات يبحثن عن الله وأنا وحدي أبحث عن الحاجات، حج وقضاء حاجة، توقفتْ بالمهجع الخاص وودعتني " إلى اللقاء غدا "، طلعتْ روحي وأنا أطلع طلعة "لوزرتي"، تمددتُ على طاولة خشبية، أول يومين يلتذ الحاج بخلع حذائه ليهوّي قدميه، لزقتُ لزقتين من الكومبيد على الدمامل، "لوزرتي" قرية قروسطية من الحجر العتيق ومن أجمل قرى فرنسا، لم أندهش الا قليلا حين وجدت مضافة le local co الفوضوية مغلقة، سيدة الغاليري المجاور أخبرتني ان أحد ضيوف المضافة سرق الحاسوب وهذا ما أغضب مسيِّرَها بليز فأقفلها، بليز فوضوي مثالي عنيد يريد أن يحول القرية إلى كولخوز، فَشَلُ التجربة السوفياتية بروسيا لا يعني بالضرورة انها ستفشل في بر كاهور، البشر فئران اختبار في مختبر التجارب الفاشلة، يكفي ان يندس بين الفوضويين واحد نظامي فيقوض أسس عالمهم الطوباوي، المثالية تفترض بشرا كاملين وعالمنا ناقص جدا، في آخر حَجَّة قلت لبليز اني قضيتُ عامين في بولنده ورأيتُ بأم عيني افلاس الشيوعية، قللي "لأنها لم تُطبق بشكل صحيح " أحد السوريين الذين التقيتهم بحلب قللي ان مبادئ حزب البعث عظيمة لو طُبِّقت جيدا، كل الفارق يكمن في أداة الشرط الشارطة، الشعوب المعترة دائما تدفع تسعيرة الفصام الحاد بين النظرية والتطبيق، سألتُ صاحبة الغاليري "طيب، وجيرار هل تعرفيه ؟كان من ضيوف المضافة الدائمين " المدام تعرف خمس جيرارات من ضمنهم زوجها ،الرسام نفسه الذي يعرض لوحاته في الغاليري نفسه، مسيو جيرار أنتيني، أنا حقا ممن يظنون ان فن الرسم مات بموت ديلاكروا ولكني حين رأيت لوحاته بقيتُ عند ظني، انها لوحات رائعة لسببين بسيطين : لأنها لا تُفهم ولأنها غالية، ثمن اللوحة يتراوح بين 1000 و3000 اورو، يوجد كنز مرصود بطلاسم في هذا الصالة لذلك لم يقولا لي بامكانك ان تنام هنا، خيمتُ في مدرسة القرية الابتدائية ووضعتُ مقعدا خشبيا بالطول ليخفيني عن أنظار المارة الفضوليين، اغتسلتُ وغسلتُ ثيابي ونشرتها على درابزين الحديد، وقعدتُ أتأمل زينة المناظر، الخطاف يزين السماء، السنونو تزين أسلاك الكهرباء، أكاليل ورد تزين عواميد الكهرباء، اليمام يزين الطيقان، أحواض الزريعة تزين الشرفات، الأبواب الزرقاء تزين الحيطان البيض، الكنيسة تزين القرية والجرس يزين الكنيسة، لكن الزين لا يعني شيئا بدون الشين، توقفت سيارة ونزل منها رجل وأنزل أدوات تصوير ليبث فيلما في الهواء الطلق على الحائط الذي أرقد عنده، يا لحظي ؟ جرجرتُ نفسي إلى المقهى، القهوجية كانت تنظر لورقة خمسة اورو وتحاول ان تحدد الوجه من القفا، أخرجتُ من جيب الحقيبة رواية "الدليل النفيس للاكتئاب بباريس " وتسليتُ بقرائتها، إنني أحيي كاتبها على جرأته لا على فنه، شي بائس ان تكون رحالا عربيا وأبئس منه ان تكون كاتبا عربيا، حين تنتهي رحلة النهار تبدأ رحلتي الليلية، في المنام رأيت سفنا تغوص في اللجة وأمواجا عتية، كان العالم يغرق وأنا وحدي أطفو على الكاوس، في الصباح جفت مياه الطوفان وظهر اليبس، فيقني جرس الكنيسة بدقاته السبعة، كان الشيخ رفاعة ( الطهطاوي) يرى في ضرب النواقيس ضربا من الطرب وهو محق، لكن كنيسة جَرَسُها ولكل جرس جِرْسَه، الحجيج في الساحة من جيل الكينكا[16]، معظمهم أزواج جائوا لتمتين علاقاتهم العائلية، الطبيب النفسي هو الذي وصف لهم وصفة الكامينو لرأب الصدع في الكوبل [17]المهترئ، من لا يزور البسيكولوج في هذا البلد مش طبيعي، ومن لا يحمل كاميرة رقمية مش طبيعي، حاج فرنسي يحمل سيجارة باليسار وكاميرة باليمين، صوّر ( وهو يدخن) كل ما يقع في مجاله البصري، وكل ما لا يستحق التصوير ،صوّر نفسه، صَّور سلك الكهرباء بلا سنونو ثم صوره بالسنونو، صور الكنيسة وصوَّر برج الكنيسة، صوَّر جهة اليمين وهو ينظر نحو اليسار، صوَّر دون ان يسئل نفسه لماذا يصور، انسان اليوم يتصرف بميكانيكية، آلة التصوير هي التي تتصرف عنه، هو يمسكها فقط، يقيني أن الكلمة ستنقرض بسبب الصورة، لذا أكتب حتى أضمن لنفسي الخلود مع الطيور المهددة بالانقراض، عندما أكتب تسافرون معي وعندما أصور أسافر وحدي، إليزاليت الملكة الموعوده لم تمر، نامتْ متأخرة وأفاقت متأخرة، مع النساء يلزم الصبر، لا يقعن بالصنارة من أول خبطة، أريد أن أبلغ المجد من خلال البساطة، وأريد أن أبلغ البساطة بالرجوع إلى الطبيعة، المدينة هي الاشكال الهندسية بينما الريف هو التماوج والتعرج، وقس عليه، المتن والهامش، التنافسية والمشاعية، المحدود واللامحدود، عصرا خف القيظ، ظهر شجر الصنوبر لكن البحر بعيد، الآباتي فوكو كان معه ساعة تعين وقت الوصول والانطلاق وأنا لا، كان متقدما علي ب 130 سنة، كان رحالا نادرا لأنه كان يقيس عرض وطول وعمق السواقي، ويذكر عدد النخلات بالواحة وعدد المصلين بالمسجد، وعدد الأموات في المقبرة، وعدد المسلمين في الدوار، وعدد اليهود في الملاح، وعدد المرابطين بالزاوية، كان عبقرية كولونيالية متخفية بمسوح راهب ولولا خريطته لما تمكنت فرنسا من احتلال المغرب، لكن ماذا يهم القارئ اني وصلتُ "مواساك" ظهرا او عصرا، ماذا يهمه ان عرض نهر التارن 20 مترا وعمقه متران وان في قعره يوجد حصى او رمال، أنا مش جاسوس كالآباتي( الزاوية السنوسية وجدت في صومعته ترسانة أسلحة قبل ان تعدمه ) ولا أمهد لجيش الغزو العربية، ثم اننا حاولنا عام 732 في بواتييه وفشلنا، كنا فاتحين فصرنا مفتوحين، كنا غزاة فصرنا مهاجرين، من بين كل العرب الوحيدون الذين يعيشون في قرى الكامينو ( بشطريه الفرنسي والاسباني) هم مغاربة المغرب الأقصى، انهم شغيلة ويشتغلون بقطف المحصول الزراعي ولا يخجلون من الشغل بعكس الجزائريين الذين تعودوا على الكسل وعلى البترودولار، هاهم ينغلون في مواساك، لحقني واحد منهم و قللي "السلام عليكم اأنت عربي ؟ قلت له وأنا أمضغ سندويشة الجمبون " كيف أكون عربيا وآكل لحم خنزير! " يجب أن أكون منسجما مع كذبي، سيتفاجئ لو قلتله اني عربي وأمشي في درب المسيحيين، وسيتفاجئ أكثر ان قلتله اني عربي ملحد،(من فوائد التعصب انه لا يسمح بالنقاش مع المتعصبين) هذا هو نهر التارن، هل هو مذكر ام مؤنث ؟" سؤالي وجيه جدا جدا وما يزيد في وجاهته ان في مدينة تور يمر نهران أحدهما مؤنت وهو اللوار وثانيهما مذكر وهو الشير، اليوم 25 تموز عيد شفيع الدرب، جاك، ياغو، جاكوب، جيمس، مسميات كثيرة لمسمى واحد، مار يعقوب الكبير، ابن زبيدي ومريم وشقيق يوحنا، هجر أباه وترك قارب الصيد والشباك في بحيرة طبريا ليلتحق بيسوع، مات في اورشليم واندفن في سانتياغو، حضرتُ القداس بكنيسة سان بيير، الزجاج الملون شدني إلى سموات بعيدة، لحم المصليات ردني إلى الأرض، ينتصب إيري دائما في الكنيسة وينام في المسجد، الكنيسة مش عامرة بالمصلين لكن القلة التي فيها تفوق بروحانيتها أطنان المؤمنين المكدسة في مساجدنا، من بعيد أستطيع ان أقشع حضارتي بوضوح أكثر، الجنرال ديغول لم يفهم فرنسا على حقيقتها الا وهو ينظر لها من خارج فرنسا، من بريطانيا ، عشت نصف عمري بالشرق ونصفه بالغرب ، ورغم يقيني بتخلف حضارتي فأني لم أتنكر لها كليا ، ورغم يقيني بتفوق الغرب لم أتقمص حضارته كليا، أحاول فقط ان أظل صوتا ناشزا فحين تتشابه كل الأصوات في حضارة ما فهذا هو عين النشاز الذي يعني تحجر هذه الحضارة القانعة بذاتها ، عندما تظن انك مطلع (بشكل شبه كاف) على نفسية حضارتين فأنك لا تستطيع ان تمنع نفسك من المقارنة بينهما ، ومن هنا عنواني "مسلم بين الحجيج المسيحيين "، لكن كيف أكون مسلما وأنا ملحد، للحق فأنا والاسلام في جدلية المتصل منفصلا والمنفصل متصلا، وعموما معنديش مشكلة مع الاسلام فهو دين جيد جدا، المشكله فقط هي في محمد ونسائه التسعة وآل بيته وعشيرته، وفي السنة والفرض وفي الشهادتين والصلاة والحج والجهاد والصوم وفي الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين وشيوخ الازهر والمفتيين والوهابيين والتكفيريين والنواصب والروافض وبقية الزواحف، القرآن أيضاً هو كتاب رائع لو حذفنا منه ثلاث أرباع آياته وسوره، المسلمون ناس قابلون للتطور بشرط ان يتخلوا عن إسلامهم، المساجد هي أماكن بهيجة جدا لو أقفلناها،لنرجع إلى مواساك، انها متحف شامل للباروكي والروكوكو والكلاسيكي والقوطي، دير البندكتان تحفة معمارية، الأديرة اجمالا رائعة لأنها صممت للعزلة وتختصر جمال العالم في داخلها، المعمار هو الحس الفرنسي في الجمال والوضوح، فرنسا هي أم المعمار وأبوه، نحن العرب أمة مسطحة تعمر بمعمار الحد الأدنى، بيوتنا للسكن فقط وكل ما يهمنا في هندستها هو الا يكون المرحاض باتجاه القبلة، مدننا عبارة عن شوية قصور في المركز وحولها أكواخ صفيح، تعشيتُ باحتياطي الجبنة، تحممت عند النافورة ونمت كجثة هانثة ولم أر شيئا يذكر في منامي، القهوة هنا لا نكهة لها ولكنها رخيصة، القرية مشرقة هادئة ومصيفة، الناس سعداء سعداء، الشعر في الشارع والحرية بكل مكان، السماء جذلى، ودرجة الحرارة 25، تصفحت جريدة الميدي المحلية، اصطياف ،كرمس، ماراتون، تسوق، حادث سير في قرية سبب جريحين فقط كتبوا عنه صفحة كاملة معززة بالصور، اسباني يعمل بالقطاف مات بضربة شمس، ولا أي خبر عن حمص وعن ميدان التحرير، الدم السوري ماء، عواجيز القرية يتكلمون عن نتيجة سحب اليانصيب وفي اي منطقة ظهرت الورقة الرابحة، المصطافون بثيابهم البيضاء الفضفاضة، بالشبشب والشورت والتي شيرت ،كله يأكل، يشرب، يدخن، يتبرنز، يتقهوى، يبستس، سعادة نموذجية، رب عائلة يرخي كنزته على منكبيه ويحمل طفله على كتفيه، امرأة مصيفة تتأبط جرو الشالو على ذراعها، أم تضع النظارات السود على الصدغين وتمسك بيديها طفلين، لو سألت عن اسميها فاحتمال كبير ان يكونا سولين وسولال او مانون ونولان، السعداء يبدون لي أغبياء، يغيظني الحنان الزائد لأني مش شبعان حنان، يغيظني الآباء الذين يحشرون اسم أطفالهم بكل جملة، بكل شبه جملة، تغيظني الأسماء الناعمة جدا جدا نويس، كادي، نويا، كارلا، المشوار من كاهور إلى سانتياغو يساوي المسافة بين الشام ومكة، ضعف المسافة بين الصعيد والحجاز، 1100 كلم، 1100000 متر واذا فرضنا ان بكل متر خطوتان فإن الدرب يساوي مليوني خطوة وربع، هذا يستحق حذائا جيدا ومريحا، دخلت محل كنادر وأرادت الكندرجية ان تبيعني كندرة عمال البترول ب 80 اورو فقررت ان أكمل المشوار بالصندل، جلدة رجلي تمسحت ويمكني ان أمشي حافيا، الدمامل أصبحت جزئا من باطن رجلي، وحقيبة الظهر أصبحت امتدادا لظهري، هاهم الحجيج يبلون ريقهم بقنينة كوكاكولا بعد مشي مضن، هل يوجد في الجنة كوكاكولا ؟ الذين مشوا فعلا يعرجون حقا والذين كزدروا وتظاهروا بالمشي يبالغون في العرج، الدرب نسخة مصغرة عن الحياة، جائت 4 سائحات يجررن 4 شنط على دواليب وسألنني أين يمكن دمغ شهادات الحجيج ؟ قلت لا أدري أنا مش حاج، أنا فاغابوند لقيط، اشتريتُ طعاما من المتجر وكان الثمن على الصندوق أعلى من الثمن المسجل على البضاعة ،حين نسرقهم يصرخون بنا "حرامية" وحين يسرقونا فهي هفوة، ليس من الكياسة ان تشتري فواكه في عاصمة الفواكه، القطوف دانية وتناديك " أُقطفني"، هربتُ من البَرِية إلى البرّية، لا فرانس لادوس فرانس، يقال ان للانسان المتحضر بلدان، بلده الذي ولد فيه وفرنسا، الشوارع نظيفة، مفيش مزابل ولا قمل لا صراصير، الشيخ رفوعة[18] قبل ان يطأ أرض فرنسا وجدها غاية في النظافة والظرافة وهو بالباخرة الحربية التي حملته بالبحر، ولم يستطع شيخنا العلامة الفهامة النحرير حل المعضلة، كيف تكون النظافة من الايمان والفرنسيس أهل كفر وعناد ؟ الصلاعمه ( دائما) يفسرون الناسوت باللاهوت ،الفقهاء جهابذة الديالكتيك حلوا معضلة تخلف المسلمين وتقدم المشركين بمعادلة جديدة، ان اوروبا الكافرة تطبق العدل الذي نص عليه الشرع بتاعنا اذن اوروبا اسلام بلا مسلمين، يا لمنطق البؤس ! يا لبؤس المنطق! عندما يغتصب الفقهاء اسم العلماء فعلينا الحذر من العلم، فعدم أخذ المعنى بحرفيته عند هؤلاء الفيلولوجيين هو الشرط الأول للتمكن من اللغة والسيطرة على عقول العوام، من يمشي وحيدا يذهب بعيدا، مواساك صارت ورائي بفراسخ، بسبب الحر الشديد فإن الجبنة صارت زبدة سائلة في وعاء البلاستيك وحمّضتْ شرائح لحم الخنزير، اذا أكثرت من الزاد يتلف واذا أقللت تجوع بالطريق، علبة السردين هي أفضل مؤنة للطريق، لا تزرب ولا تأخذ حيزا في الكيس، دخلتُ حقل بطيخ أصفر وقطفت شمامتين ( الجوع والعطش مستشاران رديئان ) استضافني كوبل من المتقاعدين بعد أن طلبتُ مائا، سقياني ( من الحنفية طبعا)، وبدأ السين والجيم، من أين وإلى أين ؟/ من كاهور إلى سانتياغو / كل المشوار دفعة واحدة يا بطل ! الحجيج عادة ما يقطعونه على 3 دفعات، البيت بسبب محاذاته للطريق استضاف حجيجا من فرنسا وايطاليا ومن كندا واوستراليا ومن اليابان ولكن هذه أول مرة يستضيف فلسطينيا، في أي بلاد رحلت ؟ / أسهل ان تسألوني في أي بلاد لم أرحل . المدام سألتني " ما هي أجمل بلد رأيتها في رحلاتك؟ النساء يحبذن هذا الصنف من الأسئلة الرومانسية، / "باريز أجمل مدن العالم طراً مش علشان برج إيفل لكن لأني تركت فيها قلبي " لور ما زلت أحبها وأحبها الآن أكثر. الرجل سألني /" ما هي دراساتك ؟ / متخصص باللغات الميتة . / ما هي اللغات الميتة ؟ / هي اللغات التي لم تعد حية . المدام لا تفهم كثيرا المشكلة الفلسطينية وتريدني ان أفهِّمَها، قلت لها " أمة ( انكليزية) وعدت أمة ثانية بأرض أمة ثالثة . " قال مسيو "ولم لا يقتسمون هذه الأرض بدل إراقة الدماء ؟قلتله " إقفل الموضوع رجائا "، فأقفله ليفتح موضوع سوريا، قال بالحرف الواحد "اذا نحينا الاسد من نضع مكانه ؟" الفرنسيون ما زالوا يحسبون انفسهم دولة منتدبة على سوريا، أستضفتموني بداركم لتريحوني ام لتتعبوني بهرائكم ؟ التوبة، لن أقول لأحد اني فلسطيني بعد اليوم، مسيو دلني على طريق مختصر إلى "اوفيلار" مرورا بالمفاعل النووي، كل ما أتعرف على إنسان يأخذ معي ساعتين ثم يدلني على طريق مختصرة توفر علي ساعة، هكذا أكون خسرتُ ساعة مشي لكنني أفضِّلُ ان أقول انني ربحت ساعتي كلام، فالطريق هي ناس الطريق، لكن هل من الكياسة ان يمر فلسطيني قرب المفاعل النووي ؟ نحن دائما مشبوهون بفلسطينيتنا، مدخنتا المفاعل النووي مثل بثور في وجه جميل، ويمكن رؤيتهما في دائرة قطرها 20 كيلومترا داير من دار، الصلبان منثورة على الطريق، لا يجب ان ننسى ان فرنسا ( كانت ) البنت البكر للكنيسة، كان ذلك فيما مضى ويبدو ذلك واضحاً من صدأ حديد الصلبان، قانون 1905 أسس للعلمانية وفصل الدين عن الدولة بشكل قاطع، عبرتُ نهر غارون، انه أحد أهم أنهار فرنسا، يصل بين المتوسط والمحيط، عريض وشامخ وماؤه خضراء بلون الأشجار، لم يعد صالحا للملاحة بعد إنشاء السدود عليه، لم أستطع تحديد اتجاه الماء، هل هو نازل إلى طلوزة ام طالع إلى برذيل، [19]عند الضفة الأخرى رأيت حاجين جائا من الألزاس على حمار ( فيما بعد سمعت ان الحمار فلتت حذوته في الطريق فرجعا )، أوفيلار تشبه بومبي، معظم بيوتها مهدمة، ثري يهودي أراد شراءها وتأهليها لكن معظم القرويين رفضوا بيعه، في الريف ما زالوا يعتبرون اليهودي قاتلَ المسيح، انها فرنسا العميقة العزيزة على قلب بيتان وبرازياخ، عند مدخل القرية مغسل عمومي للقرويات لكن انتهى وقته بدخول الغسالات الكهربائية، 25 كيلومترا في 7 ساعات من المشي، لم أتعب أبداً اليوم، بدأت أوالف على التعب والمشي، خطر لي وأنا أتقهوى عند جوسق الهال الدائري اني لا أرى الا وجها واحدا من القرية، كيف يكون المشهد في فصل الشتاء وهي ترزح تحت الثلج ؟ لم أرحل شاتيا أبدا، الجندرمة تتساهل مع المتشردين في القرى الواقعة على درب سانتياغو، اما بالقرى السياحية خارج الدرب فيطردونهم حتى لا ينفّروا المصطافين، هكذا صادفت واحدا من هؤلاء، عجوز متسكع يبحث عن عمل في قطاف الفواكه ،مررت بشارع بيليسيير فرأيت الدم المسكوب يسيل في الشوارع، ذاكرتي تحفظ من كل ذكرى أشين فيها، كل ما ارتكبته أيدي البشر من فظاعات، الجنرال بيليسيير المجرم البطل الذي أحرق الجزائرين في الكهوف والمغاور، تمر الليالي وما أنا بالناسي، ذاكرتي جزائرية دائما تنزف من جراح الجزائريين، حربة بيليسيير التي خرقت ظهورهم خرجت من بطني، أنا مشاء يمشي للأمام ولكن وجداني يرجع دائما للوراء، الآباتي فوكو وسمته هزيمة فرنسا في سيدان أمام البروسيين عام 1870وأنا وسمتني هزيمة الجزائر أمام الفرنسيين في اسطاوالي عام 1830 رأسي يشتعل وأريد أن كسر جرار الزيت والزبدة، تاريخ الجزائر لم يكتب للآن الا من زاوية التمجيد والبطولات، الجزائري يعرف من التاريخ فقط منى تأهل المنتخب للمونديال ومتى هزم ألمانيا، التاريخ هو أخطر إنتاج أنتجه الذهن البشري، يؤجج الأحلام ويثمل الشعوب ويولد لها ذاكرة موهومة، ويقودها إلى الهذيان بالمجد او بالاضطهاد، فرنسا مارست الجينوصيد وقتلت من الجزائرين أكثر مما قتل هتلر من اليهود، يا دين رب يسوع ! والمهاجرون الجزائريون يتكالبون على الجنسية الفرنسية ويصفقون لفريق مرسيليا حين يفوز، بوتفليقة يلقى خطاب الاستقلال بالفرنسية، طز بالجزائر والمليون شهيد، أخجل من عروبتي لذا سأظل عربيا، أخجل من إسلامي لذا لن أعتنق دينا آخر، لا تكف هذه البطيخة عن شخ الأفكار الخرائية، تنبش جثة التاريخ، كيف رمتني الأقدرا الغريبة في هذا البلد الذي لا أحبه، لا أستطيع أن أحبه، فرنسا المالتنغ بوت، صهرت اليهودي الهارب من الغيتو، مع الطلياني الفار من فقر صقلية، مع البولندي اللاجئ من جحيم الشيوعية، وعجزت ان تصهرني، ....عسكرتُ عند الرحبة المطلة على الغارون، المقعد العمومي هو أفضل مكان للنوم فهو نظيف ومرتفع عن الأرض ولا يطاله النمل ولا قذارة الكلاب ولا الحشيش، وهو يتسع لي ولكيس النوم، البراغيث لم تدعني أنام، رقدت قرب المقبرة، كم جثة زاد عدد سكان القبور منذ آخر مشوار، يدفنون الموتى فوق بعضهم في خشخاشة لذا يزداد عدد الموتى ولا تزيد مساحة المقبرة، اليوم لا أدري ترتيبه بين أيام الأسبوع، فقط خمس فتيان على الطريق يفكرون بماذا يأكلون هذا المساء، حاج عندنا معناها رجل كبير ومهيب هنا معناها مشاء وهي تشمل كل الاعمار، أحدهم رسم على دوار الشمس شكل وجه بشري، في الحقول تتناثر شقائق النعمان، النوار، زهور الخزامى المعطرة، كانت لور تقطفها وتضعها بخرقة لتعطر كيسها، وهناك ألف عشبة لا أعرف اسمها، وصلت إلى سان أنتوان بعد مسير 6 كيلومترات، على البلكونة عجوزان ينظران إلى آخر المدى، يتأقلمان مع النهاية الواعدة، الموت مرض ديمقراطي، المقهى هنا هي أيضاً دكان ومكتب بريد وتوزيع جرائد وخبز، القرية شارع واحد وبضع بيوت مرصوصة عن الجهتين، عريشة الدوالي منسجمة مع العرزال، الزريعة منسجمة مع الاحواض، القطط الكسلى منسجمة مع المصطبة المشمسة، أسلاك الكهرباء منسجمة مع السنونو، وكلاهما منسجم مع السماء، سطح القرميد منسجم مع هديل اليمام، الحجر العتيق منسجم مع البيت العريق، كارت بوستال برسم الانسجام، "سلمتْ أيادي الفلاحين الذين يخضِّرون الحقول ويجملون فرنسا ( نا) " قرأتُ هذا الكلام في دفتر زوار الكنيسة، الفرنسي يدرك تماما انه يسكن في أجمل مكان في الدنيا، الدكنجي باعني كاس ماء من الحنفية بخمسين سنتيم ولم يرد لي البقية، وجار الدكان نصب طاولة لاستراحة الحجيج عليها ماء بارد وبيض مسلوق وقهوة بالمجان، لولا التَّفَاوُت بين الخلق لما عرفنا الشين من الزين ،ليس عندي ما أضيفه بهذا الخصوص، أبقار بيضاء مبقعة بالكستنائي، بعضها ترعى والبعض الاخر يجتر مستلقية على بطونها، زهور عباد الشمس التفتت لي كأني شمس، دخلت إقليم الجيرز، غاسكونيا بلاد البط والشمام والذرة، على الشجرة لوحة تقولrien ne sert de courir, une pause s’impose. حقاً هل أنا في ماراتون ؟أنا وحدي، هل أسابق ظلي ؟ الطبيعة وترسانة رموزها، أشكّال من الحضور الخام، الأخضر وأطيافه لويناته الخفيفة والخفية، رائحة الصعتر، ضوع الغابات، الكروم الحقول الازهار، الشمس، السنونو، الكسل، الاسترخاء، الافكار والنورَ والنكهةَ والمعنَى، هنا يوجد متسع من المكان والزمان وكثير من الشمس، من يعيش بالبرية يعيش ببطئ متواريا عن العالم، أملك الوقت لأني لا أملك ما يستهلك الوقت، لا مال ولا جوال، كتبت في كراسي
الدمامل :وجع المسافر
الوحشة : رفيق المسافر
العطش :شبق الماء
الرحيل :، غواية المكان الآخر
المرأة : غواية الجسد الآخر
الجمال: الانسجام بين الصدفة والخير
الشمس : اللولب المحرك في الطبيعة الخالدة
الكنيسة : ذاكرة السنين منقوشة بالحجر ،
من كثرة أكل الخوخ لم أستطع ضبط معدتي فهرعت خلف شجرة، كنف الطبيعة كنيف الطبيعة، مر حاج وحياني " بونجور "، قلتله "خره عليك وعلى بونجورك، أكمل طريقك " كيف شافني ابن الحرام ؟ لماذا يسلم علي وأنا أخرى، ونحن في بلد لا يسلم فيه الجار على جاره ؟، بدأت البارانويا حرب الاعصاب، عندما وصلت "لوكوتور" أحسست بالنار تشتعل عند ركبتيً، أصابع رجلي انتفخت، قبضة يدي انتفخت من القبض على شيالات الحقيبة، التعب في ساقي، في رجلي، في كل خلية من مسامات بدني، لا أرتاح الا على كرسي المقهى، من كثرة ترحالي صارت المقهي داري، النادل ملئ لي المطرة مائا باردة، المقهى أجمل المراحل وأكثرها حنانا، ارتحتُ وتقهويتُ وارتويتُ وأعدتُ صلتي بالعالم البشري، ثم همدتُ على الكرسي مثل مومياء محنظة، لم أدرِ أني غفوتُ الا بعد ان أفقتُ، القهوجي تركني أنام ساعتين، رأيتُ المساء حولي ولاعبي البيتانك[20]، كل لوكوتور رجالا نسائا ترمي الكلة الحديدية في الساحة الآن، غسلت بدني في الحمام العمومي وحلقت ذقني (بكل قرية، سبيلْ ماء مٌسبّلة لسقاية الحجيج وحمام عمومي) رقدتُ قرب برج الحمام، ان دخلت بكليتي داخل الكيس أتعرق وان خرجت تأكلني البراغيث، معضلة ديكارتية، تقلبتُ على ظهري وبطني وعن يميني ويساري، تفننت في الاحتيال على الأرق والوجع، لا حبوب دلبران تهدئ الأوجاع ولا دهان يخفف الأورام، جافاني النوم، الليل والنهار وجعان منبثقان من ألم واحد، النهار عذاب والليل سهاد، ضبيت متاعي وانطلقت مع الخيط الابيض، المرارة محرك الكاتب المشاء، لكن لا يخطرن ببالكم اني أبحث عنها قصدا لأكتب، لا واللات، هي تأتي لوحدها، المرارة طريق الطريق، الريف يخبئ قبحا في جماله، المستنقعات تخبئ براغيث، والبراغيث تخبئ لسعات، قل أعوذ برب الطريق من براغيث الطريق، براغيث براغيث براغيث، تواعدت هنا لمهاجمتي، نشبت معركة ملاكمة بيني وبينها، بيني وبين نفسي، لكمات على الصدر والخد والبطن والظهر، مصارعة بين مصارع ووجهه، البراغيث ورائي لم تشبع من دمي، رحت أقفز كالجندبِ وتعفرتُ بالتراب، لم أترك شيئا في قاموس المسبات، متى أخرج من من عش الدبابير ؟ من الجحيم الدانتي ؟ مر وقت طويل قبل أن أقرر ان أفضل حل هو ان أغيِّر الشورت القصير بسروال طويل وان أبدل قميص الكم القصير بآخر ذات كم طويل، ،ماذا لو تزحلقتُ وانكسرتْ ساقي ؟ إذا هاجمَني قطيعُ ذئاب ممن أطلب النجدة ؟ كم كنت غبيا حين ورطت نفسي بهذه الرحلة، ألف صوت في رأسي تتناحر، الرحالة هو شكل سوفت عن راهب الردمبسيونيست الذي يجلد بدنه تكفيرا عن خطيئة الجسد، ان تمشي الدرب 3 مرات هذه 3 أدلة على اني انسان مش طبيعي، ان فيَّ طاقة جبارة أبددها على أشياء تافهة ،أستطيع ان أبني هرما رابعا لو قننت طاقتي بشكل مفيد، رحت أردد أنشودة من الكشافة الفرنسية علمتنيها لور :
La poule n’a que 15 poussins, la poule n’a que 15 poussins
elle en avait trente, la moité d’soxiante,
allègons la jambe, la jambe car la route est longue[21]،
أنا الجمّال والجِمال والعيس وحادي العيس، أنا ربيب الشول[22]، كأنني لم أعاقَب بما فيه الكفاية، من شدة الحر تكاثفت الغيوم، ضربتْ الساحرة الشمطاء بأنشوطتها الغيوم، حين تمطر تخرس العصافير وتغرد الضفادع في اوركسترا مزعجة، مطر، مطر مطر، لبست المعطف المطري، انها رحلة الشتاء في الصيف، من العبث ان أتدرى تحت أشجار الخوخ فهي تدلف كالمزاريب، نضح الماء إلى حقيبة الظهر، لم أخف على أوراقي الثبوتية كخوفي على كرّاسي، انه مؤنسي وحلمي وضجيعي ومالي وراسمالي وخلاصة أفكاري، ومشروع الكتاب الذي سأكتبه عن الكامينو، دحشته بالجيب الداخلية بعد ان لفيته بالمنشفة، تبللتْ النظارة فشلحتها، تبللتْ الجوارب والسروال والثياب الداخلية وبللتني كليا، ارتأيتُ ان هرولتي عبثية فرحت أمشي على مهل، أنا غرقان فما خوفي من البلل، السماء كب من الرب، والأرض طوفان ،فاجئتني سفينة نوح على شكل مزرعة أبقار، طرقتُ على الباب وطلبتُ من عجوز أن تأذن لي بالمبيت في مستودع التبن فرمقتني تدرس مكامن الشر فيَّ وأشارت إلى جهة كوندون حيث يوجد فندق، خافت ان أسمم الأبقار، من يفتح بابه للغرباء في هذا اليوم المطير! في هذا الشر المستطير !، لماذا أطلب كثيرا من بؤساء أعطاهم الرب قليلا؟ لم أزعل منها لأنه صدتني بل لأنها ذكرني بوالدتي، أثناء الاجتياح الاسرائيلي أغلقتْ باب بيتنا بوجه أم فلسطينية جائتْ تبحث عن ابنها الفدائي، لماذا لا أنسى، لا أستطيع أن أنسى، ذاكرتي بومة تعشش وتعيش في الحطام، كل دماغ له ذاكرته إلا ذاكرتي فلها دماغها، أمشي لأن الحياة ليست كما يجب، أمشى كي أتطهر من حياتي السابقة، ولكن حياتي السابقة كانت مدنسة لدرجة ان كل مياه الغانج لا تطهرها، أمشي لأنسى سقطاتي وتشنجاتي ولعناتي العائلية، الرحيل هو منغصات الرحيل، الرحلة حياة كثيفة وشاسعة لكن الخشية هي تبدد الكثافة في الشساعة،، ما الجدوى! طز بالكامينو، كل هذا الجنون والقفز من مطرح إلى مطرح، علينا ان نبلغ مكانا ما، سانتياغو هي ما لا سبيل لبلوغه، بمجرد وصول كوندون سأركب اول قطار إلى أي مكان آخر، أنا أبو عبدالله الصغير مش طارق، العزلة رعب حقيقي، الرحيل مفهوم عقيم، هي الوحدة، الوحدانية ما يزعجني أكثر من المطر، تان تان كان معه كلبه ميلو، الآباتي فوكو كان بصحبة الحاخام مردخاي ابو سرور، البارون مونخهاوزن كان يسافر مع حصانه، ماركوبولو كان يرافقه أخوه، دون كيخوتي كان بمعية سانشو بانزا، حتى طيور السماء ترحل اثنين اثنين الا أنا وحدي، اه كم أنا وحدي، رحت أدندن، Non, je ne suis jamais seul avec ma solitude[23]، الوحدانية بالعربية معناه ديني يختص بالإله الا بالبشر، ليست كلمة أساسية في قاموسنا، la solitude الفرنسية تعبر أكثر عن حالتي، الرحلة في شكلها السلبي، تعب، ضياع قرف، عناء، برد، جوع، ملل، تعتير، تعثر، عذاب هائل متناسق، درب مار يعقوب درب جلجلة، كان على الأونيسكو ان تصنفه على قائمة الخوازيق مش على قائمة التراث الإنساني للانسانية، لكن القمر بالسماء وحده، النسر بالفضاء أيضاً وحده، كل الذين يعملون أشياء عظيمة وحدهم، أنا وحيد في الطريق مثل ذاك العصفور الوحيد فوق سلك الكهرباء، العصفور لا يدرك انه وحيد، الطير لا يفكر بشيء، الإنسان وحده يفكر لذا لا يغرد، لا يستطيع الطير ان يختار بين ان يحط على البلوط او على السنديان، انه يرتاح فقط، ولا يستطيع حتى ان يختار الطيران من عدمه، انه يرفرف جناحيه فقط، أنا وحدي ذو خيار لذا أحلم ان يكون لي جناحين لأحلق كمهرة جامحة في السماوات، يجب أن أقود أفكاري حتى لا تقودني، يمكنني ان أتأفف من الطريق لا ان أهجر الطريق، الرجوع هو التراجع عن كل الأشياء التي خُلقت من أجلها ،كلمة "تدريب" مشتقة من الدرب، الفلسطيني يعتبر الدرب من صلب قاموسه وأدبياته، البلل والوحدة، إني على الحالين صابر، الرحلة سأرحلها بكل جنوني، من يمشي مدججا باليأس يمشي حتى النهاية ،المسافة التي تفصل عن الهدف مش مهمة، وأهم منها هو الخطوة التالية، الطريق هي قطوع الطريق، الطريق هي أنت، ان تكون وحدك في الطريق يعني ان تكون متفردا مختارا، مترفعا، اوتريا إلى الأمام، اوه كل شيء في الرحيل سعادة حتى الشقاء، للرحالة رحلته الخاصة، قوانينه الخاصة، وحدته الخاصة، إن الرحيل شيء تعودنا عليه، السعادة والشقاء شيء واحد، العجز الآن او بعد قليل، لا أهمية لذلك، البرية مرارة أكيدة، لكن لا يمكن أن نتهم الطبيعة لأنها مرة وقاسية، فالطبيعة ،سواء كانت معك او ضدك، طبيعتك، أمشي لعلي أجد في الطريق طريقي، أتثاقل تحت وطأة الكيس، أتسائل عن جدوى المشي لكن بمجرد أن أمشي أنسى، يصبح المشي عادة، يصبح سعادة، غناء كغناء الحداء
la poule n’a que 10 poussins : la poule n’ a que 9 poussins[24]، مشيت ملتبساً بالقدرة على التبدل المدهش، وصلت "كوندون" بلاد الارمنياك، خيمتُ عند ضفة نهر البيز، التعب الطويل الذي أرهقني طوال النهار يخرج الآن من عضلات جسمي المستجمة، التورم اللذيذ في أسفل الساق يتحول إلى متعة حسية، نمتُ مطمئنا، الناس لا تخيفني لأني لا أخيف أحد، الفرنسيون اجمالا مسالمون لا يعتدون على من ينام بَرّة بل يتعاطفون معه، رأيتُ في المنام اني أتعشى مع بطريرك طبرية، وحين فتحتُ عيني لم أفهم ما هي العلاقة بين طبريا وكوندون، لماذا دوما أسعى لتفسير ما لا يُفسر ؟ حقا ان الإنسان أكثر شي جدلا، يمارس الاستمناء المادي ( باليد) ويمارس الاستمناء الفكري( بالدماغ ) ها هي شمس الشموسة، طلعت يمحلا نورها، فاعت رائحة الكراوسان، انني على موعد مع قهوتي الصباحية، الصباح هو الشعور بأن الحياة هي ما سيكون، مهما كان عدد الأيام المنصرمة فادحاً فإن بداية اليوم هي بداية الحياة، رميتُ بصري على اليمام فوق سطوح القرميد وطلبت من الله ( لو كان موجودا) ان ينسخني طيرا، في هذه اللحظات ترتمي الشمس على الطابق السادس من عمارة رقم 24 في بولفارد باتينيول، الآن بالضبط تفتح لور خزانة ثيابها وتحتار، تنظر إلى أحذيتها الكثيرة، أيها تنتعل ؟ تقف أمام المرآة طويلا، هل تفرق شعرها عن اليسار او اليمين ؟ تعتني بنفسها كأنثى ولا تضع مساحيق، تدرك جيدا ان جمالها طبيعي، ماذا تلبس ؟ اي تنورة تناسب هذا القميص، اي حذاء يناسب الاثنتين، تجربهما، تنظر للمرآة، تمط شفتيها ... مع الطقس المعتدل تغرد العصافير ومع القيظ تأز الزيزان، كل هذه الحقول والمروج الخضراء ولكن زهرة المرغريتا أبتْ إلا ان تمد عنقها من إسفلت الشارع، يا للحياة ما أعندها! الخارطة تغش لو نظرت لها فالطرقات تنزل نزولا ولكنها واقعا تطلع طلوعا، رأيت كوبلا (حاج وحاجة )مستلقيان تحت شجرة يمارسان الغرام على قارعة الطريق، شوكنغ، غضِّيتْ بصر، ولم أسلم عليهما مثلما فعل ذلك الحاج الخريان معي، الله يبسطهم، الغرام بالبرية هو الحل الوحيد خاصة ان المهاجع جماعية ولا تسمح بخلوة حميمة، بعد "مونريال" الطريق تمر بالغابة، أنا أمشي في أحسن حالاتي، الدنيا ربيع والجو بديع، والنرجس مال يمين وشمال، في " إيوز" اشتريت بخاخة ضد البراغيث واكتشفت انها لا تفيد بشيء، في الشارع لوحة تذكارية عن يهود ساقتهم حكومة فيشي وسلمتهم للغستابو، كنت دائما أظن ان الذي اغتصب فلسطين وسلمها لليهود هم النازيون، ألمانيا جنت علينا نحن الفلسطينيين بجنايتها على اليهود، الطريق هي أيضاً غجر الطريق، هاهو معسكرهم في العراء، النّوَرْ، أسياد الطريق، سَقْطُ المتاع البشري، أبناء الرياح، أحب الغجر لأني أحب كل ماهو غير مضبوط، عشيرتي، مثالي الأدنى، أنا مثلهم لا أرض ولا أهل ولا دار ولا معشر، ما أغباني حين (كنت) أعتقد ان العالم بستان و الغجر زهوره، فلا شيء هنا يغري العين، على الجدار إعلانات لبيع وشراء وتبديل كرافانات وعلى الكرفانات صور للمسيح ومزامير من العهد القديم، امرأة تغسل وأخرى تنشر الغسيل وثالثة تشطف صغيرها في لجن، أين المبصرات ضَاربات الوَدَعْ ودَقاقات الوَشَمْ ونافخو الكير ومصحلو البوابير ومجلخو السكاكين ومبييضو المواعين ومرقصو الثعابين ؟ أين الكلاكيش والدببة والحصن والحناطير والرباب والطبول والدفوف والبزق والمجوز وفقاشات الصنوج و"شاباش شاباش ؟ هل مشوا من الهند وقطعوا السند ولورستان وخراسان وفارس وبطائح العراق ليصلوا إلى هذا المكان المجذوم ؟ الغجر والرحيل خديعتان بصريتان، تحبهما من بعيد ولكن ما ان تراهما حتى تتفاجئ بأنهما بؤس، لا تعظم شيئا في خيالك حتى لا يخذلك واقعه، كان اندريه بريتون من فرط حبه لأثينا لا يزورها لأنه يعرف انها ستكون دون الصورة السامية التي يتخيلها، ها هي الطريق واسعة شاسعة ومرتمية دائما نحو الغرب، حتى "نوغارو "يوجد 19 كلم، 5 ساعات او 6، يعتمد الأمر على المحرك وعلى الريح، عاتية او مؤاتية، يعتمد كذلك على الأفكار التي ستمر برأسي، الأفكار السامة تسمم بدني وتزيد سرعتي إلى 6 كلم بالساعة، عند مدخل قرية "مانسييت" استقبلتني العذراء مادة ذراعيها، فاعت من ساحة مصارعة الثيران نفحة من نفحات اسبانيا، في بار مونيك قعدت مونيك تحل الكلمات المتقاطعة في الجريدة، هذه القهوجية أعرفها من آخر مشوار، التجاعيد تعمقت بوجهها ولا زالت صامدة، لا أحد بالمقهى سواي، يمكن صياغة الجملة بشكل آخر، أنا هو الزبون الوحيد بالمقهى الوحيدة، في نصب موتى ح ع 1 حُفرت أسماء أكثر من نصف شباب القرية، الحرية لها ثمن مرتفع، فرنسا لم تحرر أرضها الا بعد تضحية مليون جندي، لماذا يريد العرب ان يتحرروا بدون معارك ؟ ماذا تعني 100 ألف قتيل في سوريا، ماذا تعني مليون قتيل في العالم العربي ؟ أليس من الخير لنا ان نكون 200 مليون عربي برؤوس مرفوعه بدل ان نكون 300 مليون برؤوس مطأطئة ؟ إلى الطريق، اللهم اجعلنا من أهل الطريق بجاه الحبيب المغبوط مار يعقوب، إنني مربوط للعاصفة بقلبي الطائش، أكسيون ثم رفلكسيون، أرحل يعني أمشي، أمشي يعني أحلم، أحلم يعني أكتب، أكثر من يحيرني من أدباء الرحلة هو الألماني كارل ماي الذي كتب كل كتابته دون ان يخرج من قريته ، وأكثر ما يحيرني من المؤرخين هو الايطالي فيكو كتب عن الفوارق بين الشعوب دون ان يغادر مدينته نابولي ، هذا يعني ان الرحيل ليس حلا ناجعا للكل، بل للبعض وأنا منهم، الأشجار المثمرة أفسحتْ المجال لسهول ذرة، ارتحتُ قليلا في ظل شجرة وأكلتُ علبة الطونا بلا خبز وأحسست طعمها ثقيلا، نحن العرب بدون خبز لا نشبع حتى لو أكلنا خروفا، الخبز خبزنا اليومي وأهم عندنا من الأدم، بلغت نوغارو متأخرا، ان تدخل إلى القرية من الغابة شعور لذيذ، هكذا أتناوب بين الحضارة والتوحش، طلبتُ قهوة في مقهى لي كورديلييه ثم فطنتُ اني بلا نقود فقلت للنادلة "إمهليني دقيقتين لأسحب شوية فلوس من المصرف" فسحبتْ القهوة من قدامي ولم تثق بي، ابيضَّ شعري في الرحيل ورأيتُ أشخاصا تافهين ولكن مش أتفه من هذه التافهة، خيمت في فناء الكنيسة قرب النواويس الحجرية، وضعت كيس نومي في مكان مشرف على القمر والنجوم والتاريخ، ألف عام من التاريخ تنظر لي، أحسست بلذة وأنا أداعب ساقي المتورمة، في منامي رأيتُ اني أتعشى من يوليوس قيصر ومع هنيبعل، في اليقظة رأيت الزبال يكنس قرب رأسي، ضبيتُ الحقيبة ومشيت، صادفت حاجا من الأقدام السوداء[25]، من بره يبدو إنسانا عاديا، مسيو ماشان مواطن صالح لا يتهرب من الضريبة ويقترع في الانتخابات ويحضر قداس الأحد ولكنه من جوة متطرف وعنصري، يظن ان الخطر الأحمر انتهى وجاء دور الخطر الأخضر، العرب بكل الأحوال خطرون، عندما لا يأتون في موجات غزو يأتون في موجات هجرة، شتم العرب أمامي فقلت في سري انه ليس في مظهري ما يدل على اني عربي، قال انه يريد أن يطرد الحشرات العربية من فرنسا كما فعلت جان دارك مع الإنكليز، فنجرت عيوني بوجهه وقلتله "يللا، أبداً بهذه الحشرة العربية التي تمشي معك، أنا عربي واسمي أحمدين "، الرجل ارتعد حقا "وحق المسيح ظننتك أوروبيا " بإمكاني ان أقتله وأدفنه بالبرية ولا من شاف ولا من دري، لكني تركته يعبئ غليونه وهو يلهث تحت الشجرة، أكره العرب ولا أسمح لغير العربي ان يكرههم، أكره فرنسا وأبيح للكل ان يكرهوها، انها شوفينية وما زالت تؤمن بنقاوة الدّم والمعيار الجمجمي والفرينولوجي، جائتني فكرة أن أخفي هويتي عن الحجيج، سحنتي البيضاء تساعدني على التنكر، وأستطيع أن أزيبق من لغة إلى أخرى بسهولة، الآباتي فوكو جال المغرب في مسوح حاخام يهودي، رينيه كاي زار تمبكتو باسم الحاج عبدالله ،ايزابيل ابَرهار جالت الصحراء متنكرة بزي رجل، لانز ورولف أيضاً تنكرا، أنا سأتنكر في مسوح حاج بولندي، استبدلت قناعي بقناع جديد، أنا آخر واسمي زبيشيك، اخترتً هذا لأني أجيد البولندية، رب العمل قللي مرة حين شافني أتكلم لغات كثيرة "لو صادفتك أثناء الحرب لقلت انك جاسوسا لألمانْيا" . ،عبرت من الجيرس الواقعة في الميدي إلى اللاند التابعة لمقاطعة إكيتان، فرنسا متجانسة مع ذلك فالأقاليم متنوعة، المنظر يختلف، حتى الأبقار تختلف، هنا الأبقار منمشة وفي الأوبراك هي شهباء، ظهرت جبال البرانس[26] من بعيد مكللة بالثلوج، تحت هذه الشجرة يلتقي الظل بالرغبة بالنوم، غفوت وأيقظني جدار الصوت، انها طلعات تدريبية للطيران الحربي الفرنسي، كم هو مرعب هذا الصوت بالنسبة لابن مخيمات ،كان يسبق الإغارة والزلزال الموت بالجملة، نادرا ما ترى فلاحين في الحقول، الري آلي والحصاد كذلك، الآلة تفعل كل شيء تذرو وتحصد وتنقي، ثم تكبس التبن في مكعبات مرصوصة، ولا أستبعد يوما نرى فيه نفس الآلة تطحن القمح دقيقا وتخمره وتعجنه وتخبزه فيخرج منها أرغفة، المكننة هي المستقبل، الطريق لا تنهي كحقول الذرة، انها أطول من قامة الإنسان، تلال ووديان وسهول وحقول وغابات طلعات ونزلات، أنا وظلي مثل خطاّ سكة الحديدي دائما متوازيان، وصلت "إير سور أدور "عند الهجير، البلدة مصيف حقيقي، في الشتاء يقطنها 7 آلاف نسمة بالصيف يصيرون 20 ألفا، زرت كنيسة مار كيتيري شفيعة الاكيتان، فكرت أن أشتري بعض المقانق وأشويها في طرف القرية ولكني خفت من الحرائق، ليلا توجهت نحو مبنى البريد فراح كلب شرس يعوي علي، أفاق صاحبه فرحت أشتمه " أربط كلبك يا ابن الكلب "، رقدتُ على مقعد عمومي وعملتُ ضجة حتى ينتبه الجوار لوجودي، ان أكون واضحا تماما أفضل من ان أختبئ كفأر، التخفي يثير شبهات الطرفين، لكن تكتيك الانكشاف أعطى نتيجة عكسية، جاء رجل بالليل ومد يده إلى فتحة سروالي وفتحها، أمسكته بالجرم المشهود "ماذا تفعل ؟ يا منيك يا أخو الفاعلة التاركة" قال انه يبحث عن قداحة لاشعال السيجارة، حقا إير سور آدور تستحق اسمها، هي خطى تجرجر بعضها في روتين المشي، رأيتُ حقيبة ظهر مرمية على جانب الطريق فعرفتُ ان شخصا ما في فسحة خلوية، انها حاجَّة تسمد البرية ببرازها، وزوجها الحاج يقف حارسا على مؤخرتها، عبئتُ المطرة من ماء جارية بين الأعشاب، اليوم نهار رتيب حار ولم أفكر كثيرا بسبب الشمس، ويمكنني ان أختصره كالتالي : نهضت مبكرا في السادسة صباحا، مشيت 3 ساعات من "إير سور ادور" إلى "ميرمون" وكانت المسافة 10 كلم، رأيت في البرية حفنة بيوت مبعثرة تفصل بينها فراسخ وتسائلت كيف يصل ساعي البريد إلى هنا ؟ صادفت حاجا طليانيا قلتله "بونجور" وقللي "بون جورنو[27]"، تقهويت، أكلتُ، شربتُ، ارتحتُ، ثم مشيت 4 كلم وطلعت تلة ارتفاعها 400 مترا ووصلت "بيمبو" وكان عدد بيوتها 20 بيتا تقريبا، فيها كنيسة، دمغت الكردنسيال ولم يكن بالعزبة مقهى لأتقهوى، واستأنفت السير نازلا السفح، صادفت حاجين فرنسيين حييتهما ولم أتكلم معها، رأيت بقرتين ترعيان بالحقل، وشربت ماء من النافورة، مشيت 8 كم حتى بلغت ضيعة " أرزاك "حيث أنهيت المرحلة وخيمت قرب الكنيسة وتعشيت بعلبة سردين وتحليت بدراق، نظفت أسناني بماء المطرة ودحشت بدني بكيس النوم ووضعت الحقيبة تحت رأسي ونمت في منامي لم أر شيئا يذكر، على العكس اليوم الذي بعده حافل بالأحداث، رأيت سكرجيا همشريا اسمه جانو واقفا على المشرب يكرع نبيذا فاستوقفني وعزمني على الشرب، لم يتركني أكمل الطريق، بكل مرة كان يقول لي " هذه آخر كاس pour la route[28] على صحة مار يعقوب، على صحة مار يوحنا، على صحة العذراء، على صحة يسوع، كرعنا على صحة كل القديسين، رديت له المعروف وسقيته، وما حدث هو انني كنت ثملا حين ارتكبت الخطأ الفادح، هجمت على النادل لأنه رفض ان يزيدني خمرة وجائت الشرطة فمكثت الليل كله في الcellule de dégrisement[29]، على أي حال فهذه أول مرة أنام تحت سقف على اسفنجة ثم أطلقوا سراحي ورموني بالطريق، عندما تسير في الحر وحدك فالطريق حتما وعرة، في السوبر ماركت بائعة اللحم قالتلي "أنت تعرف كيف تتكلم مع النساء " نعم يا مدام ولكني لا أعرف كيف أستفيد من هذا الكلام، ولاحظتُ انها بحبحتْ من الجامبون والجبنة وعملت لي تسعيرة مخفضة، البرية بيتورسكية، تنويعات الأخضر الفاقع الفاتح الأخيضر، البرية إحساس بالأبدية، البرية حرية، انسجام الروح والجسد، البرية مملكة الدهشة، وديان وسفوح ومرتفعات وتلال، طيورا مستوطنة ومهاجرة، برك ماء بلون السماء، وقمم عالية تناطح الغيوم، كروم دوالي لها أول ما لها آخر، أشجار دراق ومشمش وكرز، وجسور حجرية معلقة فوق أنهار، وشقائق نعمان وخزامى ونوار، نسرين وسوسن وقرصعنة وعليق وتوت بري وصعتر وإكليل الجبل والبابونج، هل المنظر رائع لأني بحالة جيدة ام أني بحالة جيدة لأن المنظر رائع؟ ام ان الاثنان تصادفا معا؟ تجمع في قلبي كل فرح الكون، أنا سعيد وقلبي دير لرهبان، ونسيت إلى أين أنا ذاهب، المقصد لا يعني لي أكثر من حجة للمشي، أنا إنسان ماشي عالبركة حتى لا يستقر بمكان، أنا غزال البراري، ستاخانوف الطريق، اليوم الطقس حار جدا وأمس في المنام كانت الريح باردة قاسية، رحلتُ بكل بلاد العالم الا في بلادي، بلاد العُرْبْ أكفاني ؟ افتحوا الحدود يا عربان، عاوزين سكة حديد بين الرباط والرياض مش عاوزين حدود، أمريكا وحدتها القطارات مش الخطب القومجية، لماذا نجح بسمارك في توحيد الألمانْ بينما فشل عبد الناصر في توحيد العربان ؟ العربي من أوابد الطير يشتّي ويصيِّف بعين المكان، العربي الذي كان سباقا إلى الإكتشاف صار موضوعا للاكتشاف أو بضاعة إكزوتيكية برسم الخواجه، تشهيتُ ان أرى عربيا واحدا في الطريق، عرباننا ان رحلوا فرحلاتهم ظريفة وطريفة وتشبه رحلات تان تان (ناقص التشويق) بخمس دقائق يركب الطائرة وبعشر دقائق يكون بالبلد الآخر، وقع بيدي مرة كتاب معنون "رحلاتي في أفريقيا الإسلامية" لرحالة سعودي اسمه الصبان او الصواف ويمكن تلخيصه كالآتي : حملتنا السيارة للمطار وحملتنا الطائرة للقارة السمراء، نزلنا ضيوفا عند الوجيه فلان الذي أكرمنا بخروف محشي، صلينا بالناس ،ثم خطبنا الجمعة ثم زرنا بيت الوجيه علان وكانت داره عامرة، ثم صلينا العصر جماعه، ثم أكلنا الفواكه ثم صلينا المغرب في مسجد الصحابي فلان ثم ألقينا كلمة أمام المسلمين بيَّنا فيها عظمة الإسلام، ثم رجعنا بالسيارة للمطار وبالطيارة طرنا للرياض، وعلى هذه الوتيرة سارت رحلة صاحبنا من الطائرة إلى السيارة إلى الدور العامرة إلى المساجد الفخمة في قارة تموت جوعا، يا لبؤس الرحلة العربية، لا شك عندي ان الرحالة العرب الوحيدون هم بنو هلال رحالة المسغبة، والعشرة مليون عربي في اوروبا هم أيضاً رحالة جوع، حقا ان الجوع يمشي، أخرجتُ علبة السردين والتهمتها، مش صدفة ان غذائي اليومي في درب مار يعقوب هو السردين فيعقوب نفسه كان صياد سمك في بحيرة طبرية، هاهي شجرة الحجاج، يعلقون بها أكسسواراتهم، القواقع الأعلام الايقونات والصلبان الصغيرة والأحذية المهترئة، السهول تقلصت، المرتفعات أخذت ترتفع، سمعتُ الأجراس في أعناق الأبقار الفالتة في المراعي فعرفت اني عند أعتاب جبال البرانس، ،صادفت ثلاثة حجاج متقاعدين من بريتانيا، من أين أنت ؟ / زبيشيك من بولندا / " لماذا البابا يوحنا بولس الثاني ضبابي تنقصه الروح الديكارتية ؟ / البابا أساسا هو رأس الكنيسة الكاتوليكية الحوارية الرومانية وليس رئيس مجمع الفلاسفة العقلانيين " بين الناسوت واللاهوت ثمة مجال للاستمناء الفكري، الحس النقدي امتياز فرنسي، وأنا بولندي اذن أنا بضاعة شيوعية قاصرة عن التفكير، أساتذة مدرسة الأونرا لم يعلموني كيف أفكرُ، الفقهاء علموني كيف أقتل أفكاري، عائلتي علمتني ان أحترم الفقهاء والأساتذة، التفكير فعل مضاد للكينونة العربية، راح السمين يتأفف من طول الطريق، يريد طريقا أ لا كارت وليس في مينو، دربا قصيرة تنزل ولا تطلع وتقتصر على المناظر الجميلة فقط، النحيف تحدث عن العرب الذين يمصون أموال السوسيال ويهددون فرنسا بتكاثرهم الأرنبي، فرنسا تورطت بالمغاربة، قلتله ولكنها قبلا تورطت باحتلال بلادهم وفرض لغتها عليهم، عندما أقول للحجيج اني فلسطيني أسمع كلام الشفقة وعندما أقول بولندي أسمع شتائم بحق العرب، لا أحب فرنسا لأنها لا تحبني، أسرعت الخطى وتركتهم، غفوتُ 5مرات من التعب وتوقفت 10مرات من الحر، رجلي تؤلمني عند الكاحل وتعيقني عن المشي ومع ذلك أمشي، عند المضافة الخشبية المصاقبة للمقبرة ترتاح حاجّة صبية، امرأة تحقق ذاتها بالمشي والمغامرة واقتحام مجال الرجال، رحبتْ بي وصبت لي ماءا باردة، كنوز الدرب هي اللقائات العابرة، توترت نبضات قلبي بالحب ،بوهم الحب، ببساطة أقع في حب النساء كما يقع جسم من أسفل إلى أعلى، الحاجة ضحكت وحدها لتمتص حقيقة أننا وحيدان إلا من بعضنا ،حاجة وحيدة بلا محرم، ألا تخاف ؟ لو كانت تحج ببلادنا فإنها ستنجب 20 نغلا بالحرام قبل أن تصل الأرض الحرام، جريئات هؤلاء الفرنجيات فيهن شيء من آنماري شفارزنباخ[30]، البرية مكان يمنحك كل شيء، أنت تقريبا فوق العادة. فوق القانون، فوق النساء، هذه هي فريستي وفرصتي، سأصطادها بلمسة من الاهمال واللامبالاة ولكنها لم تبالي بلامبالاتي، ثم في ذورة الاهمال واللامبالاة حملتُ حقيبتي ومشيت، لم أترك لها حتى فرصة ان تسألني سؤالا بل سئلتُ نفسي، لماذا تكبرتُ عليها، كان لازم أطحش، الصفنة والاطالة تبردان الحماس، كان يجب ألا أمهلها وألا أهملها بل آخذها عالوتر الحساس، مكمن أنوثتها، حسنا، سأطبق هذه القاعدة الجديدة على الحاجة المقبلة، عندما أرى العلجيات يتمتعن بحرية أشعر بالحزن على حريم بلادي، لو حكيتُ لقالوا حكى بدري، ولو سكتت أصير شريكا بالجريمة، اذن سأصرخ نكاية بالطرشان، الإسلام فيتو ضد النساء، الإسلام دين سقم وشرمطة يلغي الغواية والزلة (وهما أساس الحرية ) ويشطب على الحياة، في علاقته العكسية مع القيم يفرغها من محتواها، فالعفة تعني زيف العفة، والحشمة تعني كبح الغبطة، والحياة تعني بطلان الحياة، أخلاقيات أكثر تعني أخلاقا أقل، والطهارة هي إسم آخر للعهارة، لا حقوق للإنسان في الإسلام وخصوصا إذا كان إنسانة، المرأة مشبوهة بأنوثتها، دائما تحت الشبهات، أختي الكبيرة لم تستطع ان تحج إلى مكة الا بمرافقة أخي، لكن أخواي التوأم حجا ولم يرافقهما محرم، الرجل دائما فوق الشبهات، تريدون أمثلة أخرى، سيدة جزائرية ( مجنسة فرنسية ولا تحتاج لمحرم ) تشتغل بمكة، وفي يوم قررتْ أن تزور الحرم، سائق التاكسي السعودي حين عرف انها جزائرية أغلق الباب وأراد ان يسوقها لبيته ليتزوجها بالقوة، السيدة رجعت للجزائر مصدومة وصارت تحلف بحياة الجنرالات الذي خلصوا الجزائر من ذكورية الإسلاميين، بنت عربية مراهقة زارت صديقتها، وفي يوم ظهرت عليها أعرض الحمل فسألتها أمها "ببركة من؟" أجابت " ببركة الشيخ والد صديقتي "، كنتُ دائما أرفضُ التجنس بجنسية أوروبية لسببٍ غير بسيط، أنني أريدُ حمْلَ عروبتي كما حَمَل سيزيف صخرته، ذلك هو أحساسي بأنني شريك في الظلم بذكورتي التي تجعل مني جزءا صغيرا من الخطأ الكبير, سرقني من أفكاري نباح كلب شالو خلف سياج، ها هي "أرتيز "، مددت عنقي ،شممت ردة جورية ولم أقطفها، الورد للطريق والطريق لكل المشائين، مقهى كافي دي سبور سقفها من القرميد الأحمر يرتفع عاليا كطربوش الميلوية، كم كلم عد العداد ؟ كم فرسخ فرسختُ ؟ لا أدري ولست هنا لاسقاط الأرقام القياسية، حسب اليافطة بقي 848 كلم حتى سانتياغو ( بعد غد سأجد ان المسافة المتبقية هي 911 كلم )، الحاجة الضاحكة ستمر من هنا حتما اليوم او غدا صباحا، خيمتُ قرب المقهى، نمت وأفقت، في الصباح تقهويت 4 مرات في المقهيين وعيني على الدرب، عليها هي، مر ثلاث حجاج، مر كوبل من حاج وحاجة يبسكلان على دراجة واحدة ( تانديم)، مرت عائلة حجاج من أب وأم وخمس أطفال وكلب، مر حجيج بيداغوجيون حاملين طفلا في محفة تشبه البالانكان الياباني لاجتذاب أكبر عدد ممكن من الأنظار إليهم، لا أظن اني قادر على المشي، بسبب التعب وبسببها هي، سببان وجيهان للبقاء، ولكني لم أبق، il n’y a pas plus vilain qu’une bourgade gauloise[31]، قال شيشرون، الريفيون عندهم ميول عنصرية، لو تجولتُ مرتين بالشارع لاتصلوا بمخفر الشرطة، يغلقون الأبواب بالمزلاج ويعلنون الاستنفار العام، تقيئتني القرية فسرت على دأبي في السير، اذا كانت أرتيز ( نظريا ) مش مضيافة بالمرة فإنك وأنت تخرج منها تحس بكرم الضيافة، ثمة من خصص كوخا خشبيا لاستضافة للحجيج مع كتابة ترجوهم ان يقضوا حاجاتهم بعيدا، مكثت فيه ساعة ساعتين بانتظارها ولم تأت، يا الله قديش أنا ممحون على النسوان !،
la meilleure façon de ne pas avancer est de suivre une idée fixe[32]، حركتُ ساقي مثلما يحرك العبيد أذرعهم في السفن الشراعية، بحكم القوة اللزجة للعادة، على الطريق حقول ذرة ومزارع تزقيم البط، في "مارساك" مقعد خشبي لفرط جماله يغري بالنوم، استلقيت وتوسدت الحقيبة واستحضرت ( بخيالي) الحاجة الضاحكة، وجائتني رغبة جارفة لأستمني ولكني صمدت، لا يمكن أن أفعل هذا أمام عيون المارة، تثاقلت رموشي سرقت نصف ساعة نعاس وأيقظتني الشمس، مشيت متثاقلا متثاقلا من ثقل الحقيبة، حركت ذراعاي في الهواء، على قطعة الاورو بدأ يظهر رأس الملك خوان كارلوس، اسبانيا على مسير3 أيام، هنا لا يوجد بقالات، تأتي سيارة شحن مرة بالأسبوع بالضروري من البضاعة وتبيع القرويين، قطفت دراقتين من شجرة واحتفظت بهما في الجعبة عشاءا لليلة، رايت كومة ضخمة من ذرة مكدسة علفا للبهائم، في مزرعة الأبقار رأيت عجلا صغيرا يرضع من ضرع بقرة ثم رأيته يركب عليها، الطبيعة ( الحيوانية) طبيعية جدا، sublime forcément sublime[33]، قررت ان أقاطع الحليب والجبن واللحم، تقاطعت مع دير سولفاد، قد يكون أجمل ما رأيتُه بالطريق، الكنائس عادة ما تكون أجمل من بَرّة منها من جوه لكن هذه الكنيسة يضاهي داخلها خارجها، الكنيسة هي أساس الحضارة، بينما الإسلام هو قبر الحضارة، الحضارات ليست متساوية، الاسلام دين يهودي بامتياز ويحرم الفنون والتصوير والنحت والتمثيل، أعرف حاخاما يهوديا يحلل لتلامذته دخول المسجد ويحرم عليهم دخول الكنيسة احتراما لوصايا موشيه العشرة التي تحرم التصوير وتمثيل الله،حتى تتعرفوا على الرومان والأغريق القدماء أدرسوا الفرنسيس والانكليز المعاصرين، وحتى تعرفوا على العبريين القدماء ادرسوا العرب المعاصرين، مش صدفة أن هؤلاء أولاد عمنا واننا نسخة كربونية عنهم، عربي وعبري تتهجيان معا، لو لم يعش العبري في شتات الدياسبورا لخرج تيسا كالعربي، شمس الأصيل تغرب، الطريق يلف، يدور، يتعرج، يتماوج، لا مفاجآت في الطريق لمسافر يعرف الطريق سلفا، لكن هل حقا أعرفها ؟مشيتها 3 مرات كأني لم أمشها، قلت لنفسي هذه أرض بكر كأني أراها للمرة الأولى، أرض بكر وطاهر بكري، هكذا تستولد الأفكار بعضها بقوة الاشتقاق اللفظي، طاهر شاعر تونسي فرنكوفوني يقضي حياته وهو يوقع كتبه التي لا يقرأها أحد، الحياة مصنوعة بشكل بائس وهذا ما يجعلها بنكهة، أعرف كاتبا جزائريا فرانكوفونيا اسمه صادق سلّام، لكني لم أجد أكذب منه، اسم على غير مسمى، قال انه يؤلف كتابا ويحتاج لأسلفه بعض النقود فأعطيته 200 اورو من جيبي وقلتله " هذه مساعدة مش دين "، طلب سلفة ثانية فأعطيته 200 اورو من جيب لور وقلتله " هذه ايضا مساعده، وطلب سلفة ثالثة فطلبتُ من صديقي هواري 200 اورو وأعطيته وقلتله " هالمرة هذه دين ولازم تسدها "، طلب سلفة رابعة فتدينتُ من الشاذلي 200 اورو وأعطيته وقلتله " هذه أيضاً لازم تسدها " قللي يوم الاربعاء، قسما بدم المليون شهيد سأسدها، مر اربعاء وخميس واسبوع وشهر وعام وعامان ولم يسد ال400 اورو سوّد وجهي مع اصحابي، اذا كانت نخبة الأمة هكذا فكيف تكون الأمة ؟ أعرف شخصا أكذب منه، انه حكمت الحاج، شاعر عراقي متطفل على النشر، بعتت له روايتي عن الاكتئاب فقال انه مستعد لنشرها مقابل مساهمة مادية، اشقد تريد آغاتي ؟ / 1350 اورو، بعتت الرواية والمبلغ فنشرها دون ان يضع عليها اسم دار النشر بل ترك الغلاف الذي عملته بنفسي مع ملاحظة رواية تبحث عن ناشر، نشرها من خلال دار لولو التي تنشر مجانا، وهددته أني سأنشر عرضه فخاف ورد الفلوس ناقصين 350 اورو ،كل ما أتعرف على ناشر جديد أترحم على الناشر القديم، ويبدو لي ان حظي الوحيد بالنشر هو ان اتعرف على إبنة ناشر، الأبقار تنظر إلي كما تنظر إلى قطار يمر، كل بقرة لها رقم مسجل في أذنيها تجنبا للغش، العالم صار قرية كونية، لكن ثمة قرويون لم يخرجوا من قريتهم، سكة الحديد، القطار، الاوتوستراد، خطوط التوتر العالي، الطبيعة تتراجع أمام خبطات الإنسان ولكنها أحيانا تنتقم بشكل زلازل وأعاصير مدمرة، الطبيعة جبارة بجبالها وسهولها ولكنها هشة بأزهارها وحيوانتها، الإنسان الطبيعي يتحكم بالطبيعة بإطاعتها لا بتطويعها، الطيور قليلة بسبب مبيدات الحشرات، كان الآباتي في ترحاله بالمغرب يرى السباع والنمور وأنا أرى الثيران والأبقار، ولن يبقى من الحيوانات المتوحشة الا صنف واحد، الانسان، سيد المدينة والغابة، ويوما ما ستكون رؤية ثعلب هجنة كرؤية ديناصور، خيمتُ عند جوسق خشبي بالغابة وحلمت اني أقدم للور هدية قلعة من قلاع اللوار وأفقتُ فوجدت نفسي أنام بره، كم أنا سخي معها في الأحلام، كان وجهها الرائق يزيد الصباح صبوحا، كنت أتباهى برفقتها أمام الناس، اه كم خدعت هذه البنت الطيبة بمواعيد خلبية، قلت لها الكتاب الأول لم يثمر، حتما الكتاب الثاني سيكون قنبلة الموسم الأدبية، كانت تنتظر المجد الأدبي الذي لن يأتي، قالتلي " أنا او الكتابة "، قلتْلها " أنت والكتابة " وانفصلنا، هذه " نافرانكس"، بلاد هنري الرابع موحد فرنسا ونبارا، الخبازة باعتني حلوى بايتة، البائعة زعبرت علي وباعتني قطعة شوريزو بحجم الأصبع ب4 اورو، قررتُ ان آكل طعاما أقل وفواكه أكثر ( من خيرات أشجار الطريق طبعا) ،رحلتي طويلة الأمد، 10 اورو باليوم هي مصروفي كحد أقصى، 3 للغداء 3 للعشاء 4 للقهوة والنثريات، وجبتان باليوم تكفيان، أباعد المسافة بين الغداء والعشاء . حين تكون الإمكانيات المادية أقل تكون الشمسُ أكثر وَهْجاً، ثمة حجيج يفطرون قهوة وكرواسان ويطالعون دليل الطريق
miam miam dodo، انه انجيل الحاج، سمعتهم يتحدثون مع بعضهم،/ من أين أنتم ؟ /من باريس / وأنتم ؟ /من ضواحي باريس . انهم جيران تعارفوا على مبعدة 800 كلمتر من باريس، أنا أيضاً جارهم ولا رغبة لي بالتعارف، هؤلاء الحجاج لا يغرون بالحج معهم، لو ماشيتهم إلى سانتياغو فلن يكون عندي ما أقوله لهم، أنا وهم خطان متوازيان، نختلف جدا في النهج والغاية، في الطريقة والأداء، في الشكل والمضمون، في الدوافع والرؤية، وفي الحِل والمُرتحَلْ، يرحلون مرحلة وأرحل مرحلتين، يتجهزون بكل أسباب الراحة وأعيش حياة متقشفة إسبارطية، ينامون بمهجع وأنام بره، يسيِّرهم الايمانُ ويسيرني الشيطان، تحممت في المهجع البلدي وأكملت سيري، اليوم السبت، في هذا اليوم فقط يبدو اليهود أتيس من أبناء عمهم المسلمين، بالنسبة لي هو يوم ارتحال ككل الأيام، لكنه كان للآباتي فوكو (الذي تنكر بزي يهودي ) يوم شلل كلي، كان يسبت حقا فلا يرحل ولا يكتب ولا يشعل النار، في أثناء السنة التي تجول فيها بالمغرب خسر 54 يوما بعدد السبوت، وكان المارة يحيونه قائلين "الله يحرق يماك أليهودي "، أهون ألف مرة ان يرحل المسلم ببلاد المسيحية من ان يرحل مسيحي ببلاد الاسلام ،في بلاد السيبة ( اللادولة) كانت القبيلة المتمردة تؤمن له العناية ( الأمان) مقابل الزطاطة ( ضريبة العبور)، لا يمكن ان أرحل في الغرب كما يرحل غربي بالشرق، فالغرب شرقٌ بدون فانتازمات، نحن في عز آب اللهاب ويجب التزود بالماء قبل اقتحام المرحلة المقبلة، طلبت من رجل ان يعبئ لي المطرة فقال بكل سرور ،من عرض ابتسامته خلت انه سيملأها مائا باردا من البراد ولكنه ملئها مائا ساخنا من الحنفية، من الصعب ان يجد العربي من هو أكرم منه، لذا نرى العلوج بخلاء دائما ، التعميم مرض عمومي، كيف يكون الاوروبي بخيلا وهو يأوي ببلاده أكثر من 15 مليون مسلم ويطعمهم ويسقيهم ويطببهم ويسكنهم مجانا (على حسابه هو دافع الضرائب )، الشعوب تتشابه وتختلف ، والفوارق بين نفسياتها تعتمد على البيئة والمناخ والشرط الانساني، الدرب ليست الصحراء، العربي يحلف عليك بالطلاق لتنزل لترتوي لتتقهوى لتتغذى، يحكي ابن بطوطة عن قبيلتين تحاربتا حين وصوله ثم اكتشف انهما تتقاتلان للسبق باستضافته، ببعض البلاد كالحبشة يتقاتلون كيلا يستضيفوك، في الصين عليك ان تدفع ثمن كاس الماء، في الكونغو عليك انت الضيف ان تضِّيف مضيفك، فضلا عن ان الكرم العربي مبالغ فيه لدرجة الاحتيال، في تمبكتو استضافني عربي ليلتين ليبيعني خنجرا مغشوشا بسعر تحفة تاريخية، كما تقف سمكة السلمون في النهر عكس التيار لتصطاد الأسماك النازلة مع التيار وقف إيريك البلجيكي لاصطيادي، قال انه آت من سانتياغو وانسرق بالمهجع وانه بحاجة لشوية فلوس " ألا تستطيع ان تساعدني ؟/ أستطيع ولا أريدُ / لماذا لا تريد ما دامك تستطيع ؟ / لأنه لا يمكن لبلجيكي ان يلدغ فلسطينيا مرتين، فأنت coquillard[34]، في الكامينو السابق مرقتَ علي نفس الكذبة وأعطيتك 10اورو والآن أريدُك ان تسدني إياها"، حتى في المهاجع وضعوا صورته وكتبوا تحتها WANTED[35] في اوسطابات تلتقي خطوط الحج الأربعة ومع ذلك لم أرَ احدا من الحجيج، في القرون الوسطى ( الافرنجية دائما ) كانت الغابة بين اوسطابات ورونسفو بؤرة فارضي المكوس وقطاع الطرق المغيرين على الحجيج، ومن كان ينجو من البشر كان لا ينجو من الذئاب الشرسة الفالتة بالغابات (لذا كانوا يحملون عصي للذود عن انفسهم ) لكثرة ما تعرضوا للسلب فإن مجمع لاتران الكنسي حكم على السلاب بالبراء، لكن ليس من العدل ان تقارن القرن 21 بالقرن 11 لا سيما وانه يوجد الآن في قرية ليشي بيت مضافة مجانية للحجيج عامرة بقهوة وشاي وعصير وكعك، أونغي إيتوري[36]، هذه بلاد الباشكناش نعرفها من ضخامة أجساد سكانها ومن البيريه الأسود، حائط الفرونتون، العلم الأخضر والأحمر والأبيض الذي يسمونه " ايكورينا"، خيمت في مزرعة أبقار ليلا وأحسست بكتفي مخلعا، تعشيت بحبة بندورة وخبزة فقط وتجنبت السردين حتى لا أهدر الماء على غير تنظيف أسناني، لم أنم جيدا فالأبقار تعمل ضجة، ثمة نصب على مدخل اوستابات بعدة لغات ومنها العربية، تاريخيا تحالف أمراء الباشكناش مع عدو عدوهم ( العرب ) وحروب رولان التي يقال انه شنها ضد العرب شنت أصلا ضدهم، ثمة حرب لغوية بين لغة الاوسكيرا من جهة والفرنسية والاسبانية من جهة أخرى ،وهذا ما يعطي للقرى أسماء مزدوجة، رونسفو هي اورييغا، ايرونيا هي بامبلونا، والتشابه واضح بين الباشكناشي والهنغاري، شعبان صغيران اوجدتهما الجيوسياسة بين شعوب أكبر منها ورسمت شخصيتها القومية بشكل راسخ، المجر في الصراع الطويل مع العصمللين والنمساويين، والباشكناش في صراعهم مع فرنسا واسبانيا، من هنا حتى الحدود الدرب يتقاطع مع الاسفلت، السواقون الذين توقفوا ليأخذوني ليسوا مدفوعين بدافع الطيبة بل بالفضول، وصلتُ الى " سان جان بيي دي بورت " آخر نقطة في فرنسا، عملت جردة حساب، في 14 يوما قطعتُ ثلث الطريق (344 كلم )، وبقي ثلثاه (765 كلم)، أنفقت 400 اورو، لم أنم في مهجع او فندق ( فقط ليلة واحدة في ضيافة الشرطة ) لم آكل طعاما مطبوخا البتة، جبنة وجامبون في الغداء ،وعلبة سردين على العشاء، استهلكتُ ثلاث لزقات كومبيد، مررت بقرى ودساكر وعزبات، ما شفت أللاه بعيني لكني شفت الحاج الذي يظن انه شاف الله، ضعت مرتين ولقيت نفسي، توقفت في 40 محطة ودمغت شهادتي بثمانية أختام فقط ... من فوق من جهة حصن فوبان بدت سان جان كأنها قرية سويسرية لكنها من تحت هي بلدة حدودية للعبور والترانزيت والتهريب والاختلاط المنظم والحجيج، بلدة ذات خاصية تجمع كل هذه الخواص، ثمة سياح يقصدون اسبانيا لتهريب الدخان والخمرة الرخيصين، كثرة الحجيج هنا توحي ان الحج يبدأ من هنا، كل بيت يطل على شارع لاسيتاديل هو مطعم او فندق برسم الحجيج، راحت عجوز سمسارة تصطاد الوافدين الذين لم يتسع لهم المهجع البلدي، (كل حاج يمثل لها 10 اورو واذا أفطر يرتفع المبلغ إلى 15) تبدو لطيفة مؤدبة وهي تستدرجك للمبيت، وحين تدفع رسوم المبيت تصير كركوبة شرسة وتبدأ بتلاوة الممنوعات، ممنوع الاغتسال بعد الساعة كذا، ممنوع الاسراف بالماء، قلت لها ان بيتي هنا وأشرت إلى حقيبي ظهري على ظهري، لا مجال للنوم مهما ابتعدت عن أعين السياح أظل في مجالهم البصري، دائما يأتون حين لا أنتظرهم ليعكروا علي خلوتي، رقدت قرب الحصن وحين أفقت رأيت البلدة تغرق في غلالة ضباب، دخلتُ المهجع البلدي خلسة وتحممتُ ولبست ثيابي دون ان أتنشف، ضاعت المنشفة، من البريد سحبت 300 اورو لاقتحام اسبانيا، سال لعابي وأنا أرى أفخاذ الخنزير المجفف تتدلى فوق واجهة الدكاكين، جمبون بايونه الشهير، لم آكل لحم خنزير في حياتي أطيب منه، أطيب من كل اللحم الحلال، في المقهى تجرأتُ وطلبت سيجارة من حاجة شابة فأعطتني بطيب خاطر وسألتني "هل أنت حاج ؟" / نعم واسمي ابو الحاج، اسمها جولي يعني جميلة وهي مش جميلة لكنها ذات جسد أتلتيكي وأرداف مشحونة بوعود سكسية، كل أنوثتها في مؤخرتها، عملتْ حادث سير وهي سكرانة وقتلتْ شخصين عن غير عمد وتحج لتنقي نفسها، تنتظرْ صديقتها شارلوت لتمشيا معا، هل يناسبك ان تمشي معا ؟ / طبعا يناسبني، أنا نحلة تنط من زهرة لزهرة، كل حاجّة على الطريق هي مشروع حب، سألتني لماذا أرحل ؟ فقلت أرحل لأكتب وأكتب لأغيِّر الحياة ،سألتني "ماذا أريد من الحياة ؟ فقلت أني من فصيلة البشر الذين لا يعرفون أبداً ما يريدون لكنهم يعرفون دائما ما لا يريدون . لم تقل لي انها سحاقية الا بعد ان تأكدتْ اني من الصنف اللي ما عنده مشكلة مع أشكال الحب المختلفة، السحاق كان ( ولا يزال ) بنظري فكرة عليا عن الحرية التي اكتسبتها النساء، قلتلها " أنا وأنتِ نتفق في اختلافنا ونتشابه في حبنا للنساء "، أعجبتها المعادلة، القهوجية لم يعجبها تعارفنا فطلبت منا ان ندفع ثمن القهوة والكرواسان حالا، دخنتْ جولي كثيرا ودخنتُ معها كثيرا ومع كل سيجارة قلتُ هذه آخر سيجارة النساء ألق الطريق، سحر الطريق، نور الطريق، الجسد والقلب يمشيان بسرعتين مختلفتين، نكاية بالسرطان سأدخن، كرمال عيون جولي سأبقى يوما آخر في سان جان، جولي حاجة كلاسيكية تلبس نظارة شمسية حتى تُرى وأنا ألبس نظارة طبية حتى أرى، طلبت مني رقم جوالي حتى لا تفقدني فقلت لها مفيش أنا أتصل بالحمام الزاجل، قالتلي le monde a changé فقلتلها mais moi je n’ai pas changé [37]وتواعدنا صباحا عند مهجعها، هطل المطر فقبعتُ عند سينما (تلفظ زينما ) فوبان، في منتصف الليل خرج جمهور الفيلم بشكل مفاجئ وبدا منظري بائسا لدرجة اني لو وضعتُ كيلة صغيرة أمامي لامتلئت بصدقاتهم، صباحا جائت شارلوت، انها شابة جدا بقصة شعر غارسون، الحجيج يبالغون بالراحة في سانت جان استعدادا لأوعر مرحلة، جبال البرانس الرهيبة التي يسمونها بلغة الاوسكيرا Garazi Donibana، [38]قالت جولي "لكن البرينيه عالية جدا جدا، انها رعب الحجيج"واقترحتْ ان ننطلق من رونسفو، قلتلها ان الرحالة لا يعرف كلمة ولكن، الجبال مثل الأنصاب الخوافة بالحقول لتخويف الطيور، لازم نبدأ من البداية والبداية هي الشجاعة، إلى الأمام سِرْ، يا يسوع شد بالطلوع، يا جبال الباسك يا شامخة، مرحبا، أين هي جيوش شارلمان وصهره رولان وتوربان ؟ وأين هم مسطرو الأساطير!، العملاق فيراغوت الفاتح الموريسكي يقتحم بلاد الصليب والناقوس والخنزير، رحيلا شاقوليا، طلوعا طلوعا، ثمة حجيج يقتحمون الجبل مجهزين بأحدث وسائل التكنولوجيا الجوال والجي بي اس، مغامرة مدجنة وخالية من الخطر ومداعبة الموت، المغامرة كما نراها على التلفاز في قلعة بويارد، من هنا مر نابليون لغزو اسبانيا ومن هنا رجع بعد أعوام، يمكن هزيمة اسبانيا ولا يمكن هزيمة الاسبانيين، رجال الفيالق الرومانية، الحجيج، المهربون، التجار، الجيوش، الملوك، الفاتحون، كلهم مروا من هنا على أثر خطواتي، عبرتُ بعكس اتجاه عبد الرحمن الغافقي، نحن الجنس العربي المغلوب لم نعد فاتحين بل مفتوحين، كم نحن ضئيلون إزاء جبروت الطبيعة ! الضباب أشعرنا اننا في نهاية الجبل ونحن في بدايته، الانسان يمشي بساقيه وقلبه ،كل هذه المساحات هي مساحة للجدل مع الذات، الجبل الجواني الشاهق الذي لا يمكن تسلقه، الخلوة في الجلوة، هنا أنت لا تمشي ولكنك تصعد وتهبط، ارتحنا قليلا وبردنا (وقت الحر أقول اني أفضِّلُ البرد ووقت البرد أقول اني أفضل الحر ) حاولنا إشعال نار ولكن الحطب رطب، تناولتُ من جيب الحقيبة صفحات عتيقة من جريدة "الحياة" ولم تأخذ النار، جريدة نفطية ولا تشتعل، كيف أنسى خوازيقَي العربية، لا مندوحة ولا حتى في فرنسا، بلاد البقرة الفاقعة من الضحك أخذتْ مكان بلادي لا مكانتها، جسدي هنا في جبال البرانس وقلبي هناك في جبل قاسيون، في جبل نفوسة، في جبال صعدة، نحن أيضاً كان لنا جبال مكللة بالثلوج في زاخو وأربيل والسييرانيفادا وذابت من أيدينا، لم يبق إلا ثلوج جبل لبنان، كنت أسمع عن هذه الثلوج سماعا دون أن أراها عيانا، يحز بنفسي إنني ولدتُ في بلد ولا أعرف عنه شيئا، نحن دائما غرباء في غربتنا، حتى الجمل رمزنا العربي رأيتُه لأول مرة في حديقة الحيوانات في بولنده، ألْلاه في حكمته اللامتناهية أعطانا كل شيء وحرمنا من كل شيء، أعطانا العقل وحرمنا من التفكير، أعطانا الشِّعر وحرمنا من الشاعرية، أعطانا البحار وحرمنا من السمك، أعطانا الغابات وحرمنا من الخشب، أعطانا النفط وحرمنا من الصناعة، أعطانا كل البلاد الممتدة من المحيط للخليج ولم يعطنا طريقة تشغيلها ( الدمقراطية )، وإلا كيف استطاعت فرنسا أن تفرنس الكتالان والباسك والبريتون في حين تفرقت العروبة إلى هويات إقليمية ؟ لندعْ هذه الأمور النافلة جانبا ونرجع إلى برانسنا، جبال برية حد التوحش، طبيعة إطلاقية تفتح أمدية في الإنسان، تجمع الفصول الأربعة في فصل واحد، المطر والزهور والثلج والشمس، هل هي الجبال ما يجعلني حرا ؟ أم ان السعادة في داخلي لأني على رحيل،؟ سمعنا الأجراس في أعناق الكباش دون ان نتمكن من رؤيتهم، الضباب يلف كل شيء لدرجة انه لو مد الواحد أصبعه لما رآه، في خزق عند قدمي العذراء وجدتُ ورقة 10 بيزو ارجنتينية واكتشفت انها عملة قديمة خارج التداول، فتحتُ سحاب الحقيبة وتناولت جعبة المؤنة، جهزت سندويشة جبنة وأنا ماش، التهمتها وأنا ماش، تركت جولي وشارلوت تتقدمان علي حتى أدرس خلفيتهما، ظل البتاع في في حالة استنفار دائم، جائت الرغبة لتفسد الطبيعة، لتضفي عليها مذاق الفلفل الحار، داخلي مضطرب، اما ظاهري فطبيعي كالطبيعة، anormalment normal [39] قمعتُ خيالي وزوغان النية، لازم اعتبَرهما صديقين لا صديقتين، لازم أكون كما يشئنني ان أكون ! ولكن كيف يشئنني ان أكون ؟ مع النسوان مفيش حل ثالث، اما ان تكون مخصيا او فحلا، وقررتُ ألا أفكرُ بهما بالمرة، ولكن كيف لا أفكر بهذا الذي يفكر به كل الرجال ؟ هذا الذي يستحوذ على أفكار كل الرجال، لو تجسد فكر المرء شيئا ملموسا لكان امرأة، أول ما يمشي الذكر مع أنثى يختصرها رأسا إلى ضجيعة، غلط كبير، هي روح أولا، هي إنسان ثانيا، هي جسد ثالثا، هي فرج رابعا ،ثم أخيرا هي ضجيعة، هل تفكر المرأة بنفس التسلسل المنطقي فتعتبر أول ذكر تراه ضجيعاً ؟ كم مليون جولي وشارلوت يوجد بين المسلمات ويتخفين بالحرملك تحت ستار الحجاب والنقاب ! كم مليون لوطي ببلادنا يخفون ويخافون من لواطيتهم ؟ مضى من النهار 4 ساعات حين وصلنا إلى مهجع اورميسون، راح الحجيج يجرعون شوربا دافئة، وارتفع صوت الطليان أعلى من بقية الاصوات، رأتني شارلوت أكتب ملاحظات نظرت لحروفي الهيروغليفية وقالتلي" لغتك تكتب بالعكس، /" بالعكس هي لغتِك التي تكتب بالعكس . قالت انها تريد أن تدرس العربية، تحب العربيات أيضاً، جائت لتصطاد لا لتحج ،كلما رأت حاجّة جميلة تلمع عيناها وتلتفت، في الطريق تخلفنا أنا وجولي، سألتها " أحقا لا أنغص عليكما؟ " فقالت "لا" وراحت تدهن ساقي بالدهان وهيجتني، أردت ان أقبلها من ساقيها وتراجعتُ، التعب ضاع في جمال المنظر الطبيعي، الغيوم صارت تحتي وأستطيع ان ألامس السماء، المرحلة الصعبة انتهت وبدأت الأصعب، تقطعت انفاسي صعودا صعودا، e ulteria, e suseia[40] كل مرة نقول وصلنا القمة ثم نتفاجئ بقمة أعلى، أعتى، عبرنا أعلى قمة col Ibañeta من هنا في أيام الصحو يمكن رؤية المحيط، عند نافورة رولان شربنا وملئنا المطرات، ya estamos [41]هذه هي اسبانيا، عرفناها من علامة الطريق، السهم الأصفر على خلفية زرقاء، طلعنا القمة بطلوع الروح، تمددنا ثلاثتنا على العشب، بعد بلوغ القمة بدأ الانحدار هبوطا هبوطا، يا عدرا هاتي القدره، السنديان كل شجرة ألف عام، هذه متحف مش غابة، جولي تورمت قدمها عند مستوى الكعب، أنا شيال المحامل حملتُ الكيسين واحدا على ظهري والآخر على بطني، لقد مشينا كثيرا 27 كلمترا،سلكنا الطريق بقليل من العناد بلغنا "رونسفاييس"، أول مرة أنام في مهجع، دائما أصل متأخرا فلا يبقى لي الا السرير العلوي، في الاستراحة كان ثمة دكان بدون دكنجي (عالثقة) أخذتْ جولي اصبع شوكولا ووضعت بالقجة نصف اورو، حدستُ اني لو لم أكن موجودا لكانت قد أخذت خمسة قطع دون ان تدفع، أعرفها من عينيها حرامية، (البارحة رأيتها تختلس مقص أظافر من سوبر ماركت كارفور) لماذا ألومها على شيء كنت أفعله بشبابي، قالت "حلال سرقة الرأسمالية لأنها تسرقنا "، هؤلاء الذين يؤدلجون السرقة، يمكنهم ان يؤدلجوا فيما بعد القتل الغير متعمد ثم ينتهوا بتبرير القتل المتعمد، ولوهلة خطر ببالي انها وصديقتها نسختان عصريتان عن ريا وسكينة ويمكن ان تقتلني ببرود، لو كنت أخ الضحيتين لأطلقت عليها الرصاص في مقتل، سنتين حبس ( ستقضيهما بالبيت مزودة بالاسوارة الالكترونية) فقط على قتيلين، يعني سنة على قتيل، يا بلاش! اللي تعرف ديته أقتله، كرهتها، قالت أنا وشارلوت سنركب الباص إلى ليئون "، حافظتُ على برودي الظاهري، قد يكون هذا أفضل بكثير، مع السلامة إذهبا إلى الجحيم لو شئتما، أنتما حرتان وأنا كذلك، وشعرت بالتخفف، آلاف الحاجات على الطريق فما حاجتي بهما، رحت أتأمل وجوه النساء لمعرفة من سأصطاد غدا في طريقي، مفيش حجية صغيرة من بين هؤلاء الأرامل ؟ هذه متزوجة، تلك مع أطفالها، هاتيك ربما لو ان ليس لها صديق، كيف أعرف ان كان لها صديق او لا، ثم انطفئ الضوء في العاشرة وتحولت النساء إلى أشباح ،
اسبانيا
هذه هي إسبانيا حيث بكل قرية كنيسة وبكل شارع صليب، وحيث من كل رقبة يتدلى صليب، انها كاتوليكية جدا جدا، وان كانت فرنسا البنت البكر للكنيسة فإسبانيا هي البنت الولود ( كل كاتوليك أمريكا اللاتينة خرجوا من رحمها ) لا إله إلا الله، ولا لحم الا الشوريزو ولا جبنة الا المانشيغو، هائنذا يا اسبانيا العتيقة فارسك الكئيب دونكيخوتة، وجها نابتا كالصبح، أعرف هذا البلد جيدا زرته وعشت فيه ،أصفرت أسناني من سجائر الدوكادوس ونبيذ كاسا خوسيه الرديء، أعرف حتى سجونه ومحاضر التوقيف، انها أكثر من بلد هي وطن، أحب إسبانيا والإسبانيين وأكره فرنسا والفرنسيين، رغم اني أجيد الفرنسية أفضل من القشتالية فأنا أتكلم هذه الأخيرة بحرية أكبر، الإسبانية لغة بسيطة مش مفذلكة يمكن الكلام بها بأشباه جمل، وكل ما يكتب يلفظ، حبي لإسبانيا نابع من كونها بلدا خام، نابع من فانتازم الأندلس والتاريخ المشترك، علاقتنا بهم احشائية، 17 ميلا بحريا تفصلنا عنهم، 8 قرون من التاريخ والحروب تجمع بيننا، هذه طريق همنغواي تمتد من اوريتز (بورغاتي) إلى ايرونيا ( بامبلونه)، إرنست أيضاً مشى على آثار خطواتي، España es diferente[42] فعلا، كل شيء مختلف عن فرنسا، ولكن إسبانيا صارت تختلف حتى عن نفسها، الآلهة العتيقة تهرم وتموت وتقوم مقامها آلهة جديدة، فيما مضى كانت كل البنات اسمهن ماريا وكارمن وكل الذكور اسمهم أنتونيو وخوان، الآن يوجد 40 مليون اسم ل 40 مليون إسباني، إسبانيا زهقت من من مشاعية الأسماء الكاتوليكية وتريد استثمار الوقع الرنان للأسماء الأنكلو ساكسونية، إسبانيا تتأمرك، تتأقلم مع العولمة و تتكلم إنكليزية بطلاقة، تكتشف الوعي الايكولوجي، كل صنف زبالة وله مستوعب، لكن معظم الإسبان يرمون نفاياتهم في الشارع، وقد درجت فيها موضة اقتناء كلب "غالغو" السلوقي، علامة التسلق الاجتماعي، البلد تغيرت حتى لم أعد أعرفها، هذه أبشع إسبانيا أراها، الدكاكين صارت سوبر ماركت، والسوبر ماركت أصبحت هيبرماركت، سلال المشترين صارت أعمق، ثمة رفوف طعام للكلاب والقطط، البنات يستنسخن الرجال، والرجال يتخنثون، الجيل المقبل سيكون كله اونيسكس، أينه ال siglo de oro[43]، ورموزه الناصعة ؟ المستعمرات وذهب البيرو ،وجامعة سلامنكا ؟ فيلازكيز وكالديرون ؟ أين الراهبات والأديرة والكنائس الباروكية، في المقهى طلبتُ كافي كون ليتشه[44]، وقعد الحجيج يأكلون عجة التورتيا وتاباس، على الطاولة المجاورة ترتاح حاجتان زنجيتان لم تستهلكا شيئا، حييتهما بالإسبانية فردتا التحية بالفرنسية، طلعنا جيران، من باريس، تبدوان غريبتين جدا وتبحثان عن غريب ينسيهما غربتهما، ان تكون زنجيا وحيدا على خط سانتياغو كأن تكون أبيضا وحيدا في خط الاستواء، الزنجي غريب بلونه والمسلم غريب بدينه، وهذا ما قرّب بيننا " هل تعرفَ الطريق ؟ / أنا سيد من يعرف الطريق، 3 مرات مشيتها، أعرفها جيدا لدرجة انه بوسعي ان أكتب دليلا سياحيا عنها "كيف تحج إلى سانتياغو ب10 دولارات يوميا"/، "وهل تعرف الأماكن التي بوسعنا ان نخيم قربها ؟ وأين توجد الدكاكين الرخيصة وفي اي ساقية يمكن أن نستحم وفي اي مهجع مجاني ننام ؟ أعرف كل شيء ولكن عرّفوني عليكما، هيلين فنانة صاعدة بموهبة هابطة، ديفين هادئة مثقفة ناعمة، مشينا معا وقررنا ان نقترب أكثر من يمكن من بمبلونة، فقراء الحجيج عادة ما يطولون المشوار اليومي إلى مرحلتين، يملكون الساقين والعضلات وقوة الاحتمال، اشتريتُ شوريزو[45] وأكلتا معي، دخنتا وشربتا بيرة وحدهما، راحت هيلين تهدي أفخاذها لعيون المارة، التفتَ الفضوليون والعاديون، السائق زمر لها " أولا غوابا[46]" قرية زوبيري لم تر زنجيات يتشمسن عالنهر في تاريخها، المطر هطل بالطريق فوضعنا المشمع الواقي على ظهورنا ثم ارتأينا ان نتوقف عند مزرعة أبقار مهجورة، نصبتا الخيمة داخل المزرعة، صار فوقهما سقفان، طبختا على سخان سفري معكرونة ومرغيز تالف وقدمتا لي صحنا فلم أرفض، أوّل طبق مطبوخ آكله، يا الله ما أطيبه ! ساهمتُ في العشاء بعلبة سردين ودراقتين، واتفقنا ان نعمل ميزانية مشتركة للطعام وأن نمشي معا طوال الطريق ونأكل معا ونخيم معا، هكذا في زواج كاتوليكي حتى النهاية ( نهاية الطريق مش نهاية الحياة)، على ضوء القمر بدت هيلين رائعة وهي تمج السيجارة، لم أنكح في حياتي الا زنجية واحدة في ماخور، ورغبتها بسبب شعرها الطويل الناعم، ولكني وأنا فوقها اكتشفتُ انها لابسة بوستيج فقمتُ عنها هاربا، كانت قرعاء، وهيلين أيضاً قرعاء وديفين أيضاً قرعاء ولكنهما تتزينان بشعر مستعار، حتى أثناء النوم ينمن بالباروكة كالملك لويس 14، أنا طبعاً لا أرغب الزنجيات ولكن مجرد رؤية جسد هيلين الخزيق أصابني بالدوار وجعلني أغمض عيني كيلا أفقد توازني، كتلة تيتانية صلبة من برونز أسود متوهج، هل أقترب منها من الخلف وأعصر وركيها، ام أقترب منها من الأمام وأعصر نهديها ؟ مجرد فكرة اغتصاب سوفت لم أنفذها، حد الخيال ان نختال بلا حدود، في خيالنا نحن عادة ما ننكح خمس مرات باليوم، اثنتان منها اغتصابا، ولو شرعنا بمحاسبة زوغان النوايا الخفية سنتكوم كلنا بالسجن، العادة السرية نفسها وأنت تمارسها على نية فلانة هي اغتصاب لهذه الفلانة المنكوحة غيابيا، دِلّوني على عربي واحد لا يحلب (ه) لأضربه بقندرة عتيقة على وجهه (بتهمة الكذب لا بتهمة الاستمناء )، بغض النظر عن الخيال فأنا إنسان عاقل ومسؤول ومحترم وجدير بالثقة واجتماعي وفوق هذا متحضر وأؤمن ( نظريا) بحرية النساء، أنا آدمي اجمالا ،نواياي فقط هي المجرمة، كلنا مجرمون في رف ما من الأعماق الدفينة، وأنتم الذين تقرئون هذه السطور تعرفون ذلك جيدا ولا تعترفون به، الإجرام يسكن في الخيال، في الأحلام وفي أحلام اليقظة، لكن الإنسان العاقل يسمو على شهوته ليصوغ منها أفكارا برسم الحرية، فالحرية وحدها هي جذر الأخلاق، هي الجذر التربيعي للأخلاق، أشكّ في أخلاق لا تقوم على الحرية، وكل أخلاق قائمة على الإكراه والوصايا العشر والحرام هي ترجمة دينية للخضوع، قبل أن تدخلا الخيمة لتناما أظهرت هيلين مطوى وقالت "اذا حاول أحد الاعتداء علينا " وكان المقصود بهذا الأحد أنا ما غيري، كان بودي ان أقول لها إطمئني يا تينا تيرنر، فالنسر لا ينقض على الذباب، كان البارون مونشهاوزن في رحلاته يصطاد الطيور بالجملة، اربع طيور بطلقتين، جولي وشارلوت، هيلين وديفين، وآه كم أنا وحدي مع النساء، نقطة بيضاء بين نقطتين سوداوين، لا أدري كيف مر الليل، لم أر شيئا في منامي، كان حلمي زنجيا مثلهما، سمعتهما تضبان الخمية ففتحتُ عيني، غسلتُ وجهي من ماء المطرة ووضبتُ السرير( كيس النوم) في البيت( حقيبة الظهر ) ووضعتُ البيت على ظهري كالحلزون ومشيت ومشينا ثلاثتنا مثل ورقة السباتي، هاهي الحياة ترتمي أمامي، أمامنا، عادتا للمعزوفة نفسها، اوه هاميد ! ماذا سنأكل ؟كيف نطبخ ونغسل الأواني، أضجرني الأمر، فكرتُ بالمفكر الجزائري مالك بن نبي، كان يفكر ليلا نهارا في تشخيص أزمة الحضارة العربية وكانت زوجته تفكر في سعر التوم والبصل، الكينونة الزنجية ( والعربية) تتوقف عند الكرش ولا تصعد للقلب والدماغ، شائت هيلين أن تقضي حاجة نسائية فتوجب علي أن أغض البصر، تركتهما خلفي لتأخذا حريتهما، لا أريد المشي معهن، في التعايش توتر خفي، انهما يحتجنني فقط كدليل للطريق، لم أجد عندهما من الروح ما يغني، ولم أندم على فراقهما، كما يجب ان أختلي بنفسي لأسجل شوية ملاحظات في الكرّاس، مع الآخرين لا أستطيع أن أكتب عن الآخرين، نحن في إسبانيا ولكن إسبانيا الكليشيه لم تبدأ بعد، حين ينتهي الخضار تبدأ إسبانيا، وحين تسطع الشمس تبدأ إسبانيا، حاج زرع لغما أرضيا ( طازجا) على الطريق، لا بد انه أكل خوخاً ولم يضبط أعصابه، ثمة صبابيط مهترئة عُلِّقت فوق أسلاك الكهرباء، الطقس بارد والسماء ملبدة، والامتداد لا يمتد كثيرا، ثمة صليب تذكاري يعلّم المكان الذي ماتت عنده حاجّة طليانية، روسانا من فيرونا توفيت في الطريق عام 2006، تحولت الرحالة إلى راحلة، ليس نفس النتيجة أن تموت على الطريق وحدها أو ان تموت ( حيةً) مع بقية الموتى، وهذه هي العلامة الفارقة للحاجّة المفارقة، قبر مجهول من يمر به ينفحه بوردة برية، قرية "آرري " هي بمثابة ضاحية بميلونا، على الحيطان شعارت تطالب بالجمهورية الثالثة fuck spain, gora eta[47]، الكتلاني هو كتلاني أوّلا وإسباني ثانيا، اما الباشكناشي فهو باشكناشي أوّلا وثانيا وثالثا، فرانكو من أجل تذويب الباشكناش ركز الصناعات الثقيلة عندهم فجلب أكثرية الأندلسيين إليهم حتى صاروا أقلية في عقر دارهم، يوجد دائما نزعات انفصالية في الأطراف، لا يريدون دفع الضرائب لصالح الأندلسيين التنابل، الأقاليم المطرفة متطرفة ومعارضة للمركز ( اللامركزية سر دينامكية إسبانيا وربما تشظيها يوما )، كل المدن تشتغل من أجل مدريد التي لا تشتغل من أجل أحد، ثمة لافتات اعلان لتدليك الحجيج المعضلين، 54 اورو الساعة، يا بلاش، يظهر ان هذه المدلكة تدلك كل العضلات المعضلة، رأيتُ علم فلسطين يرفرف على بلكونة الطابق الثالث ،لا بد انه بيت باسكي فهم يتعاطفون معنا ونحن كذلك، المقهى فارغة من الزبائن، مفيش شمس كفاية في إسبانيا، نحن في عز آب اللهاب ودرجة الحراة 15، في الشارع رجل يحمل مظلة ويلبس معطفا، أسوار المدينة العتيقة لا معنى استراتيحي لها اليوم، لها فقط معنى تاريخي، كلما اسودت حجارتها كلما كان التاريخ تاريخياً، عبرنا جسر ماجدلينا وولجنا من بوابة فرنسا، هاهي بامبلونة ( إيرونيا) عاصمة نبارّه التاريخية وأوّل وأكبر مدينة على الطريق، النافاريون رجعيون ومحافظون ويركعون بالكنيسة، في الحروب الكارلية وقفوا مع حكم الملك كارلوس المطلق ضد إيزابيلا اللبرالية، وبالحرب الأهلية وقفوا مع فرانكو ضد الجمهورية، كاتدرائية سانتا ماريا ديل ريال هي أوّل ما يستقبلك، في الحقيقة تراها من بعيد وأنت في قرية "بورالدا "، هذه بلاد السان فيرمين حيث يطلقون الثيران الهائجة في الشوارع لتنطح الناس، مررتُ من شارع العطش حيث تنتشر البارات والملاهي عن الجهتين، الشباب يدخون حشيشة أكثر من التنباك، انها تعزية للفقراء وتسلية للأغنياء، في ساحة الكاستيلو ثمة تمثال كارلوس النبيل ملك نباره ومقابله مقهى همنغواي، نفنفت السماء فلبستُ المعطف المطري، عادة كنت أختبئ من الشمس والآن أختبئ من المطر، في فرنسا كنت أملأ المطرة مرتين باليوم وهنا أملئها مرة كل يومين، هبط الزئبق كثيرا بعد عبور البرانس، اذا حذفت الشمس من المعادلة تتبخر إسبانيا، إسبانيا بلا شمس كطبق بلا توابل، هذا الصيف انه أحد أسوأ الفصول الصيفية في تاريخ البلد، لا أستطيع ان أتخيل إسبانيا الا من زاوية الكليشه والأوقات القديمة الميتة، أين الامتداد واليباس
¿dónde esta la alegría ? [48]أين أهل الكيف والشحاذون ومساحي الأحذية والرعيان ؟ أينها الكنيسة الضخمة التي تحتل نصف القرية؟ أين موكب الجمعة العظيمة ؟ أين الفوضويون ومتطوعو اللفيف الاجنبي والباسيونارا ؟ أينها الشمس المحرقة والتلال الجرداء والقيظ والمراوح تهف بها السنيورات ؟ أينها الثيران والتوريرو صرخات أوّلي أوّلي؟ ماذا حبب همنغواي بهذه الدشرة الباهتة ! لعل كثرة ترددي على إسبانيا ما أوصلني لهذا الشعور بزوال السحر الإسباني desengaño، اليوم الجمعه من فرط الهدوء ظننته الأحد، على الطريق برادات تبيع المرطبات آليا، أقحِمْ اورو واحد في الخزق وخذ مئة سنتيليتر من السعادة الفورية، السعادة إدمان لذا لا أشربها، أفضِّلُ ماء الحنفية فهو أرخص وأنقى، ثمة دعاية اعلان لمهاجع خاصة، أسعار خاصة للحجيج، تجار المعبد بالمرصاد لحجاج المعبد، مش صدفة ان الذين اخترعوا المال هم أنفسهم الذين اخترعوا أللاه، أحسست بثقل الحقيبة فأكلت 4 برتقالات، خفَّتْ الحقيبة وثقلت معدتي، حطيت الرحال في ضيعة "زاريكييكي" التي تربض على سفح الجبل، عاينت مكاناً مستورا خلف المجلس البلدي وخيمتُ، جافاني النوم، الأرق هو اسم آخر لتوتر الأعصاب، للشهوة، لن أرتاح الا اذا أفرغت هذه الشحنة السالبة، لا أحد يراقبني سوى العتمة والزنجيتين، رحت أتخيل مؤخرة هيلين مع مقدمة ديفين وأفحشت بالتخيل، فيلم بورنو بالأسود والأبيض، أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم، مررتُ يدي على صدريهما، ببطىء، بسرعة، بتوتر، سرت رعشة دافئة في جسدي وبين فخذي، تراخيتُ وتشهيت ان تنشق الأرض فتبلعني، دائما أحس بالذنب بعد هذه المهزلة، أللاه أكبر حليب أيور هو اللي خلقنا على شاكلته، في المنام رأيتُ ظلي أطول من ظلال النخيل، وكان رأسي مثل ثمرة كمثرى، صباحا هرعتُ نحو النافورة وتحممت، مشيت طلوعا طلوعا حتى بلغت تلة بيردون(780 م) وتماثيلها الحديدية التي تمثل رهط الحجيج ومراوح هوائية ضخمة ومنها منظر بانورامي رائع، لو نظرت للوراء ترى بامبلونة وجبال البرانس وأمامك ترى وادي فال ذيداربي، ارتحت عند ساقية ايرتيغا، لحيتي لم تؤثر فيها الشفرة الصينية فقصيتها بالمقص، بدأت السماء تصفى، بالطريق حاج يركض بالاتجاه المعاكس نحو المهجع بعدما اكتشف انه نسي الجوال، حاج إسباني يعطي درسا في القواعد القشتالية لحاج ايطالي، من بعيد ظهرت مدخنة من الآجر الأحمر وطائر لقلق بنى عشه فوقها،"بونتي لارينا" تلمع تحت الشمس ،سطوح القرميد تلمع تحت الشمس، والدوالي أيضاً تلمع تحت الشمس، برج الكنيسة يتوهج نحاسه في هذه القرية يوجد أجمل جسور الدرب، يعطي اسمه للملكة دونا استفانيا التي أمرت ببنائه، هنا يزرعون الفلفل الأحمر بكثرة يجدلونه في حبال ويشمسونه على واجهات البيوت، في المقهى راح التلفاز الإسباني ينقل (بعد وقوعها بشهر ) وقائع حادث اصطدام القطار بسانتياغو، لم ترعبني فداحة الحادث (80 ضحية ) كما أرعبتني الطريقة التي بها حوله التلفاز إلى مشهد، بثه 10 مرات ب5 دقائق، بكل مرة يتضاعف (برأسي) عدد الضحايا 80 مرة حتى صاروا مقتلة ( الحج إلى سانتياغو مشيا على الأقدام أقل خطرا من الحج اليها بالقطار) في الشارع صمت مطبق، إرمِ الإبرة ترن، في هذه الساعة من القيظ تنام القرية، تنام نافارا كلها، إسبانيا برمتها تختفي عن الخريطة بين الواحدة والرابعة عصرا، لأوّل مرة يصعد الزئبق فوق الثلاثين، مشيت تحت الشمس في أرض معطشة لا تُسلَك الا قبل الظهيرة بكثير او بعدها بكثير، انقطع الصندل من الخلف فصار شبشب وظليت أمشى، كل هذا العطش من أجل قبر المغبوط يعقوب رضوان الله عليه، من أجل رجل جثة يهودي، اليهود كتبوا علينا المسير والمصير، كلنا عبيد للفكر اليهودي بشكل او بآخر، جفتْ عروقي من العطش، سمعتُ خرير ماء عند الدغلة، اقتربتُ فإذا هو حفيف أوراق الشجر، سراب صوتي، أوّل مقهى صادفته ارتميت فيه ورميت حقيبة الظهر على الأرض، وبدل ان أطلب فنجان قهوة مع كأس ماء طلبتُ كأس ماء مع فنجان قهوة، يا الله ما أجمل قرية "سوراكي" من بعيد، انها جزء من حلم، الرحيل حلم متواصل، القلعة التي تتربع على القمة هي بيت الباشا الهيدالغو[49]، تلك القلعة الأخرى هي بيت الرب، كنيسة سان رامون تشبه مسجد عمي سعيد في غرداية، النافورة، المقبرة، صوامع الحبوب، البيوت، الشارع الوحيد la calle mayor الذي يبدأ من السهل لينتهي بالسهل، نبتة التوتيا ودالية العنب المتسلقتان على الجدار، تتشابه كل القرى في العموميات وكل قرية فريدة في تفاصيلها، تدخل قرية جديدة كأنك تدخل في حلم جديد، كأنك ترحل من جديد، المنظر الطبيعي هو واقع وامتداد للمحلوم المتيقظ فينا، ما يعطي الرحيل نكهة هو أنه قيد الانجاز، القرى هنا مش متباعدة 3 كلم بين "سيروكي" و"مانيرو"، على رجم حجارة مكومة يوجد ورقة كُتب عليها بالإنكليزية "هنا فقدت هاتفي الجوال، الرجاء ممن يجده ان يتصل ب جون على رقم الهاتف كذا " كيف تتصل برجل ضيّع هاتفه على رقم هاتفه الضائع، معضلة ! ستسمع أنت المتصل رنين الهاتف، ستسمع صوتك، لا بد ان معه هاتفان، أنا دائما أبحث عن المعضلة وعن حل المعضلة، الطريق أفعى تزحف بين التلال والسهول، السماء زرقاء صافية ولا طلعات تدريبية للطيران الحربي، إسبانيا مش دولة عظمى الا اذا قورنت بالمغرب وبوليساريو والجزائر، هذا ليس موسم التين بعد ولكني أكلتُ تينا أحلى من العسل، لا أظنه باكورة هذا العام ولكنه من رجعيات الموسم المنصرم، تين خمري اللون ومشقق، كانت لور تحب التين، وطلبت مني ان أضيف لها تينة في الحديقة الموعودة للبيت الموعود، سأندم عليها طويلاً، كانت لور تلمع في الشمس، وكانت شمسا أخرى تحت الشمس، كانت نقطة انعطاف بحياتي، كانت كل حياتي وإذا نسيتها فمن أذكر، مع ساعة الأصيل، مع الوحدة العميقة نشجتُ وحبست دمعتي، أخجل من دموعي حتى حين أكون وحيدا، ابن بطوطة أيضاً كان يحس بالاكتئاب ويبكي ،لم أسمع صوت الوروار من زمان لذا أحسست فيه رنة نوصطالجية، عند مشارف قرية "لوركا" صليب تذكاري باسم آرني سكوت شميدت، حاجة دانمركية تركت حياتها على الدرب، نهاية الطريق، من يمشي يظن نفسه في ماراتون يسابق الزمن ولكن الزمن يسبقنا كلنا، قبر الغريب غريب كالغريب، رطبتُ وجهي عند النافورة، الماء مش صالحة للشرب ومع ذلك شربت لأنها باردة، وجدت حذائا جيدا لكنه أصغر من رجلي بنمرتين، الطريق طويل والشمس حامية والرأس لا يهدأ, تمنيتُ ان أكتب تحقيقا لقناة الجزيرة عن الكامينو، لكن هيهات ان تثق الفضائيات بعربي يكتب عن الروم وهي عادة ما تستعين بالرحالة الروم وهم يرحلون في ديار العرب، نحن العرب ناقصون جدا جدا، وثقافتنا يمكن اختزالها بنقدجية ينقدون كتبجية وفق المعادلة المصرية "حط أي كلام على أي كلام بيطلع أي كلام"، البترودولار دائما البترودولار، شريانُ الثقافة العربية وعصبها والدم الذي يسيل في عروقها، تمنيتُ تأسيس جمعية للرحالة العرب الحقيقيين لكن النفط زيف كل شيء وأتحفنا برحالجية يفضّلون عبور الأمكنة بدل استكشافها، الرفيق المتقاعد سعدي يوسف يرحل إلى الخليج( واهب اللؤلؤ والدولار والردى ) وكل رحلة يلخصها في قصيدة تقرأ من اليسار لليمين او من اليمين لليسار او لا تُقرأ أبداً، الطبيب المتقاعد خليل نعيمي [50]يرحل يومين (في الويك إند) ثم يجرب قلمه فينا، الناقد ( الذي لا يريد ان يتقاعد) صبري حافظ يرحل بين القاهرة ولندن والدوحة ( دائما على نفقة ولية لقمته الشيخة موزة )، عبدل باري عطوان يرحل بين شاشات الجزيرة والمنار، نوري جراح يرحل من مليونيرية الرحلة الخليجية إلى مليونيرية الثورة السورية، الوزير جابر عصفور يرحل بين التنوير والتأيير، سيف الرحبي يرحل في بركات السلطان المعظم، بين المنصب والمنصب الأعلى، عبده وازن يرحل بين الحياة والموت والوسط، ظبية خميس ترحل بين منصات المهرجانات الشعرية والفنادق الراقية، السمؤال شمعون يرحل في الجعالات الخليجية، أدونيس يرحل بين الحداثة والقدامة والرفلكس المذهبي، يرحلون عكس اتجاه التاريخ ومع التيار، يعبرون الحدود بحواز سفر أوروبي وأنا أعبرها بوثيقة سفر للاجئين، ينزلون في فنادق خمسنجوم وأنا أنزل بفندق بتاع ألف نجمة، يسافرون على نفقة الخطوط الجوية القطرية وأنا أمشي على رجلي، أنا أرحل دائما على خطٍّ متعرج وأفضِّلُ الشرف على العلف ( للمعلومية فأنا لا أمد يدي للفرنسي ولا لطويل العمر ) كيف أكتب بالعربية وأشحد بالفرنسية، كيف أكتب عن الحرية وأتسول من الدول النفطية، كما ترون فعيبي الكبير هو إني لا أرحل مثل الصغار، أنا وهم نرطن لغتين، لذا لا أجد بين العربان من يفسح الطريق لكلماتي، حين تكون نقيّا فإنك تعكر على الدجالين، حين ترحل حقا تزعج الرحالجية وحين تكتب فعلا تزعج الكتبجية، رحيلي هي خوفي من الإنتماء إلى قطيع أللاه وأغنامه، لكن لماذا أفكرُ بالصغار الذين يلمعون بسرعة، أجدر بي أن أقارن نفسي بالآباتي شارل دي فوكو، كان يمشي على رجليه مثلي، كان يرحل على نفقته ومسؤوليته مثلي، بيننا حب التوارق والصحراء والمغامرة وحس التاريخ والتقشف كما ان الكنيسة طوبته ضمن السعداء الأبرار فسوف يطوبني المسجد وليا صالحا، يوما ما سيكون للجندي المجهول قبرا معلوما، وسوف تقول الأجيال اللاحقة "كان جريئا لا يخشى الصلعم ولا الطوطم، وربما يسمون زقاقا مسدودا باسمي بعد موتي ،او يطبعون وجهي على طابع البريد بتاع خمس فلوس، ضايقتني فتات الحصى التي تدخل في الصندل ومع ذلك بلغت قرية " فيلاأرتيتا "، تركت الحقيبة بعهدة حاج ورحت لا أسير بل أطير باحثا عن خبز، الفارق بين الحاج بحقيبة والحاج بلا حقيبة هو كالفارق بين حصان الجر وحصان السبق، البائعة ما عندها خبز بالدكان فأعطتني من خبز بيتها مجاناً، مشيتُ وحدي بعد الظهيرة، بلغت إستريا ( ليزارا )، في الشارع الرئيسي بيت مكتوب عليه " مسجد النور" حتى هنا يوجد مغاربة، عندنا كل خيرات العالم ونبحث عن لقمتنا خارج بلادنا، لماذا يستورد الخليج عماله من الهند ومش من المغرب ؟هذا هو القصر الملكي بالاص دي سان مارتين، مات ملك نباره وبقي القصر، انقرضت السلالة الملكية برمتها وبقي القصر، ثمة حجيج يمشون بثياب المدينة متخففين من أثقالهم، أعرفهم من مشيتهم العرجاء، من وجوههم الملوحة بالشمس ،من اللزقات على أرجلهم، من ظهورهم المائلة للوراء، أويت الى ساحة الكتدرائية وكتبت في كرّاسي :
يسوع : اله وإنسان في كائن واحد
أنا : حاج وكاتب في كائن واحد
الحاج :كائن واحد يجمع بين دون كيخوتي وسانشو بانزا
الكاتب : كائن نادر مهدد بالانقراض وبالتكاثر الأرنبي
دون كيخوتي : رأس واحد يجمع العقل والجنون
جلس قربي نساء مغربيات محجبات، لأوّل وهلة ظننتُ ان صراخهن خناقة ثم تبينتُ انهن يتناقشن بصوت عال، المغربيات لا يجلسن بالمقهى، انها تخص الرجال فقط، ثم ان القهوة غالية بزاف[51]، القرش الذي يدخل جيوبهم لا يخرج بل يذهب رأسا إلى البنك الشعبي الذي يحوله للمغرب ليتحول إلى فيلا، قعدتْ إسبانيتان بثياب خزيقة قرب المحجبات المغربيات، الحداثة والقدامة، هل نختار شطط الحرية ام انعدام الحرية ؟، بكل مرة أصادف محجبة أحس أني في حفة تنكرية، الشعب يريد إسقاط النظام، الشعب يريد الكلام، الشعب يريد كل شيء إلا إسقاط الحجاب، إذن الشعب لا يريد شيئا، من حس حظ إسبانيا ان الإسلام لم يستمر فيها وإلا تحولت إلى صومال او افغانستان، الفجوة الحضارية بين ولاّدة بنت المستكفي وكارمن لا تقاس بالقماش الأسود بل بالسنين الضوئية، البلدة اسمها استريا ( النجمة ) ولا نجمة واحدة في السماء، بردتُ مع هبوط العتمة فلبستُ السروال الطويل فوق الشورت ،عسكرتُ في المنشية، في المنام رأيتُ محتسبي الوهابية ينصبون منصة الأعدام،صوبوا البندقية على صدري، أعطوا الإشارة، وفي اللحظة عينها فتحت عيني ورأتيني ممددا في كيس النوم، تحممت عند النافورة، لا أستيقظ تماما الا مع فنجان قهوة، ثمة حجيج يجرعون بيرة عند الصباح، لا بد انهم ألمانْ، الإسبانيات يطالعن برجهن الفلكي في جريدة الصباح، شعب خفيف وطائش بلا انشغالات وجودية، ان أقصى مدى يمكن أن يذهب إليه فكر الإسبان هو النقاش حول الكلاسيكو بين البرصا والريال، ( جرائد آس وماركا الرياضيتين تبيعان أضعاف جرائد البايس وفانغوارديا ) الشمس حنونة وتغري بالمسير، ثمة طريق وسعادة وتفاؤل، مررتُ بنافورة النبيذ "فوينتي دي ايراتشي" التي تقدم النبيذ مجاناً للحجيج، لو وضعوا هذه النافورة في باريس لنضبت في دقائق، بعض الحجيج عبأ المطرة نبيذا، الطريق تمر من كروم العنب، بعد مسير ساعتين صادفت قيصرية ماء يسمونها نافورة العرب، سانتا ماريا مادري دي ديوس [52]! وجدت الزنجيتين تينا تيرنر وانجيلا ديفيس بعد أسبوع في "فيلا مايور" تشربان كولا قلت لهما "ماذا يعمل الزنوج على درب البيض ؟ فقالتا " ماذا يعمل مسلم على درب المسيحيين ؟ أوه هاميد لقد افتقدناك، هل تعرف أين يمكننا ان نخيم لنطهي ونأكل ؟ هربت منهما، أنا الكائن الذي يمشي حتى لا يراوح مكانه، في اطراف القرية لحقني كلب شارد أراد ان يرافقني، لكن أنا نفسي لا أجرؤ على أكل اللحم فكيف أطعمك يا توتو، أريد كلبا نباتيا مثلي يشبع من الأعشاب، ثمة شجرة وحيدة في الحقل المحروث، انها مثلي، راسخة وحرة ووحيدة ومتضامنة مع وحدتها، لا مأوى من الشمس الا الشمس، لم أفكر أبد فالرأس من شدة القيظ لا تفرز، اختلستُ ساعة نعاس بظل شجرة وواصلت مسيري، حسيت بالجوع، رحت أتخيل أكلة يخاني ومشاوي، تطلعت إلى الوراء لأرى المسافة التي قطعتها، المنظر له وجهان طرة ونقشه، آثار قدمي مثل الحيز الأبيض الذي يتركه خلفه الحلزون في يوم ماطر، الكامينو مش بساط أحمدي بل تحدث فيه حوادث متفرقة، حاج برتغالي ضاع ووجدته زوجته يغازل حاجة أخرى فكلبشته من يده بذراعها، حاجة مدريدية ضاعت في الجبال وتاهت لحسن الحظ الجوال معها أنقذها اتصلت برقم 112، حاجة جائت من اليابان قطعت 20 ألف كيلومتر لتمشي 20 كيلومتر فقط، ثاني يوم وصلها خبر أمها بالجوال فقفلت راجعة، حاجة هنغارية تعرضت للاغتصاب ورجعت توا إلى بلادها، المعتدي في المخفر قال انه ضاجعها برضاها، كلب شارد عض حاجا من مؤخرته فخاف الحجيج وصاروا يمشون جماعة او يحملون عصي مدببة بحديد، عند قرية "فنتوزا" قهوجي محتال غيَّر اتجاه الطريق وطوَّلها فرسخين ليجبر الحجيج على ان يمروا أمام مقهاه، صادفتُ حاجاً آسيويا، يابانيا او كورياً، لا أدري، ثم عرفت انه ياباني بفضل العلم ذي القرص الأحمر المعلق على الشنطة خلفه، مسلم وبوذي على درب كاتوليكي ! هذا أقوى دليل على كونية الكامينو وجاذبيته، لهذا صنّفته الأونيسكو ضمن قائمة التراث غير المادي للإنسانية، اليابان حاج حقيقي يمشي كما يعمل وكما يحارب، ورغم تفوقه بالعمل والنشاط والانضباط والفاعلية والتنظيم الا انك تحس فيهم عقدة نقص كامنة، ربما هو الحياء الشنتوي ؟ كنتُ حين لا أرحل في الرحلات، أرحل في كتب الرحلات وخاصة في منمنمات الرسام الياباني هيروشيغي التي تصور محطات درب توكايدو، كنت وأنا بباريز أرحل في أفريقيا والصين وذلك بزيارة أحياء السود والصفر في شاتوروج وبلفيل، كنت وأنا في غرفتي أسافر في الخرائط في الاطلس وفي الكتب ألقي بنفسي على الطريق وأنا أقرأ رواية "على الطريق " قطعتُ 23 كلم من أستريا إلى لوس أركوس، ارتحتُ قليلا عند ناصية المقهى قبل الشروع بالمرحلة الثانية، بصبصتُ على لحم الحاجات المتشمسات، لحم إيرلندي أحمر مهيج، ولحم له طعم جرماني، حاجّة اشترتْ بوظة راحتْ تلقم عشيقها بالملعقة، جميل هو العشق في بداياته ومحزن في نهايته، ما عدت شابا، الشباب يذكروني بهذه الحقيقة، جان دانييل حاج فرنسي صلعته حمراء من أثر ضربة الشمس، سألني من أين فقلت فلسطيني , جرني للحدث إلى الربيع العربي، قعد يتحسر على صدام والقذافي، هذان رجلا دولة على الاقل كانا ضابطان للوضع، فهمت من كلامه ان الحرية لا تنفع مع العرب "، أكره هؤلاء الفرنسيين لانهم يكرهوننا، ليس انهم لا يؤمنون بحريتنا بل يخافون من حريتنا، كل مرة أحلف اني لن أقول اني فلسطيني، لماذا لا أزعم مثلا اني سرلنكي ؟ تركته بعد ان قلت له أنت محبَط ومحبِط، أضجر بسرعة من صحبة الذكور، أفضِّلُ صحبة الشجر على البشر، لا أستطيع أن أساير أحدا سوى أفكاري، الطريق أنثى، وكل ما لا يُؤنَّثْ لا يُعَوَّلْ عليه، المرحلة التالية 7 كلم، من الشمس ومن الشمس أيضاً، ومن كروم الدوالي، في قرية "سنسول" يحتفلون بالfiesta، معظم الرجال باللباس التقليدي النافاري، سروال وقميص أبيضان، زنار ومنديل أحمران، يحضرون مبارة البيلوتا، 6 شباب في الساحة يضربون الطابة بحائط الفرونتون فترتد فيضربونها فترتد فيضربونها بشكل ممل، كطاولة بينغ بونغ بطرف واحد، كل الحضور يشربون بيرة الا أنا أتقهوى معزولا ووحيدا ،غاردتُ المكان بسرعة وبمجرد أن صرت بالحقول شعرتُ بسعادة مضاعفة، الانسجام المفقود مع البشر أسترده في الطبيعة، لست معزولا لأني وحدي، ولست وحيدا لأني ظلي يرافقني ،. قريتا " سنسول" و "توريس ديل ريو" متواجهتان ويفصل بينهما واد، أجمل منظر في سنسول هو منظر توريس من سنسول، حين أكون وحدي لا أستطيع ألا أفكر، أفكر حتى وأنا لا أفكر، أتخيل خيالات هي في الحقيقة أفكار غير مباشرة، حتى وأنا نائم أفكر ( الحلم تجلٍ لأفكار عشوائية)، أفكار التوتر العالي، 230 فولت تعبث في دماغي حين أفكر بصبيان الثقافة و غلمانها، في أي مهرجان شعري يقضي الشاعر أمجد ناصر عطلته الصيفية ؟ كم صار عدد قرّاء فلان في موقع الحوار المتمدن ؟ أين تكون الكزدورة القادمة لخليل النعيمي ؟ ما هي الجامعة الامريكية المقبلة التي سيحاضر فيها الشاعر خالد المعالي عن تجربته الشعرية الفذة ؟ متى يفوز يوسف زيدان بالبوكر للمرة الثانية ؟ أي مترجم امريكي سيترجم رواية ميرال الطحاوي التي لم تكتبها بعد ؟ متى تخرج الطبعة 29 من رواية أحمد الخميسي ؟ متى يعوضون أدونيس عن نوبل بجائزة أمير الشعراء ؟ حقا ان التفكير بالآخرين مهمة شاقة، لكن، لماذا أفكر دوما بمن لا يفكر بي أبدا ؟ لماذا لا أفكر بما حولي ؟ خذ مثلا تلك الطائرة اللماعة في الجو، من أين أقلعت وإلى أين هي ماضية ؟ هل يفكر ركابها بهذه الحشرة الأرضية المفكرة بهم ؟ هل تنتقل الأفكار أرضا جوا بتوارد الأفكار ؟ لماذا ليس معي صديق عربي (او صديقة ) فيكون المونولوغ ديالوغا؟ لماذا خلق الله الناس الأوادم من قدام وخلق العربان من ورا ؟ من انتصر في حمص ؟ كيف حُسمت الأمور بميدان التحرير ؟ لماذا لا تؤلف نشيدا للربيع العربي هذه الأمة التي نصفها شعراء ونصفها مطربجية ؟ لماذا لا أختم المرحلة هنا عند أعالي توريس ؟ على مدخل بستان اللوز سلسلة حديدية وعليهة اشارة المنع الحمراء prohibido el paso[53]، ولكني سأدخل، دائما أرفس أبواب الممنوع برجلي، أنا لا أملك أرضا لذا أعتبر أرض الناس مشاعا، كل ما يلزمني هو فيحة بين شجرتين أفرش كيس نومي عندها، التربة مليئة بالكدرات ومش مستوية، خيمتُ عند مصطبة البيت المهجور، نظفتُ أسناني وتمددتُ، من مخبئها السري من ظلمة قبوها بأمستردام كانت متعة آن فرانك الوحيدة ان تلمح القمر في الليل، أجمل ما في الليل هو القمر، وأجمل ما في القمر هو أظافره المقلمة، الهلال هذا إسباني جدا كالأهِلّة التي نشاهدها في أشعار لوركا، ملطخ بالنور والدم كأنما نطحه ثور هائج، هذا القمر الوحيد يشع لي وحدي فأنا وحدي من أفكر به، الرحالة بخياله يسبق المكتشفين، تان تان والبارون مونشهاوزن صعدا للقمر قبل آرمسترونغ، الطبيعة لا تفكر بل تجعلنا نفكر، أنا غمامة في السما، بقرة في مرعى، زهرة في مرج، الكائن والكون كينونة واحدة، ان الموجود واحد وان الخالق والخلق واحد وان الحال يحصل بالجذب والاتصال، سنسول وتوريس وجهان لقرية واحدة، ابن عربي وليد مرسية ودفين دمشق، مرسية ودمشق وجهان لمدينة واحدة، الجيش النظامي والجيش الحر في سوريا حزب واحد، أنا وجان دانييل كائن واحد، ولكن كيف أكون أنا وهو كائن واحد وفي دواخلي بضع كائنات ؟ أنا مثل البابوشكا الروسية تخفي داخلها بابوشكات أصغر منها، أجمل ما في الليل هو نباح كلاب الليل، يشبه عواء الذئاب، مقلق جدا وساحر جدا، التفكير سفلس الدماغ، ثمة أفكار باردة سرية مخجلة أحتفظ بها لنفسي لأنني لو سجلتها على الورق لقلتم أني مجنون او مهووس، مثلا، كم عدد الذين يمارسون الغرام مع زوجاتهم الآن؟ كم عدد الذين يمارسون الغرام مع أيديهم الآن ؟ وضعت كيس النوم في زاوية منفرجة حتى أبصر القمر ونجوم السماء والسماء، حتى أختزل الروعة والجمال بنظرة بانورامية، ان نظر النسر أحدُّ بكثير من نظر الإنسان ولكن عين الإنسان تلحظ في الأشياء أكثر بكثير مما تلحظ عين النسر، كم هو رائع هذا البيت المهجور، لماذا هجروه ؟ انه كل ما تحلم به لور التي هجرتني، كيف أنساها وقلبي لم يزل يسكن جنبي ،كانت أهم انجاز بحياتي، كانت نفحة من روح الله، كانت (ولا زالت) أرقّ من الرقة وكانت زرقة السماء تشع من عينيها، وكان تطربني بصوتها وهي تغني أغاني الكشافة، كان طرفا شفتيها الارجوانيتين يكتنزان ويغمراني بسعادة، كانت مشيتها أفكار، سعادة، كانت تبتسم وتضحك فقط، كانت عائلتي ومعيلتي وخليلتي وملهمتي وكنت فخورا برفقتها، بجمالها، بغنائها، جمالها وعفويتها ومستواها الرفيع، كانت سر وجودي ورحلتي الأجمل، ولكنا ارتطمنا بنهاية المشوار، هكذا دائما أرحل لأنسى ثم أتذكر، ثم أتظاهر بالنسيان ثم أتذكر، الذكريات زهرة يابسة بين صفحات كتاب، كم كنت ساذجا حين قلت لها اننا سنعيش من حقوق المؤلف ! وكم كانت هي ساذجة حين صدقتني، قالت انها تحلم ان يكون لها يوما بيت ريفي فيه حديقة صغيرة فيها شجرة صفصاف باكٍ، قلت لها سأشتري لك هذا / بأي فلوس ؟ /وهل هذه تحتاج لسؤال، طبعا من حقوق المؤلف، على ضوء القمر أستطيع أن أكتب حتى ما بعد غروب الشمس بساعتين، أنا قمر الليل، عصفور الطرقات، ذئب البراري، وحش الفلاة، لورنس العجم، همنغواي الشرق الاوسط، أنا مش مغرور، وحياتكم، ولكني وحيد والوحداني يشطح، أنا طز ،نكرة جملة لا محل لها بين الأَعراب، في المنام رأيتُ اني دون جوان يتنقل بين المخادع وطلبت من محظياتي ان يعطينني خواتهمن الذهبية وأعطيتهن بدلها خواتم حديدية،أضغاث احلام، هاهو صباح جديد، همتي عالية ومعنوياتي أعلى، الصباح يعني ان كل شيء ممكن دوما، ثمة آفاق أخرى في الأفق، الرحيل قصيدة[54]:
هل تسمعون
هذا رنين القافلة
تمشي خطاها الناهلة
فوق البطاح
لما يلوح
نور الصباح
صف طويل من الرفاق
يمشي على صوت الحداء
ينساب في عرض الفضاء،
الحجيج اليوم معظمهم طليان، لا تسمع الا بارولي بارولي، رشاً عالسريع ،دائما يمشون جماعة، ويتكلمون جماعة، هل ينامون جماعة في سرير واحد؟، "فيانا" قريةٌ سيزار بورجيا له فيها تاريخ ومعارك، في 5 سنوات صارت بلدة، تمددتْ بمساكن شعبية متشابهة تشبه السجن او الثكنة، حين تتشابه البيوت تتحول إلى مقابر، 200 مسكن على نسق واحد كأنها نسخة مكررة عن بيت واحد، لا يسكن البيوت المتشابهة الا البشر المتشابهون، الجنود والأموات والسجناء، وصلناها مبكرين عند التاسعة صباحا، لم أتمكن من الاغتسال عند النافورة فكلما أهم بخلع ثيابي يطل الحاج زين الطلة، حطيتُ الرحال على طاولة في المقهى، جاورني حاج فرنسي يحمل إنجيلا، يا صباح الشؤم، حاول ان يتكلم معي بالفرنسية، رديتُ بالعربية فقط، لا أتكلم فرنسية لأن زوجتي الفرنسية لا تتكلم عربي، الفرنسية أقل امبريالية من الإنكليزية ولكنها امبريالية جدا مع العرب، مسيو بوده يعرف من أين أنا، أنا لغز الطريق، سؤال الطريق، هل أنت حاج ؟، يبدو للأعمى اني حاج، أفضل طريقة لصد سؤال مزعج هي عدم الرد، زاد فضوله فسألني " هل القهوة طيبة ؟ أجبته بالعربية "طيبة جدا، بطعم الخرا"، رحلتُ كثيرا في أرض الله الواسعة، خالطت أهل الصين وعباد الدكاكير وزنوج الأدغال والتوارق الملثمين والعرب والعجم والغز والصقالبة، لا أتذكر في حياتي كلها اني عجزت عن أن أتواصل مع أيّ كان مهما كانت لغته، بلغتي أتكلم مع العرب وبعض المسلمين، بالانكليزية أتفاهم مع الانكلواميركان والهنود والسود، بالفرنسية مع جماعة الفرنكوفونية، بالإسبانية أسكج أموري مع أمريكا اللاتينية، بالفارسية ألطّش تلطيشا مع الترك والفرس والأفغان، بالبولندية أرطن مع البولون والصقالبة، مع النساء أتكلم أجمل لغة بالعالم ( لغة العيون ) ولكن مع هذا الفرنسي تخرسنتُ جثة لغوية، هل هي عقدة النقص العربية التي تمنعني من كشف هويتي. ام هو مزاجي العكر الناتج عن حقيقة اني لم أتمكن من الاستحمام، على أي حال لم أمكث طويلا بسبب طفل مدلل بكى بفجور حتى تشتري أمه له بوظة، الطريق دائما، الحاج ولاعب الكرة مواهبهما تتركز في ساقيهما، انتهت نبارا وبدأت ريوخا، بلاد النبيذ المشهور وأصغر مقاطعة إسبانية، الطاقة الهدامة في ساقي انتقلتْ إلى رأسي فتحركتْ آلة الجسد كلها، LOGRONO CIUDAD DEL CAMINO [55]معزوفة عالوزن، لو عربناها تختل القافية الترجمة خيانة لأنها تخل بالمعنى والمبنى، وإذا عُرّبت خُرِّبت، ماذا حل بصديقي الذي كان صديقي، كاظم جهاد، الترجماتي الثلاث مرات خائن، نقل ريلكه إلى العربية عبر الفرنسية عن الأصل الألماني، وترجم دانتي عن الإسبانية، وترجم محمود درويش عن الانكليزية، ما نفع البساطة اذا كان التعقيد ممكنا، وما نفع الوفاء اذا كانت الخيانة ممكنة، ابو جواد [56]عضو ( من غير معنى ) في لجنة جائزة زايد بن سلطان، كيف، بحق أبو السبطين، يتحول شاعر شيعي وشيوعي إلى طبل في جوقة طويل العمر ؟ ان تقبض من البترودولار او تقبض على الجمر، هذا هو حال الثقافة العربية، وهذا هو نهر إيبرو، مش مقدس كالغانح ولكنه خالد كالنيل، انه النهر الذي يهدي اسمه لشبه القارة برمتها، تريثتُ فوق الجسر وأنا أفكر بأنهار أنهرتُ فيها، نهرا النيحر والكونغو، كل نهر منهما يعطي اسمه لبلدين، النهر رحلة من المنبع إلى المصب، ومن الضفة إلى الضفة الأخرى، النهر رحلة تتجدد كل لحظة مع ماء النهر، مرتان كدتُ أغرق في النهر، مرة في الفرات ومرة في نهر الكونغو، الموت هو الرحلة النهائية من السطح إلى القاع، في لوغرونيو تمثال الحواري لا يأخذ شكل حاج بل شكل محارب ماتاموروس[57] فقريبا من هنا في "كلافيخو" انتصر الملك النباري راميرو الأوّل على الخليفة عبد الرحمن الثاني وظهر القديس يعقوب (بعد 800 عام من موته ) ممتطيا صهوة حصان أبيض وقاتل المورسكيين وقتلهم، المسيحيون أيضاً عندهم طيور أبابيل، وخرافاتهم أحيانا تفوق خرافات المسلمين ،(انني أرفض الاسلام ولا أقبل المسيحية وكلاهما خرافات ولكن شتان ما بين خرافات الثانية المهضومة وخرافات الاول المجرمة ) لا أحتفظ بصورة محددة واضحة عن لوغرونيو سوى انه في آخر مشوار اكتشفوا مرض الجرب في مهجعها فأغلقوه وحجروا على الحجيج بمحجر الكرنتينا، أنا ولور ( او لور وأنا كما علمتني ان أقول ) وقتها شكرنا يسوعَ المسيح لأنه ألهمنا ان ننام بره، المدينة مجرد أبنية وشوارع وسيارات وناس، الأشياء الأكثر تفاهة التي تنساها في حينها فكيف بعد 5 سنوات، على الجسر صادفتُ الحاج السويسري نفسه الذي سبق ورأيتُه على جسر فالنتري في كاهور، أنت نصف بطل يا رجل، تصور أنك مشيت 550 كلم، نصف المشوار، اليوم الأحد، ضرب النواقيس يأتي من برج كتدرائية سانتا ماريا، في البلازا سنيور مهندم ويتأبط ذراع سنيورة[58]، هنا يوجد وقت كثير وشمس كثيرة ومشاغل قليلة، شممتُ رائحة عجة التورتيا لكني استكثرتُ مبلغ 3 اورو على كرشي، لازم أقتصد خاصة أني قطعتُ نصف المسافة وأنفقت ثلاث أرباع الميزانية، ان تكون الوحيد الذي لا يلحس بوظة بين جماعة كلهم يلحسون بوظة فهذا يشعرك انك تلحس خرا، المصطافون ينزهون الكلاب بسعادة، العجوز الغجرية تعزف الاكوروديون وتتمايل بفرح، وأنا مش فرحان، المراهقة الهيبية تلف سيجارة وتشفطها بكيف وأنا بلا كيف، الحجيج يبتسمون وأنا أسيان وصارم كراهبة يسوعية، ما الذي، يهلترى، يشطب على سعادتي ؟ الوحدة ! الزهق ! التعب!او لعله خوفي من الكهولة ! موتي الذي يسبق الموت، يجب أن أمشي لتزول أسباب التعاسة، أفضّل روث المواشي على كربون السيارات، الهامشية تَحَرّرٌ من المركز، المدينة هي الفصام بين البشر والطبيعة، أنا ساقان برسم الطريق، بعئرتُ شقائي وخطواتي في الفلاة الشاسعة، ارتحتُ تحت شجرة التوت لا من أجل التوت بل كرمى لعيون الحاجتين البولندية والكرواتية، ضحكت البولندية وهي تراني أحك ظهري بجذع الشجرة، قلتلها بلغتها "بدل ان تضحكي، تعالي حُكي لي ظهري "، تفاجئت الحاجة " من أين تعرف لغتنا ؟ / أمضيت عامين ببلدكم أدرس شرب الفودكا، قالت jaki ten świat mały! [59]، انها صيدلانية اسمها إيفا، البولون بسبب الشيوعية والحصر والفقر يرغبون باكتشاف العالم، لكن منذ موت البابا يو بو 2 خف حماسهم الديني وقلوا على الدرب، صاروا يفضلون الحج داخل بلدهم إلى شانستوخوفا، حكيتُ لها عن رحلاتي بين وودج ووارسو ولوبلين وغدانسك وفروسواف وكراكوف، كنت أركب القطار البطيء جدا دون ان أعرف وجهته، لم تكن الوجهة هي ما يهمني بل ركوب القطار ومشاهدة الأشجار وهي تتراجع للوراء، وقتذاك كنت أتكلم البولندية بطلاقة نسبية لدرجة ان البولون كانوا يظنونني من الشعوب الصقلبية المجاورة، والآن اكتشفتْ ايفا اني ما زلت أتكلمها جيدا، عربي يتكلم بولندية في إسبانيا؟ هذا شي يستحق ان تخلده الاوكرانية في صورة، وضعتْ إيفا ذراعها فوق كتفي ووضعتُ ذراعي فوق كتفها وابتسمنا، اصطلتْ الشهوة نارا في أحشائي فقلتلها "أريد أن أبقى معكِ، فرفضتْ، لعلها جائتها العادة كالعادة، او لعلي لا أفهم لغة حوا، اذا شاب شعر المرء او قل ماله، حتى البولندية تبغددتْ علي، لهفي على أيام الشيوعية، كن سبايا لنا نسبيهن بعلبة دخان مارلبورو، مشكلة العربي انه اذا ابتسمت له علجية يظنها صارت ضجيعته ،يعصمها في عصمته، يحرق المراحل ويحرق دمه، ويغار من الآخرين اذا ابتسموا لها ويغضب منها اذا ابتسمتْ للآخرين، حوا صعبة المرأس ولكن لا شيء مستحيل لرجل له خصيتان وقلب، حاول 10 مرات وستضبط مرة، انها مسائلة تريض ورياضيات، من بعيد ظهرتْ "نافاريتا" بحجم تابلوه ثم أخذت تكبر بقدر ما تقصر المسافة، كل هذه القرى المتطاولة نبتت على طول الدرب ومن أجل الدرب وهي عبارة عن شارع واحد يتجمع حوله التجار، الحجيج تجمعوا عند بار ديبورتيفو بعد أن تخففوا من حقائبهم، لمحتُ جان دانييل بينهم فانسحبتُ، واحترتُ بين بقية المقاهي، أريد مقهى مطلة على السهل والقمر والجبل وعلى أفخاذ النساء، في بار استراحة البرغرينو يافطة تعلن المسافة المتبقية حتى مزار الحواري 582 كلم، الحاج حاسوب يحسب قديش راح وقديش بقي، يحسب المسافة ثم يحولها إلى زمن، 582 كلم هي 20 يوما، تعلّمتُ أن أحذر النوم في المروج الخضراء حتى أتجنب رشاشات الري ليلا، عسكرتُ في أطراف القرية ورأيتُ في المنام اني وجها لوجه مع ايفا، أحمل وردة بيدي اليسرى وأخفي سكينا بيدي اليمنى المثنية وراء ظهري، كنت مملوئا بالحب المجرم، حصل الإنتعاظ وهي تداعب أذني، في الصباح خلعت ثيابي عند النافورة ورغوت الصابونة على الأماكن الحميمة، اوتريا، إلى اورشليم الجديدة، الطريق دائما، الطريق أبدا، ولا طريق سوى الطريق، الطريق الوطني 120 N من لوغرونيو إلى بورغوس، طبيعة وحشية وموحشة، حقول قمح محصودة بلون الذهب، كأنك في أرض عذراء او في فلم والت ديزني، الحجيج عندما يصلون إلى قرية فإن أوّل سؤال يراودهم هو كم المسافة إلى القرية التالية ؟ دراج يسوق بيد ويصور باليد الحرة، حاجة تمشي وحيدة لم أقترب منها، خمنتُ ان الحاج قدامها قد يكون زوجها، فهما يحملان نفس حقيبة الظهر ونفس اللون ونفس الحذاء، توقفتٌ أمام قصيدة مكتوبة على جدار، أخرجتُ الكرّاس والقلم وسجلتها و استغرق الأمر ربع ساعة، جائت حاجة سمينة وقفت خلفي، بكبسة زر صورت القصيدة والحائط وأنا معهما ثم نظرت لي باستخفاف تكنولوجي، في "ناخيرا" كل التحف المعمارية تحمل بصمات المودوخار والمورسكي، العرب كانوا هنا قبل أن يُطردوا في عام 932، مرت سيارة تنقل خنازير للمسلخ وتركت خلفها رائحة كريهة حقا، أوستيا ! يا دين رب يسوع! سددتُ أنفي وقررتُ ان أصوم عن الشوريزو إلى أجل غير مسمى "سيروينيا" قرية نموذجية للطبقة المتوسطة ،فيها ملعب غولف أخضر وفيلل برجوازية متشابهة، لم أتقهوى، خمس دقائق فقط لأعبر الشارع وصرت بالحقول، هذه الموسم زرعوا بطاطس، انها مادة أساسية في العجة التورتيا التي تعتبر طبق الغلابة، على الحائط كلمات
To the end: to the truth[60]
للحق فإن الحقيقة مش بنهاية الطريق بل بالطريق ذاته، يصعب على الشخص المؤمن ان يشخّص الأسطورة من الواقع، تارةً يقولون ان يسوع طلب من حوارييه ان يبشروا الأمم الوثنية بالبشارة وكانت إسبانيا مهمة يعقوب، وتارة أخرى يزعمون أن هيرودتس أغريبا قطع رأس يعقوب ثم رمى جثمانه من فوق أسوار اورشليم العتيقة فوضعه تلامذته في زورق، والزورق حركته يد ربان او يد ربانية وعبر من المتوسط للمحيط ليحط في الفينيستيرا ومنها نقل إلى سانتياغو، أما ميغيل دي اونامونو فيقول أن من الصعب على إنسان مزود بأدنى حد من الحس النقدي، وحتى لو كنت كاتوليكيا، ان يصدق ان رفات القديس يعقوب مدفون في سانتياغو، الحوليات التاريخية تقول إن سانتياغو كانت محجة لقبر هرطيق اسمه بريسيليان، لكن الكنيسة تنكر الواقع فالكذب في الأديان هو أس الحقيقة وكلنا يعرف قصة الفلاحيْن الذين دفنا حمارا وبنيا فوقه قبة وحولاه إلى مزار وادعيا ان الدفين وليُ صالح، على الطريق حذاء مهترئ نبت فيه الشوك، وراع وقطعان غنم، كوبل حجيج نصبا خيمتها بالبرية ويختلسان لحظات حميمة برانية، تبولتُ بالبرية حتى لا أنحشر بالبلدة، السهل يشبه سهل البقاع لكن سانتو دومنغو ديل كالسادا[61] لا تشبه زحلة، هذه البلدة تحمل اسم مهندس درب الحجيج الذي رصف الطريق فلُقِّبْ بتاع الرصيف، المهاجع هي هنا أديرة للرهبان ويديرها رهبان، اهترئت معدتي لكثرة تناول الشوريزو ومع ذلك واظبتُ على شرائه لسببين: لرخصه ،ونكاية بالمحرمات، فأنا أعتبر معصية محمد طاعة حسنة ولا أسمح له ان يفرض علي ما يؤكل وما لا يؤكل ؟ لم أجد مكاناً مستورا يأويني من المطر فقعدت أتعشى تحت المطر، فتحت علبة رز بحليب ولم أجد الملعقة فلهطته لهطا، ثمة مغاربة يثرثرون، "ولاد بلادي"، نسمة عربية في أرض علجية، هم رحلة في الرحلة، وأنا أكتب بكرّاسي انتبه لي واحد منهم وسألني عن جنسيتي / فلسطيني /كيف حال فلسطين ؟ / محتلينها اليهود / فقال الرجل ولم يكن يمزح " وعلاش ما تطلبوش من محمد السادس يحررهالكم ؟ " هذه أحلى نكتة أسمعها بحياتي، جلالته M6حفظه الله ونصره، سيبعت كتيبة من مغاوير الجيش الملكي بقيادة المستشار أندريه أزولاي لتحرير بيت المقدس ! هذه هي مأساة العرب، كلما كبرت كذبة الحكام يصدقها الشعب، هذه الدشرة الملعونة لفيتُها مرتين باحثا عن مكان يأويني ولم أجد، اقتربتُ من مزرعة أبقار فتصارع الكلب الأسود مع سلسلة الحديد ليهجم علي، خيمتُ في العراء وأمضيتُ ليلة أكلح من ليلة النابغة الذبياني، تآمرتْ علي الصراصير والنمل والبراغيث وروث البقر والمطر، قلقتُ ثم أرقتُ ثم نهضتُ، ارتحلتُ مبكرا، البرد مزعج للمعنويات ولكنه يمشّي، وسرعان ما ارتفعت الشمس ورفعت معنوياتي، راحت حاجّة ماشية تعاين الطريق سلفا على جوالها من خلال غوغل ايرث، فصّلتْ المرحلة المقبلة شجرة شجرة، قلت لكم ان الرحلة فقدت معناها، العصر يسمح بالكزدرة لا بالرحلة، ماتت الرحلة باختراع السيارة والطيارة، مغامرات الويسترن في الغرب الأمريكي انتهت بوصول سكة الحديد إليه، الرحالة صار يكتشف المجاهل المُكتَشَفَة، مهما حاولتُ ان أكون متفهما لا أستطيع ان أفهم، القطيع الإلكتروني يهرب من العالم إلى العالم، الآباتي فوكو جال تمنرست وبني عباس مزودا فقط بكرّاس من 5 سنتمترات وقلم رصاص بطول 2 سنتمتر وترك لنا أروع أدبيات الرحلة وهؤلاء الحجيج مزودون بجوال ونت وساعة وبوصلة ولن يتركوا شيئا، في "غرونيون" شربتُ قهوة على المشرب، حاجّة تعبانة احتلتْ كرسيا لمؤخرتها وآخر لرجليها، حاجّة آسيوية خاطبتني بالإنكليزية فرديت عليها بالعربية، حاج آخر سألني "وير فروم آر يو؟" أكره سلالة الثقلاء الطفيلييين، لم أرد عليه، لازم أبقى لغزا كتركيب كوكاكولا وخلطة دجاج كنتاكي السرية، أنا مستر إكس، ولدتُ في نبتة ملفوف، بلدي مش موجود على الخريطة بالمرة، لا يزعجني السؤال بحد ذاته بل سيل الأسئلة الذي سيتبعه، اوه باليستينيان ! كيف هي فلسطين، الموت والدمار والسور الفاصل، أتمنى يوما ان أحظى بإنسان أوروبي واحد لا يختصر الفلسطيني إلى ضحية اليهودي او جلاده، رموا علينا زبالتهم وطلبوا منا ان نستمتع بشمها، أهلكوا ضحيتهم وذنبونا بها، دخلنا في قشتالة، المقاطعة التي فرضت نفسها على اللهجات الإسبانية مثلما فرضت قريش لسانها على قبائل الجزيرة، في حقل الخرشف بضع عمال مغاربة يقطفون ويكومون في جرار زراعي، سرب عصافير طار من البيدر إلى سطح الكنيسة ومن سطح الكنيسة إلى إهراء الحبوب، أهرامات من أكوام التبن مكدسة علفا للأبقار في الشتاء، بستان مفتوح فيه كل الأشجار المثمرة ولا يسوره سور او سياج، وقربه شجرة تين وحيدة مسيجة بأسياج شائكة، الشمس خجلانه وزهور عباد الشمس لا تعرف أين تدور رأسها لذا أحنته، حقول دوار الشمس في فرنسا أجمل ولكن منظر سهول القمح المحصودة هنا أروع، حين تحتجب الشمس تحتجب العصافير أيضاً، هاهو شعب الله في برية سيناء يسير نحو أرض الميعاد، مثل فلول جيش مهزوم، هؤلاء العتالون في سبيل الله يمشون وتنوء بهم حقائبهم، يحبون الشقاء فيكتبون على الفانيلا No pain, no glory [62]يشْقون بالعمل طوال السنة وفي شهر العطلة يشقون أكثر، ثمة من يتراجع من أوّل المشوار بسبب التعب او المرض، ومنهم من يهجر الطريق بنصف الطريق، ومنهم من يمشي خفيفا وينقل حقيبته بسيارة النقل للمحطة القادمة، تحفزهم حوافز دينية، روحانية، سياحية، ايكلوجية، فكرة الحج اجمالا تنتج عن حدث مفصلي بالحياة، مرض عضال ،تقاعد، نذر، طلاق، وفاة قريب، فصل من العمل، بعضهم يريد ان يعمل شرخا في حياته، ان يخرج من المألوف، بعضهم يحب تحدي المسافات، المطلّقون منهم تمشيهم خيبة الحب، والمتزوجون الطازجون يمشيهم وهج الحب، بينهم شكاكون يبحثون عن الله، وبينهم مؤمنون يبحثون عن تعميق الايمان، أحدهم شاهد فيلم Into the wild وتأثر به ويريد أن يعيشه شخصيا، حاج ثان قرأ رواية الخيميائي ويبحث عن حجر فلسفي، حاجة ثالثة تحج نذرا لأنها نجحت بامتحان التمريض النهائي، ثمة دوافع بعدد الحجيج، وهناك حجيج لا تعرف الدافع، انهم بالطريق لأنهم لا يستطيعون ان يبقوا خارج الطريق مثلي أنا، على مدخل "بيلاردو" ترفرف أعلام الدول المصدرة للحجاج : إسبانيا، فرنسا، ايطاليا، ألمانيا، البرتغال، بولنده، البرازيل، اليابان، كوريا الجنوبية، ايرلندا وبريطانيا حتى قبرص، أين علمنا العربي الذي خطط ألوانه الصفي الحلي ؟ بيض صنائعنا، سود مواقعنا، خضر مرابعنا، حمر مواضينا،, العرب كانوا سادة هذه الربوع، عبد الرحمت الثالث رحل من دمشق وأسس الدولة الأموية الأندلسية، الرحيل رحيلٌ في التاريخ، متى يرحل دكتاتور دمشق ؟، كيف لولد أن يحكم بلد ؟ مرة مازحتُ صديقي الرسام بشار العيسى، قلتله "غيِّر اسمك يا كاكا " فقللي " أبداً، هو حكيم العيون اللي اغتصب اسمي، لازم يغير اسمه " البرية هنا تزينها 400 زهرة من شقائق النعمان نبتت على قبور400 متطوع إسباني سقطوا بالحرب ضد نابليون، هذا المنظر الطبيعي يلخص درامية الحرب ببلاغة تفوق لوحة غويا، أعرف ان كلامي لن يعجب أصحاب النوايا الحسنة ولكني سأجهر به لأن نواياي الشريرة تحمل كثيرا من الخير، من الناجع ان نطيل أمد الحرب لقرنين آخرين من الزمان، ماذا يحل بنا من دون صراع ؟ من ينبهنا من غفلتنا وكهوفنا المظلمة ؟ كم سان برتيليمي تلزمنا حتى نتحرر من سطوة الغيب ؟ لتخرب سورية (اللهم لا شماتة ) فأوروبا لم تعمر الا على أنقاض أوروبا، يلزم هزيمة حتى ننهض، زلزال شامل، كارثة جذرية، الشعوب الأوروبية لم تتحضر الا بعد أن أنهكت بعضها بحربين عالميتين، الحرب ليست خطئا من أخطاء التاريخ لكنها ديمومة التاريخ بأشكال أرقى، هي القاطرة التي تحرك التاريخ الآسن، الحرب شر لا بد منه، تحرر الرجال من سلطة الله وتحرر النساء من سلطة الرجال، أفعلُ كل الأشياء اللافتة للأنظار ولا أحب ان ينظر لي أحد، في ساحة القرية توقفت وأنا أجهز سندويس جمبون وجبنة مرت سيدة رمقتني بنظرات مائلة من خلف نظارتها السوداء، قلتلها " الله يسترنا من عيونك "، أغاظني منظرُ مهاجرة مغربية محجبة تتحدث بالجوال، حين أوصلوا الكهرباء لمسجد بوعبيد بطنجة اعتبر فقهاء المخزن الأمر بدعة وحرموها، لم لا يحرمون الجوال ؟ العرب لم يساهموا بمسمار واحد في التكنولوجيا فلا يحق لهم استعمالها، وأنا شخصيا أطبق هذه القاعدة على نفسي فأتصل بالحمام الزاجل، كيف أمنع رأسي من اجترار أفكاري البرصاء ؟ موسيليني سجن غرامشي لمدة 20 سنة ليمنعه من التفكير، لكن هذا الأخير كتب زبدة أفكاره في السجن " دفاتر السجن"، عندما نفكر قليلا نغلط كثيرا، أن التفكير معناه أن نعيد التفكير بكلّ مفكَّرٍ به، لماذا لا يكون مكان لمحمد وفولتير في الصحراء العربية ؟ لماذا لا نقلب قيم الإسلام فيتحجب الذكور وتسفر الحريم عن وجوههن، وتمارس قوامة النساء على الذكور وتتزوج الواحدة 4رجال؟ تقهويت وتراخيت وتسليت بمراقبة السابلة في الساحة، أبويلو[63] يجر كراجة الحفيد، رجل يلحس البوظة، منظر عادي كمنظر عجوز تهوي بالمروحة بيوم قائظ، رجل يضع الكنزة فوق الكتفين في استهتار بورجوازي، برد الطقس فلبستُ المعطف والسروال الطويل والجوارب ومشيت نحو المتجر con pan y vino se anda el camino[64]، الحجيج مثل فصيلة استطلاع تتقدم في أرض غير معادية، على الطريق، دعاية لتاكسي ينقل الحجيج المصابين او التعبانين او اليائسين او المستقيلين من المشي او الذين يستثقلون الحقيبة، حلقت ذقني عند النافورة وغسلت كلاسيني واغتسلت، التعري في الطبيعة طبيعة، الأشواك البرية أطول من شجرة زيتون، مررت تحت أسلاك كهرباء خط التوتر العالي فحثثت الخطى، "فيلامبيستا"صارت ورائي، الشمس في منتصف القوس الغربي يعني ما زال 4ساعات للمغيب، عندما تركتُ "اسبينوزا ديل كامينو "أحسست بأمعائي تتحرك بسبب الخوخ اللعين، الاسهال لم يترك لي فرصة ان أبتعد أبعد من خرائب قلعة مهجورة تضم رفات الكوندي دييغو بورسيلو سيد بورغوس ومؤسسها، فلسطيني صغير يخري على إسباني كبير، مشيت مع السهم الأصفر، بين سنابل القمح تنتصب زهرة عباد شمس وحيدة، هاهي "فيلافرانكا" عزبة صغيرة كنائسها أكثر من بيوتها ( كانت مقرا أسقفيا فيما مضى ) عبئت المطرة استعدادا للمرحلة التالية، بيني وبين سان خوان ديل اورتيغا جبيل وشويةكيلومترات، تناولتُ دراقة من جيب الحقيبة ونتشتها وأنا ماش فكانت لذيذة بحجم الجوع، في قمة جبل أوكا مراوح هوائية ضخمة متشابهة وتدور باتجاه واحد، اتجاه الريح، من بعيد كنت أنظر لهذه المراوح فأحتار بشأنها، هل هي جميلة ام قبيحة ؟ الآن وأنا أراها عن كثب حسمت أمري، إنها قبيحة كمقاصل إعدام، وتثير الأعصاب بأزيزها الرتيب، هذه الغابة لا تشع منها الطمأنينة، وكنت أعرف نكهتها مذ شاهدتُ مشهد المراوح الفظيعة وهاهو مشهد أكثر فظاعة، نصب تذكاري لمئات الضحايا الجمهوريين فوق حفرة جماعية تعود للحرب الأهلية (1936 )، يا لقلب يسوع النقي من الرحمة ! كيف يتلذذ القتلة بالقتلى، الحرب الملعونة تبخس قيمة الإنسان، باسم الله يقترف المتعصبون الدينيون أفظع المجازر ،in el nombre de dios [65]بورغوس (التي أنا قاصدها ) كانت حاضنة للفاشية، ظلي يرافقني يطول ويقصر يرتمي على اليمين او على اليسار أمامي او ورائي، حسب موقع الشمس وموقعي من الشمس، من النسخة ومن الاصل ؟ من الماشي ومن الطريق ؟ من المغدور ومن الذي لم يُغدر بعد ؟ من المروحة ومن دونكيخوته؟، أخدتُ الطريق على عماها وسهوتُ عن السهم الأصفر، مرت قربي سيارة لاندروفر للحرس ولم يقولوا لي شيئا بخصوص الدرب فقلت لنفسي اني في الطريق الصح وان علامة الطريق ستظهر حتما على جذع آخر مروحة، بلغتها ولم يظهر شيء، فكرت ان أعود للوراء نحو النصب، لكن كل فرسخ تضيعه يعني فرسخين، مرة بالإياب ومرة بالذهاب، فقدتُ البوصلة، انعمى قلبي فاتبعتُ الأثر المضلّل، ضاع السَّالِكُ في المسالك caminante, no hay camino[66]، أين علامة الطريق GR65، الخطان الأحمر والأبيض؟ السهم الأصفر ؟ أين الدرب ؟ سكة السلامة ؟ مافي الدومري [67]على الطريق، لقد بلغتُ نقطة اللارجوع وعلى أي حال فالعتمة تناسب خفاشياتي الليلية في نبش القبور ونبش جثة التاريخ، والفت على مكابدات الطريق، حياتي كلها Road Movie [68]، نشأت ثقة متبادلة بيني وبين الخوف، روحي القلقة لا تحس بحلاوة الحياة الا بالتماس مع خطر الموت، بسبب ترحالي الدائم صار عندي بوصلة داخلية تميِّز ذبذبات الاتجاه، الرحيل علم مضبوط بمقادير دقيقة كالهندسة والحساب، أحاطتْ بي كتل الظلام الكثيفة كأنني في كهف أسود عملاق او كأنما ابتلعتني حية ضخمة، ما أن ينأى الإنسان عن البشر حتى تأتي الأصوات القلقة، سرتُ بالتّوتر نفسه، كالسائر في نومه، ظلت خطواتي عمليات حسابية نتيجتها صفر، أنا في مكان ما خارج المكان، الكامينو باي نايت، الذين ينظرون إلى العتمة يذهلون ويرون بعض الرؤئ، رأيتُ 7 آلاف جثة بولندية تطاردني، هذه أرض الغيلان، غابة كاتين[69]، الموتى يستيقظون ليلاً، سمعت ارتطام شيال الحقيبة فارتعدت، مشيت وعيناي تتطلعان إلى أربع جهات، في القرون الوسطى من يحج إلى سانتياغو كان يكتب وصيته، ان نفذ من قطاع الطريق لا يسلم من الذئاب المفترسة، هِمت مفكفكاً مخلّع الأوصال، فقدتُ الشجاعة، لبثت مكاني في حالة تشمع، أترقب في حالة حصار، متى ينتهي هذه التيه يا رب موسى وهارون ؟ كل هذا المشي العبثي ! الأشباح والجماجم، الدمامل في رجلي ! حقيبة الظهر على ظهري، سماط فخذي، الوجع في ساقي، الفجيعة في قلبي، الجوع بالمعدة، العطش في الأوردة، الجو المسموم، الكيان المبعثر، الجسد المتهالك المتهالك، الضجيج في الرأس، لكني تعودت ان أخلق من الكابوس مبدأ جمالياً أتوائم معه، الطريق الوعر مجال للمقاومة الحقيقية، تان تان يعرف دائما كيف يتخلص من المأزق، الدرب متاهة لكن القلب يعرف طريقه، تقدمت كمصارع ثيران يقترب أكثر من يمكن من الموت ثم يصرع الموت، المشي ميكانيكي ونظام العالم كله ميكانيكي، الطريق إلى الحضرة متاهة وأسوأ المتاهات هو الخط المستقيم، كيف نلقى أنفسنا ان لم نضيع ؟ يا جبل ما يهزك ريح، لا يوجد مستحيل، فقط ركّز فيما تسعى إليه، فليس هناك شيء بعيد إلا بقدر عجزنا عن الوصول إليه، مهما طالت السكة فإني سوف أصل إلى مكان ما، مشيتُ مثل سفينة خبيرة بشق الموج، التوغل الذي يستتبع التوغل، ظهر خط مستقيم ومرتفع وعريض في عشوائية الغابة والعتمة، اقتربت وتبينتُ جرافات وآليات ومزافت،انتصبت لوحة ضخمة مكتوب عليها OBRAS[70]انهم يشقون اوتوسترادا وسط الاحراج، فرجتْ، هذه هي النجمة التي تضيء درب القافلة، وعسكرت أمام مدحلة الزفت، وضعت مثلثي الخطر أمامي وورائي، خلعت الصندل فرأيتُ جلد رجلي متشققا عند الكاحل بسبب الغبار، أظافر قدمي دخلت باللحم والدم سائلا، بلعت حبة دوليبران، من جوعي توحمت على طبق تركي، شيب كباب، وشوربا وكاس لبن عيران، دحشت جسدي في كيس النوم ورحت أشخر، في الرؤية رأيتُ أتيلا يقنطر الفرس وفي عينيه متعة الدمار، ورأيتُ قطعانه يزرعون الموت بكل مكان، رأيتُني ألهو بنفس الجدية التي يلعب بها الأطفال، في الصباح تحولت إلى فرجة للعمال الذين تجمعوا علي قلتلهم أني حاج بيريغرينو ومضيع دربي، ظهر بينهم عامل موريتاني دلني على المخرج، على طول الاوتوستراد، قللي ان الطريق هينة والمسافة قريبة ربع ساعة زمان، هذا كلام جيل الميكانيك المسيّر بالسيارة أما المشائون عشاق البطئ فعليهم ترجمته بطريقة عملية اذ سرعان ما تكتشف ان الربع ساعة هي 3 ساعات مشي، مشيت وكان شكلي فظيعا، القميص الأحمر حال لونه وصار أبيضا من ترسبات العرق، بلغت قرية "فيلاسور ديل هيريروس "، انها ليست ضمن الدرب (تبعد عن سان خوان 14 كلم) ولذا استهجن القرويون وجودي فيها، أوّل شخص صادفته سألته donde esta la tienda [71]جوع البارحة بالغابة جعلني أتحرز فأكثرتُ من الطعام حتى صار كيسي ثقيلا وأكلت بنهم، مر ت سيارة قاصدة سان خوان ديل اورتيغا وتوقفت لي توصيلة، سان خوان هي بالأساس صومعة راهب نصبت بقلب الغابة لايواء التائهين وتحولت إلى مارستان ثم إلى كنيسة، في مقهى المهجع بلعت 4 قناني بيرة باحثا عن ضياع من نوع آخر، الضياع كالرحيل يمكن ان يكون أفقيا او عموديا، من هنا الطريق تشعب إلى طريقين وبطبيعة الحال أخذت الأقصر، توقفت على جانب الطريق وكتبت في كراسي :
التاريخ ديوان المَقَاتِل
الغابة :غلطة الطريق،
الضياع: تحرش الطريق بنا
التيه: الوجهة النّحسة
الطريق :متاهات الطريق
المدى : السدى
الحاسة السادسة : خلاصة كل الحواس
أنا هكذا أمشي وأفكر وأكتب، أتوقف على الطريق لأكتب، أنا أساسا أحج في سبيل الكتابة تقهويتُ في قرية "أتابويريكو" علشان الشمس الوافرة مش علشان الحفريات القديمة،
، راح الفرنسي يصور الكنيسة بجواله وراحت صديقته تصوره وهو يصور الكنيسة، تصوروا مصورة تصور مصورًا يصور، على ناصية المقهى حاجة ألمانية سألت الحاج الإسباني عن معنى كلمة siesta[72] ومتى تبدأ وبأي ساعة تنتهي، الكلمة مش موجودة بلغة غوته، الألمانْ شعب شغيل لا يقيل، القيلولة موجودة فقط بقاموس الشعوب الواقعة تحت خط العرض 36، من قمة جبل اوبرانيا تبدو بورغوس كما تبدو طرابلس من قمة جبل تربل ( مع فارق البحر)، في ضاحية "فيافريا" الحديثة خمنتُ أن المشكلة في معمار اليوم هو ان البشرية تستطيع ان تبني مدينة في عامين، ولكنها لا تستطيع ان تُنبِتْ شجرة بنفس المدة، الشجرة تحتاج لقرن من الزمان، لهذا تبدو المدن الحديثة قرعاء بلا روح، على مدخل بورغوس تمتد المنطقة الصناعية ومقار الشركات والمواخير والهوتيلات (الأماكن الفاسدة دائما تتركز على حواشي المدن ) بيوت تتجاور دون ان تتعارف، على ثكنة الغوارديا سيفيل شعار Todo por la patria[73] مدخل بورغوس يجب ان يُحسَب مرحلة لطوله، 8 كيلومترات، من غابة الأشجار إلى غابة الاسمنت، العبور مرهق، دائما المدينة، رموزها ومثالبها، أضواءها وضوضائها، الدعايات مطلقة القوة وكلية الحضور، هنا عالم مركَّزْ وكل شيء يمر أسرع، الناس، السيارات، الكلام، الايقاع، المشي، بورغوس عاصمة قشتالة التاريخية، أسسها الكوندي دييغو بورسيلوس ( الذي أفرغت أمعائي عند خرائب قلعته قبل يومين) كتدرائية سانتا ماريا حلم قوطي مجسد في الحجر الصلد، لكن مزاجي الآن روكوكو متوتر فلم أزرها، من كثرة نومي في العراء توقفتُ أمام فترينة تعرض مخدات وملاحف وثيرة، رأيتُ حمامة تشخ على رأس تمثال الملك كارلوس الثالث، في وسط المدينة استقبلني تمثال السِّيدْ (cid) على حصانه، ابن برغوس البار، الكومبيادور بطل حروب الاسترداد، أشار بسيفه نحوي وعينه الصارمة تقول : "هؤلاء الكفار المورسكيون طردناهم من الجنوب فجائونا من الشمال " خلاصة إسبانيا العتيقة تلقاها هنا ،القيم العسكرتارية، الفروسية والكبرياء واحتقار التجارة، لكن إسبانيا الجديدة نسخت العتيقة، قضيتُ ساعتي القيظ والظهيرة في متجر كورتي انغليز المكيف، عند طابق الأحذية ترددتُ كثيرا فأقل حذاء تمبرلاند ثمنه 100 اورو، أنا مش بخيل يا جماعة ولكن الحالة على قد الحال، مشيت ثلثي الكامينو بالصندل ولن يصعب علي الثلث الثالث، نزلت للطابق التحتاني، الكورتي انغليز كرنفال رائع من الحياة الجامحة والسعادة والموفيدا والروعة الليبرالية، مدينة بالمدينة حيث تباع وتشرى سعادة معلبة في شكل بضائع فورية، España es diferente ولكن الاسبان يشبهون كل البشر، اشتريتُ الشوريزو الأرخص والجبنة البيضاء الأرخص والخبز الأرخص، المكان مكيف ويغري بالبقاء لأطول فترة ( الطقس اليوم حار جدا)، أخذتُ وقتي في التلصص على المشترين، España es no more diferente[74] الإسبان صاروا يلوِّنون حياتهم بألون البضائع استجابةً للمشيئة العليا للبورصات الكبرى، أصبح الشراء هواية اجتماعية، اصطلاحا إنكليزيا shopping[75]، حين تُفْرَض فريضة ما على الشعب يصبح الفعل جمعويا شموليا، يدخل القاموس ويختتم بخاتمة ing، راحت سنيورة مدعبلة تشيل البضاعة عن الرفوف لتكدسها في كراجة المشتريات، كأن البضاعة في الرفوف تصرخ بها "خذيني" فتأخذها، الرأسمالية هي الوحيدة الممكنة والمنتجة لأنها براغماتية، البشرية جربتْ كل الأنظمة الشمولية ولم تنفع، يمكن أن تسوق شعبا بالقوة إلى مصنع ولا يمكنك أن تجعله منتجا بالقوة ،أنانيةُ الإنسان ،ملكيتُه الشخصية، مبادرتُه الفردية، مصلحتُه الذاتية، هذه وحدها التي تنتج، الليبرالية تعمل بأنانية لهذا فهي لا تتخلّف أبداً، المثاليات لا تنتج الا على مستوى التنظير، والعالم برمته تحول إلى مسلخ كوني، الراية الحمراء أعارت لونها للمارلبورو، حين رجعت إلى وارسو بعد غيبة طويلة كانت طوابق مبنى الحزب الشيوعي قد فُرزت إلى مقرات للشركات المتعددة الجنسيات، نرجع للسنيورة، باسيونارا الشوبنغ، راحت تجرجر الكراجة مترعة بشوكولا من مختلف الأنواع، ألبان وأجبان، سكاكر وموالح، بيزا مثلجة وفواكه طازجة ومجففة، وبما ان كل هذه الأطايب ستتحول إلى خرا، فقد توّجَتْ المشتريات برزمة أوراق لمسح الطيز، السنيورة حملتْ باليسرى جوال آيْباد، باليد الحرة أخرجتْ كارت الائتمان، بثلاث حركات سنكرونيكية أولجته بالماكينة، خبئتْ التابلوه حتى لا يتلصص أحد على كودها السري ثم فقستْ أربع أرقام بإصبعين، بحق العفاريت ! كيف تضغط على أربع أزرار بإصبعين ؟ راحت تدفش الكراحة بصعوبة، وبما اني الزبون الأقرب إليها فقد التفتتْ نحوي "بور فافور سنيور ساعدني لرفعها على رصيف الشارع " جائت في أسوأ لحظة، قلتلها " لوسيانتو، لن أساعدكِ فأنتِ مش مضطرة لشراء كل هذه الكماليات" قالتلي " ان ما هو كماليات بالنسبة إلى فاغابوندو[76] مثلَك هي ضروريات لربة بيت"، لو انها رجل لأمسكتها من خناقها، هناك سبعة خطوط للجريمة إحداها رفض الأمر السائد، بودي ان أسكر مثل جولي ثم أسوق السيارة بسرعة فوق جثث هؤلاء الخنازير، فالقتل المتعمد هنا أوجب من القتل غير المتعمد ،كراهية العالم تحولني من ذات مدمَّرَة إلى طاقة مدمِّرِة، لن أكون روائيا فاشلا وشخصيات روايتي هم هؤلاء، بودي أهرب من مدنية المدينة، الانحياز إلى اسبارطة يحررنا من مدنية أثينا، مررتُ على بورغوس مرور الكرام، دخلتُ من قنطرة سانتا ماريا وخرجتُ من قنطرة سانت مارتين، من غابة الاسمنت إلى غابة الأشجار، العبور منعش، المدينة والريف هما الأفقي والعامودي، المشوّش والجلي، الكربون والاوكسجين، التأنس والتوحش، مررت قرب بيت أمامه سيارة مطحبشة وينشر الغسيل على البلكونة وموسيقى الفلمنكو تخرج منه صاخبة فعرفت انه بيت غجري، تجاوزت الجامعة، أعرف اني ماشي صح اذ رأيتُ السهم الأصفر بأم عيني ومع ذلك سألتُ سيدة حلوة تحمل كلبا "هل الكامينو يمر من هنا يا سنيورة ؟" فقالتلي " سي سنيور [77]" وتشهيتُ لو تداعبني كما تداعب الكلب الشالو، وتشهيتُ لو انها تغير مسار الكامينو فتجعله يمر من بين نهديها، كان السجن آخر مبنى في المدينة، سمعتُ صوت مكبر الصوت منه، رأيتُ ربيئة الحرس في أعلى البرج، الشمس لا تشرق لكل الناس بل تغرب على كل الناس، وفكرت بأولئك الذين لا نفكر بهم أبداً لأننا لا نراهم أبداً، المحابيس، أعداء المجتمع وضحيته، يفضلون ان يصلوا بسرعة داعسين على القوانين، لكن القوانين دعستهم، السجون مبنية بحجارة القوانين، والقوانين يسنها الأقوى ليفرضها على الأضعف، فيما يخص سيادة القانون يمكننا ان نقول الشيء وعكسه، لسنا مخطئين تماما ولا مصيبين، اي مجتمع يستغني عن العقوبة التأديبية ؟ يجب أن يصل الإنسان إلى درجة من الملائكية ليتخلى عن السجن والسجان، جمهورية بليز المثالية في "لوزرتي" كان يكفي ان يغلقها لص واحد دخل وسرق الحاسوب، ان السجن عار، وان الأسباب المؤدية إليه هي التي يجب أن تُدان، السجن أيضاً محطة في الطريق، وقد يكون أفضل من مدرسة، أخي خالد لم يتمدرس بمدرسة بل درس 6 سنوات بالحبس السوري ( بتهمة سياسية) وخرج منه بشهادة خطيب ملسِن، يوم الاحتفال بالسجين الفلسطيني يسلمونه الميكروفون فلا يتركه الا بعد ساعتين، ثم انتقل الذهن إلى أفكار أخرى، إلى الحصّادة وهي تحصد القمح، آلة واحدة يقودها رجل واحد تقوم بكل المهمات، الزراعة أصبحت صناعة، الإنسان سيطر على الطبيعة وطوعها لخدمته، الحضارة الغربية مكتوب عليها ألا تكون إلا متفوقة، كان أبناء المغرب يسألون الآباتي "هل حقا ان المسيحيين يفلحون البحر ؟" الحصاد انتهى وفائض القمح متروك قرب التبن، هذه السهول هي إهراء أوروبا كلها، مع ذلك كانت جائعة أثناء الحرب الأهلية، أيام فرانكو كان دونم الأرض يعطي ربع ما يعطيه الآن، مع الحرية الأرض أيضاً تتحرر، لماذا السويد تنتج سيارات أكثر من هولندا ؟ لماذا تنتج هولندا تلفزيونات أكثر من السويد ؟ لماذا العرب لا ينتجون شيئا ؟، لماذا يستطيع اسبان ويابان وألمان ولا يسستطيع عربان؟ لماذا فشلت التجربة التصنيعية في الجزائر ونجحت في كوريا الجنوبية ؟ لماذا يجوع السودان وهو إهراء حبوب لأفريقيا كلها ؟لماذا عندنا أعظم أنهار العالم وأخصب سهول العالم ونشتري قمحنا من روسيا وأوكرانيا ؟ لم لا ينشئون سوقا مشتركة عربية ؟ لماذا توظف رساميل النفط في البنية التحتية المنتجة ؟ لماذا نشتم الدانمرك بسبب الرسوم المسيئة ونتكالب على شراء أجبانها وألبانها ؟ أسئلتي دائما علامات استفهامي المقلقة أوصلتني إلى "تارداخوس" عند العاشرة ليلا، رقدتُ أمام مصطبة أوّل بيت صادفته، بيت مهجور، هكذا تهيأ لي، اذ في منتصف الليل سمعتُ صوت رجل يتكلم مع زوجته من خلف الباب فأفقت مذعورا، البيت مسكون! يا باطل ! وانسحبتُ بصمت ساحبا نفسي من الكيس وساحبا الكيس من أمام الدار وأكملت نومي على أقرب مقعد عمومي، عند الصباح رأيتُ الصيادين ببنادق الصيد يتوجهون رفقة الكلاب السلوقية نحو البرية، "رابا ديل كالسادا "على واجهات البيوت العريقة نقش شعار قشتالة ورأس الملكة ايزابيلا وتاج ملكي، والبيوت الأقل عراقة تعرض عرانيس الذرة وضفائر التوم والفلفل الأحمر، شربتُ قهوة الصباح ورحت أراقب لقلقا معششا فوق برج الكنيسة، كتبت بكرّاسي :
الجسد : روح الروح
الروح : جسد الجسد
القرميد الأحمر : حلم السنونو
عباد الشمس : حنين النور
العطش : حنين الماء
الواحة :حنين القافلة،
من ينزع غبار السنين عن إسبانيا العتيقة ينتزع بكارتها، سحرها في عزلتها، وعزلتها في تخلفها، وتخلفها في كونها ملصت من البرتستانتية (محاكم التفتيش وأدت في المهد بيضة الأصلاح الديني) الحصرية الكاتوليكية زائد العزلة والفقر، هي أسس الجوهر الإسباني، بعضهم يرى فيها سر عظمتها والبعض يرى سبب انحطاطها، ثمة تشابه كبير بين إسبانيا وتركيا، تاريخهما، صعودهما المدوي وانحطاطهما المدوي، البلدان جنوبيان ومتوسطيان وعرفا العصر الذهبي معا (القرن ال16) وعرفا العصر التنكي معا، ثم عرفا النهوض الحديث مجددا، أتاتورك يشبه فرانكو (مع حفط الفوارق )، قصر إسكوريال لا يختلف كثيرا عن قصر توبكابي، غاودي هو نسحة عصرية عن معمار سنان، سليمان القانوني نسخة كربونية ( ومجايلة) عن كارلوس الخامس، باسك إسبانيا يذكّرون بكرد تركيا، فريديريكو لوركا قرين ناظم حكمت، البلدان يتشابهان حتى في كونهما همزتا وصل (وفصل ) بين قارتين وعالمين، كلاهما كان عملاقا من فخار، الطريقة التي غلبتْ انكلترا فيها الأرمادا الإسبانية في معركة الطرف الأغر تشبه الطريقة التي دمرت بها القوى الأوروبيةُ المؤتلفة الأسطولَ العصمليَ في معركة ليبانتي، سرقني من التاريخ حاج ألماني يعزف على الغيتار وهو ماش، وبما انني أكتب وأنا ماش فقد مشينا على نفس الإيقاع، العازف الحاج والكاتب الحاج يحتاجان ليدين ورجلين ليقوما بعملين بوقت واحد، ثمة رجل وزجته يسيران وحدهما ،يبحثان عن السلوى والعزاء في الدرب " فقدنا ابنتنا بعمر 19 سنة "قالت لي المرأة وهي تحبس دموعها، لا أعرف سوى السكوت وسيلة لتعزية الأيامى، تعاسة التعساء تبدو لي أفخم من سعادة السعداء ومع ذلك استثقلتُ هذه الصحبة فتخلفتُ وغسلتُ كيس النوم بنهر اوربيل ونشرته وقعدت أنتظر لينشف، مر حاج شكله بدوي ومتلفع بالحطة والعقال، انه "فرناندو "طبيب تشريح مدريدي، اشترى هذه الأرابيسك أثناء سياحته في سوق الحميدية بدمشق ووضعها على رأسه هنا للتسلية، قلتله " أنت حين تلبس هذه الثياب العربية تتنكر، وأنا حين لا ألبس هذه الثياب العربية أتنكر، أنا مثل التارقي حين ينزع اللثام يصير مجهولا ،.... الطبيعة الرائعة هنا تجعلك تهمل البشر، وهكذا امتلئت عيني بالامتداد اللامتناهي الذي يسمونه la meseta، سهول ذهبية تلمع تحت الشمس منظر بيتورسيكي muy espanol[78]، أجمل شيء في الامتداد هي الضيعة الإسبانية في الامتداد، وأجمل ما بالضيعة هي الكنيسة وأجمل ما بالكنيسة هو برجها، انه همزة وصل بين الأرض والسماء، مذ عبرت جبال البرانس كنتُ قد جزئتُ الطريق إلى أجزاء بحسب المحطات الكبرى ليسهل التغلب عليها، بامبلونه، لوغرونيو ،بورغوس، ليئون، بونفيرادا، ساريا، سانيتاغو، كل مرحلة تساوي تقريبا 100 كلمتر الا ما بين بورغوس وليئون هي 220 كلم، لم أجرؤ على تقسيمها فهي منطقة صحراوية متشابهة، نفس اللون الذهبي، نفس الامتداد، نفس الأفق، لا شيء يتغير ومع ذلك فكل شيء يتغير، الآفاق تتشابه وتتجدد، الامتداد، النور، الحساسين، التبن والقش والبيادر، ملايين الأقدام مرت لكن الطبيعة تبدو عذراء، hereux qui comme ulysse[79] الآن إحْلَوَّ الرحيل يا رفاق، الطريق بهجة، دهشة، فرح، قوس قزح من الزركشة، طير يطير من بيدر لبيدر ،فييستا، بلاصا ديل تورو، بوديغا، طواحين هواء ،كل هذا المجاز الذي لا يحتمل المعنى، هذه الطبيعة الفادحة، ملء الحواس الخمس، اذا كان النيل هبة مصر فالشمس هبة إسبانيا، وإسبانيا أرض ميعادِي، أندلسي الضائعة، إسبانيا(ي) الخام حيث الرجال اما مزارعون او رهبان او مصارعو ثيران، كثيرا ما يتردد السؤال " ما هي أجمل مرحلة في الكامينو ؟، كثيرون يقولون " الاوبراك او البرانس او مدينة سانتياغو نفسها، يصعب تحليل الجمال، بقناعتي فإن هذه الفسحة الممتدة ما بين بروغوس وليئون هي الأجمل، هي أطول مرحلة ( مسير 6 أيام) وهي أصحر مرحلة، الدرب بساط احمدي، لا ينقص الا نرجيلة وشوية تنباك معسل، أحياناً ( أحياناً قليلة) من سعادتي أحس اني خفيف رغم ثقل الحقيبة، أمشي على إيقاع الحركة الأخيرة من السمفونية التاسعة لبيتهوفن، كله تمام، همتي تمام صحتي تمام، معنوياتي ايكولوجية، كيف تتوقعون ان تكون صحة مشاء يمشي كل يوم 40 كلم، ولم يشاهد الميديا ولم يفتح النت من شهر، الدرب انسجام مع الحياة الداخلية، أنا لا أبصر الا حيث أحلم، عندما تكون أفكارك مبهمة فعبِّر عنها بفصاحة، كيف أجعل الجلي أكثر جلائا، اللغة العربية لا تعبر عن المشاعر الدقيقة بسبب ضبابيتها وكونها لغة غامضة مكرسة للدين والشعر لا للوضوح والرياضيات حاولت ان أكتب أفكاري ولم يخرج معي شي، من الخيال إلى الورق العبور صعب، كلما كان المشهد براقا كلما اختفت ذكراه بسرعة، لكني لن أبالغ بمتعة الطريق مغبةَ ان أرجع إلى مرارة الواقع، متعة بجرعة معتدلة، أبيقورية بوذية، الحجيج يتسابقون للحصول على مكان في المهجع البلدي الرخيص ( 5 اورو)، ومن يصل متأخرا سيدفع 10 اورو في المهجع الخاص، لا أريد اللحاق بأحد لأني أريد أن أمشي طوال الوقت، السلحفاة غالبا ما تسبق الارنب، "هورنييو ديل كامينو "، دكنجي وضع في دكانه أربع ساعات حائط تعطي الوقت في اليابان وكوريا ولندن والارجنتين، حاجة بلجيكية قعدتْ تأكل قربي عند مصطبة الدكان، لو انها رجل لما قلت شيئا ولكن لأنها أنثى قلتلها " bon appetit[80] فشكرتني وسألتني من أي بلد أنا /من فلسطين./" ماذا يأكلون بفلسطين ؟ /بيض مقلي بزيت سلاح، منسف برصاص ومولوتوف، ماشيتُها خطوات وقلتلها أني تخضرمت في الكامينو ولا مفاجئات، قالتلي بتفاؤل كانديدي ساذج " أطلُبْ من سان سانتياغو ان يعطيك مفاجئات "اه كيف فاتني ان للحواري آيات معجزة من بينها انه أنقذ مشنوقا ( بتهمة باطلة) من الشنق، وأنقذ غريقا من الغرق، أطلق سراح 20 أسيرا من الموأبيين، وأحيا طفلا ميتا، وحارب ضد الترك والعرب، لكن معجزة مار يعقوب الوحيدة هي أنا، كيف أستطاع هذا اليهودي ان يغري فلسطينيا ملحدا بزيارة مزاره 3 مرات ؟، سانتياغو تلفظ وتكتب بكلمة واحدة ولكنها أساسا من كلمتين سانتو ياغو (القديس ياغو)، والبلجيكية تجهل هذه الحقيقة فقالت سان سانتياغو، تركتها وحدها تغني بالطريق، 11كلم في القيظ، لا ظل يظللني، الشمس في سمت السماء، ان تسافر في إسبانيا في عز الصيف كأن تسافر في روسيا في عز الشتاء، ارتفع الزئبق إلى ما فوق 35، ولم يسعفني مار يعقوب بغمامة تظللني فتفيأت في ظل شجيرة عوسج ووخزتني أشواكها، سهول القمح عن الجهتين مثل موجات صاخبة في محيط هائج، ربما تكون الطريق أوّل اختراع اخترعه الإنسان، لو فتحنا ببلادنا طريقا للمشاة يفضي إلى الحجاز فسترى الحواجز والحدود والبلطجية والشبيحة يتصدون للحجاج، يروي ابن جبير ان بعض الفقهاء أفتى باسقاط فريضة الحج لكثرة ما يلاقيه حاج ( ذاك الزمان ) من عنت رجال الجمارك الذين كانوا يستخلصون الزكاة من الحاج مع انه كعابر سبيل تجب له الزكاة، الصحراء العربية تفصل ولا تصل، ما إعراب كلمة طريق ؟ لماذا لا يعترف الأعراب بالطريق ؟حين أرجع إلى باريس سأفتح لسان العرب على كلمة "طريق " هذا قاموس من 6 أجزاء اشتريته من لبنان وحملته بالتهريب إلى سوريا ( كنت أصلا قد دخلت لبنان بالتهريب من سوريا) عند الجمرك استوقفني رجال المخابرات السورية قائلين" عجب !الناس كلها مهربة أدوات كهربية وأنت مهرب كتب، أكيد ممنوعه "، لم يقرئوا حتى العنوان فهم لا يجيدون القراءة، المهم سُوِّيتْ المشكلة ب100 ل س، كل شيء بسوريا الأسد ينحل بالفلوس، وحتى أخرج من مطار دمشق يلزم ختم الضابطة الفدائية، صعدتُ إلى مكتب العميد (اسمه منيف حوراني )، قللي " إنزل لتحت شوف الادارة، نزلتُ، العساكر بالإدارة قالولي "إطلع لفوق شوف سيادة العميد"، توقفتُ بين الطابقين مثل مصعد خربان، إطلع إنزل، مشكلة بسيطة ولكنها مشكلة، جاء شخص وأفهمني ان المشكلة تنحل ب500 ورقة، 9 أورو لعميد و10 عساكر، يا الله ما أرخص الجيش العربي السوري، النظام كله رخيص، نصف قرن وقرصان القرداحة راكب ع ظهورنا باسم فلسطين والممانعه، خرا عليكم وعلى فلسطين، كرهتونا بفلسطين، خليها بيد اليهود أحسن، أنتم لا تدرون ان الأفكار لها تشعبات، سوريا تضيّع المسافة بالمسافات، "هونتاناس " قرية من طراز القرى التي تلحظها في آخر لحظة، لا شي يعلن سلفا عن وجودها، لا إشارات سير على الطريق ولا طريق لا دعاية لمهجع او دكان، فقط وسط هذا الخواء الكبير تنحنى الطريق وتنكشف عن قبة حجرية كأنها مقام ولي في قلب الصحراء، انه برج كنيسة القرية، وهاهي القرية مثل سراب في صحراء، ظهرت أصوات عصافير، ظهرت عصافير، ظهرت حياة من عدم، ظهر مقام القديسة برجيدا، ظهرت القرية بكليتها مسحورة مثل إرم ذي العماد او أطلنطيس في قاع المحيط، توضح الوقت حين دق جرس الكنيسة دقتين، المقهى دئما، محطة في المحطة، هاهم الحجاج الميامين يتعانقون بعد أن رحلوا مرحلة، ترى كيف ستكون شدة العناق بعد أن يصلوا إلى سانتياغو ؟ بالنسبة لي المرحلة التالية هي ان أمشى بقدر ما مشيت بالمرحلة الأوّلى وبالنسبة لهم هي اليوم التالي، هاهم خفافا يستمتعون ببيرة سان ميغيل، يهتمون بالفايسبوك والجوال وغير المهم من الأشياء ،يعيدون مشاهدة الصور التي بالتقطوها بالطريق، ويوطدون الصداقات التي عقدوها بالطريق ،صفقات عاطفية الآن تنعقد، إيميلات تتبودل، فرنسية أوقعها طلياني في شباكه وراحت تكلمه بالإسبانية، الله يهني سعيد بسعيدة، فيليبينية أوقعت ألمانيا في غرامها وراحت تدلله بالإنكليزية، سنتزوج أنا وأنت وأوّل طفل ننجبه نطلق عليه اسم شفيع الدرب، مار يعقوب، جاك، ياغو، جاكوب، جيمس، كلهم هنا نزعوا الثياب الفضفاضة وراحوا يستعرضون أفخاذهم وصدورهم، على لحومهم موضة الوشم المتميزة، اللي موشم ثعبان على كتفه، واللي موشم سلمندر على رقبته،واللي موشم أحرفا هيروغليفية على رسغه ،ولكن بما ان الكل تميز بالوشم فأنا المتميز حقا لأني مش موشوم، دائما أبقى طافيا فوق الموضة كأنني أسبح في البحر الميت، أنا جبهة الضد وكل لاءات العالم مجسدة فيَّ، لا بيت ولا عمل ولا مستقبل ولا مهنة ولا جنسية، ولا تقاعد، لا جوال ولا علامات فارقة مع ذلك اني كلي علامة فارقة، هذا ما جعل الحاجة الإسبانية على الطاولة المجاورة تبتسملي، رغم اني أعرف الجواب فقد سئلتُها السؤال الميكيانيكي نفسه " بور فافور سنيورة [81]! قديش المسافة للقرية التالية ؟ دعتني إلى طاولتها وتعارفنا اسمها بيلار من ترغونة وأصلها من سيوداد ريال وهوايتها الأفاعي، " اندهشتْ "خودير[82] " أوّل مرة ترى فلسطينيا، هناك دائما أوّل مرة في حياة كل امرأة، بيلار، لهلوبة، نهداها مليئان ،فخذاها قشطة في عينيها لمعان رسائل غامضة، في غلاظة جسدها شهوة بيتورسكية، في صوتها وهي تناديني "هاميد" رنة عذبة، لم تغلط باسمي وهذا كويس، (الحجيج بعضهم يناديني هاميل بعضهم يقول أهميد، ثمة حاجة لئيمة نادتني هيه) قالت انها ترسم / ماذا ترسمين ؟ / يمكنك ان تأتي إلى ترغونة وترى، خفق قلبي لقلوب النساء الخافقة، انني أسحرهن بطريقة حياتي ومغامراتي، كل فن الرجل مع الأنثى هو ان يكون مهماز أنوثتها فيبرعم أحاسيسها ويجعلها تتألق بحضوره، لا أستطيع الآن ان أحدد ما هو أهم شي بحياتي، ان أرحل ! ان أكتب ! ان أحب ! ولكني توصلت بمحض الصدفة إلى استنتاج ان اهم شيء هو ان أكتب وأسافر وأحب بوقت واحد، الكتابة أنا كاتبها، والرحلة أنا بطوطها، العشق أنا قيسه الملوح، أريد أن أبدأ من جديد فلا خير فيمن لا يحب ويعشق، أريد أن أنتش التفاحة لأسقط، تحدثنا عن كل شيء ووجدنا اننا متفقَيْن على كثير من الأشياء، سألتني بأي قارة تقع فلسطين؟ لو قلت لها بآسيا ستظن اني صيني، لو قلت بأفريقيا ستظن اني زنجي، قلت لها هي بلد عربي بين آسيا وأفريقيا، سألتني "لماذا هناك دول عربية كثيرة ؟ " قلت لها "لتزيد حظوظنا بالتأهل لكأس العالم. سألتني هل أحب الأفاعي ؟فقلت أنها كل ما أكره /" متزوج؟ / بل مطلّق / عندك أطفال ؟ /معنديش /، لم أكشف كل أوراقي وخبئتُ شوية أسرار للأيام القادمة(تهذيب الغموض فن) مشينا أنا وهي وصديقتها مرتا، توقفنا للراحة في خرائب كنيسة سان أنتوان، عادةً ما أمشي أكثر مما مشيت اليوم ولكن فارسة أحلامي قررتْ المبيت في "كاسترو خيريز" وكرمال عيونها سأبيت هنا، حطتْ رحالها بالمهجع وحطيتُ رحالي بره على أمل ان نتلاقى صببيحة غد
Hasta mañana [83]متى يأتي غدا، أجزم من تلويحة يدها انها تحبني، شربت قهوتين في مقهيين مختلفين، زرت قصر الكوندي، زرت كنيسة سانتا ماريا فرأيتُ تمثال البيريغرينو[84] مليئا بالقواقع، لم أكتب شيئا، أصبت باحتباس عقلي، سرقتني بيلار من أفكاري وسرقت أفكاري مني، من فرط اشتهائي للحمها لم أشته لحم الخنزير ولم أتعشى البتة، خيمتُ بالحديقة العامة وليلا ًجائت الكلاب تشمشم حقيبتي فرميتُ بقايا الشوريزو بالزبالة، آه من فرحة أحلامي ومن خوف ظنوني، كيف لمسلوب الفؤاد ان يرقد؟ من ينام على انتظار ينام على نار، لم أر شيئا البتة في منامي لأني أصلا لم أنم، نهضتُ بهمة عالية وحلقتُ ذقني عند النافورة ثم لقيتُها في الميعاد، يسعد صباحك يا بو السالف الملوي، تعمدتْ ان تخرج أبكر من العادة لتملص من رفقة صديقتها مرتا، ما حاجتها إلى رفقة مرتا وهي برفقتي ! فالعشاق دائما اثنين اثنين مثل جماعة شهود يهوة، وأصحرنا معا في الصحراء القشتالية، ناولتني جوالها وطلبتْ مني ان أصورها على خلفية شروق الشمس، فعلا يستحق ان يصوَّر منظر القرص الأحمر وهو يبزغ من الأفق الشرقي ويغمر بيلار بنوره، جاء الفارق كبيرا بين المنظر على الطبيعة والصورة بالجوال التي مسخت اللوينات الخفية، صعدنا التلة دون ان نلهث ونزلنا فسبقنا ظلنا، مشينا كثيرا حتى تقلص ظلنا ،عندما انتصف النهار اختفى ظلنا وقالت بيلار انها تحلم بسرير هزاز بين شجرتين، ورحت أحلم اني أهتز معها في نفس السرير الهزاز، بيلار اسم كاتوليكي جدا لكنها مش كاتوليكية بالمرة، مثلي أنا حميد عبود ولا أعبد ولا أحمد، بيلار متزوجة وأم لطفلين، تعيسة في حياها الزوجية وتبحث عن السعادة في العلاقات البرانية، كم تمنيتُ ان يكون حريمنا متحررات حد الخيانة، لكن العربيات خانعات، كلهن خانعات، الذكر العربي ان خان زوجته فهو فحل وإن خانته يقام عليها الحد رجما، ولا نجد بوعزيزية واحدة تحرق نفسها احتجاجا، بكل مرة أتعرف على علجية أهجس بهذا الهاجس، بعض المنظرين يقول ان علينا ان نقول مرة واحدة ما حصل عدة مرات، وبعضهم يقول ان علينا ان نقول مرات ما حصل مرة واحدة، هاهي "ايتيرو ديلا فيغا" خرجنا من ولاية برغوس ودخلنا ولاية بالنسيا ولكننا ما زلنا في قشتالة، توقفنا بالمستوصف الذي يديره فرسان مالطا وختمنا الشهادات ثم تصورنا مع كبير الفرسان ببزته الحمراء، سألتني بيلار عن الفارق بين فرنسا وإسبانيا، تعمدتُ ألا أصدمها فقلتُ " هو مثل الفارق بين إسبانيا والبرتغال "، بيلار صورتْ الحاصدة في حقل القمح، قالت انها تفضل رؤية الفلاحين يحصدون بالمناجل ويرددون أغاني الحصاد، تحدثتْ عن العالم القديم حيث كان الناس تعساء وسعداء معا، وعن حنينها لأيام زمان حين كان المسافرون يركبون الحناطير، زفرتْ زفرة نوسطالجية ثم أخرجتْ الجوال بعبصتْ بأصبعها على الشاشة لتراجع صفحتها الفايسبوك، انها جزء من العالم الحديث ولها معجبين ومعجبات من تاراغونا حتى باتاغونيا، كل شخص بامكانه أن يصبح مشهورا لربع ساعة فقط، بالأحرى في ربع ساعة كل شخص يمكن أن يصبح مشهورا، ان الفارق بين العالمين الافتراضي والواقعي هو كالفارق بين ممارسة الغرام مع امراة حية او مع دمية منفوخة ،كيف تحجبي نفسك عن العالم وتكوني بالعالم، عيال الفايسبوك يفضحون عصبيتي ورفضي للعالم، الثقافة بالمعنى البازوليني للكلمة هي مقاومة اللهو، عندما يوغل الناس في المستقبل أوغلُ أنا بالماضي وأتقدم على الآخرين بتخلفي، أتجول لأني لا أملك جوالا، لا شيء يشغلني عن العالم سوى العالم نفسه، أنا دائما في حالة رفض ولديَّ مبرراتي، هناك شئ واحد أراهن عليه وهو معاكسة النمط السائد، أرفض ديكتاتورية الذوق العام اذا جائت على حساب الذوق الخاص، أرفض الجديد اذا سحق القديم، أرفض الانشداد نحو الجماعة اذا كان انشدادا نحو الأسفل، بيلار هي كل ما لا أريده لأنها تقبل كل ما أرفضه، المرأة مرآة الرجل ومجلية مواهبه الذكورية، ليست مثاله الأعلى لكنها المطية التي من خلالها يتحول هو إلى مثال أعلى، الدون الجوان العاشق المعشوق، بيلار لم تعطني جسدها ولكنها أعطتني عنوانها، قالتلي "اذا مررتَ يوما على ترغونة فزرنا" / وزوجك ! / لن يمانع، والأطفال سيكونون سعداء بمعرفتك، فكّرتُ ومخمختُ ووصلت لنتيحة انها لا تحب ان تمشي وحدها وتريد شخصا اكزوتيكيا يسليها في الطريق،
la mystique féminine[85]، من الصعب ان تفك شيفرة امرأة كيانها مقفل بشكل هيرميتكي، تخلصتْ من مرتا لتمشي معي وسوف تتخلص مني لتمشي مع مرسيدس التي تنتظرها في المحطة القادمة، هذه الأنثى الرقمية حملتْ العالم كله بيدها فلم تعد تلتفتْ لي، إنسان المستقبل لن يتطلع حوله بسبب الادمان على الآيباد، تثاقلتْ كأنها تمشي على بيض، فأسرعتُ الخطى وتخلصت منها، رحلتُ عنها قبل أن ترحل عني، الدرب صديقي الأوحد، نسيت بيلار بسرعة، لقد جعلتها شيئا مهما بكلماتي فقط، الكلمات مفيش اكذب منها، كان بوسعي ان أحذف ما كتبته عنها لكني أحتفظ به لأظهر تهافتي ،عند قناة كاستيا اختلستُ غفوة طويلة حين صحصحتُ رأيتُ حاجا إنكليزيا يرتاح قربي وبيده كتاب "تعلم الإسبانية في خمس أيام" وأراد ان يطبق إسبانيته علي
de donde eres [86] قلتله بالعربية:" أنا ألباني أرناؤوطي، بلديات الماما تيريزا واسكندر بيك " اسم فروميستا يسحرني، فروميستا تسحرني، وشمس فروميستا تسحرني ،شربت فنجان القهوة فتعدل مزاجي، لا تأتيني ربة الشعر إلا مع رغبة البكاء، كتبتُ في كرّاسي :
القلب ذهن يحوم حول معنى مستحيل
الشجرة، الزهرة، الفيء ،
كل شيء يعبر حين أعبر الطريق
جولي، هيلين، ايفا، بيلار
كله باطل وقبض الريح
الحب هو وهم الحب
المرأة هي استحالة المرأة ،
الكنيسة، التمثال، النافورة
خداع بصر يزول حين أغمض عيني
حجيج الطريق سيختفون حين أختفي من الطريق
كل شيء يبقى ويرحل برحيلي
مشيتُ وحدي وعادت الآلة تعمل بانتظام، تفكر بانتظام، النساء نص مغلق، لا أستطيع أن أفكر معهن لأنني لا أستطيع الا ان أفكر بهن، أفكر من تحت وأركز كل الديالكتيك في البتاع، أفكر كثيرا وكل أفكاري تصب في بئر الأسرار، "فيلاميتيرو دي كامبوس "عزبة بيوتها المهجورة أكثر من المعمورة، ثمة بيت عتيق متهدم نبتت شجرة برية في فناءه، نبتت زهرة نوار بين شقوق حيطانه، الطبيعة ترمم دائما ما هدمه الإنسان، فالتمدن وهو يبني يدمر،
. Je pense comme je respire, sans y penser[87] أنا مجبول على التفكير ومجبور، كان فلوبير يجهد نفسه ليفكر جيدا حتى يكتب جيدا، الرحالة كدولاب الناعورة اذا تعطل تكسر، الدرب خط مستقيم لا يحيد عن الطريق الوطني 120 N، أغمض عينك وامش، مشية روتينية ايقاعات على وتر واحد، ولا فائدة لذكر بعض القرى التي مررت منها، الحاج في ميغالومانيته يشبه شارلي شابلن في فيلم الديكتاتور وهو يدوِّر الكرة الأرضية، ألف مشكلة خلقتُ وحليتُ، ألغيت المجاعات في العالم، حتى وصلتُ إلى " كاريون ديل كوندي"، فتحت علبة سردين والتهمتها وتحليت بخيارة وكانت احلى من الكنافة ( كل شي حلو بعد السردين ) ،خيمتُ عند مدخل كنيسة سانتا ماريا، يزعمون ان هذه القرية مطلسمة لا يدخلها عربي الا هلك ،الاساطير تروي ان خليفة قرطبة فرض على المسيحيين جزية عينية من 100عذراء سنويا وكانت حصة كاريون منها 4 عذروات ويوم التسليم تدخلت مريم العذراء فجعلت مكانها 4 ثيران هائجة نطحت الكفار وأبعدتهم عن القرية، ولهذا نذروا لها هذه الكنيسة، في المنام رأيتني في ميدان دائري مع ثور شرير وشرر يقدح من قرنيه، راح الجمهور يشجعه ضدي، "أوّلي أوّلي " ضرب الثور رجليه بالتراب كوحيد قرن يستعد للانقضاض، حشرني في زاوية ميتة وحين غرز قرنيه في عيني استيقظتُ فرأيتُ الشمس ساطعة جدا، تحممتُ في ساقية الري، حلقت ذقني ومشيت بوجه جديد، أفضل تعريف للرحالة هو انه رجل يبحث عن إرهاق عضلاته وجسده، يجب ان نرحل لأن الرحيل لا يفيد في شيء، لن أجد مكاني ولا بأي مكان، السعادة مش دائما سعيدة، أحيانا تهب ريح سامة في داخل سعيد فيشقى، الملل هو انسداد الطريق، درب وسهول، الملل هو جذام الروح، سهول ودرب، المنظر نفسه مكررا كل يوم كأني أراوح مكاني، كيف تتوقعون ان تكون معنويات رحالة ابتدئ بالدرب وثنّي وثلث، طريق مطروقة،
déjà vu, déjà vecu, déjà parcoru[88]، الرحيل غباء والرحالون أكبر أغبياء، ابن بطوطة هو أكبر ابن شرموطة، ضاع معنى الطريق بين الحتمية الميكانيكية والمياومة الرثة، وبين التلغيز والتبسيط، ضيعه باولو كويلهو بكلامه المستهلك عن كنز الطريق، هذه التورية تنفع مع مراهق يبدأ للتو في اكتشاف الطريق مش مع مخضرم أفنى حياته عالطريق، دائما في اللحظة المرهقة أفقد اعصابي وأتسائل لماذا أبحث عن المتاعب في وعر الكامينو، في متاريس حلب، في وهاد صقلية ،في مجاهل الكونغو، في صقيع جبال الالب، لماذا الا كون كبقية العربان فاكتفي بحضارة باريس، بطعام باريس بشراب باريس، باعاشة السوسيال، امشوا على جثتي يا عربان لكني لن أسايركم، انا رافض بترودولاركم وأربابكم، أنا كل ما لا تتمونه، كنت( ولا زلت) أحس اني اني فوقكم جميعا بحريتي، بحبي للترحال للمغامرة ،أنا العربي الحقيقي من بين النصف مليار من النقاط السود، لذا لم أتجنس بجنسية اجنبية، أنا حقا يائس ولا أريد أن أستسلم بالكلية ليأسي، يا يسوع قديش المعنويات هابطة اليوم ! لكني والحمد للات حازم، وأعرف كيف أحوِّل المرارة إلى شوق، أنا من الصنف العنيد الذي لا يقبل بأنصاف الحلول، الحال ستتغير والأمل ينبت من قلب الألم، مفيش خيار الا المشي ثم الاستمرار في المشي، toujours plus loin[89]، بلغتُ "كالساديا ديلا كويزو"، أكلت شوريزو في مقهى تطل على البيدر، أحب المقاهي الجانبية حيث بوسعك ان تطوِّل القعدة دون ان يستعجلك النادل بنظراته المنفرة، أطلتْ ست الحسن بيلار مع صديقتها الجديدة مرسيدس وسلمتْ علي " كه تال هاميد [90]؟" قلبتُ وجهي بوجهها وابتسمتُ للطريق، نهر كويزو نشف تماما بعد ان شفطوا كل أمواهه للري، من هنا وما فوق صار نظام الري معقدا، ظهرتْ بيوت كهوف محفورة بالأرض، "موراتينوس "مش قرية ولكنها تشبه مقبرة بصمتها، الحياة الوحيدة هي قطة تنط في الحقل، انها ساعة القيلولة، والحجيج احتلوا كل الظلال المتاحة وقيلوا، عرّجتُ على المقهى، النادلة التي صبغت شعرها بلون مبالغ في شقاره تبدو متنكرة مثلي، عربية مثلي، مدتْ لي الفنجان فقلتلها "شكراً " الطريق هي مفاجئات الطريق، لا أحد يفاجئني لأني أفاجئ الكل، بهتتْ النادلة وقالت " أنت منين ؟ /من فلسطين . / واش ك[91] تدير هنا مع الماسيح ؟/ ك نحج / أنت ماسيحي ؟ / لاء مسلم وأمشي على رجلي إلى سانتياغو ،/ وعلاش ماتركبشي الطيارة رأسا وتريح راسك ؟ /السؤال أحيانا يغتال الجواب، مغاربة اليوم لا يفهمون الرحلة رغم ان كبار الرحالة ( كانوا) منهم، ابن جبير وابن بطوطة والأدريسي وحسن الوزان وابن خلدون، هم الذين أصّلوا لأدب الرحلة، الرحلة كانت جزئا من حجيجهم ثم صارت جزئا من دمهم، أما الآن فالأزمنة تغيرت وصار المغربي (والعربي عامة ) يستسهل السفر بالطائرة، لكني بدوي من نوع خاص جدا جدا ولا أستسهل السهولة، من أجل ان تعرف البلد يجب أن تمشي إليها على رجليك، سافرتُ بالسيارة وبالدراجة الهوائية والباخرة والطائرة وفي قافلة جمال لكن سفر المشي أروعها، هل خلق الله لنا ساقين لنمشي، أم اننا نمشي لأن لنا ساقان ؟ "ساهاغون" القرية ذات الاسم الصيني في آخر المدى، توقفتُ طويلا فوق سكة الحديد حتى أرى القطار الزاحف في البيداء القشتالية، منظر جدير بالفار ويست الاميركي، سكة الحديد تعني أكثر من الحديد ومن السكة، نداء الطريق، أحبُّ القطارات حين تكون عتيقة ومدخِّنَة ومصفرة ومش مستعجلة، مرة باليونان أوقف ربان القطار القاطرة في مزرعة واشترى سلة بيض، ومرة في درعا[92] تمهل القطار وسط سوق الخضار ومد السائق يده من القمرة وتناول سندويشة فلافل، أوّل مرة أجد مكاناً بالمهجع البلدي في ساعة متأخرة من النهار، طلب المأمور جواز سفري وراح يتفحصه بالطول والعرض، أوّل مرة يرى وثيقة سفر لاجئ فلسطيني، بيريغرينو رارو [93]! قدرتي على الادهاش تفوق قدرتي على الإندهاش، قلت لكم ولكن أكثركم لا يعلمون، أنا دائما خارق للعادة لأني تحت العادة، من يتمسك باللاجنسية وأقل طرطور مجنس بجنسيتين ! وقفتُ طويلا تحت رشاش الماء، هذا حمام بالماء الساخن ومختلف عن حمام الحنفية والنافورة والساقية، تقريبا حمام تركي، سونا فنلندية، انتعاش يقارب البذخ، لن يربح مني المهجع كثيرا، من الماء الساخن فقط أهدرتُ أكثر من 5 اورو ( أجرة المبيت) غسلتُ ثيابي عند المغسل اليدوي وتحسست أمعائي الخاوية، السيارة اذا لم تعبأ خزانها بالوقود لا تسير، نحن نملك أفواها لنأكل أوّلا ثم لنتكلم ثانيا، في السوبرماركت اشتريتُ خبزة و3 شرائح خامون وشوية جبنة، في ركن الفواكه أكلتُ 4 مشمشات عالذواق واشتريت مشمشتين، أخذتُ شمامة نخب أوّل ووضعت عليها سعر نخب تاني، لن يربح مني المتجر كثيرا، سألتني البائعة "هل معك كارتا دي فيديليداد [94]؟ قلت لها "أنا مش وفي ولا حتى لزوجتي ". من خلف زجاج المقهى ابتسمتْ لي مومس لاتينية فرديتُ لها البسمة ولم أدخل، هذه الابتسامات اللعوب مكلفة جدا، القرية منظر ساحر عند الغروب ،البرج، الناقوس، أسطح البيوت، كنيسة ساهاغون بواجهتها الصفراء والبيضاء تشبه كنائس أمريكا اللاتينية، الشمس غارت ثم غابت، بيتك بيتك بيتك سيغلق قن الدجاج، ما ينفرني في المهجع هو ان عليك ان تدخل قبل التاسعة ليلا، تنام مع الدجاج وتفيق مع الديوك، بالمطبخ أنشدنا "كلنا للبطون للطناجر للصحون"، شطرت الخبزة ووضعت فيها شرائح الخنزير والجبنة وعملت السندويشة التي يسمونها بالعربية الشاطر والمشطور وبينهما ما لذ وطاب ،الصينية قضت ساعتين تطبخ وأكلت وحدها، الطليان طبخوا باستا معكرونة على يخنة بولونيا، حاجة سمينة يبدو انها تمشي لتنحف، طبخت خضارا مغلية عالبخار، الكامينو بالنسبة لها هوكامينو وايت واتشرز، في الدرب ستخسر 20 كلغ وحين ترجعت لبيتها ستربح 25 كلغ، الطلياني أكل وزبل وانصرف دون ان ينظف الطاولة فنظفها الألماني وهو يقول "شايزي[95]" حاج ياباني بصق على الأرض ورمى عقب السيجارة، لا يجب تصديق الأسطورة عن انضباط اليابانيين، انهم أحيانا أوسخ من خنازير، على طاولة العشاء لا أحد يتطلع بالآخر، الكل عينه بالجوال، بالطرف الآخر من العالم، بعضهم أحضر معه اللاب توب، أُطْفئتْ الأضواء في العاشرة وآوينا إلى التخوت المركبة فوق بعضها، في المنام لم أر شيئا بل سمعت ضوضاء جوقة كاكافونية، أفقتُ من عُمق ليلتي، الطليان وهم يفيقون فيقوني، تحممتُ وحزمت حقيبتي وأسريتُ بالعتمة، سمعت جلبة كبيرة في ليلة يفترض فيها انها هادئة، بانت المراقص مشتعلة رقصا، والكوؤس الفارغة تملئ الرصيف، حمى سهرة السبت، السكارى بالشارع أكثر من الصاحين، لم أتبع السهم الأصفر ولكني تبعت شبح حاج أضاء الجوال، "باريسيانوس ديل ريال كامينو " صباح هادئ، شمس مشرقة، نهود ربة البار تفيض عن الستيانة، شم ولا تدوق، إنكح بعينك، هتكٌ للوصايا العشر ان تشتهي امرأة محصنة، لكن العفّة تحريض عمومي معاكس للطبيعة، والورد الجوري حين يمد عوده من خلف السياج يغري بقطفه، يا ناس الحاج بشر من لحم ودم وله إير مثل كل الأيور، أقصدُ مثل كل الذكور، لو ان محاكم التفتيش ما زالت موجودة لحكمتْ عليها بالموت حرقا، كله طالع لبره، لم أخجل من بعلها صاحب البار بقدر ما خجلتُ من عيون لور، شربتُ قهوة بحليب ولفيتُ سندويشة من جعبة الزاد، غيّرتُ الطاولة 3 مرات لأحظى بالموقع الاستراتيجي ثم غيرت الكرسي مرتين على الطاولة، بطيزي عود، أحوص حتى بعين المكان وان وصلت قرية لا أستطيع أن أبقى بنفس المقهى، جلست عند زاوية الالتقاط الأوسع لأرى شمس الصباح مع البيدر مع قن الدجاج مع النهدين العامرين، أريد أن أبصر عن الجهتين، ان سعاري ناتج عن كوني لا أستطيع أن أكون هنا وهناك بعين اللحظة، إسبانيا تستيقظ والشباب السمّار ينامون الآن، بداية نهارنا نهاية نهارهم، رأيتُ ثمرة خوخ ناضجة لكن السياج حال دون اقتطافها، قد يكون السياج هو الاختراع الأكثر واقعية الملازم لاختراع الملكية الفردية، هذه الشجرة شجرتي وثمارها لي وحدي، هذا هو انجاز اللبرالية في مشوارها الطويل الخروج من مشاعية البدائية نحو الملكية الخاصة، السهول عن اليمين مزروعه بدوار الشمس، بائرة عن اليسار، الطريق مقبرة لقناني الماء الفارغ والبلاستيك والمعلبات ( الإسبانيول أوسخ من الفرنسيس وأنظف من العرب) على مدخل "البورجي ديل رينيرو" زخة كلمات مسجعه، cristo, trigo, silo, pan, vino!, molino peregrino[96].، انقطع حبر القلم فاشتريت قلما من دكان، الدكنجي حلف يمينا ان هذا أوّل قلم يبيعه منذ سنوات طويلة، إسبانيا لا تكتب، إسبانيا لا تقرأ، هل هذا الشعب نفسه الذي أنجب لوركا وسرفانتس ولوبي دي فيغا والقديسة تيريزا دي أبيلا ودي فايا وغويا وفيلازكيز ؟ تقهويتُ ودمغت الكردنسيال بنفس المقهى، ولبثتُ أراقب الطيور المائية تحلق فوق المستنقع، الطيران لن يكون للطيور فقط، الإنسان كذلك فيه قابلية الارتفاع، الإنسان يطير في المنام ولا بد ان يتحقق المنام، رجل المستقبل سيفقد ساقيه ( قيادة السيارة ستؤدي إلى ضمور الساقين ثم اختفاؤهما) بينما تتطور ذراعاه إلى جناحين، من يرى أجدادنا القرود بظهورهم المحنية وأذرعتهم الطويلة (قبل مليون سنة ) لن يساوره شك في ان أحفادنا (بعد مليون سنة ) سيشبهون اللقلق والباشق، الشمس لا تحتمل حتى وأنت تمشي في الفيء، نار جهنم، أمشي اذن أتعمد بالنار، من يرى ساعدي المكشوف وساعدي المستور يرى الفارق، إسبانيا كلها الآن تلجأ للشاطئ او للمسابح، أنا وحدي على الدرب، تقريبا وحدي، ثمة إيطالي يشاركني الطريق والتوحد، مفاجأة أهم من الظهور المريمي، الطليان قطيع وعادة ما يمشون جماعة، الطلياني لا تسأله هو وحده يتكلم، حتى وهو يحكي إسباني تعرف انه طلياني، يتحدث بلسانه ويديه، دائما تفلت من إسبانيته كلمات طليانية فاضحة، لكن فلوريانو طلياني بالصدفة مثلما أنا عربي بالصدفة، ويبدو من شكله الأسمر انه من بقايا أنغال السارازاينو العرب المغيرين على سواحب بوغليا، لا يهتم بالكالسيو ولا يدمغ شهادته، يمشي لأن المشي يربط الماشي بالطبيعة، الطريق عنده هي طريقة حياة مش خيار ديني، رجل له نفس أفكاري، لم يسألني أأنت مسلم ام مسيحي ؟ لم يتفلسف عن فلسطين، لم يطرح عليَّ أسئلة شخصية فالسؤال انتقاص من فراسة السائل، تركني أتكلم فقلت له اني كاتب مغمور ولم تسمع بي حتى قريتي، / "لماذا لا تترجم كتبك ؟ / انها أصلا لم تترجم للعربية فلا ناشر ينشرها " / لماذا لا تنشرها الكترونيا ؟ / لأني أحب رائحة الحبر والورق / "لماذا لا تكتب بلغة أوروبية ؟ حين يكون السؤال موجعا جدا فإننا نرد عليه بسؤال: هل تعرف إيطالياً يكتب بغير اللغة الإيطالية، فلوريانو صفن وحك جبهته ولم يعرف أحدا، اني أجيد 6 لغات ولا أكتب الا بالعربية، ولا أبكي الا بالعربية ،ولا أحلم الا بالعربية، ولا أرحل الا بالعربية، لغة الضاد هي كلام أهل الجنة التي لا أؤمن بها، لغة الضاد أهم عندي من الربيع العربي ومن الفصول الأربعة، أنتم الطليان استعمرتونا في ليبيا والصومال وإريتريا، حتى الإسباني ركب على ظهرنا واستعمرنا ( سبتة ومليلة والبوليساريو)، هل هناك أمة لم تستعمرنا ؟ العربي في أبخس تعريفاته هو ذاك الشخص الذي لا يجيد لغته الأم بينما يجيد بطلاقة كل اللغات الأستعمارية : إنكليزية وفرنسية وإسبانية وروسية وهولندية وطليانية، قال فلوريانو انه مسرور بالنقاش معي ولكنه تعبان وتوقفْ في مهجع "ريلييغوس"، وأكملتُ السير وحدي وأكملت النقاش وحدي بصوت خافت ما يلبث ان يرتفع، الطريق هي المجال الحيوي لرحلتنا واللغة هي المجال الحيوي لأفكارنا، لماذا كتب نجيب عازوري كتابه "يقظة العرب" باللغة الفرنسية ؟ لماذا إشارات الطريق وأسماء المدن مكتوبة بالإسبانية فقط، ببلادنا مكتوبة بالأجنبية والعربية ؟ لماذا تدرس كل العلوم التطبيقية والأدبية في الصين باللغة الصينية بينما في بلادنا فقط اللغة العربية تدرس بالعربية؟ الحديث إنساني، والصمت إلهي، لذا علينا تعلم كليهما، في الديالوغ ثمة ضوابط اما في المونولوغ فيوجد حرية تفكير مطلقة وشطط خيال، كان الخمير الحمر يقطعون لسان كل كمبودي يتكلم لغة أجنبية وهم محقون تماما، مفيش عندنا كرامة لغوية، ينقصنا بول بوت، المونولوغ يتطور هلوسةً، جنوناً، حماقةً، بطولة، هيجانا، تدميرا، أفكارا شريرة تمور بالذهن، ثمة رحلة عامودية في الرحلة الأفقية، أنا ووجهي وجها لوجه، من ينظر طويلا في المرآة فإنه يفقد رزانته ويومئ بايمائات تهريجية، كذلك الحال فإن أي شخص يتوحد في برية فإنه يصبح فريسة للأفكار البهلوانية، الفرد طبيعي فقط مع الجماعة التي تفرض عليه كودا سلوكيا، لكنه اذا استفرد بفردانيته يخرق العادة ويفتح باب التخيل الفنتازي على مصراعيه، أنا الظاعن المرتحل، ذئب البراري، سليل القراصنة الصوماليين، ان ترحل يعني أنك في صميم الحياة في حال اشتباك دائم مع الحياة، يعني إظهار الكينونة المحجوبة انفلات الغرائز الدفينة، ما حاجتي لساقين أمشي بهما وعندي جناحان أطير بهما، ديناميكية جديدة تتحرك فيّ ساقي وتحركني، أريد أن أكون أعظم، أريد إرادة التفوّق والإبتكار، والتحقق بالمكر والمداورة، أنا ابن الضراب، أنا ابن الطعان، أنا هو القوة الغاشمة، البارون مونشهاوزن وسوبرمان وطرزان وهتلر وستالين وجنكيز خان مجتمعين في رجل واحد، التاريخ ملحمة خطية يصنعها بطل واحد، وملايين الجنود سقطوا علشان يُنوضَع إكليل غار على صلعة رجل واحد، مشيتُ وأنا أدس يدي اليمين داخل المعطف على طريقة نابليون، ماشتني شياطيني المرافقة، فحيح ألف أفعى يختلط برأسي، الأرض تهتز تحت أقدامي، الإنسان الباطل يخترع دائما سيناريو يكون فيه البطل، أنا مسكون بطاقة مدمرة لكونها عاجزة عن ان تكون بناءة Penser est un état violent[97]. الطريق وطرق الطرق، أحقاد الطريق، أنا مجهول عند نفسي ولا أسيطر على مشاعري، كل الشموس لا تنوّر ظلامي، حين لا أجيد التفكير أفقد المنطق وأخضع لمنطقي ذاته، أمارس حقي في التدمير والتدمير الذاتي، النحر والانتحار، الفناء والإفناء، دائما أنتصر في بطولاتي، أدمر الآخرين بسلاحي السري ( خيالي)، يلزم مئة ألف جنازة ليتنازل الأسد ويلزم إبادة 30 مليون خليجي ليتنازل حكام الخليج، وفي لحظة جنون تقمصتني روح الدكتور فولامور فكبستُ على الزر النووي وأزلتُ ابو ظبي كليا عن الخارطة، في كبسة زر أخرى ألغيتُ كويت سيتي، دائما أشرع بإبادة ألد أعدائي، طفيليات الخليج، أكرههم كرهٌا ميتافيزيقيا إحشائيا عصابيا، بسيكوباتيا، موبيديكيا، ويفوق كره القبطان أشهب للحوت الأبيض، تحول الخليج برمته إلى غولاغ نموذجي يبدو غولاغ ستالين إلى جانبه روضة أطفال، أشعلتُ آبار النفط، ( بشقيه الخليجي والليبو جزائري ) اندلعت ( في رأسي فقط) نار مجوسية، كم قتيل قتلت ؟ كم ألف قتيل ؟كم مليون ألف قتيل؟ مش بيدي بل برأسي، القتل مهنة رومانسية، رأيتُ بزاقة على الطريق فتجنبت ان أدعس عليها، أنا أقتل بخيالي فقط، il y a deux nature en nous [98]أنا أمشي اذن أنا أفكر، أنا أفكر اذن أنا موجود، أنا موجود اذن أنا أمشي، اذن أهلوس، كيف أضع حدا للأفكار المنحرفة والكاوس الداخلي؟ الحقود كالعقرب اذا لم يجد أحدا يلسعه يلسع نفسه، سجلت في كرّاسي الشعارات المكتوبة، على الحيطان
« Borbones ladrones ». « Viva cristo rey ». « Kill your father » “Fuck the system”.“Meat is murder”.“Ultreia immer weiter[99]
حاجة كرواتية قعدتْ بالشمس وخلعتْ الصدرية وراحت تتبرنز، كامينو دي سانتياغو هو كامينو ديل سول[100]،وسط ساحة "مانسيا دي لاص مولاس " شجرة تنابل يتفيأ تحتها عواجيز القرية وأراملها، ثمة عجوزان ينتظران ان تغيب الشمس ليديرا التلفاز ويشاهدا فيلم السهرة ليناما من جديد بانتظار الموت، ما هو الإنسان إن لم يكن جثة مؤجلة، كيف يمكنني ان أجعل الشمس تشرق من الغرب؟ كيف ادحض الموت، أريد أن أفهم لأن الأشياء ليست كما ينبغي ان تكون، الرحالة لا يهرم لأنه يرحل مبكرا، أنا تان تان L’éternel adolescent[101]، أنا بيتر بان، وجه لا يتجعد، رأس لا يشيب، قلب متجدد، سمعت الصراخ حادا من المقهى فعرفت ان البرصة سجل هدفا، الإسبان شعب مسطح بلا قلق وجودي، رحت أمشي بالشوارع متثاقلا بنفسي، بكيسي، برمت القرية ولم أجد مأوى يأويني، صادفت صعلوكا ينام بَرّة ولكني قرفت من كلبته "غوابا" اذ يتدلى من بطنها عشرة أثداء متهدلة، نمت على مقعد مطرف جثة ممددة من الارهاق، في المنام رأيتُ بيلار عارية تماما وأفعوان يلتف على بضاعتها ويوجه سمومه إلى وجهي فأفقتُ مذعورا ،رأيتُ الشمس طالعة فحشوت كيس النوم بالحقيبة ومشيت، الشمس ردت لي الثقة بنفسي، أكلتُ، شربتُ، تقهويتُ، ارتحتُ، ثم عدت ليوغا المشي، " بوينتي كاسترو " من هذه القرى الصغيرة على مداخل المدن، بها ميزات المدينة ولكنها تبقى قرية، على الطريق دعاية لغسالات مييلي، بترديد ببغائي رحت أكرر كلمة "مييلي "على إيقاع خطواتي، مرة، مرتين، مرات، أصبحتْ لازمة عالقة على لساني حتى فاجئني كتابة على الحائط، léon sin castilla[102]، ليئون تطالب بالانفصال عن قشتالة، المنطقة الصناعية في بورغوس أكبر من بورغوس بينما بكل ليئون لا يوجد مصنع واحد، دخلتُ المدينة رأسا من الحقل إلى الشوارع، من حق ليئون ان تحسد بورغوس على الصناعة، لكن يحق لبورغوس ان تحسد جارتها على الإرث التاريخي فهذه الأخيرة كانت مملكة عريقة وفيها رفاة 23 عاهلا من ذوي الدم الأزرق، فوجئت بصوت يصرخ " هاميد" نظرت خلفي فرأيتُ الطلياني فلوريانو أبو الورد يهرع نحوي، شال السماعات من أذنيه وحياني، سألني ماذا كنت أكتب في كرّاسي، فقلت مازحا " كلمات نشيد الربيع العربي، أنا متواضع جدا لذا أريد دخول التاريخ، سألني عن رأيي بالثورات العربية فقلت "عموما أنا متحمس لها لكن حين أرى حماس قطر والسعودية يفتر حماسي، الثورات تزرعها " شوارب " و تحصدها " ذقون "، سألني متى تنتهي الحرب في سوريا ولصالح من ستنتهي ؟فقلت "ستطوّل، ومهما طوّلت فإن النظام خاسر لأنه يتحدى شعبا ليس لديه ما يخسره . سألني لماذا أكتب ؟ فقلت " أكتبُ لأن العرب لا يقرئون، وأكتب نكاية بالكتبجية، كي يُعترف بي، وأكافأ وأكون موضع حبّ واحتجاج وتأييد، وأكتب لأني أعظم كاتب عربي أنجبه القرن 21" ثم انفجرتُ ضاحكا بوجهه "أنا هو كما تراني بحجمي الحقيقي Grandeur nature [103]، أنا في الأساس صايع ولكن مع الأقزام الكتبجية أتعملق "، راح فلوريانو يداعبني قال انه لا يستمع الا لأشخاص معدودين :فيردي وبيتهوفن وسترافنسكي و.... هاميد.بلغنا مركز ليئون التاريخي، مسكين الملك خوان كارلوس لا شيء يحمل اسمه في مملكته الا شارع مغمور، معظم الشوارع تحمل أسماء القديسين، ليئون كانت بيد العرب حتى عام 912 ثم استردها الروم وجعلوها عاصمة إسبانيا المسيحية ورأس الحربة في حروب الاسترداد، أكلنا العنب اولا في الشارع ثم تقاسمنا الشوريزو أمام كاسا بوتنس، القصر الذي صممه غاودي، وتجشئنا معا فقللي " أنا عازمك على قهوة في ساحة الكتدرائية "، قمة سعادتي بباريس كانت حين أجلس على رصيف المقهى أراقب المارة، كنت أقيم في المقهى وأزور البيت بين وقت وآخر، أفَضِّلُ النظر إلى وجوه الناس أكثر من النظر إلى لوحات متحف اللوفر، أن السعادة الوحيدة هي أن تلاحظ، تتجسس، تشاهد، أن تكون مجرد عين كبيرة، 4 فناجين قهوة باليوم في 4 مقاه مختلفة، القهوة إدماني الوحيد بعدما أدمنتُ على عدم الادمان، لا سيجارة، لا خمرة، لا نت لا جوال ( واخيرا لا نساء)، استغليتُ انشغال فلوريانو بتصوير الكتدرائية فهربت منه، انه همشري من الناس الخام ولكني أبحث عن نساء مش عن رجال، كارثة، انكسر ما تبقى من ضرسي بسبب الشوريزو القاسي، أسناني هرهرت يا أللاه، ما في شي يشتغل مضبوط في الآلة المهلهلة، العقل خربان، القلب مصدئ، البتاع في إجازة طويلة، العينان كليلتان، الرأس مروكب، شعرتُ بلذة كبيرة وأنا أحشو لساني بالفجوة المستجدة بين أضراسي، الفقدان شي حميم ولا يحب الفلسطيني ان يفقده، لور ضاعت، فلسطين ضاعت، المستقبل صار ورائي، ماذا يعني ضياع ضرس، لكن تركيب ضرس اصطناعي يكلف ألفي اورو، مبلغ كهذا يمثل بالنسبة لي جولة حول العالم، تمهلتُ قليلا عند مستشفى سان ماركوس أتأمل تمثال البريغرينو، يبدو محني الظهر، طويل اللحية، زهقت من مدنية المدينة، وعورتها وعنجهيتها، المدينة حين تكون مصيفة فإن سياحها لا ينامون ولا يدعونك تنام، المدينة مبغى كبير، اليوطوبيا مكانها بالبرية، كل الأخلاقيين يتفقون حول هذه النقطة ،المدن تتشابه بضوضائها، القرى تختلف برقتها، المدينة والريف هما المصنوع والخام، القناع والوجه، التعقيد والبساطة، المتن والهامش، التنافسية والمشاعية، المحدود واللامحدود، في القرية لا يوجد جريمة ولا مخفر، الجريمة منتشرة بالمدينة بسبب البطالة، والعمل الوحيد الذي تقترحه الشرطة على العاطلين هو جلاوزة لحراسة السجون، قرأتُ 3 اعلانات بهذا الشأن على الطريق، غمرتني سعادة وأنا أدخل ضاحية "تروباخو ديل كامينو "، أحيانا الأماكن القبيحة تبدو جميلة، بغض النظر عن المزاج الجيد ففي القبح جمال خفي، شممتُ رائحة مازوت فظننتي في حلب التي زرتها عام أوّل، الروائح أفضل عامل مذكر بالأزمنة والأمكنة البعيدة، ثمة عطر كنت أتعطر به في فترة إحباطي وحين أشمه أتذكر تلك الفترة الرهيبة بكل حيثياتها، وحين شرعتُ بكتابة رواية عن الاكتئاب اشتريته وصرت أشمشمه لأبقى في الجو، على رصيف الشارع لمحت رجلا يغسل سيارته بنفسه، انها أعز من زوجته يركبها كل يوم، مشيتُ على الجانب المظلل، فوق التلة يوجد مداخن وهوائيات لبيوت كهوف محفورة داخل التلة، الإسبان يسمونها "Cuevas "، سراديب كان يسكنها غجر ورحلوا، قبل اكتشاف أنظمة التهوية والتكييف كانت هذه الكهوف تتكيف بشكل طبيعي، أحب هذه المساكن التي تشبه ساكنيها، المساكن التي لا يسكنها أحد، هجر أهل الكهوف كهوفهم ورحلوا إلى كهوف عصرية فوق الأرض، أنا البدوي الضالع في الترحال، يشدني العتيق البالي، المفارق، العابر، الهلامي، اللاهندسي، تشدني الشجرة المتفحمة بالصاعقة أكثر من شجرة الكرز المبرعمة، أنا تحفة برسم المتحف، أنا دقة قديمة ودائما متخلف عن اللحظة بلحظتين، كان يجب أن انوجد قبل الميلاد او بعد الطوفان (اليوطوبيا تشير للوراء دائما )، الضاحية تقيِّل الآن ،كل المحلات مقفلة باستثناء البازار الصيني والمطعم الصيني والدكان الصيني، التنين لا ينام لأنه للتوْ أفاق من سباته واذا تيقظ حقا فسيلتهم العالم، ربما يأتي يوم وتستورد إسبانيا شوريزو وثيران للمصارعة من الصين، وغدا يتصين الكامينو ويحل المهجع الصيني محل المهجع البلدي، وتعرض الصينيات خدماتهن كمدلكات للحجيج المعضلين، العلاقة دائما عكسية بين الكمية والنوعية، الصيني ( كالعربي) بخس القيمة، فالكثرة تبخّس بينما الندرة تغلّي، متى ينتهى كلامي الفارغ؟ تواتر الأفكار، توتر الأفكار، في قرية "فيرخين ديل كامينو " كنيسة عصرية ذات برج عال جدا، الإنسان يحلم ويسقط أحلامه إلى فوق، كتبت في كرّاسي :
الغياب : حضور مكثف،
الطفولة وطن مفقود
الذكرى وطن مستعاد
النوصطالجيا : حنين الملاك الساقط للنعيم المفقود
الشبق :فوران الجسد،
الرحلة : المكان الآخر
الرحيل : علاج المسافة
الذكريات : كيمياء المخ في استحلاب الماضي .
بي حاجة مسعورة للسعيرات الحرارية، قبل أن أرشف القهوة أفرغت محتوى كبسولة السكر بفمي، لا أحد ينظر لأحد بالمقهى الكل عينه على الجوال، وأنا عيني على الكل ،جاء النادل ووضع الفاتورة أمامي، أجمل ما بإسبانيا انهم ينادونك"كاباييرو[104] " وان لم يكن معك حصان، ينادونك "مورينو[105]" حتى وان كنت أشقرا، بعد فيرخين يفترقُ الطريقُ إلى طريقين، اخترتُ الطريق الذي تجنبته آخر مشوار، ختمت المرحلة في قرية " سان ميغيل دل كامينو، كان المبيت قرب الكنيسة، في المنام كانت كلاب هائجة تطاردني واقترب أحدهما من بطة رجلي وحين هم بعضي فتحت عيني، في " فيلادانغوس" رحت أتحمم عند عين الماء فجائت الأبقار تشرب، وقال الراعي أن الحياة هنا هانئة ولكن مفيش فلوس، والخمسون بقرة الحلوب هذه مش فلوس ؟ من "هوسبيتال ديل اوربيغو" بقي 315 كلم إلى قبر الحواري ،10 أيام على أبعد تقدير، الفاكهانية باعتني عنقود عنب وغسلته لي، نهر اوربيغو عرضه بالكاد 3 أمتار والجسر فوقه طوله 80 مترا، حاجة برتغالية ملفتة للنظر بتأنقها وطريقتها الارستقراطية بالكلام، كرايو[106] ! لقد تعودت في باريز على رؤية برتغاليات مسترجلات ولهن عضلات، تزودتُ بما أحتاج اليه من الزاد واستأنفت المسير موليا وجهي شطر الغرب، الدرب الآن يمشي بموازاة الطريق الوطني 120، أين أرامل الطريق؟ نساء الطريق، مطلقات الطريق، شبقات الطريق، الثيبات والأبكار، الأوانس والعوانس ؟ مضربات عن المشي بسبب الحر الشديد، ما أشق المشوار تحت الشمس، أتذكر في أول حجة سقط مطر غزير على أستورغا، كانت سيارة قد توقفت لي فقلت للسائقة أنني حاج ولم أصعد، أتذكر ان القيَّمَة على المهجع جففتْ لي حذائي ودللتني وأعطتني أفضل وأعرض سرير، أرادت إغوائي ولكني كنت أحب لور حبا حصريا، من فوق تبدو "سان خوستو ديلا فيغا" و "استورغا" يفصلهما حقل كبير، غدا يُزرع الحقل بالأبنية بدل السنابل وتصير القرية ضاحية البلدة، قبل ألف سنة لم تكن هذه القرية موجودة، بعد ألف سنة لن تكون تلك السهول موجودة، الرحالة يرحل في السنين الضوئية، رأيتُ شجرة كرز قاحلة من جهة الشارع ومثمرة من خلف السور، ليس من الكياسة ان تزرع أشجارا مثمرة في الدرب، الحجيج أقل من بشر لأنهم يجوعون أكثر من بقية البشر، رأيتُ دعايات وصور لحفلة مصارعة الثيران، معارضو هذه الرياضة الوحشية حاولوا ان يمزقوا الملصقات، وأنا مع المع أم مع الضد ؟ أنا مش إنساني جدا لأعتبر مصارعة الثيران جريمة، وأعتبر التلفاز جريمة أكبر ،على الحيطان الجملة الأكثر شيوعا buen camino peregrino [107]دعاية لمطعم صيني يعرض وجبة للحجيج ب5 اورو، يا بلاش، العشاق حفروا حروف أسمائهم في لحاء الجذع وكتبوا Te quiero para siempre [108]، عندما يقول شاب لشابة "أحبك" فلا شك في حبه، وعندما يقول لها "سأحبك للأبد" فلا شك في كذبه، الذين يؤمنون بأبدية الحب هم العاجزون عن حب أكثر من امرأة، أستورغا مدينة تاريخية، متحف مفتوح على السماء، بلوغها يعني اني قطعت ثلاث أرباع الطريق تقريبا، خشية الأرق جعلتني أخفف من القهوة فشربت ليموناده، كازوز إسبانيا يعطِّش أكثر مما يروي، ماء الحنفية أفضل بكثير، بالمتجر توحمت على الشوكولا وسمحت لنفسي ( استثنائياً) باقتراف هذا البذخ، البلازا مزدحمة استعدادا للفييستا، موسيقى، غناء، رقص ،هيصة، كلهم بَرّة حتى المعاقون، لم يبق في البيوت الا أقفاص الكناري، نساء كثر بالشارع وقلبي موحش، أين الحريم يا الله في هذا الحرملك المفتوح على السموات والأرض ؟ أين الحنان ؟ ولا واحدة همشرية تشفق على هذا اليتيم المقرور وتدفئه بسريرها، لماذا دائما على الرجل ان يخطو الخطوة الأولى نحو المرأة وليس العكس ؟ شاهدتُ على تلفاز المقهى مباراة فريق(ي) ليون ضد ريال سوييداد وخسر ليون على أرضه وحلفت يمينا الا أشجعه بعد اليوم، لازم أتحمل خسارتي فقط ولازم أفرح حين أربح أنا فقط، غاودي ترك بصماته أيضاً هنا، صمم قصر الأسقفية الذي يشبه قصور السحرة في أفلام والت ديزني، غاودي في إسبانيا يماثل أوغست بيريه في فرنسا ،صمم أجمل الكنائس وهو ملحد، لكن غاودي كان مؤمنا بعمق، شرع في بناء كنيسة العائلة المقدسة في برشلونة ولم ينته منها، قال للأسقفُ ( الذي استعجله ان ينتهي ) أن ساكن هذا البيت ( يقصد الله) مش مستعجل . ومات غاودي وحتى الآن لم تنته، في هذه الأثناء جائت سائحة تحمل كاميرة رقمية ووقفتْ قدامي لتصور القصر فرحتُ أصور ( بعيني فقط) مؤخرتها، المعمار العضوي، القنطرة بين الفخذين التي تنتهي عند بئر الأسرار، حقاً ان فتاة جميلة تساوي مليون تمثال منحوت، الفن عزاء، الذين يحبون النساء عن حق وحقيق لا يهتمون بالفن ولا يزورون المتاحف، الفن هو ذاكرة البشرية ومستودع إحساسها بالتناقض، ويمكن أن يختفي يوما وأن يحل محله الواقع عندما تصل الحياة إلى درجة عالية من الانسجام بين الرجل والمرأة، وبين الطبع والطبيعة، فالفن تعويض عن نواقص الحياة، وتجلٍ لفوضى الحياة، هو بديل للحياة، فالإنسان لا يكفيه وجوده، ( بالمناسبة ،غاودي كان مثليا واضطر ان يقمع شذوذه في مجتمع محافظ ( برشلونة القرن 19) فأخرجه بشكل فني). بالشارع حدجني سائح ألماني بطريقة وقحة فصفعته بالطاقية على وجهه، صرتُ أستفِز وأُستَفَز، تفاقمت مرارتي باظت أعصابي بسبب دواهي الرحيل، الشوريزو المفلفل، الضغط النفسي، خسائر الآخرين التي تصير خسائري، وجدتُ مكاناً مستورا قرب مبنى البريد، نمت نوم الطفل بعد التوتر الذي يحدثه اللعب، رأيتُ في المنام أني فوق زهرة نيلوفر في بحر أزرق وحولنا زوارق من عاج، والنوارس تضع بيضها في أفواه الحيتان، كانت بيلار متنكرة في شكل غايشا يابانية مشدودة العينين، حين اقتربتُ منها تيقظ الأفعوان النائم تحت ثوبها الكيمونو، وأصبح الصباح، أديلانتيه [109] باتجاه السهم الأصفر، الطريق دائما، الطريق أبداً، قرية "سانتا كاتالينا" ما زالت نائمة، حاجة نمساوية تمشي مع طفلتها، حاج يزمر على الطريق، هاتفه يرن، حتى وأنت وحدك لست وحدك، العائلة كلها معك، العالم كله يرافقك، في جيبك، انكسار الضرس، الحر، البرد، الارهاق، الجوع، العطش، القرف، الملل، الكبت (ألعن داهية)، الدمامل، تورم القدمين، انتفاخ الركبتين، التشنج، البراغيث، العرق، الثياب الوسخة، نوم العراء، روتين المشي لكني كُلّ يومٍ أمشي بطريقةٍ جديدة، نحفتُ كثيرا سروالي صار يسحل عن خصري فشددته بالنطاق، الأيام تتوالى ولا تتشابه، في الحياة يوجد أشياء آخرى سوى الرحيل، كالتسكع من محل إلى مرتحل، من قرية إلى دسكرة، من متاهة لمتاهة أوعر، في الصباح أمشي مع الحجيج، بعد الظهر أمشي وحدي، في الليل أنام وحدي، كل لقمة آكلها تؤلمني ( بسبب ضرسي) وكل خطوة أخطوها توجعني ( بسبب الصندل) هزل الجسد وغارت العينان، ولم أعد أجيد الابتسام، لم أعد أبقشش النَّدُل، صرت مثل الكهول أختلس غفوة بين الفينة والفينة، صرتُ أعرف السوبرماكت الرخيصة والغالية، أميز بين شوريزو سلمنكا الاصلي والشوريزو المغشوش، أفرّق بين شابة صغيرة (سنيوريتا ) وسيدة كبيرة (سنيورا )، الدرب مفاجئات غير مفاجِئَة، أعرف الطريق ومدن الطريق والمدن المتآخية مع مدن الطريق، أعرف مثلا اننا لازم نعبر ذاك الجبل العالي وان ثمة عزبة اسمها "أسيبو" في سفحه المنحدر، انها عزبة هادئة وفيها دكنجية لطيفة تضع صورتي على الحائط كتذكار منذ الحجة الثانية، ستتفاجأ خوزفينا حين تراني وستقول ها قد فعلتَها مجدداً، متى تأتي المرة الرابعة ؟ بعد أن أخرج من البقالة ستقول لزبائنها " تيلي خورو[110]، انه المورو[111] الوحيد الذي مشى الدرب 3 ثلاث مرات، الدرب ادمان، فيروس، سياحة رياضة، لهذا وضعته اليونيسكو على قائمة التراث الإنساني غير المادي، من شدة لطف جوزفينا تقول لنفسك لازم أشتري شيء لأنفعها، زوجها أهداني عنقود عنب، حصل هذا في آخر مشوار ولا زلت أذكره، الذاكرة الاسفنجية تمتص التفاصيل التافهة، كان يجدر بلغة الضاد أن تؤنث الحلم بدل تذكيره وأن تذكّر الذاكرة بدل تأنيثها، المشاء يمشي ويعمل كل شيء عالماشي، يأكل عالماشي، يفكر وهو ماشٍ، يمشي عالماشي، يكتب عالماشي، يحلم عالماشي، يثرثر مع نفسه عالماشي، يرجع للماضي وهو يتقدم للأمام، يرحل بكل الاتجاهات، عند مدخل "رابانال ديل الكامينو" شاب عاطل يدمغ أوراق الكردنسيال مقابل دوناتيفو[112]، ويبيع العصي المعقوفة والأيقونات والصلبان والسهم الأحمر بتاع اخوانية سانتياغو، El paro[113]، إسبانيا في أزمة حادة، راح الكافيار وحل محله الجزر المبشور، هاهم الحجيج في المقهى يأكلون من جوع ويرتاحون من تعب ،يدخنون ويثرثرون ويشحنون الهاتف في سراق المقهى، ايلينا بلغارية مقيمة ببرشلونة من بضع سنوات وتعتبر نفسها إسبانية، رأيتُها تصعد السفح بهمة، الطلعة صعبة ونحن نلهث، نلهث، ونرتاح في الفيء، شربنا من مشارب الأبقار، مافي طلعة الا ووراها نزلة لكن الجبال هنا تطلع دائما كأنها بسفح واحد، لم يبق في الدرب الا أولي الحزم والعزم، los valientes [114] كما سمتهم ايلينا، ومن بينهم حاجة ألمانية ليست حازمة ولا عازمة ولكنها ورطتْ نفسها بالطلعة وتحاول ان تصل بشق النفس حتى "فونسيبادو" التي يفصلنا عنها فرسخ واحد، لكن الفرسخ هنا أوعر من 10 فراسخ على الأرض المستوية، سألتُ االبلغاريةَ " كيف تحتملين ان ترحلي مرحلتين يوميا ؟ فأجابت" من احتمل الشيوعية 40 عاما يحتمل ان يمشي 40كيلومترا باليوم، تكلمتْ عن القديسين سيريل وميتود، ثم قالت انها قرأت كتابين عن الدرب أحدهما لباولو كويلهو والثاني لشيرلي ماكلين، ولأنني اؤمن (وبقوة ) بقوة الأسماء، قلتلها أن شيرلي هذه يمكن أن تكون راقصة في برودواي، اوف أخيرا، فونسيبادو، العزبة جبلية وسكانها رعاة ونصف بيوتها العشرة مهاجع، شممتُ رائحة شوربا الثوم الشهية ،سمعتُ حاجين يتكلمان إنكليزية فأسرعتُ حتى أتجاوزهما، الشمس قوية والحرج وعر، التخوم البعيدة ما وراءَ الجبل، نداء الرحيل، المجهول، الخيال يحتاج دائما إلى هناك، الجبال الجرداء استفزاز دائم للخيال، ماذا يوجد خلف القمم ؟ كل مكان بعيد هو مشروع سؤال، الكنز دائما مرصود في الجهة الأخرى، بلاد السحر والغموض، الأفق الذي يخفي وراءه أفقا آخر، المجال الآخر للمجال، كروز دي فيرو[115] ينتصب فوق تلة من الحجارة والحصى، درجت العادة ان يترك الحاج هنا شيئا من لوازمه المش لازمة : الاعلام والصبابيط المهترئة والضبانات والنعالات والايقونات وقصاصات الأوراق الصغيرة ونوايا صلاة وقبعات كسكيت وأقفال، انه أهم رموز الدرب بعد سانتياغو ولا أدري من أين تنبع أهميته، بعض الحجيج يبكي عنده احتراما لتقليد أجهله، قعد قربي كوبل دراجان من فنزويلا وراحا يقرضان شيبس بلذة متناهية كأنهما يقرضان شقفة من لحمي، بلدكما يا رفاق بلد ثوري ويجب أن يحظر استهلاك الشيبس بحجة ان الحياء شعور ماركسي، أطلت حاجة بولندية مدهنة آتية من الاتجاه المعاكس (من سانتياغو ) وطلبتْ مائا فقلت لها أنا نفسي عطشان، يا سلام ! هذه هي هدية الطريق للمشاء، حذاء عتيق إنما يُنتَعَل، عز الطلب، رأيتُه موضوعا عند قاعدة الصليب، مش مشكلة انه أكبر من رجلي بنمرتين، لبستُ زوجين من الجوارب ووضعت ضبانين فصار على قد رجلي، حذاء ثقيل وثقّل خطواتي ولكنه حمى رجلي من الحصى والأشواك والغبار ومكنني ان أمشي دون ان أتطلع قدامي على عثرات الطريق، تركتُ صندلي عند قاعدة الصليب، كمهرة جامحة بالبراري رحت أنحدر نحو السفح الآخر، عند مهجع "منخارين يافطة تحمل كلمات لاتينية No nobis domine. No nobis sed nomine . Tou da gloriam [116] انه كولخوز روحاني يديره فرسان الهيكل، Los templarios، ترفرف عليه أعلام كثيرة ومن بينها علم يشبه علم فلسطين (ولم أجزم انه علم فلسطين الا حين رأيتُ قربه النجمة السداسية ) ينبغي القول ان فرسان الهيكل أخوانية رهبانية تأسست في أورشليم الصليبية وجائت إلى إسبانيا لمساعدة ملوكها على طرد العرب بعد أن طردهم العرب من بيت المقدس، من قبر المسيح المخلص إلى قبر مار يعقوب، المكان يبدو كأنه مأوى للسحرة والمشعوذين ( لو فكر هيرجيه بمجلد جديد لتان تان في درب سانتياغو فسوف يحبكها من هنا ) واذا نظرتَ له من جهة مكوناته فهو يبدو كسفينة نوح، دجاج وأرانب وقطط (كل قطة لها اسم )، كلاب كثيرة مربوطة وطليقة، اندهش الفارس المتطوع حين عرف جنسيتي، لا تييرا سانتا[117]، باليستينا بلد خيسوس ومقر الهيكل، هيكل سليمان، دائما هي بلادي الملعونة المباركة، أطل سيد المكان البادره[118] طوماس وعلى وجهه غلالة من الرهبوت، انه نسخة إسبانية عن الحاج الفرنسي الذي أراد ان يرفس برجله الحشرات العرب خارج فرنسا، ترأس القعدة على رأس طاولة عليها طعام نباتي وقنينة كوكاكولا سعتها ليترين ونصف ( فرسان الهيكل ليسوا نقيضة الحداثة ولكنهم توليفة الحداثة والقدامة ) لم آكل، انسدت شهيتي وأنا أسمع كلام طوماس "شي غريب ان يحج مورو إلى قبر الماتاموروس[119]، أطنب أبونا الخوري بالكلام عن لصوص متنكرين بزي حجيج، حاج كرواتي سرق أقراص عسل من المنحل، حاج روماني اختلس طعام بقية الحجيج من البراد بالمهجع، حاج اسمه انتونيو هو نشال محترف ينزل بالمهاجع لينشل فلوس الحجيج، كل هؤلاء اللصوص هم هواة أمام لصوصية المورسكيين، ففي عام 997 استولى الخليفة المنصور على سانتياغو ولصَّ أيقونات الكتدرائية الذهبية ونقل نواقيسها النحاسية إلى قرطبة، وهذا الحاج عربي، والعربي مورو، والمورو لص، اذن هو حاج لص " وتوجس مني الحجيج ووضع كل واحد محفظته الجلدية برقبته، لم يرفع عني الظنون الا أني أكتب طوال الوقت، واجهتُ هذا الطوماس التافه جدا بلامبالاة احتقارية، اذا كنت أنت من فرسان الهيكل الداوية فأنا من فرسان الأيوبية الذي طردوكم من الهيكل، واذا أنت تعتبر الهيكل نور العالم فأنا أظن ان الهيكل المنير هو الهيكل الذي نحرقه، في حجاتي الثلاث صادفت من هو أتْيَس من هذا التيس، أول كامينو مشيته رفض العجوز القيِّم على مهجع ليئون ان يأويني بحجة ان جواز سفري مش بحوزتي وكان السبب الحقيقي اني مورو، ثاني كامينو البنت الجليقية رفضت أيضاً ان تأويني بمهجع موخيا بحجة اني لم أختم الكردنسيال، الإسبان عموما طيبون ولكن يوجد بينهم شوية ثيران تنحة، في التاسعة دق الجرس وبدأت طقوس الهيكل، فارسان كل منهما حاملا بلطة أحاطا بتمثال العذراء، تناول طوماس سيفا أسدل رأسه للأسفل وصلى للبلاد المنكوبة بحروب وخاصة لسوريا و فلسطين واعتبرتُ الأمر لمزة من قناتي، ثم حملوا تمثال العذراء للداخل ووضعوا مكانه تمثال مار يعقوب، في المنام رأيتُ الراهب بطرس المتبتل على حمار والصليب بيده، ورجوته ان يعمدني بدم المسيح المحفوظ في كأس الغرال لأتطهر من هفوات حياتي السابقة، فرفسني برجله وقاللي ان حياتي السابقة مدنسة لدرجة ان كل مياه نهر الأردن وبحيرة طبريا لا تطهرها، أيقظوني للافطار فلم أفطر بل تحممتُ في مشرب الأبقار ومشيت في الشعاب الجبلية، حين تشرق الشمس تشرق لي وحدي، لأني وحيد على الطريق، حين تكون الشمس بالسمت تطاردني وحدي لأني وحيد على الطريق، حين تغيب الشمس تغيبني وحدي فأنا الوحيد الذي أراقبها، من القمة من مسافة 15 كلم ميّزتُ بلدة "بونفيرادا" عرفتها من ناطحة السحاب العالية، عمارة من 35 طابقا في قرية كل بيوتها طابق واحد، برج ايفل حجري في قلب البييرزو، منظر سورسوريالي، ميغامعماري، استفزاز للمنطق، أن نبني ناطحة سحاب بين الجبال كأن نحفر بئرا فوق الأرض، مفيش معي عكاز تضبط نزول السفح المنحدر بقوة لذا نزلته بشكل مائل حتى أستطيع ان أفرمل بحذائي، "أسيبو" على سفح الجبل شامة في خد ناعم، كل بيوتها يكللها قرميد أسود، انه يناسب برد الجبال بينما القرميد الأحمر يناسب حر السهول، مضيتُ لأسلم على الدكنجية خوزفينا بأسفل القرية وفوجئتُ بدكانها مقفلة، قيل لي انها انتقلت إلى أعالي القرية ولم أرجع، استصعبتُ الطلوع بعد النزول، وأنت ترى العواجيز في "رييغو دي امبروس " تظن القرية متحفا يضم تحفا بشرية تمشي على عكازين ،كل اثنان يساويان قرنا ونصف، والمجموع يساوي آلاف السنين المتراكمة، القرية هواها نقي، تكديس العواجيز فيها أرخص من تكديسهم بالمدينة فأحضروهم بالجملة إلى هنا بانتظار الموت، أعطيتُ بسكوتة لقطة فلم تأكلها، تجاوزني حاج وسلم علي ورديتُ السلام، سألني من أين أنا وسألته من أين هو، أكلت من التوت حتى أحمرت شفتاي ويداي وقميصي، لمحتني بائعة الايقونات عند مدخل "مولينا سيكا" ففركتْ يديها وقعدتُ خلف الطاولة متأملة ان أجبر خاطرها بشروة، تقهويتُ في مقهى عند النهر ودوَّنتُ أخبار اليوم ثم استأنفت المشي، فرسختُ فرسخَيْن ( 8 كلم ) بلغت "بونفرادا" انها أكبر من بلدة وأصغر من مدينة، يمكنك ان تشم فيها رائحة سانتياغو، حقيقة أنا لا أحب المهجع ولو مجاناً ولكني أرتاح وأغتسل جيدا وأمارس هوايتي بمراقبة الحجيج (ملتقى الحجاج يكون بالمهجع ) ثمة شبان من جمعيات اليقظة الكاريزماتيكية يغنون أغان دينية على الغيتار بحماس تبشيري، مستحيل تمسيح الأجيال الجديدة، الدين هامشي في أوروبا ومهما بشروا به تبقى قلوب الشباب مشدودة للدنيا، الرفاهية والمسيحية دينان مختلفان، الدين يتهجى فقط مع الشعوب البائسة : العرب والزنوج والفيليبينين واللاتينوأمريكان، راح الحجيج يدلكون أرجل بعضهم البعض ،لم ألتفت للحاجة المنمشة التي تقاطعتُ معها بالطريق، فهي من الحاجات البائرات وتنوِّم البتاع، حاجة انكليزية من أصول هندية جسمها تقرح ببثور فأقامت مناحة وطلبت طبيبين على نفقة الضمان الاجتماعي، ثمة راهب بولندي يمازح المتطوعات الجميلات، سلمتُ عليه بلغته فاندهش كما اندهشت إيفا قبله، الرهبان في طريقهم للانقراض ولكنهم لم ينقرضوا بعد، البلدان المسيحية جدا مثل بولندة وكرواتيا تنتجهم بالأطنان وتصدرهم إلى أوروبا الملحدة، ما كان يُعرف بأوروبا الشيوعية هي خزان الأكليروس، الشيوعية فعلت مفعولا عكسيا، أرادت ان تلغي المال والدين فقوتهما، يحيرني هؤلاء الذين جبّوا[120] أنفسهم ليكرسوها لله وحده، كأن الله أعطاهم أيورا للتبول فقط، قلت للراهب (وهو أصغر مني) "كيف يا أبتِ توفق بين حقيقة انك محروم من ممارسة الجنس وبين واقع انك مفعم بشهوة الجنس؟" فقال انه يحتمل بفضل قلب يسوع النقي، أنا، وحياتكم، أستطيع أن أصوم عن أمور كثيرة، الطعام، الشراب، الدخان، الخمرة، الحلويات، الشوكولا، السكاكر، الموالح، الرفاهية، الخ ولكني أسخسخ اذا صمت عن اللحم الهبر، يلزم شوية استهتار، الإنسان ليس فقط ساقين، ويجب تحقيق الحواس الأخرى، خرجت للشوارع فرأيت المقاهي خاوية بسبب القيظ، هذه قلعة فرسان الهيكل جماعة طوماس، عليها كتابة تقول " الرب ان لم يحم هذه الدشرة فكل حماية أخرى باطلة " رمقتها من برة ولم أدخلها بسبب كلاوستروفوبيتي[121]، أنا أساسا لم أدخل قلعة مدينتي طرابلس التي بناها نفس فرسان الهيكل الصليبيون، أهلنا لم يربونا حسب نظرية الفن للفن، ولم يعودونا على تذوق المعمار ودخول المتاحف والقلاع، تأمين اللقمة استهلك كل حياتهم، كانت لور تجرني جرا إلى المعارض، حاولتْ عبثا ان تغرز بي حب الفنون، الفن الوحيد الذي أحبه هو المشي، حين أمشي بالمدينة فأول متحف أدخله هو الدكان، اشتريتُ شمامة لأنظف معدتي من الشوريزة المفلفل، واشتريتُ شبشبا صينيا لأريح رجلي من الحذاء الثقيل، اشتريتُ إبرة وخيط لأقطب زر الشورت، في المقهى ثمة سيدة عظيمة تحل كلمات متقاطعة، وجهها منسجم مع شفتيها، جسدها عظيم ونهداها عظيمان، وما لم أره منها أظنه عظيما، راح الزوج الملول ينظر للجوال غير شاعر بكل هذه العظمة قربه، كلما أرى رجلا وزوجته اشعر أنهما مطلقين، عدت للمهجع لكي أخيّط، اهتزت يدي وزاغ بصري، طلبتُ من حاجة شابة ان تدخللي الإبرة بالخيط ففعلتْ، ثم طلبتُ منها بالمرة ان تضع الزر بالشورت، ابتسمتْ " أليس عندك سنيورة تخيط لك ؟"/ أنا أصلا في الكامينو أبحث بل عن سنيورة " هذه الحاجة الشابة تشبه باربي، اسمها باولا باشكناشية من فيتوريا، لون شيالها زهري، لون جوالها زهري، انا وهي خط الفكر نفسه، كلانا مظلوم وموسوم بالارهاب، مش كل من تبتسم لك عاشقاك يا جدع، قلت لنفسي، لكن بسمة هذه الحاجة زهرية ومليئة بوعود زهرية ،المرأة مجال للحب، باولا، لا أحب هذا الاسم ولكني أحب حاملته، لا أحب مظهرها الزهري ولكني أحب جوهرها الخام، مغرية كلوليتا، لوليتا ك لوليتا، هرمتُ بَيْدَ اني لم أنضج، في الأربعين يصبح المرء حكيما، في الخمسين يرجع مراهقا on n’est pas sérieux quand on a 50 ans[122]، لست شابا حقا لذا علي ان أستغل شبابي الداخلي، الإنسان يجب ان يكون أصلعا تماما ليتخلص من عقدة الصلع، يجب ان يكون بشعا جدا ليصاب بعقدة الدونجوانية، ويجب ان يكون كبيرا حتى يحب صغيرة، شي ضئيل يفصلنا 20 سنة، ربما هذا هو الفارق الذي يجمعنا، في قلبي متسع من الحب لا أجاهر به، نعم أنا أقتل الناس في خيالي فقط ولكني على أرض الواقع لا أدعس على نملة، إنّ من يقدر على وضع الرواية المحزنة قادر على وضع الرواية المبهجة لأنّ أصول الصنعتين واحدة، في المنام رأيتُ اني بصحبة فيكتور هوغو وغوستاف ماهلر وتولستوي وشابلن وبيكاسو ورودان، ما الذي يجمع صعلوك جوال مع كاتبين وموسيقار ونحات وممثل ورسام ؟ كلهم ( كبار) وعشقوا صغيرات، صباحا جائت باولا(تي) باسمة كأنها تنتظرني، تركت لي عنوانها وايميلها وهاتفها وتركت قبلتين على خدي ورجتني ان أتصل بها، ستمشي مع أصدقائها خارج الدرب لرؤية الصليب الباسكي الذي يسمونه " لوبارو"، اشتهيتُ سيجارة ومشيت بسرعة توربيدية، el amor mueve el muerte[123]، في جسدي محرك 20 حصان، سهم الحب ضرب رأسي وقلبي معا وأبعدني عن السهم الأصفر فتهت، لماذا لا يوجد باولات في شرقنا، شرق المسخرة والكبت والتهويم، لماذا لا تلبس حريمنا ألوانا زهرية بدل الكفن الأسود، نمشي لأن المرأة تمشّينا، المرأة تلهم الشعر والفن دائما ولا تخلق الفن الا نادرا، باتريسيا ألهمت دانتي الكوميديا الآلهية ولم تخلقها، على جانب الطريق محارم تمباكس، بعض الأحيان تكره الرب بتاع حوا، كيف سينضج التين بهذا البرد ؟ لا شمس في البييرزو، لذا نهرول لندفئ أنفسنا، هربت من فلوريانو في ليئون ووجدته هنا بعد 3 أيام، حدثته عن مغامراتي في الحب لكنه لا يحب الحب، يفضل المسرح والأغاني الكلاسيكية والأشجار والفن، انه يحب الطبيعة لكن المرأة طبيعة، وفورة البركان هي رعشة اورغازم، توقفنا في "فيافرانكا ديل بييرزو " للراحة، سيدة بالمقهى أعجبتني، رحت أبدي إعجابي بكلبها فراح يعوي علي، استأنفنا المسير، حِدنا عن الدرب لننزل نحو الساقية، الماء هو النعيم، الجنين ببطن أمه كان يسبح قبل أن يسقط إلى عالم اليبوسة، ومن هنا حبي للاستحمام بالماء الجارية، تعريت أمام فلوريانو، ما عندي مشكلة مع جسدي، حل فلوريانو في مهجع "بيريخي "وأكملت السير وحدي، حاجة إسبانية وحيدة متوحدة تمشي وتتكلم بالجوال، دائما قيد الاتصال،كل مئة خطوة مكالمة لتقاوم وحشة الطريق، عندها اشتراك مفتوح، حقيبتها خفيفة جدا، مش حقيبة ظهر بل حقيبة يد مربوطة بالظهر فيها 3 كلغ على أثقل تقدير، دهونات ومستحضرات تجميل وموانع للحمل وعطور والذي منه، تبعتها دون ان أنظر للسهم الأصفر، وهي أثناء مكالمتها سهت عن السهم وسألتني أين الدرب ؟تعمدتُ أن أنظر لكل الاتجاهات، ربما هناك، أنا أيضاً حاج سولو ،نحن الاثنان ماشيان بنفس الدرب فلم لا نمشي على نفس الإيقاع، سألتني "أين نهاية مرحلتك؟ / "لا أعرف، أمشي حتى أتعب / وأين تنامْ ؟ /بأي مكان يناسبني، معي كيس نوم / "اه كه ماخو ! ماري كروز سائحة أكثر من حاجة، رسامة ترسم موضوعات صوفية، ليست إسبانية بل تتكلم إسبانية، أنها من طرف الدنيا كما أنا من طرفها الآخر، جائت من المكسيك لتحاضر عن القديسة تيريزا دي أبيلا، قلت لها "، إحمدي ربك انك لم تولدي بين طنجة وجعكرته، المرأة المسلمة أقل من بقرة، قالت ان الرجل المكسيكي هو أيضاً ماتشو فحل. قلتلها " لكن القانون المكسيكي مع المرأة، بينما عندنا الرجل والقانون ضد المرأة " لا بد من طمأنتها، أنا مثلك أعشق القديسة تيريزا رغم اني لم أقرأ أشعارها، وأحب الرسم وأفضِّلُ الرسومات التي تصور العالم أبوكالبتيكياً على اللوحات التي تصور الانسجام، رغم اني لم أضع رجلي بمتحف اللوفر فإني أستطيع عن ظهر قلب ان أنقل لك أدق تفاصيل لوحات بروغيل وبوخ، أنا أيضاً رسام مثلك ومثل بنت بلادك الشهيرة فريدا كويلهو ،كل الفارق اني أرسم بالكلمات مش بالألوان، ماريا كروز شالتْ الطاقية عن رأسها وبدأت ملامحها واضحة مكسيكية بدون أثر إزتيكي، ليس هناك من قانون يحظر اللذة، الجسد يحتاج إلى أكثر من جسد، قلب الرجل قابل للتوزيع على امرأتين وأكثر، الإخلاص سيكون مملا إذا لم تحدث بعض الخيانات الصغيرة، حاجّة تلزم حاجّة آخرى، أحب باولا وأشتهي ماري كروز، أحبهما كليهما، الأولى لأنها باسكية والثانية لأنها رسامة، بودي أجمع حبيبات قلبي في سرير واحد، أنا صريع الغواني وأحب كل نساء الأرض، الشهوة مثل حية البحر الهيدرا ذات السبع رؤوس كلما قُطع لها رأسا ينبت لها آخر مكانه، حكيتلها عن رحلاتي فقالت " اوه أنت globe trotter [124]، ،هل ستأتي للمكسيك؟ / اذا دعيتيني . لم تدعوني ماري للمكسيك بل دعتني إلى المبيت في مهجع "فيغا ديلا فالكاري" انه عبارة عن حرملك مع سلملك، أحد الظرفاء شال يافطة من الحقل مكتوب عليها COTO PRIVADO DE CAZA [125]ووضعها على مدخل المهجع، هنا يمكن الصيد أيضاً، صيد الحاجات، ثمة حاج هيبي ومعه عشيقتان، قبل أن أتحمم وجدته يقبل الواحدة وبعد أن تحممت وجدته في أحضان الثانية، في الليل سيكون في أحضان الاثنتين، شخير الشاخرين جعلني أغيِّر الغرفة، في المنام رأيتُ ماري كروز شبه عارية ومؤتزرة بمنشفة على خصرها فقلتلها الشعب يريد إسقاط المنشفة، في الصباح رأيتُها لابسة ثياب الحجيج الفضفاضة حييتها وماشيتها وهي حردانة، ضعنا بالطريق، هي قالت هو ينتبه للسهم الأصفر وأنا قلت نفس الشيء ولم ينتبه له أحد منا، لززت بها وقلت "أنت تملكين مؤخرة جميلة، وأنا أملك قلبًا ضعيفًا "، رمقتني كأنما تعديت حدا وقالت " لا أرجوك أنا متزوجة وكاتوليكية ولا أخون زوجي " وضعتْ السماعتين بأذنيها وراحت تسمع كارول جورج، خسارة هذه الأفخاذ السمراء، أنا الأرمل الذي لا يعزى، ولا جرم فتلك المرأة التي يقال لها أمي كانت بعد كل صلاة ترفع يديها وتدعو إلهها أن يصونني من الزانيات، من كل أدعيتها لم يحقق لها إلا هذه الدعاء، حين يبدأ الضباب تنتهي قشتالة وتبدأ جليقية[126]، "لافابا" عزبة من كمشة بيوت هي الحدود بين المحافظتين، اذا كانت أبراج الحمام تعلّم إقليم كيرسي بفرنسا فإن مستودع الذرة الهيريرو يعلم جليقية، تحفة معمارية يشبه ضريح مستطيل ومزخرف، يرفعونه مترا عن الأرض ويجعلون أرضيته حافة حتى لا تتسلق الفئران، من علامات جليقية ان غلاة القومية الجليقية جلّقوا اسماء القرى جاعلين حرف X مكان حرف J، من علاماتها انهم يكدسون التوابيت فوق الأرض لقلة الأرض وكثرة الموتى، يجعلون مربعات متطاولة في حائط وكل مربع يحتوي تابوتا، من العلامات كوخ palloza، جدرانه من الحجر وسقفه من القش الأسود، وقد تكون الابقار اهم علامات جليقية فهي تعيش مع البشر بنفس البيت، الطابق الأرضي للبقر والفوقي للبشر، أحد الأهالي يقترح توصيل الحجيج إلى القمة على صهوة حصان مقابل30 اورو، هناك قمتان ترعبان الحجيج : البرانس واوسربيرو، ( في أحد الشتائات حصلت عاصفة ثلجية تيهت الحجيج وأنقذهم الرهبان البندكتيون بقرع النواقيس ) رأيتُ العجوز الألماني يتسلق السفح وشعرت بالخجل من تعبي، هؤلاء الألمان مثل سيارة مرسيدس تمشي مليون كيلومتر ولا تتعطل، الجبال تجوّع، أكلت علبة الذرة مع حبة الطماطم بشهية، مرت قافلة بغال محملة بأمتعة إلى القمة، انتبهتُ إلى ان أغلبية الحجيج يصعدون لايت متخففين من الحقائب، اوسربيرو تتربع في قمة الجبل على ارتفاع 1330 متر، السياح هنا أضعاف عدد السكان يحملون آلات التصوير ويصورون كل شيء، اذا كانت هذه البلاد باردة في آب فكيف تكون في كوانين[127]؟ سيبيريا، لا أحب جليقية بسبب طقسها، أفضِّلُ عليها قشتالة، أفضِّلْ القرميد الأحمر على الأسود، أفضِّلُ الصحراء على الجبال، والجبال الجرداء على الجبال الخضراء، أفضل اللون الزهري على اللون الأسود، أفضِّلْ البلاد الواقعة تحت خط العرض 36 على الواقعة فوقه، أفضِّلُ الكلاب الشاردة على البيتوتية، بدئا من هنا يبدأ العد العكسي من خلال رجوم تعد عدا تنازليا المسافة المتبقية لسانتياغو، 157 كلم، على تلة القديس روكيه ينتصب تمثال البيريغرينو حاملا عصاه وهو يمسك قبعته، ظهره محني أكثر من تمثال ليئون، يبدو لي ان التماثيل تشيخ فكلما اقتربنا من سانتياغو فإن تمثال البيريغرينو يحني ظهره أكثر وينحف أكثر وتطول لحيته ( حين انطلقتُ من كاهور كان تمثال الحاج شابا مستقيم الظهر ولا لحية له )، تخيلت اني نحات وإني أريد أن أنحت نصبا للرحالجي العربي بتاع اليوم، رحت أضرب الازميل في المادة الصلد فخرج معي شكل قضيب رخو لا ينتصب، طلعتُ الطلعة وأنا ألهث وصادفني عجوز يتعكز فشجعني، poco, poco, se anda a santiago،[128] بدأ يظهر اسم سانتياغو على إشارات السير، رباه ما أوحش الطريق، الإنسان لم يخلق ليكون وحده، استأنستُ في "ترياكاستيلا" كانت القهوة بطعم الصابون ( القهوجية لم تمسح الفناجين جيدا ) كل حجيج المقهى يثرثرون بالإنكليزية مع ان ليس بينهم إنكليزي واحد، هولندية تتكلم مع اسباني بالإنكليزية، كوري يتكلم مع فرنسي بالانكليزية، الهنغارية تقرأ كتابا بالإنكليزية، الايطالي مع النادل يرطن إنكليزية ( رغم انهما يتفاهمان أفضل لو تحدث كل واحد منهما لغته ) سكر الإسباني الشاب وراح يبالغ في تقليد الإنكليز fuck yeah[129]، أنا وحدي أتكلم مع نفسي بالعربية، تعجبت كيف يساهم الأوروبيون في الغبن اللغوي الذي جعل الكامينو برمته مستعمرة أنكلوفونية، جليقية خضراء وخضارها لا يفيد الا البقر، لا يمكن ان تزرع فيها أكثر من دونم واحد، جبال وجبال فقط، تصعد تنزل ثم تصعد ثم تنزل، يؤمن الجليقيون بالسحر بسبب انتشار الضباب، النساء هنا يشبهن الرجال والرجال يشبهون مصارعي السومو، أصولهم الكلتية تجعلهم يشبهون الاسكتلنديين ببريطانيا، نفس الغناء وآلات الموسيقى، وقفتْ سيدة بيت خلف سياج بيتها عرضتْ للبيع قواقعا وأيقونات وقرعة وعصا معقوفة، لو عرضتْ علي شيئا آخر لاشتريتُ، يا الله كم أنا مكبوت ,وخير من يعبر عن حالي هو حاج إسباني كتب على الحائط
7 dias sin masturbarme, esto que es mas duro que subir o cerbero[130]، لا تعليق على هذا الكلام السليم انا باصم بالعشرة، تلك هي "ساريا" في آخر الأفق، ما دام انك تراها بعينك المجردة فالمسافة خداع بصري، تسقط المدينة حين تسقط بمجالك البصري، تحس انك وصلتها قبل أن تصل، العين تصل قبل الساق دائما، من شدة تعبي ظننتها سانتياغو، بلوغ رجم 117 يعني اني مشيت اليوم 53 كلم، أطول مرحلة، محسوبكم حين يمشي يمشي حقا، يشق الحقل متل جرار زراعي، الهزيع الأخير من النهار، ركضتُ بالشوارع بحثا عن متجر لم يقفل بعد، ثم عسكرتُ في روضة أطفال بعدما قفزتُ فوق السور، من شدة تعبي لم أفتح علبة السردين بل ذبحتُ شمامة روتْ عطشي وسدتْ جوعي، وأقحمت جسدي في كيس النوم شقفة واحدة، في رؤياي رأيتُ أني أتجول بين قبور الحضرات ،النقشبندي في بخارى، مولانا في قونية، الجيلاني في بغداد ،السيد البدوي في طنطا، التيجاني في فاس، رقصت حتى الأفول وأنا أغني "أنا الباب أنا الحضرة، أنا الجمع انا الكثرة "، ثم صحصحت فقلت" أين أنا ؟ أنا الذي أغير مبيتي كل ليلة " لأول وهلة ظننتني في صقلية، رائحة روث البقر ذكرتني اني في جليقية، في الرحيل دائما يتغير المكان وأنا لا أتغير، مشيت بعسر شديد، لم أغتسل فلم أشعر بلذة الطريق، تعذر علي ان أتحمم عند سبيل الماء لكثرة السابلة، لكني اغتسلت في مرحاض المقهى، في الغابة رأيتُ الصياده ومعهم كلب يشمشم أوكار خنزير " الخبلي[131]"،كلنا نمشي، كذبة تمشينا، لا أحد يعرف كيف انتقل جثمان مار يعقوب من الجليل إلى جليقية، ربما على أجنحة الروح القدس، وزع المسيح حوارييه بين القارات الخمس ليؤكد على البُعد الكوني للمسيحية، مار يعقوب في إسبانيا، مار يوحنا في إفيس، ومار بولس في اليونان، مار بطرس في روما، مار مرقص رأسه في اسكندرية وجسده في البندقية ( مثل الحسين رأسه بالقاهرة وبدنه بكربلاء ) مار طوما في الهند، عند رجم كيلومتر 101 رأيتُ حاجة ترتاح، يا صباح الخيرات وكل أنواع الفل، قلت لها بالإسبانية "
Caminando sola ! [132]! الا تخافين ؟ ردت علي بالانكليزية
i walk with jesus ,[133] I dont walk alone ثم أشارت إلى انتفاخ برجلها وسألتني ان كان بجعبتي مكعبات ثلج لتخفيف الورم، استفتاحة مباركة ويمكنني ان أستغل سذاجتها، نزعتُ الحقيقة عن ظهري وتحولتُ تحت ضغط (الحاجة) الملحة إلى مُسعِف طوارئ، لزقات كومبيد بجعبتي تنفع فقط للدمامل، الورم يحتاج إلى دهان وإلى عبقرية التدليك، بأصابع حنونة جدا رحت أداعب رسغها، هذه هي الحاجةّ الوحيدة التي فاجئتني إنكليزية واسمها جود وناشطة في جمعية سانت جيمس، سيدة خبيرة بالحياة، وقد تطلقتْ وتزوجتْ عدة مرات، عادة أكره الكلام بالإنكليزية اما حين يتعلق الأمر بالزكزك أصير بلبل، أحب شكسيير وأكره لغة شكسبير، أكره الإنكليز وأحب الإنكليزيات، هل أقول لها اني بولندي من بلديات جوزف كونراد أم فلسطيني بلديات ادوارد سعيد ؟، فتحتُ ثغرة بسيطة في جدار عالمها المحصن وأنا أقر أني فلسطيني، يس ماي فير ليدي، وتحديدا من بيت لحم "/ اوه بيتليهيم . مفيش مدينة بالتاريخ تثير الحنان المسيحي أكثر من بيت اللحم هذه، أنا ويسوع جيران من حارة واحدة، الاسطبل الذي ولد فيه يقع مقابل الصيوان بتاعنا، وتوحمتُ عليها وأنا أدلك لحمها البريطاني، امتزج التخيل الفنتازي بعرق جسدي وعفني الداخلي " هل تشعرين بتحسن ؟"/ يس اوف كورس[134]، وميزْتُ في رنة أوتارها الصوتية دعوة لأن أدلكها بحنان أكبر، أوقفتها على قدميها فجائت ابتسامتها تحولا ناعما من شيء مشرق إلى شيء أكثر إشراقا، ماشيتها وتحدثتُ معها بحرية نابعة من الشعور بأن نكاحها واجب وطني، تباطأتُ في خطوتين رحت أدرسها ... سيدة بين عمرين جاهزة للغرام، جميلة وبشعة مثل أنا أخمتوفا، تجسد الطهارة والعهارة كأنها تنتمي للحقبتين الفيكتورية والتاتشرية معا، افكارها توليفة إكومينيكية من كاتوليكية على انجيليية على بوذية على روحانية، نعجة تائهة تبحث عن ذنب جائع، وقد وجدتني أنا فحلها العربي،
The oriental lover, the old oriental lover[135]، سألتني "كيف تحج دون ان تؤمن بشيء ؟ دائما أحيِّر بتناقضاتي ،أنا أبحث عن استنفاذ حدود الممكن مش عن الخلود، لو كان الاله موجودا حقا لكنتُ أول المؤمنين به "، راحت تداعب صليب اورشليم برقبتها، اشترته من باليستاين (لم تقل اسرائيل مراعاة لمشاعري)، / ماذا تظن بالصراع العربي الاسرائيلي ؟/ لا أظن شيئا، غيري الموضوع بليز، أسئليني عن الصراع الكروي بين مانشستر يونايتد وسيتي " . جود لا تعرف شيئا عن الأدب العرب، انه ليس أسوأ كثيرا من الانكليزي، أدبكم لا شيء أكثر من ان يتمدد الكاتب على ديوان المحلل النفسي ويهذي، قالت انها هي الأخرى ستكتب كتابا عن الطريق، بالتأكيد هذا موسم الكتابة وكله عاوز يكتب، يصوّر بالجوال ويكتب، مددتُ يدي إلى جيب الحقيبة وأخرجت روايتي عن الصحراء فأمسكتْها بالمقلوب وبالعكس، لم تفهم شيئا من حروفي الهيروغليفية، بداية جيدة ألا تفهمي، من أجل ان تفهمي يجب أن تفسحيلي المجال لأفهِّمَكِ، "ما قولكِ بكأس جعة"؟ وكانت المقهى تنتظرنا، لم تقل لا ما دام الشرب على حسابي، ولم تطلب جعة بل طلبتْ أغلى مشروب، نبيذ ريوخا مع تاباس، استرختْ للشمس وتحدثتْ مع النادل بالانكليزية، داعبتْ كلب زبون بالانكليزية، تحدثتْ مع حاجة إسبانية بالانكليزية، يا حِجة الله ! أنا أتكلم 6 لغات وأتفاهم بالكاد مع الآخرين وهي تتكلم لغة واحدة وتتفاهم مع العالم كله، سألتني "هل هناك فلسطينيون غيرك يمشون الكامينو ؟/نعم 3 فلسطينين، حميد 2005 وحميد 2008 وحميد 2013 فاجئتني بالسؤال المزعج " كيف صرت كاتبا ؟ لأول وهلة خطر ببالي ان أصارحها بأني مثل بروست ( يا للتواضع)، صار كاتبا بالصدفة وهو يغمس كعكة المادلين بالشاي، غير أني أفضِّلُ ان أكون كبيرا بين الصغار على ان أكون صغيرا بين الكبار، لذا قلت " أكتبُ نكايةً بالكتبجية العربان " نرفزتُ حقا وأنا أكسكس على زعانف الاقلام، أكتشفتْ جود أني مشحون بالمشاعر السلبية / اوه، أنتَ تهتم بالدرب البراني وتهمل الدرب الجواني إلى باطن الإنسان، الكامينو انتريور، الإيزوتيريك، قرفصتْ على الكرسي بقعدة يوغي راحت تلقنني كيف أتنفس بهدوء، وضعتْ يديها على صدري ،
Open your heart wider[136]، شهيق زفير، شهيق زفير، وخزني قلبي وأنا أراها ممكنة، أدمنتُ على الهزائم مع الحريم حتى صار الانتصار يخيفني، قلتلها دون ان أعني ما أقول " أرجوكي دعيني أمشي وحدي فحبي لك بلا أمل " وابتسمتْ وأمسكتْني من يدي "ولماذا بلا أمل ؟" وضعتْ فمها على فمي ثم شفطت أنفاسي في بوسة أعتى من عبوة ناسفة، اي غواية هاته العلجية،
fatale la femme [137] الحاجة البشارة، امرأة أبيقورية واضحة الرؤية ولا تضيع وقتها، النقاش مع الذكور يبدأ بالطقس وينتهي بالكلاسيكو، اما مع الإناث فغالبا ما ينتهي بالسرير، بما ان المقهى يعمل بانسيون فقد سألتُ النادل عن أجرة غرفة بسرير مزدوج، فقال 60 اورو، أحلب إيري ولا أدفع هذا المبلغ على كركوبة انكليزية، الغابة سرير طبيعي يتسع للفراشة والنّمر، لم تعد جود تعرج بل صارت تهرول هرولة، رحت أراقب أردافها وهي تتخصور مثل مليكة الغجر على علبة دخان الجيتان وكل ميلة خصر تجاوب خفقة في قلبي، توقفنا لنقبل بعضنا مثل عريسين يقضيان شهر العسل، ثم حسمنا الأمر بطريقة وجودية جدا، الآن وهنا وبين الأشجار، لم نكسر رأسينا بمهاترات الحب والدموع، الحب والسكس شي واحد في نهاية المطاف، تخيلوا عسافا ونائلة يفجران في الكعبة، ها انت جميل يا حبيبي وسريرنا أخضر، اورشليم كلها بين ذراعي، تدحرجنا بين أشجار البلوط، على الطبيعة مع الطبيعة، ضعنا ونحن نلعق بعضنا، خرجنا من درب GR 65 إلى درب GR 69، لفظتْ " هاميد" بدفأ وأنا أقتحمها من الخزق، الاندفاعات الايروسية عندما يتدفق كل شي دفعة واحدة، حتى وأنا أهرم أتجدد وأغيِّر جلدي، أنا الإخصائي في فض البكارات المفضوضة، أنا دون جوان الكامينو، ماتادور الكامينو ،شهريار الشّرق، أنا فارس الهيجا اذا قام سوقها، استعمرتُ الاستعمارَ الإنكليزي، بإيري هزمتُ الجنرال اللنبي، بقوة الضغينة التي تنخر قلوب المغلوبين، وتشبثتْ برقبتي وهي على أعتاب النشوة، God bless you[138] لقد منحتني كثيرا من السعادة، هذه أحلى مرحلة وأقصر مرحلة، اليوم مشيت بالكاد 8 كيلومترات، رحلتُ فقط في جسدها، رحلتُ كثيرا، ليست المغامرة في طول الكيلومترات التي تقطعها بل هي في عدد المآثر التي تقترفها في الكيلومتر الواحد، لقد وصلتُ إلى سانتياغو لأني وصلت إلى غايتي، معراج السالكين ونهاية الواصلين، نمت نوما عميقا، في الصباح أصبحتُ ورأيتُ الانكليزية قربي ونفرتني ضحكتها المزعجة، المرأة كالنبيذ كلما عتقت كلما طابت ولكن حذار ان تصبح خلاً، يستحيل أن أسايرها حتى سانتياغو، أنا دائما في مد وجزر، ان اقتربتُ من النساء فحتى أبتعد عنهن، أنا فرداني جدا ولا تمتلك الحسناء قلبي كله، أحتاجها كأكسسوار لوجودي مش شريكة لوجودي، دربي تتقاطع مع دربها ولا تتطابق، الكره اسم آخر للحب، الفلسطينيون من بين كل العرب لا ينسون وأنا من بين الفلسطينيين آخر من ينسى، "لماذا اذا تحاورت إنكليزية وعربي يتكلمان إنكليزية، /"لأن العربي يجيد الإنكليزية بينما الإنكليزية لا تجيد العربية" / لماذا العربي يجيد الانكليزية بينما الانكليزية لا تجيد العربية ؟ / " لأن الحضارة الإنكليزية انفرضت على العالم برمته "، لا يا ليدي بيكويك أنا لا أحد يستطيع ان يفرض علي شيئا، وكل ما انفرض علي فرضا أرفضه رفضاً، لم أحتملها لأني لم أحتمل اللغة الامبريالية، فرضوها علي في مدرسة الاونروا دون استشارتي، تجاوزتها بخطواتي وقلتلها بالعربية" روحي عليك اللعنة حتى لو كنتي شجرة الدر " أنا فعلا لا أحتمِلْ ولا أُحتَمَلْ، ينبغي ان أعيش وحدي في جزيرة مثل روبنسون كروزو، كيف تكون طبيعيا وفيك كل ما هو ضد الطبيعة؟ هاهو السهم الأصفر البوصلة، رجم كيلومتر 100 هو الأكثر إثارة للإنتباه لكثرة الكتابة عليه، فتحتُ دكة السروال لأتبول وراء شجرة اذذاك مر رهط من الحجيج، ضبيتُ البضاعة بالدكان بانتظار لحظة أنسب، للمعبد بخوره، لجيليقة روث الأبقار، لا شغلة هنا الا حلب الأبقار وصناعة الجبنة الصفراء( عائلة فيديل كاسترو هربت من جوع جليقية إلى كوبا)، كم هي بائسة الأبقار وهي تحشر في قبو من عدة أمتار مربعة، مررتُ برهط من حجيج ألمانْ يتحلقون على العشب ويقرئون الأناجيل، صرخت بلهجة جهادية " السلام عليكوووم"، مشيتي مش منتظمة بالمرة، تعتمد السرعة على وتيرة الأفكار برأسي، أمشي، أتسكع، أرتاح، أقف، أكتب، أتمدد، أفكر، أتيِهْ وأشطح، أغنِّي، أرتِّل مزموراً، هكذا علقتْ على لساني أغنية عبد الوهاب خي خيي فغنيتها10 مرات او يزيد، واستهجنتُ الأمر فأنا أمقت كل إخوتي ثم تبينت ان خيي هنا ترد بصفة حبيبي، التقيت بماري أنخيل في غمرة اللقائات العابرة، باسكية من عشيرة باولا، مش متعصبة للباسك، سحاقية أولا وتانيا وثالثا، وباسكية رابعا، حبها الحقيقي مش أبناء وطنها بل بنات جنسها، رجم 93 علّم وصولنا إلى "بورتومارين"، القرية اسمها يوحي بأنها بحرية لكنها نهرية وتشرف على نهر المينو، حجزوا الماء فتحول النهر إلى سد، نزلنا أنا وماري بنفس المهجع وجاء سريري فوق سريرها ،تحممتُ ونزعت الأوساخ عن بدني، نزعت الحقيبة تخلصت من الأثقال على ظهري، لبست الشبشب تخلصت من الأثقال برجلي، نزعت السروال ولبست الشورت، رحت أبحث عن مقعد مشمس في مقهى الساحة، أقبلتْ الجوقة الموسيقية بالقُرَبْ المنفوخة، ودبكت صبايا القرية دبكة "مونييرا" الفولكلورية، ثمة ثلاث أجيال يتمشون جنبا لجنب، الأم والبنت والجدة، تنورة الجدة تحت الركب (موهبة هابطة ) تنورة الأم عند الركبة( موهبة متوسطة) وتنورة البنت فوق الركبة (موهبة صاعدة) (أنا إنسان شكلاني وأقيس التقدم بقصر التنورة ) تعجبت وأنا ارى الحجيج يمشون بالشورت في البرد، وهم حين يروني أمشي في الظهيرة يتسائلون كيف يمشي في القيظ، عتمت الدنيا فعدنا إلى المهجع أُطفئَت الأضواء لكن روشنه السقف يدخل منها نور طبيعي، ورحت أكتب أفكار منتصف الليل على نور القمر، ماري انخيل تحتي ضرطت فقلت بنفسي "حرمتينا من بتاعك فاكفينا شر طيزك "، كم هم مختلفون طليان الليل عن طليان النهار، كأنهم موتى، من يستطيع ان يتخيل هذا في وضح النهار، الإسباني شخر كثور ذبيح، نام ولم يدعني أنام، أحدهم شخر من مناخيره وآخر من فمه ثالث شخر من طيزه، الشخير مرض يصاب به واحد ويبتلى به آخر، الساعة فاتت منتصف الليل بكثير والقمر صار بالجهة الأخرى، طلياني أفاق وأضاء شاشة الجوال وعاد للنوم، أخر وقع عن التخت من فوق ولم يقل اخ، أدرك شهرزاد الصباح، ها هي الطريق وهاهم على طريق "غونزان، الحجيج منتشرون مثل فوج كشافة يتحركون ويحركون عجلة الاقتصاد بالقرى التي يمرون منها، كل بيت على الطريق هو مهجع خاص او فندق او بقالة او سمسار نقل حقائب، البقرة إله يتمختر بالشوارع، بالمراعي، بالبيوت، كأننا بالهند، مر بقربي حاج أشقر عامود طوله متران وكل خطوة من خطواته متر، من حرف الخاء في رطانته عرفت انه هولندي، الحاج الكوري لازم يدخل موسوعه غينيس في خانة العشق الصوري، من المرتحل حتى المحل وهو ماسك يد عشيقته، رقم قياسي يتحطم على يده ( بيده)، حتى وهي رايحة للمرحاض يده بيدها، يخريان ويشخان معا ،حقا ان العشق سجن، في الدرب عجوز تتنزه على بسكليتة وخلفها ثلاث كلاب، العناقيد المتدلية من الدالية تبدو شهية قبل أن تنضج، عصافير بطني تزقزق، معي شوريزو وجبنة ولكني لا أستسيغ الطعام بلا خبز، وصلتُ " بالاس ديل راي "قبل الظهيرة وبارحتها عند الظهيرة، توقفت في البرية وأكلت، نظرت إلى علبة اليوغورت ولاحظتُ أن مفعولها سينتهي يوم 11 سبتمبر مثلما انتهى مفعول برج التجارة العالمي، ارتحت في المضافة الكنسية، اختلست كل نوايا الصلاة من المزهرية، رحت أقرأ قصاصات الورق :
ـ يا مريم العذراء صلي حتى يشفع ابنك لبناتي اللواتي ابتعدن عني " ،
Que yo encuentro en el camino, mi camino [139]،
La vita e bella[140]
El camino es largo, dios haz que sea mas corto sino voy a regresar [141]
Dear god : help me to accept my body[142]،
ـ صلوا من أجل رجلي المتورمة التي تمنعني من الصلاة
أنا مش حاج حقيقي لذا أمشي حقا ،كل مرة أطوِّلُ المشوار أصادفُ وجوها جديدة، اذا مشيت على إيقاع الآخرين في الحل والترحال فلن أرى الا هم، درب سانتياغو مثل القوافل تنطلق بعدد صغير وتصل بأعداد كبيرة، هؤلاء أشباه حجيج طازجون بدئوا الدرب من هنا لا يبدو عليهم الارهاق، الحاج الحقيقي له علامات فارقة، حذائه مغبر، ظهره مائل، حتى وهو متخفف من الحقيبة يمشي وكأنه حامل شيئا خفيا على ظهره، عندما ترى الحجيج يضعون اللزقات على أرجلهم فهذا يعني انهم بدئوا المسير طازجا فالدمامل تظهر بالأرجل اول يومين، يبدئون المشي من الآخر ويكونون أول الواصلين إلى سانتياغو للحصول على الشهادات، الله يلعن رب الشهادات لا يحملها الا الحمير، "رجم 53 يعلم قرية "ميليدي "، هذه القرية "اختصاصها اخطبوط البولبو غاييغو، يصطادونه بالمغرب ويبيعونه هنا، يحسدنا من يرى شواطئنا المترامية، ما أكثرها لنا وأقلّها! الصيادون الإسبان يسرقون أسماك المغرب ( بإرادة المخزن)، بالمهجع حاج وزوجته البولونية ناما بسرير واحد، ثمة هنغارية متوحدة تشبه المجر في فرادتها، كان عمرها خمس سنوات أثناء انهيار الشيوعية ولا تذكر الا ان المترو كان باردا جدا وان الدكاكين فارغة، وان صفوف الانتظار طويلة جدا، وراحت تمدح لي الكامينو انه أروع تجربة بحياتها a crossroad in life، The camino[143] وأنتَ ما رأيَك بالكامينو ؟ / انه ممل / ولماذا مشيتَه 3 مرات /لأطوِّلُ ساقيَّ، الكامينو مثل أفلام السكس لا يمل منها، أنا حاج أنتروبولويجي، وحجتي القادمة ستكون مع القراصنة الصوماليين أو مع جيش الرب الاوغندي، رأيتُ الإيطالية ام طيز هائلة التي تقاطعت معها بالطريق قالت انها كتبت عني قصيدة وأعطتني نسخة عما كتبت، هذه أول مرة ناقدة تكتب سطرين عني، أنا ممنون جدا هذه سابقة خطيرة، بدأت الحياة تنصفني، رأيتُ بالمنام اني أقود جيوشا في الوادي اليابس على خيل شهب ورايات صفر وحولي المشاعلية يهتفون قوموا بايعوا مهدي الله،
Tout songe est mensonge[144]، نهار جديد ربما آخر نهار، خرجنا ضحىً، الطريق تشبه تكية دراويش، حجاج بكشكول وعصا ومسبحة يمشون حفاة عالبركة ،كوبل كمبودي يقرأ الصلاة المريمية بلغة الخْمِير، حاج دراج يحمل على دراجته كلبا و10 أكياس، حاج كوري يتعكز على عكازين ولابسا ساعتين بمعصمين، حاج يحمل راديو ويسمع كادينا سير الرياضية، حاج يقرأ كتابا وهو ماش، سألتُ حاجا عن الساعة فقال لي سبعة الا ربع وكانت خمسة وربع، هل هؤلاء دروايش حقا ام يتدروشون ؟ لا يمكن للعين الا ان تنتبه للراهب الألماني بسبب مسوحه السود ،كنت أتوقع ان أرى راهبا بولنديا، كرواتيا، سلوفاكيا، لبنانيا، زنجيا ،أما ان يكون من بلد هيجل وهيدغر وماركس وأنجلز! كيف لهذا الشعب الآري المتفوق ان يؤمن بإله سامي ؟ كان نيتشه يتسائل بكل مرة يرى مظاهر التدين المسيحي، أيعقل ان يكون كل هذا من أجل جثة يهودي مات قبل 2000 عام، ما زالت السماء تقبض على الأرض من خناقها، وانبعث الخالق من رميم من ينكرونه، مات ماركس وبقي الله، مات أنجلز وبقي الله، نيتشه نفسه مات وبقي الله، كيف استطاعت أمم متخلفة ان تفرض رؤيتها على أمم متحضرة ؟ كيف استطاع العربي ان يفرض رؤيته على السومري والبربري والفرعوني والفارسي ؟ كيف استطاع العبري ان يفرض نفسه على الإغريق والرومان ؟ ثمة أسئلة لا أجد لها أجوبة، لذا أحاول ان أطرح السؤال بطريقة مختلفة، ما هو امتياز الدين التوحيدي على الأديان المتعددة الآلهة؟ على الحيطان كلمات مشجعة
Animo, hoy estaras en Santiago [145]الحج مثل لعبة مونوبولي تنجح بكل الخطوات وتسقط بالخطوة الأخيرة فعند الرجم 30 صليب يحمل اسم ميغيل يوس الذي اختصر الطريق ومات قرب " أرزوا" لم يكمل المشوار ولم يكمل أعوامه الخمسين،
La mort, le grand voyage [146]، إنه أكبر مصيدة على الإطلاق، تبدو الحياة موتا مؤجلا يقترب كل يوم أكثر، الطريق أيضاً ترحل، السنين ترحل، الشباب يرحل، العمر يرحل، الراحلون فقط لا يرحلون، سقط دراج عن الدراجة ولم يحمه يسوع بل حمته الخوذة على رأسه، على الطريق كتابة Beleive in yourself : keep walking[147]، أحدهم رسم السهم الأصفر على شكل قضيب وخصيتين، وقعت بلوطة على نظارتي وكادت تكسرها، حيلي انقطع، الطريق أكلت من رجلي شقفة، من يراني الآن فسيرى نسخة متحركة عن تمثال البيريغرينو ،كرشي ذاب، القشاط صرت أضع إبرته في أبزيم أضيق، كل السراويل قياس 40 ستدخل بخصري، عظام وجهي نافرة، وأستطيع أن أتربع كيوغي، مشيتُ وتقلصت المسافة إلى 11 كلم، في غضون ساعات يصل السندباد البلدي إلى جزيرة الكنز والأشواق، ان تكون على الطريق يعني أنك دائماً في لهفة من لم يصلْ، مشيتُ ساعتين وظلت المسافة 11 كلم، اختفتْ الرجوم التي تعد العد عكسي للطريق، لكن السهم الأصفر يشير لسانتياغو كما يشير عباد الشمس للشمس، سألتُ سنيورة تقف أمام بيتها " كم صوص بقى أمام الدجاجة؟ قالت اوتشو[148]، اوه لا يمكن أن أسأل هذا السؤال كما كنت أفعل بكل مرحلة، فسانتياغو ليست نهاية مرحلة ولكنها نهاية المراحل كلها، نهاية الرحلة، عوليس لا يستعجل الوصول حتى تبقى إيثاقا في مستوى الحلم، الشوق الحقيقي ينبغي ألا ينتهي بالوصل،سانت اكزوبيري كان يريد أن يبقى فوق في الطائرة حتى لا يهبط إلى تحت، نهاية الرحلة نهاية الرحال، الشمس أمامي كامدة كما لو انها تعيش يومها الأخير، الشمس وحدها وأنا وحدي، عرفتُ أنني بصدد الوصول حين حاذيتُ مبنى التلفزيون، la poule n’a qu’un seul poussin[149]، ها هو مونتي دي غوزو، جبل أبي قبيس المشرف على المقام الرفيع، على جنبي الطريق مهاجع ضخمة لإيواء الزائرين والحجيج، محسوبكم حين يرحل يرحل حقا، أنا وحياتكم عنيد وعنادي أحسن ما فيّ، أنا من فصيلة الرجال الذين يذهبون لأبعد مدى، أنا الرحالة الأخير وستنقطع من بعدي ذرية الرحالين، لذا يتوجب عليكم أن تأخذوا بصمات حذائي لمتحف الشمع، سقطتْ الكعبة في قبضة أبرهة، انتهت الأوديسا البرية وشكرا ليسوع الطيب الذي لم يرافقني بالمشوار، وصلتُ كأني لم أصل، المدينة المقدسة التي أنهكتُ ساقي وبدني وعقلي من أجلها لم تفرش لي البساط الأحمر، ولم تقرع أجراس الكنائس على شرفي، لكثرة الحجيج هنا لا ينظرون للحجيج، فقط شابة سمسارة سألتني اذا كنت أبحث عن بنسيون رخيص فقلت بجفاء "لا "، لكن فلنكن فرحين أولا بأن السفينة وصلت إلى الميناء، ها هي أورشليم الجليقية، معجزة الله في قديسه، وهذه هي مشاهدها: البيت المعمور وجبال النور، أعرف البطحاء وتعرفني، اشتريتُ شريحة بيزا العجين فيها أوفر من الجبنة، عسكرتُ تحت عمود النور في طرف الحديقة المنشية، تثاقلت رموشي، رأيتُ أني نورس يطير في السماء ويمشي على الأرض ويبحر بالبحر، صباحا وأنا أتحمم في المرحاض العمومي، جاء لواطي وقعد يبصبص علي، قلتله "انصرف من وجهي "، انمحن علي ابن الشرموطة، ظل يبصبص فهددته بالمطوى السويسري، لو ان حظي مع النساء كحظي مع الرجال ! تحممتُ بسرعة اكروباتيكية وحلقت ذقني، جلستُ عند ناصية المقهى، هذه القهوة لها نكهة الشمبانيا ونخب الانتصار، أقبل فلوريانو سلمتُ عليه باليد ولكنه عانقني على طريقة الحجيج، هنا يتحول الحاج إلى سائح يمارس الشوبنغ، لذا كتب بعض الممتعضين على الجدار TORIST GO HOME [150]،على جانبي شارع المشاة تنتشر محلات الحلوى وحلونجيات يعرضن نتفا من حلواهن للذواق، تذوقتُ من بضاعة الأولى ولم أشترِ، ذقت من حلويات الثانية ولم أشترِ، انتبهتْ الثالثة فخبئت بضاعتها بيدها، هاهو مكتب الحجيج يعرِّف عن نفسه بكل اللغات حتى بالتركية HAC BUROSU انتظمتُ في طابور الانتظار للحصول على الشهادة، رحت أميز الحجيج والسوبر حجيج من أنصاف الحجيج، الذين يمشون مع حقيبة ظهر، والذين بدون، والذين على دراجة، والذين يقطعون ربع المشوار مشيا وثلاث أرباعه بالباص، وقفتْ سيدة إنكليزية رصينة تنظم الدخول على الباب وخاطبتني بالإنكليزية، هل تفترضين سلفا اني إنكليزي ؟ هل تفترضين سلفا اني مش إنكليزي وأفهم الإنكليزية، الافتراضان أغاظاني، كسكستُ عليها بالعربية "... أمك على ام لغتك " /"لم أفهم كلامَك " قالتلي فقلتلها " وأنا أيضاً لم أفهم كلامِك "، جاء متطوع هولندي وبدأ يهدئني بالإنكليزية، مأمور الشهادة حين رأى وثيقة سفري الفرنسية خاطبني بالفرنسية، قلتله اني أتكلم إسبانية ،بدأ التماس الكهربائي، لم يعجبه شكلي لأن كلامه لم يعجبني ،طلب مني الكردنسيال فأعطيته / أين الدمغات ؟ / مفيش، أنا من هواة المشي ومش من هواة جمع الدمغات / مفيش دمغات اذن مفيش كامبوستيلانا[151] / لكن الختوم الحقيقية هي دمامل قدمي، خلعتُ صباطي وشهرت باطن قدمي بوجهه، سممتُ الجو وأنا أجدف على الله بالعربية والإسبانية " مي كاغو ان ديوس[152] ،مشيتُ 1100 كلم وتضنون علي بالشهادة، وهؤلاء الأشباه كزدروا 100 كلم وتشهدون لهم" لم أحمل في حياتي ولا أي شهادة، لا بكالوريا ولا ماجستير ولا حتى شهادة الا إله الا الله، لكني أحتاج لشهادة الكامبوستيلانا لأزوق بها غلاف كتابي عن الكامينو، هذا ما قلته لمتطوع جاء يستفسر عن سبب عياطي، فاعتذرْ وختم لي شهادة باللغة اللاتينة تشهد اني حاج، أين هي العتبة المباركة؟ Santiago veut bien une messe[153]، دخلتُ الكتدرائية فرأيتُها تنغل بالسياح والمصلين، رحتُ أجول بصري بين المؤمنات فرأيتُ سيدة راكعة عند كرسي الاعتراف، ساقها مش غريبة عني، انها جود بنمشها وذنوبها، تعترف للخوري انها زنت مع كافر مختون، تجنبتها فعيني لا تريد عيانها، صعدتُ البرج للتبرك بالقديس ونزلتُ بسرعة من الجهة الأخرى واندمجت بالجو، القداس حفل مشهود، الجو مقدس يعني مكفهر يعني مش طبيعي، حتى الشموع المضائة تحت أقدام القديسين مش طبيعية بل هي أضواء كهربية تضيء فقط اذا نذرتَ قطعة نقود للقجة الحصالة، لمحت جود مرة ثانية في صحن الكنيسة، كشخصين غريبين بالمصعد ينظران للسقف حتى لا ينظرا لبعضهما، هكذا فعلنا حين تقاطعنا أنا وهي، نظر كل واحد للجهة الأخرى، بلغ القداس ذورته الباتيتيكية في احتفال جرة البخور، أعضاء إخوانية سانتياغو بثيابهم الليلكية الموحدة لوحوا بالمبخرة في فضاء الكنيسة على إيقاع الأرغن، إسبانيا لا تستغني عن السبكتاكل فهو مكمل لكرة القدم ومصارعة الثيران، ضاق خلقي فخرجت، لا أحبذ الكنائس من جوه، هذا نابع من كلاوستروفوبيتي ومن كسلي ومن عدم رغبتي بالاختلاط بالسياح، من برة تبدو الكتدرائية أيقونة معمارية، أكثر من 15 قديسا منقوشين في الواجهة يتوسطهم مار يعقوب، المعمار يحمل بصمات العبقرية المسيحية وتميزها الراديكالي عن اليهو إسلامية المتقشفة، المسيحية هي راعية ومؤسسة وحاضنة كل الفنون الظريفة من رسم ولوحات زيتية ونحت ومعمار، ساحة كينتانا مكان كوزموبوليتي بالمعنى الكاتوليكي للكلمة، إسبان ،برتغال، طليان، فرنسيس، ألمان، بولون، هنغار، ايرلنديون، اختلط الصادر بالوارد، والحاج بالداج Tanta emoción[154]، عناق حميم لحد الميوعة، تهنئة كالنشيج ( الدرب يآخي السائرين فيه ) السعادة في ذورتها، حاجات من بلنسية احتفين بالوصول بالغناء لفريق كرة مدينتهن، أحلق شنبي ان كن مشين أكثر من 100 كلم فقط، هذا يبدوا واضحا في كتلهن الشحمية، حاجة فرنسية انفعلتْ وأعلنت بنبرة حماس مرتجة
c’est la fin du pelerinage, j’ai envie de crier, j’ai envie de pleurer[155] كوبل هولندي قبّل كل الحجيج وقبله كل الحجيج، كامينو ستار أكاديمي، انه الواقع بدون تلفاز، هذا الدرب هو أكذب الدروب، لا يكبّر الحجيج ولكنه ينفخهم، وفود الرحمن يتصورون وهم يرسمون علامة النصر، لقد انتصروا على أنفسهم وعلى المسافات، وصلوا أخيرا بعد 765 كلم ( لمن خرج من سان جان) او بعد 150 كلم ( لمن خرج من بونفيرادا ) لكن هانز الذي مشى وحيدا من بافاريا لا يعانق أحداً ولا يعانقه أحد، الحجيج تمددوا على ظهورهم وتوسدوا الحقائب، لن يمشوا بعد الآن، الليلة سيحتفلون في البوديغا نبيذا نبيذاً حتى آخر الليلة، قليل منهم سيستغل ديناميكية المشي ليكمل المشوار إلى فينيستيرا[156]، حاج صوَّر حاجة ثم صورته ثم أرادا صورة تجمعهما فطلبا من حاج كوري أن يصورهما، ليس فقط المصور يتخذ أعقد الوقفات ليصوِّر بل الموضوع نفسه أيضاً يتخذ أغرب البوزات، اما قمة الغرابة فهي ان يتخذ الطرفان وضعين غريبين كان يستلقي الأول على ظهره والثاني على بطنه، أقبل بابارازو[157] يمتشق كاميره ضخمة وزوم خطير وشهرها بوجه حاجة حالمة، صورها بحركات اكروباتيكية، مقرفصا، واقفا، منبطحا، غيّر العدسة ودوّر الزوم، تمطى مثل نمر يستعد للانقضاض على فريسته، تشيك تشيك تشيك، الصبية من جهتها عرفت انها تحت المجهر فأخفتْ (بعفوية مدروسة) البروفيلَ الشاحب من وجهها وعملت بوز وأرختْ عضلات وجهها وهي تشدها، مش كل النسوان سعاد حسني، وحدها السندريللا كامل الأوصاف لا تتعب المصورين، كان دافنشي يحتاج إلى سنة ليصور بسمة الموناليزا والآن أي بابارازو يفعل نفس الشيء بكبسة زر، هذا عصر الجمال الفوري والمؤقت والجيتابل، الحياء شعور ماركسي ولكن لا حياء لمن تنادي، هذا عصر العفوية الجماهيرية المقطعنه، عصر جراء الكانيش، أغاظتني السعادة المجاهرة بنفسها، أغاظني البابارازي ( ربما لأنه لم يصورني )، أغاظني العشاق الذين يتعانقون دون مراعاة لأحاسيس العزابة، أغاظتني المشاعر الرفاقية الحادة والصداقات التي تنعقد بسرعة تم تنطفأ بسرعة، أغاظتني الأشياء التي ليست فيَّ، أنا أيضاً بابارازو بطريقة ما وأصور تفاهةَ الحياة ( بالكلمات)، كل ما يغيظني في الآخرين يقودني إلى فهم نفسي، لعلي لا أحب ان أرى الناس سعداء لأني تعيس! أنا مختلف بمعنى من المعاني ومتخلف بكل المعاني، أنا عقلية ساموراي، حين أرى أكتعا أخجل من ذراعي، وحين أرى أعورا أخجل من عينيْ، أحب السعادة حين تكون مضبوطة، أفرح للفرح حين يكون خاليا من التهريج، أتعاطف مع العواطف حين لا تكون عواطفجية، اقتربتْ عجوز مني سألتني "هل تريد بنسيون ؟ / لا أريد ". أهل سانتياغو كأهل مكة لا يحجون بل يستفيدون من الحجيج، جاء فلوريانو فأكلنا معا بادئين بالفواكه وتحلينا بالشوريزو، ستنفذ الفلوس وعلي أن أتهيئ للمصاعب، سحبتُ كل ما بقي بحسابي 100 اورو لا أكثر، ماذا أفعل وتذكرة باريز ثمنها 130 اورو ؟ في بداية شبابي ماشيت صعلوكا إسبانيا حين عرف اني فلسطيني أخذني إلى الكنائس وصار يشحد علي واختص بالفلوس لنفسه، لكني مش مقطوع من شجرة تماما، يوجد هنا فلسطيني ثري وبرمكي يملك فندقا فخما من خمس نجوم ويدير مؤسسة خيرية لمساعدة الموهوبين، دخلتُ بهو فندق الأرجواني، بدوتُ ببصطاري المغبَرّ وحقيبة ظهري مثل فيل يرقص بين سيراميك، سائحة يابانية تشبثت بحقيبة يدها لما شافتني، استنفرتْ موظفة الاستقبال وقالت" هنا ليس خان البيريغرينو" قلتلها "أريد مقابلة معلم (ك) السنيور أرجواني، قالت انه آت بعد ساعة، لكن الوقوف ساعة بهذا المكان أعسر من الوقوف على الصراط ،ليذهب إلى الجحيم هو وفندقه وفلوسه، الطفر ألبق للفلسطيني، حين تتأزم مفيش غيرها هي
Notre Dame de perpetuel secours [158] هاتفتُ لور وطلبتُ منها مئة اورو فوعدتني بإرسالها بأقرب وقت، مرت الهنغارية وعانقتني " سعيدة بمعرفتك سي يو تشاو تشاو باي باي" جاء صعلوك فرنسي من أصل ملغاشي فمه يفوع برائحة الخمر، ثرثر عن حجاته ال13 من بوي ان فيلاي إلى سانتياغو ثم طلب معونة مادية، قلتله "انت ترحل فقط من بوديغا[159] إلى بوديغا . دندنتُ طقطوقة "إيميلوني كل سنة مرة " وأنا أتجه إلى محل الانترنت العمومي، فتحتُ صندوق الأيميل لأول مرة منذ خروجي، الأخبار كويسة وعلى ما يرام، أكرم وجد نظاراتي التي ضيعتُها، جوزيف بعثلي مرسال من كلمة واحدة "كيفك؟" هواري صلحلي حاسوبي، مكتب العمل وجد لي عملا (في مرسيليا )كمدرس لغة عربية ساعتين بالأسبوع، فقط خبر واحد يهز البدن، محمد برادة يطلب معونة مادية عاجلة، يا حجة الله ! الناقد الكبير ما غيره، الذي ينقد من ينقده الدولار، الذي يملك شقة بباريس وفيلا بالمغرب يطلب مني مالا أنا الذي لا أملك ثمن تذكرة الرجوع ! سأجاور حضرة سيدنا يعقوب حتى تصل الفلوس ( بعد 4 أيام)، كيف ترحل في مساحة لا تتعدى 5 كيلومترات مربعة؟ سانتياغو مش سياحة في الجغرافية بل في التاريخ وفي التنوع العرقي فغربائها أكثر من أصلائها، ورحت أتسكع في جولات ميدانية، النوارس المحلقة حسستني كأني في مدينة بحرية، من شارع أنترسيرون بدأ برجا الكتدرائية مختلفين تماما، لازم دائما نغير زاوية النظر فالمنظر الواحد مناظر حسب انعكاس النور والظل عليه ولو عرفنا كيف ننظر، برمتُ بسأم بين الشوارع ووجوه السابلة، كثير من مدادي الأيدي الغجر (مع الإحسان يكثر عدد المتسولين )، هيبي يعزف على ستار هندي، حاجة جرمانية مقعدة على كرسي كهربائي وحقيبة على ظهرها، لم أتفاجئ بشعار الشاكوش والمنجل فحيث تكثر خرافات الدين تنتشر الرموز المضادة للدين، ثمة حي للمغاربة ومجزرة للحم الحلال ومسجد ( متى يبنون كنائس للكفار في مكة ؟ ) وثمة حجيج زنوج من غينيا الاستوائية، بكل تأكيد فإن نصفهم سيطلب اللجوء السياسي في سانتياغو، المدينة رتيبة وحياتي فيها تسير برتابة، أفيق صباحا ،أغسل ثيابي واغتسل، أتقهوى، أتمترس في الساحة لأبصبص على الحاجات، أروح لمكتب الحجيج لأبصبص على من وصل منهن طازجا، أمشي، أتنزه، أبتلعُ الضجرَ، هكذا انقضى النهار الثاني والثالث والرابع، اللحظة الكثيفة في النهار الخامس هي ظهور بيلار، تخيلوا شمسا تغيب أسابيع ثم تظهر، لم أر بسمة أعرض من بسمتها وهي تفرد ذراعيها بوجهي، عانقتني بخفة وعرفتني على صديقا الجديد ماتياس، تعمدتُ الا أضغط على صدرها حتى لا أنشب مخالبي برقبتها ،أنا متأكد انها تحبني ولكنها متحفظة لسبب ما ؟ هل لأني مورو ؟ هل لأني بلا مهنة ولا عمل ؟ هل لأني لا أشاركها هوايتها في الولع بالأفاعي ؟ وفي النهاية وصلتُ إلى استنتاج انها رفضتني لأنها لم تقبلني، مع النسوان لازم تتعلم كيف تنسى وكيف تمحو، إنها حرة، تقبل من تشاء وترفض من تشاء. يساريو سانتياغو تظاهروا اليوم ضد أميركا التي تريد ضرب النظام السوري، يريدون ان يباد الشعب السوري بالكيماوي الروسي، في المرحاض العمومي كان شاب غجري يجلد رجلا شاذا، ما أكثر الصلبان في سانتياغو وما أقل الإيمان، الرهبنة اليسوعية موجودة بقوة هنا وتدير أديرة ومستشفيات ومدارس ومهاجع، يوجد فلاسفة لأنه يوجد كلية فلسفة، رأيتُ راهبة تنتعل حذاء نايك وتلحس بوظة، الزئبق ارتفع إلى ما فوق ال30 بقليل، معنوياتي هبطت إلى 30 تحت الصفر، أنا هنا وحيد أكثر من وحدتي بالطريق، العزلة هي ان تكون وحدك وسط الالاف، وجدتُ في الطفر لذة هائلة، اني سعيد لأني لا أملك شيئا ولا يملكني شيء، بيد أن المال هو الفضيلة الوحيدة بهذه المدينة المقدسة فكل شي له ثمن بدئا من رغيف الخبز وانتهائا ببركات الخوري ولحم الشراميط، دخيلك يا مار يعقوب، أروح لمين ؟ لا مكان لي ولا أبحث عن مكان، كل ما أستطيع أن أفعله هو ألا أفعل شيئاً، مديت يدي للجيب الجانبي للحقيبة فوقعت على ثلاث ورقات من فئة 50 اورو، 150 اورو دفعة واحدة، يا آية الله ! هل هي يد خفية دست المن والسلوى ؟ الروح القدس ؟ مار يعقوب ؟لور ! جود ! من يا ترى ؟ في نهاية الأمر أخلدتُ إلى ان من دسها هو أنا نفسي ونسيتها،( هناك ملاحظة مهمة جدا لم ألفت نظركم إليها بعد وهي اني كنت في شبابي أخبئ النقود والسجائر الفلت في ثقوب وخوازيق الغرفة وكنت أنساها حقا لأستردها ايام الطفر والخرمة ) الآن بوسعي ان أقلع اتصلتُ ب جولي فأجابني مجيب آلي، اتصلت ب باولا لتدعوني إلى فيتوريا ؟ قالت لوسيانتو أنا مش مستقلة وأنام عند أبواي" اصطياد النساء مهنة شاقة كالمصارعة ، العاشق عندما يفلس يراجع دفاتره القديمة، سيلفي الحنونة يمكنني ان أجدها على الفايسبوك، ولكن مفيش عندي صفحة فايسبوك، هل ما زالت نادين تتذكرني! رينيه البلجيكية، لا أعرف اذا كانت في أفينيون او لا ! وان كانت هناك لا أعرف ان كانت ترغب برؤيتي ام لا ! واذا استقبلتني ببيتها لا أعرف ان كانت ستستقبلني بسريرها ام على الكنبة المجاورة لسريرها، يتهيأ لي بعد التجربة ان أفضل وسيلة لتجد النساء هو الا تبحث عنهن بالمرة، فلوريانو اقترح علي ان أرافقه إلى ايطاليا. قلت لكم لو ان حظي مع النسوان مثل حظي مع الرجال لربحت الجائزة الكبرى في اليانصيب، دائما في نهاية الرحلة أتثائب وأنزعج لأتفه الأمور، مقامي بهذه الدشرة طال وكان من الواجب الا يطول، تملكني السأم، أنا كل شيء الا زِنْ، آخر المشوار أصعبه، لا سانتياغو مريحة ولا أنا مرتاح، كل شيء له نهاية الا المقانق له نهايتان، انطلقتُ من الصفر لأصل إلى ما تحت الصفر، تَغيَّرتُ بما لا يكفي، طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب، نمت أمام المحطة ورأيتُ في المنام اني مع لور نحتفل بعيد ميلادي وكان قالب الحلوى على شكل كتاب صفحاته بيضاء يتخللها 50 قلما، نرحل دائما كي نؤوب إلى أعشاشنا، سانتياغو محطة في الطريق فالرحلة مستمرة، وأخطر مرحلة هي كتابة الرحلة بالكلمات، أرحل الرحلة مرتين مرة حين أعيشها وأخرى حين أكتبها، الكتابة هي ما يتبقى عندما ننسى كل شيء، الكتابة سَفَرٌ في الأقاصي، والأمكنة سِفْرٌ ينتظر من يكتبه، سأكتب نكاية بأمة أقرأ التي لا تقرأ، سأحول السفر إلى سفرنامة، لقد أعطتني الرحلة الموضوع ويبقى فقط ان أجد الشكل المناسب، فيني فيدي فيشي ،اللهم اشهد اني بلغت المجهود، عبرتُ فرنسا وإسبانيا وجبال البرانس، عبرتُ أقاليم الليل والنهار 40 مرة، عبرتُ غابات ومفازات وجبال ووديان، عبرت أزمان الحب والكره، عبرت الماضي والمستقبل، مشيت في أوعر الطرقات وأوحشها، وتحملت المشاق، جعت وعطشت، لم أر عجائب الأسفار، لا الجبل المغناطيسي الذي يفكك السفن، ولا البطيخة التي تزن 70 رطلا، ولا طائر الرخ ولا عرائس البحر ولا أكلة لحوم البشر، ولا عبدة النار، لم ألقَ قطاع الطريق ولا ذئب جيفودان[160] ولا الثعلب الأزرق، لم أر حتى حاجا عربيا واحدا ولا حتى مسيحيا عربيا، رأيتُ طلوع الشمس وغيابها، رأيتُ السنجاب والأرنب والقنفذ وطيور اللقلق والكركي، ستقولون ان الرحال مولغ بالمبالغات كابن بطوطة (معظم ما ورد برحلته أكاذيب، ان لم يكذب هو فمدوِّن رحلاته محمد بن جزي هو الكاذب ) أنا ورب البينة لا أبيّن الا عن مشاهدة، أتكلم بيقين دون استعمال أخوات "ظن"، وان بهرت الرواية وبهرجتها قليلا فللضرورة الروائية، ثمة أشياء أخرى حصلت قد تكون مهمة بعيونكم ولم أسردها، وثمة أشياء تافهة وذكرتها، السارد لا يمكنه ان يكون ديقراطيا، سيكون الأمر شاقا في باريس، كيف لمن تعود على بَرّة ان ينام جوَّة، كيف لمن تعود ان يرى مليون نجمة ان يرى لمبة السقف ؟ هذه آخر شمس أراها في إسبانيا وهذه آخر عبارة أقرأها على الحيطان
EL CAMINO TERMINA. NUESTRA VIDA SIGUE[161]
[1] أغنية لاديت بياف ما فائدة الحب
اغنية لأديت بياف وترجمتها ولا اندم ابدا [2]
[3] اريد ان اكون حيث لست كائنا فالحياة بمكان آخر
[4] الخاسر
[5]لاتينية معناها إلى الابعد وهي شعار الحجاج
[6] فرنسية معناها إلى االأمام
كامينو كلمة اسبانية تعني الطريق، ثم صارت تعني طريق سانتياغو ثم صارت تعني الحجة، المشوار او الرحلة
[8] شهادة اعتماد الحاج وتمكنه من المبيت بالمهاجع وتختم بكل محطة
[9] الاسم العربي لمدينة تولوز
[10] هو البطيخ الأصفر
[11] كلمة فرنسية وتعني شرائح لحم الخنزير
تقال عن نزوح القرويين للعاصمة حتى لو : نزلوا" من الشمال إلى باريس للدلالة على الصعود الاجتماعي[12]، remonter à Paris
[13] يسوع المسيح نح لامع
[14] هو لص الطريق الذي يغير على المزروعات
[15]أامشي يوما امشي كل الأيام
[16] جيل الخمسين وما فوق ا
[17]في النص كلمات اجنبية لا أعرف معنى رديفها العربي اذ ان الرديف العربي عسير الاستعمال مثلا كوبل وتعني زوج رجل وأمراته حتى لا أقول رجل وزوجته او أمرأة وزوجها، واصرفها تصريفا عربيا كوبل رأيتُ كوبلا
[18] الطهطاوي
[19] الاسم العربي لمدينة بوردو
[20] الكرة الحديدية
لم يبق عند الدجاجة ( المشاء) الا 15 صوصا ( كيلومترا)، وقد كان عندها ثلاثين، او نصف الستين، خفوا ارجلكم فالطريق طويل، [21]
[22] البادية
[23] اغنية لجورج موستاكي لا انا لست وحيدا لأن معي وحدتي
[24]جاجة الا 10 صيصان، لم يبق امامها الا 9 صيصان ( كيلومترات لم يبق امام الد
[25] هم الفرنسيون وسواهم ممن سكنوا المستعمرات الفرنسية في شمال افريقيا ورجعوا الى فرنسا بعد الاستقلال يتميزون بكرههم للعرب
[26] الاسم العربي لجبال البيرينيه
[27] بونجور وبنجورنو صباح الخير بالفرنسية والطليانية
[28] للطريق
[29] الزنزانة الخاصة لتصحية السكارى
[30] رحالة سويسرية لفت العالم وحدها
[31] لا يوجد أسوأ من قرية فرنسية
[32]الاستسلام لفكرة متسلطة هو أفضل طريقة كي تراوح مكانك
[33] هائل بالضرورة هائل
[34] الحاج المزيف اللص
[35] مطلوب للعدالة
[36]، الباشكناش هي تعريب باسك بلغة اوسكيرا ( لغة الباسك ) تعني مرحبا بكم ببلاد الباسك
[37] قالت " العالم تغير فقلت أما أنا فلم أتغير
[38] بلغة اوسكيرا بلاد الاله غارازي
[39] طبيعي بشكل مش طبيعي،
[40] لاتينية يرددها الحجاج وتعني الى الابعد، الى الاعلى
[41] اسبانية وتعني لقد وصلنا
[42] اسبانيا شكل تاني
[43] العصر الذهبي
[44] قهوة بحليب
[45] مقانق لحم الخنزير مفلفل و حار المذاق
[46] مرحبا يا حلوة
[47] لتمت اسبانيا ولتحيا منظمة ايتا الباسكية
[48] اين هي البهجة الاسبانية ؟
[49] النبيل الاسباني
[50] ابو الخل تأثر جدا جدا بمقالتي " كاريكاتير تقريبي للمثقف العربي " واوجزها في مقالة له بعنوان نقار الصحون ويمكنكم ان تقارنوا المقالتين
[51] كثيرا
[52] تعجبية وتعني يا مريم يا ام الله
[53] ممنوع الدخول
[54] هذه قصيدة لشاعرة سورية نسيت اسمها
[55] الحرفية لوغرونيو مدينة الدرب"
[56] هو لقب كاطم جهاد نغسه
[57] قاِتل المورسكيين العرب
[58] سيدة بالاسبانية
[59] بالبولندية تعني العالم صغير
[60] الى آخر الطريق حيث توجد الحقيقة
[61] كالسادا بالاسبانية تعني الرصيف
[62] لا مجد بدون ألم
[63] رجل عجوز، جد
[64] خبز ونبيذ أفضل زاد للدرب
[65] باسم الله
[66] قصيدةلاماتشادو تعني لا طريق لك ايها الماشي بالطريق
[67] الدومري كانت مهمته اشعال الفوانيس في الطرقات واطفائها في الصباح من هنا جاء المثل "ما في الدومري
[68] فيلم مغامرات الطريق
[69] غابة في بيلوروسيا اعدم فيها السوفييت الأف الضباط البولون ودفنوهم بحفرة جماعية
[70] أشغال عامة
[71] أين المتجر؟
[72] قيلولة
[73] كل شي للوطن
[74] اسبانيا ما عادت مختلفة
[75] التسوق
[76] صعلوك
[77] نعم ايها السيد
[78] اسباني جدا
[79] مأ اسعد من تشبه بعوليس
[80] شهية طيبة
[81] من فضلك ايتها السيدة
[82] كلمة نابية وهنا تفيد الاندهاش
[83] الى اللقاء غدا
[84] الحاج بالاسبانية
[85] المزاج النسوي
[86] من اين أنت
[87] أفكر كما اتنفس بدون تفكير مقتبسة من ايمي سيزار
[88] سبق ومشيته، سبق وعشته، سبق ورايته
[89] دائما نحو الأبعد
[90] كبف حالك حميد؟
[91] الكاف باللهجة الغربية تفيد الاستمرارية في الفعل
[92] مدينة في جنوب سوريا على حدود الاردن
[93] حاج غريب
[94] كارت الوفاء بتاعة المتجر لتحصل على تخفيضات
[95] خراء
[96] مسيح ... صومعة حبوب خبز نبيذ طاحونة حاج
[97] التفكير عمل عنيف مقتبسة من آلان
[98] يوجد طبيعتان في الطبيعة البشرية
[99] الملوك لصوص، يحيا المسيح ملكا، اقتل اباك، نيك ام النظام، اكل اللحم جريمة، الى الامام
[100] درب الشمس
[101] المراهق الابدي
[102] ليئون بدون قشتالة
[103] بالحجم الحقيقي
[104] فارس
[105] أسمر
[106] كلمة نابية برتغالية
[107] طريقا ميمونا ايها الحاج
[108] أحبك الى الأبد
[109] إلى الأمام
[110] أقسم لك
[111] المورو هو المورسكي هو ساكن موريتانيا وشمال افريقيا هو العرب يعموما
[112] تبرع او بقشيش
[113] البطالة
[114] الشجعان
[115] الصليب الحديدي
[116] لا شي لنا، كل شي لمجد الله
[117] الأرض المقدسة فلسطين بلد يسوع
[118] الخوري
[119] قاتل العرب
[120] قطعوا أيورهم
[121] كلاوستروفوبيا هو الخوف من الاماكن المغلقة
[122] المرء لا يمكن ان يكون جادا بعمر الخمسين مقتبسة بتصرف من رامبو المرء لا يكون جادا بعمر 17
[123] العشق يحرك الميت
[124] حجّاج بارم العالم
[125] مسموح الصيد هنا
[126] تعريب غاليثيا
[127] شهران من روزنامة التقويم السرياني وتناسبا مع يناير وديسمبر
[128] شوية شوية وتصل الى سانتياغو
[129]وهي شتيمة fuck you بدل
[130] سبع أيام دون استمناء هذا كان أشق علي من صعود قمة جبل اوسربيرو
[131] كلمة عربية هو الخنزير الجبلي البري يأكل قلفة البلوط فقط
[132] تمشين وحدك
[133] لا أمشي وحدي فالمسيح يرافقني
[134] نعم طبعا
[135] العاشق الشرقي، العاشق الشرقي العتيق
[136] إفتح فلبك أوسع
[137] الانثى التي لا مفر منها
[138] ليباركك الله
[139] لعلي أجد في الطريق طريقي
[140] الحياة حلوة
[141] الكامينو طويل، قصِّره يا الله والا فسوف أرجع
[142] ساعدني يا الله حتى اتصالح مع جسدي
[143] الدرب مفترق طريق في الحياة
[144] كل الاحلام باطلة
[145] شد جيلك اليوم ستكون في سنتياغو
[146] الرحلة الكببرة الموت
[147] ثق بنفسك وخليك ماشي
[148] ثمانية
[149] لم يبق للدجاجة الا صوص واحد ( كيلومتر واحد)
[150] إرجعوا الى بيوتكم ايها السياح
[151] الشهادة التي تُعطى للحاج بعد فحص الدمغات وتشترط ان يمشي الحاج اخر 100لم على ساقيه او أخر 200 كام على دراجة
[152] أشخ على الله
[153] سانتياغو تستحق قداسا اقتباس محور من هنري الرابع باريس تستحق قداسا
[154] مشاعر عارمة
[155] انها نهاية الحج اريد ان اصرخ ان ابكي
[156] قرية بحرية تبعد 150 كلمترا عن سانيتاغو وتعني آخر الارض وجرت العادة ان يمشي اليها الحجيج للتزود بالقوقعة
[157]مصوّر المشاهير والشوبيز كلمة طليانية وتعني
[158] سيدة المعونة الابدية
[159] خمارة اسبانية
[160] يقال انه كان يسرح في براري منطقة جيفودان الفرنسية والتهم مئة حاج
[161] الكامينو ينتهي والحياة تستمر