رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل -(34)-

سوزان ضوّ صايغ قرأها 1,472

رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل -(34)-

تناهت صلاتها إلى مسمعي فعبق عطر كلماتها كما البخور بين جدران معبد مهجور.

أرهفت السّمع فأذهلني ما حمله دعاؤها المؤمن القائل إنّ الطريق إلى آذان الربّ دائماً سالكة.

لم تأخذ في الاعتبار ذكريات معابر لم تنفع معها صلوات الأمّهات ولا انكسار الآباء ولا دموع الحبيبات. وحده إيمانها جمع أحرف صلاتها في باقة خواطر أطلقتها في زمن الجفاف، لتصلّي قائلة:

"أعطني، يا ربّ، قلباً ناصعاً أحمل فيه حبّي لك لما تبقّى من عمر.

جُدْ عليّ، يا ربّ، بيدَين نظيفتين أحتضن بهما أطفالي.

أُعطُف عليّ، يا ألله، وساعدني أغمض عينَيّ كلّ مساء على وجهك أنت، الى أن يحين موعد الإغماضة الأخيرة.

لا تعطني أكثر، كثيراً أعطيتني. وعلّمني أن أحبّك أكثر، فكثيراً تحبّني.

إمنحني بصراً مختلفاً لأراك ببصيرتي كما تستحق، وهَبْني سمعاً نقياًّ لأسمعك كما بنقاء ما تقول.

أُعطف عليّ بعمر آخر لأزرعك على مشارفه زنابقَ ووُروداً، أو اتركني كما أنا، وسأُحبّك أكثر.

أُسكُنّي بفرح كلّ لقاء، وحزن أيّ غياب. إحتضن فيّ الطفلة المشرّعة القلب لعواصف الياسمين الأبيض. مجحفة بحقّك أنا، أعطيك كلمة فتهبني عمراً.

علّمتني احتمال الحزن فصار قلبي أكبر من الأحزان جميعاً. الخيارات الصعبة آلمتني لكنّها لم تردعني. يا سيّدي، لا تزرع صفحاتي البيضاء بجرح أعمق من قلبي، فأراك بعيداً وأنا أحبّك معي".

تلك كانت صلاتها التي اخترقت مجرى دمائي بكل إيمانها.

أنا التي أعلنت الهجرة برسائل لن تصل أبداً إلى وجهتها، أعرف، وأعي تماماً أنّك تعي بأنها إليك، إليك أنت، وستصل كلماتي مباشرة إلى قلبك، حتى وإن هي بقيَت أسيرة في بريد... لن يصل.

رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل -(34)-