رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل- (32)-

سوزان ضوّ صايغ قرأها 1,370

رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل- (32)-

إحتجزَ الشمس في كفّيه. ناجاها بأطراف مشاعره، ولم يحترق.

أشرقت شمسها من بين رموشه، وعلى أهدابه غفا قمرُ عمرها.

علا جبينه فقرأت عليه شموخ بلادها، وفي عقدة حاجبيه، لحظات الغضب، سمعت هدير الحرب.

من عشق عينيها، تحوّلت أحرف كلماته غذاء لروحها، وحين قرّر الصّمت، أعلنت الجوع على امتداد الصفحات.

استسلمت لذراعيه فسكنها الأمان، وحين أطلقها لحريّة مشوبة بقضبان سجن جغرافيّ وتاريخيّ، أعلنت استسلامها للغربة عنه.

صعقتها حقيقة أيّامها التي تاهت عن بدايتها بعد أن أعلنه عمرها نقطة البداية والنهاية، وتساءلت كيف يمكن للرحلة أن تنتهي في منتصف الطريق فيرحل هو لتكمل مشوارها عارية من قلبها!

لم تعد تلك الطفلة تسكنها.. انكسرت لحظة رسمها بريشته الأنيقة أميرة نائمة على أهداب كلّ عين توقظها من سباتها. نجح في اختراق أسوار نقائها وشرع يخطّ مسودّات حكايات صحوٍ لكل ليل آتٍ. سقط ابن الأبجديّة في اختيار الكلمة المناسبة، فغرقت طفلة  الأحلام في محيط تبعثرت أحرف أمواجه رذاذاً، وتكسّر زبد كلماته على شواطئ مهجورة.

بقرار واضح أختزلا العمر، حاكا من استمرارية الحكاية لحظات اختيارية، اختصرا أفراحهما معاً، وضجّا بالصّمت.

أيّة وحدة سكنت الضلوع؟ أي سفر نحو المجهول أعلنا عنه في لحظة الوداع ليبعثر الدّمع الكلمات ويستشيط القلب أسفاً على سعادة قرّرت الانتحار؟

معاً أعلنا إسقاطاً نهائياً لأقنعة أسقطت معها كلّ الأحلام العتيقة. بشطحة أمل مفقود خربشا الابتسامات التي ارتسمت على جدران الثواني فصارت ساعاتهما بلا جدران.

فجأة، اغتالت أحزانهما الأمل بولادة جديدة وأصبح الرأس عاقراً عن إنجاب فكرة يتيمة. عصفت بهما مواعيد الرحيل المؤجّلة حتى إشعار العودة، وانكشف قلبها العاشق ليقرأ بدمائه كلماتٍ تائهة في الشرايين. شرّعت النوافذ لغراب ينقر زجاج أيّامها بلا رحمة، وتركت الممرّ سالكاً أمام قطرة دمع تسلّلت هرباً من جفاف آت.

اعتزمت إكمال التفكير بوضوح فسقطت في لُجّة الأفكار الضبابيّة المتقوقعة في ظلمة عمر أشرف على نهايته.

حصدت قمحها عن بيادر انتظاره وعانقت بضمّاتٍ منه انتظارها خبراً منه.

بهذا العشق الصّارخ وصلتني أخبارهما، فحصدتها مواسم حبّ لكل قلب يعشق القراءة، وأودعتها بأمانة في صندوق بريد... لن يصل.

رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل- (32)-