رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل - (35)-

سوزان ضوّ صايغ قرأها 1,283

رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل - (35)-

يهاجر وطني من الوطن، والكلّ يتفرّج.

يتمزّق وطني، ينشطر إلى أنصاف لا نصفين، والكلّ يفرح.

يحمل أبناؤنا جوازات سفرهم، يرسمون على محيّاهم ابتسامة النّصر ويهاجِرون حالمين غير مدركين أنّ تلك الابتسامة ستتحوّل عذاب غربة تسكن قلوبهم حتى سكناهم في غربة القلوب.

يرسمون الغد حلماً يقف على عتبة وطنٍ آخر، لا يَهمّ أيّ وطن آخر، غير واعين أنّ الوطن انتماء إلى حقيقة لا إلى حلم.

لم يعد أبناء وطني يُهَجَّرون بل يهاجرون - بفرح يهاجرون - كأنّهم طيور غريبة وجدت مأواها.

إلى كلّ المطارح يهاجرون، يقفلون حقائبهم على دمعة هاربة ووطن مسجون في حقيبة يحملونها على أمل إيجاد نقطة ماء تروي عطش الأوطان الجافّة، ولكن، عبثاً يرحلون: لا وجود  لنقطة ماء تروي عطش الأوطان إن لم تكن من ينابيعه.

يحمل أبناء وطني حلماً في قلوبهم يتنقّل معهم من محطة إلى أخرى، ينثرون على عيونهم رماد الوهم الحالم بأن تكون نهاية الأحزان على حدود الوطن الآخر، ولكن، كالطفيليات يلتصق بهم الألم، يتغذى شوقاً وغربة، يكبر على حساب آمالهم، يقوِّض أساسات أحلامهم بالعودة في يوم ما.

ينهار الوطن، يسقط من الذاكرة مضرّجاً بدماء ولد عاق لم يفهم معنى الانتماء، ويبقى أبناء وطني سجناء غربتهم، أسرى قلوبهم المسكونة بالوجع، سجناء الزّمن الممنوع من الفرح، الزّمن المرسوم على حدود القهر.

لست أنعى الوطن. هو أبقى من كلّ زمان. أنعى أبناء وطني الذين، بدل أن يتكاتفوا ليمنعوا اغتيال حلمهم بالعيش على أرض الحلم، هاجروا إلى حلمهم بوطن آخر، لا أرض الحلم بقي من يحافظ عليها، ولا حلمهم بوطن آخر تحقق.

انكسرت أحلامهم لحظة قرّروا بكامل إرادتهم أن يهاجروا. تشظّت أيّامهم من حقائبهم، أصابت الغرف الباردة في الأوطان الغريبة، وقرّروا الصّمت.

يا أبناء وطني، يا إخوة لي في كلّ بقعة من العالم، أرض الحلم هنا، وهنا الحقيقة الثابتة التي لم ولن يقوى على تغييرها أحد.

كلّ الأمكنة الواسعة ستضيق بأحلامكم، كلّ الزوايا الباردة ستتحوّل سلاسل تقيّدكم إلى قرار اللاّعودة في حين أنّ العودة لا بدّ منها.

يا أبناء وطني: ألَم تخبركمُ الأيام أنّ جرح الوطن النّازف يطاردنا أينما ارتحلنا ليغرقنا في دمائنا ودموعنا؟ ألَم تُعلن لكم أننا أينما توجّهنا ستكون رحلتنا الأخيرة عبوراً في تراب الوطن؟

إليكم، من جرح امرأة ينزف ألم كلّ أمّهات الوطن وشقيقاته وحبيباته.

إليكم، من كلّ دمعة لم تذرف بعد، ومن كلّ جرح لم يندمل: أقفلوا دفاتر الغربة، احملوا مشاعل الغد لا الأمس، انفضوا عنكم غبار ماضٍ لم نتعلّم منه شيئاً، وكونوا أنتم الغد الذي سيتعلّم منه الآخرون.

إليك، يا نصفي الآخر، في زمن الأعياد، أقدّم شوقي إلى الوجوه التي غيّبتها الغربة.

إليك، في زمن الانتماء، أبعث بها هذه الرسالة، رسالة وفاء أودعها في بريد... لن يصل.

رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل - (35)-