رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل - 33-
.jpg)
من مكان ما، في عالم يتربّص بالمجهول معلناً معرفته كلّ ما يجري، وقف يستعطي هجرة مجّانية إلى ما وراء القلوب.
التقط فرحته برموش أثقلها ملح الدّمع وأغمض عينيه. لم يفكّر طويلاً. كان يعرف أنّه بعد رمشة مختصرة في عالم الحلم ستغيب الشمس ويحلّ الليل.
التمس بعض الوقت الإضافي. وقف تائهاً على باب الصّمت، لا رغبة لديه في الدخول ولا في المغادرة. تساءل: "لماذا تراني أتيت"؟
كأنّ العمر ما عاد يكفيه. راح يبحث عن فصل خامس يحياه بكلّ تقلّباته المتوقّعة. أضناه التفتيش عن ولادات لم تعلن بعد ليحيا بها نبضه الأوّل.
كان يعرف أنّ شمس عمره تتخطّى حواجزه بقفزة واحدة لتسكن في مداره، تتعلّق بأهدابه مخافة السقوط، ثمّ تغمض عينيها لتحتجزه فيهما على امتداد أشّعتها الآيلة إلى أفول.
كان يعرف أنّها داخل أسوارهما هي الكلّ، ولكنّها تقيم خارجهما، فكيف يحتفظ بها لزمن أطول في مجرى دمائه؟
عشّش الجوع فيهما حتى أطراف الأصابع، حتى هاوية القلب، ولم يتناولا شيئاً ممّا كان على مائدة الأيام. هيّ ظنّت أنّها إن فعلت تكون كتبت نهاية عطشها الدائم لمزيد من التوحّد فيه، وهو نزع مرساته وأبحر بدون أشرعة.
أيّ هواء يتجرّأ على دفع سفينة ممزّقة الأشرعة، منزوعة المرساة، من دون السقوط في عذاب ضمير غرقها المحتّم؟
كيف يغلقان باب الوقت ويستريحان؟
لم يتعلّما النظر إلى الشمس لقراءة الوقت، وعيونهما أرهقها البحث عن ثوانٍ منفلشة على امتداد عمر من الفراق.
لآهات طويلة وقف محتاراً بين النقيضين: الطفلة الهاربة إلى أحضانه ليحميها، والمرأة التي من حبّه وُلِدت.
في مكان ما، عرف أنّه لن ينجح في فصل الاثنتين. إنّها واحدة لا تتجزّأ. أقفل صدره على قلب أثقله العمر بعيداً عنها، واستسلم لرحلة يعرفها لن توصله إلاّ إليها.
هكذا عرفتهما منذ ولادتهما في زمن خارجَ الزّمن.
بأمانة أنقل إليك حكايتهما، علّها توقظ فيك ذكريات عتيقة تذكّرك بأن ثمّة رسالة تنتظرك لتقرأها بعد أن أودعتها -ذات عمر- في بريد... لن يصل.
.jpg)