دَرْدَبَة
لَقَبٌ، غَلَبَ عَلَيْهِ، فَنَسِيَ اسمَهُ الأصليَّ، وَنسِيَهُ النّاسُ، هُوَ واسمُهُ الأصليُّ.
عَاشَ دَرْدَبَة في "جبلِ دارِ فَرَح" في النّاصِرَة في أواخر الستّيناتِ من القَرْنِ الماضي، وكانَ حَجّارًا يعْملُ في المَقَالِع، ينْحَتُ في صَخْرٍ عنيدٍ ليحوِّلَهُ إلى "حَجَرٍ يابِسٍ" يُغطّي واجِهةَ بيتِ مُقْتَدِرٍ يَقِفُ شامِخًا بين بَقيّةِ بُيوتِ الحيِّ المغَطّاةِ ب"الرّشّة" العَاديّة، أو أحياناً تلكَ العاريَةِ والتي ما تزالُ تنتظرُ ولو "حَجَرا طريّا" لكي يغطّيَ عُرْيَهَا الرّمادِيَّ.
عندَمَا كانتْ تَتَباطأ الحركَةُ الاقتِصَاديّةُ في البَلَدِ، كان دَرْدَبَة يَعْتاشُ من نحْتِ أجرانِ الكُبّة، حيث أن أجْرانَهُ زيّنَتْ سَاحاتِ بيوتِ الجَبَلِ، ولكنَّ حُبَّ دَرْدَبَةَ لم يَكُنْ للْجُرْنِ بقَدْرِ لما كان يُصنَعُ فِيهِ: الكُبّة النَّيْئةُ.
كانَتِ الكُبّة النَّيْئَةُ حُلْمَ حَيَاتِهِ، ولم يَكُنْ يحْظى بالتَّلذُّذِ بِطَعْمِهَا إلا في الأعْيَادِ- عِيدِ الميلادِ وعيدِ الفِصْحِ. ولكنَّ دَرْدَبَةَ، شأنُهُ شَأْنُ ذلكَ الإسكافيِّ، لم يكُن لديهِ جُرْنٌ للْكُبَّةِ- فَجَميعُ ما صَنَعَ كانَ للآخرينَ، وقدِ اقتَربَ العّيدُ، وأخَذَتْ صُورَةُ الكُبّة تُداعِبُ غُدَدَ لُعابِهِ، فأخَذَتْ تَسِيْلُ قَبْلَ حُلُولِ الْعيدِ بأيّامٍ، خَاصَّةً وأنَّ كَأْسَ العَرَقِ البارِدِ، ومَنْظَرَ الغَزاليْنِ على القِنّينة، جَعَلَ الانتِظارَ أكثرَ صُعُوبَةً.
كَانَ مِيعَادُ الفِصْحِ ذلكَ العام أواخِرَ أيّارَ، وقد عَانَتِ النَّاصِرَةُ مِنْ هُجُومِ صَيْفٍ مُبْكِرٍ، فاصْفَرّتْ حَوَاكيرُ سُكّانِ الجَبَلِ، و "قَحْمَشَتِ" الأعْشَابُ، ومَاتَتِ الوُرُودُ.
كانَ الفِصْحُ يَقْتَرِبُ، وَقَدْ بَدَأَ دَرْدَبَةُ يجَهِّزُ نَفْسَهُ لاحْتِفالاتِ العِيْدِ، وقد اسْتَفْسَرَ عنْ إمْكانِيَّةِ اقْتِرَاضِ جُرْنٍ لِيَقُومَ بِتَجْهيزِ كُبَّتِهِ، فأخْتُهُ التي كانَتْ تُزوّدُهُ بِكُبَّةِ العِيدِ قَدْ غَادَرَتْ هذا العَالمَ الزّائِلَ، ولكِنَّهَا كانَتْ قَد تَرَكَتْ له مِيراثًا أبَدِيًّا: طَريقَةَ تَجْهِيزِ الكُبّة النَّيْئَةِ بالشّكْلِ الذي يُحِبُّهُ، فَدَرْدَبَةُ، بالرُّغْمِ مِنْ غِلَظِ يَدَيْهِ، والتي كانَتْ تَضَاريسُهَا جَبَلِيّةً بِسَبَبِ ضَرْبَةِ شَاكُوشٍ خَاطِئَةٍ، أو زَلَّةِ إزْمِيلٍ تَزَحْلَقَ عَن زاوِيَةِ حَجَرٍ مَصْقُولٍ، فَإنَّ خِبْرَتَهُ في تَذَوُّقِ الكُبّةِ تميّزَتْ بِحَسَاسِيَّةٍ مُرْهَفَةٍ لِدَرَجَةِ طَحْنِ البُرْغُلِ، وَكَميّةِ الّلحْمِ المفْرُومِ، وَطَرِيقَةِ فَرْمِهِ، وَكَيْفِيَّةِ "دَعْكِهِ" مَعَ البُرْغُلِ، وَطبْعًا كميَّةِ الفِلْفِلِ الأحمَرِ المَطْحُونِ، وَنِسْبتِهَا في الخَلْطَةِ، فهُوَ ما أحَبَّ يَوْمًا الكُبَّةَ الُلبْنانيَّةَ، والتي كانَ لحمُهَا يَطْغَى على بُرْغُلِهَا، بَل كانَ يُحِبُّهَا جَليليّةً شَمَاليَّةً مَعَ لَحْمَةِ خَارُوفٍ نَصْراوِيِّ الثُّغَاءِ والطّعَامِ، ذُبِحَ على الْجَبَلِ، دُونَ الحُصُولِ على فَحْصٍ بَيْطَرِيٍّ، فَهُوَ يَعْلَمُ جَيِّدًا مَرْعَى تِلكَ الخِرَافِ، وَيَعْرِفُهَا جيّدًا.
بَعْدَ ثَلاثَةِ أيَّامٍ، فَجْرَ الفِصْحِ، سَيَكُونُ هُوِ أَمَامَ جُرْنِ كُبَّةٍ يَطْرُقُ في جَوْفِهِ ضَرَبَاتِ طُبُولٍ، فَيَخْتَلِطُ دَمُ الحَمَلِ مَعَ حِنْطَةِ الحُقُولِ لِتُكَوِّنَ طَبَقَ القِيَامَةِ. وَلكِنَّ المُشْكِلَةَ، أنَّهُ لمَ يَتَمَكَّنْ بَعْدُ مِنْ تَدْبيرِ جُرْنِ الكُبَّةِ، فَجَارُهُ نِمِر لا يسَتطِيعُ الاسْتِغْنَاءَ عَنْهُ بِسَبَبِ العِيْدِ، وابنُ عَمِّهِ سَليمٌ يَعِيشُ في أعْلَى الْجَبَلِ، وَقَدْ دَعَاهُ لِيُجَهِّزَ الكُبَّةَ عِنْدَهُ إنْ رَغِبَ، وَلَكِنَّ دَرْدَبَةَ أرَادَ أنْ يَعْزِفَ مَارْشَ القِيَامَةِ عَلَى وَقْعِ مُوسِيقَى جُرْنِهِ في سَاحَةِ بَيْتِهِ، حَيْثُ اعْتَادَ تَنَاوُلَ وَجْبَةِ العِيدِ.
شَعَرَ دَرْدَبَةُ بِضِيْقٍ شَدِيدٍ عِنْدَمَا قُوبِلَتْ طَلَباتُهُ بِاقْتِراضِ جُرْنٍ كَانَ قَدْ صَنَعَتْهُ يَداهُ بِالرَّفْضِ لِسَبَبْ أوْ لآخَرَ، فَفَجْأةً، قرّرَ جَميعُ سُكّانِ الجَبَلِ أنْ يُجَهِّزُوا الكُبَّةَ يَوْمَ العِيدِ، وَتَحَوَّلَ ضِيْقُهُ إلى غَضَبٍ عِنْدَمَا لم يَتَمَكَّنْ مِنَ اسْتِخْدَامِ جُرْنٍ وَلَو لِسَاَعَةٍ مِنَ الزَّمَنِ. "أهَكَذا يَتَصَرّفُ الأهْلُ عِنْدَ الحَاجَةِ؟ ألمْ يَشْعُرْ أحَدُهُمُ بحاجَتي إلى أَنْ أكُونَ وَحْدِي مَعَ أُخْتي صَبَاحَ العِيدِ؟"
اسْتَغْرَبَ نِمِر هَرْوَلَةَ دَرْدَبَةَ عِنْدَمَا مَرَّ أمَامَهُ ذَلكَ الصَّبَاحَ، ولِلْمَرّةِ الأُولى مُنْذُ أنْ عَرَفَهُ، لم يُلْقِ عَلَيْهِ تحيّةَ الصَّبَاحِ. زَادَ اسْتِغْرابُ الْجارِ أَكْثَرَ عِنْدَمَا حَلَّ المسَاءُ وَلمْ يَعُدْ دَرْدَبَةُ إلى بَيْتِهِ، وَقَدْ خَشِيَ أنْ يَكُونَ قَدْ حَلَّ بِهِ مَكْروهٌ. قَامَ نِمِر بالاتِّصَالِ بِأقْرِبَائِهِ وأصْدِقائِهِ في الْجَبَلِ، وَقَدْ أخْبَرَهُ أحَدُهُمُ، والّذي كانَ يَعْمَلُ في مِنْطَقَةِ الكارَاجات، أنَّهُ شَاهَدَهُ صَبيحَةَ ذلكَ اليومِ مُتَّجِهًا إلى مِنْطَقَةِ جَبَلِ القَفْزَةِ، قُرْبَ الكَسَّارَةِ.
بَزَغَتْ شَمْسُ نَهَارٍ آخَرَ، وَعَلَتْ، واسْتَقَرَّتْ في سَمْتِ السَّمَاءِ، ولكِنَّ دَرْدَبَةَ لمْ يّعُد. قَرَّرَ نِمِر أنْ يَنْتَظِرَ حَتَّى مَوْعَدِ عَوْدَةِ دَرْدَبَةَ إلى بَيْتِهِ، وإنْ لم يَعُدْ، كانَ سَيُبْلِغُ الشُّرْطَةَ لِكيْ تَبْحَثَ عَنْهُ، وَقَدْ جَلَسَ أمَامَ بَابِ البَيْتِ وَهُوَ يَنْظُرُ إلى أَسْفَلِ الطَّرِيقِ المُلْتَوِيَةِ التي كان دَرْدَبَةُ يَسْلكُها أثْنَاءَ عَوْدَتِهِ لِيتَسَلَّقَ جُزْءًا من الجَبَلِ وَيَصِلَ إلى بَيْتِهِ.
قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ بِسَاعَةٍ، شَاهَدَ نِمِر دَرْدَبَةَ يَعْتَلِي الطَّرِيقَ، وَقَدْ حَمَلَ عَلَى كَتِفِهِ كِيْسًا من الخَيْشِ يَحْوِي غَرَضًا ثَقِيلا، فَهُوَ بالْكَادِ كَانَ يَتَحَرَّكُ، وَبِصُعُوبَةٍ تَمَكَّنَ مِنْ مُوَازَنَةِ خُطَاهُ.
وَصَلَ دَرْدَبَةُ بَيْتَ نِمِر، وَلَكِنَّهُ لم يَلْتَفِتْ إلى جَارِهِ وَتَابَعَ سَيْرَهُ لأمْتَارٍ قَلِيلَةٍ إلى أنْ وَصَلَ سَاحَةَ بَيْتِهِ، فَوَضَعَ حِمْلَهُ عَلَى صَخْرَةٍ كَانَ يَسْتَعْمِلُهَا طَاوِلَةَ طَعَامٍ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتَهُ وَأَغْلَقَ البَابَ خَلْفَهُ.
نَادَاهُ نِمِر عِدَّةَ مَرّاتٍ، وَلَكِنَّ دَرْدَبَةَ لمْ يُجِبْهُ، فَقَرَّرَ نِمِر أنْ يَتْرُكَهُ بِحَالِهِ حَتَّى يَهْدَأَ، فَهُوَ عَلَى الأَقَلِّ قَدْ اطْمَأَنَّ لِسَلامَتِهِ، ولا بُدَّ أنْ يَرَاهُ صَبَاحَ العِيْدِ، فَيَستغِلَّ المُنَاسَبَةَ لِزِيارَتِهِ، وَعِنْدَهَا سَيَتَمَكَّنُ مِنْ مَعْرِفَةِ سَبَبِ وَمَكَانِ غِيَابِهِ.
كَانَ عَدَدٌ مِنْ شَبَابِ الْجَبَلِ يَعُودُونَ إلى بُيُوتِهِم بَعْدَ انْتِهَاءِ صَلاةِ "الهَجْمِه"، فَجْرَ القِيَامَةِ، عِنْدَمَا سَمِعَ نِمِر، بالإضَافة إلى هَرَجِهِم، صَوْتَ خَبْطِ مِدَقٍّ يُحَاوِرُ جُرْنَ كُبَّةٍ. بَعْدَ أنْ مَرَّ الشَّبَابُ أمَامَ بَيْتِهِ وَهَدَأ ضَجِيجُهُم، اسْتَمَرَّ صَوْتُ وَقْعِ الخَبْطِ يَصِلُ أُذُنَيْهِ بِشَكْلٍ لم يَعْهَدْهُ مِنْ قَبْلُ، فَحَتَّى زَوْجُتُهُ لا تَطْرُقُ جُرْنَ كُبَّتِها بِمِثْلِ ذلكَ الإيقَاعِ! وَمِنْ مَصْدَرِ الصَّوْتِ، أيْقَنَ نِمِر أنَّ جَارَهُ دَرْدَبَةَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ عَلى جُرْنٍ، وأنَّهُ يَدُقُّ كُبّتَهُ، وَهُو يَعْلَمُ جَيِّدًا مَدَى ارْتِبَاطِ دَرْدَبَةَ بأُخْتِهِ وَبِكُبَّتِها، فَقَدْ كَانَ دَرْدَبَةُ يُبَالِغُ في وَصْفِهِ مَحَاسِنَ كُبَّتِهَا لِدَرَجَةٍ أنَّ زَوْجَةَ نِمِر كانَتْ تَعْتَرِضُ عَلى الحَدِيثِ لِتَقُولَ إنَّ جَميعَ نِسَاءِ الْجَبَلِ خَبِيراتٌ بِصُنْعِ الكُبَّةِ، "والكُبَّه كُبَّه" عَلى حّدِّ قَوْلِهَا، وَالمُهِمّ أنْ تَكُونَ "اللَحْمِه طريِّه".
تَبَاعَدَتْ دَقَّاتُ المِدَقَّةِ في الْجُرْنِ، وَخَفَّتْ حِدَّتُهَا، وَفَجْأَةً تَوَقَّفَتْ. سَخِرَ نِمِر مِنْ جَارِهِ بِأفْكَارِهِ، وَلم يَتَمَكَّنْ مِنْ فَهْمِ إصْرَارِهِ عَلَى تَجْهِيزِ الكُبّةِ بِنَفْسِهِ، فَزَوْجَتُهُ كَانتْ سَتُوصِلُ إليْهِ صَحْنًا مِنْ كُبَّتِهَا خِلالَ سَاعَاتٍ. عَلى كُلٍّ، كَانَ مَا زَال الوَقْتُ مُبَكِّرًا، فَقَرَّرَ أنْ يَقْضِيَ المَزِيْدَ مِنَ الوَقْتِ في فِراشِهِ، حَتّى "يَفِجَّ" الفَجْرُ وَيَتَكامَلَ، فَيَشْرَبَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ قَهْوَةَ الصَّبَاحِ في البُسْتَانِ. إنَّهَا قَهْوَةُ الصَّبَاحِ، ولَيْسَتِ الفَجْرِ، فَالأفْضَلُ أنْ يَنَام قَليلا.
قَامَ نِمِر مِنْ سَرِيرِهِ مُهَرْوِلا لِيَفْتَحَ البَابَ عَلى صُرَاخِ جَارِهِ اسْكَنْدَرَ "افْتَحْ يَا نِمِر افْتَحْ!- شُو هَالِمْصِيبِه هَاي عَلَى وِجِه هَالْعِيد!" وَقَبْلَ أنْ يَتَمَكَّنَ نِمِر مِنَ الاسْتِفْسَارِ، جَرَّهُ اسْكَنْدَرُ إلى سَاحَةِ بَيْتِ دَرْدَبَةَ، حَيْثُ كَانَ دَرْدَبَةُ جَالِسًا دُونَ حِراكٍ أمَامَ أكْبَرِ جُرْنٍ لِلْكُبَّةِ رَآه نِمِر في حَيَاتِهِ.
عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنَ الجُرْنِ، أَطَلَّ شَاكوشٌ وإزْمِيلٌ مِنْ كِيسِ خَيْشٍ تَحْتَ شَجَرَةِ تِيْنٍ عَارِيَةِ الثِّمَارِ، وَفِي الطَّرَفِ الآخَرَ مِنَ السَّاحَةِ تَشَارَكَتْ قطَّتَانِ ببَقَايا لَحْمٍ اخْتَلَطَتْ فيِهِ حَبَّاتٌ مِنِ البُرْغُلِ.