رسائـلُ حُـبّ في بريد لن يصل-(37)-

سوزان ضوّ صايغ قرأها 1,421

رسائـلُ حُـبّ في بريد لن يصل-(37)-

رسائـلُ حُـبّ في بريد لن يصل-(37)-

غيابكَ حضور.  حضورُكَ فرَح. علّمْني أجمع إلى حزن الغيابِ فرحَ الحضور، فنبقى معاً.

أشتاقُكَ. أبحث في غيابك عن كلماتٍ أكتبها، يسبقني دمعي وأجِدُني مُجدداً مع كلماتٍ كنتُ كتبتُها في حضورك.  أستعيدها، وأختصر بها الغياب.

بين عينٍ تتَنَهْنَهُ لفراق، ودمعةٍ جمْرةٍ تهبطُ في القلب، أسافر إليك خارج دائرة الحزن وأفرح.

غائبٌ أنتَ الآن. بالأمس لم تكن معي. منذ ولادة ذاكرتي، وأنت غائب.

غريب كيف لم ألاحظ أنكَ لم تَخرجْ أبداً من ثنايا قلبي!

أحلم بك الآن صامتاً، أتسلّل بين كلمات أجوبتك المبعثرة في سمعي علّي أجد مكاناً تسمح لي فيه ببعض صمتك.

يكفيني أنني، هرباً من وحدة غيابك، أحتفظ بأيِّ حضور، أيِّ كذبة.

أَعدْني شهقَةً واحدة. وَحِّدْني. سامح اعترافي لك بِخيانتي ذاتي. يؤلِمني غيابك.

يجتاح مسامي صراخٌ لا يصلك منه حتى الصدّى، يسكن صوتي ويستكين إلى زاوية صمت لم تطأها ذاكرتي قبل الآن.

بين صمت صوتي وصراخ مسامي، نفقٌ أسود أجتازه كلّ صباح بألم أكبر.

كيف تسمح لي بالخروج لمواجهة عاصفة ثلجية وفوق كتفي شال حرير؟

من يدفئ القلوب حين تعرى من الحنان؟

من أعطاني البطولة في مسرحية الابتسامات الفارغة؟ من سمح لدمعة حافية أن تنهمر وتمحو حدود إطار رسمتك فيه؟ 

الآن اتّضحت الصورة أكثر: بعيداً عنك صار الوقت أكثر مطاطيّة. يطول كأنّه يلتف حول الكرة الأرضية ليعود إلينا.

توحّدت أزمنة الغياب. اجتمعت معلنة أنْ لا خيار لديها سوى الانتظار. حاولت التمرّد على ما ومن حولها، فلم تنجح إلاّ في إضافة ثواني حضور أشبه بنقاط حياة مبعثرة في فضاء الموت.

تبحث عيناي عن استراحة قصيرة. هجرتُ النّوم خوف أن أستسلم إليه فأنسى أنني أحبّك وأنتظرك. وحين أصحو من صحوي لا من نومي أعلن استسلامي إلى مزيدِ من التوحّدٍ فيك وأعلن تجديد عهدي بالانتماء إليك حتى الإغفاءة الأخيرة.

أرجع إلى أيامي زهو الصباح واستراحة المساء. في غيابك أضعت الشروق والغروب.

أرجع إليّ دفء شمسي. في غيابك حلّ الصّقيع.

أعِدْ إليّ عمري. بعيداً عنك لا شيء غير موت خصيبٍ في عقم الحياة.

وكما في أيّ يوم آخر، خربشتُ كلماتي، بعثرتها على الصفحات، ثمّ أعدت جمعها في رسالة مفكّكة الأوصال، أثق بوحدتها لكنما يحزنني أنّها ستبقى سجينةَ بريد... لن يصل.

رسائـلُ حُـبّ في بريد لن يصل-(37)-