رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل - (31)-

سوزان ضوّ صايغ قرأها 1,275

رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل - (31)-

ذات شمس لم تشرق عليهما، ماتت لهفة النّسر. انتحرت شوقاً إلى ماضٍ قرّر الولادة من جديد  على عتبة أحلام الفراشة.

هو للجميع. وهي لم ترضَ أن يُحَلِّق في غير فضائها، ولا رضيَت أن يبتلعها الصّمت.

اعتادت العيش في النور فقرّرت سلب الآخرين حقّهم في سرقة سواد لياليهم يلوّنون به بياض قلبها.

اعترفت لصراخ الريح ببكاء ألمها. أسكتت هلعها المزمن واعتمدت الصّمت فانتشر الألم أكثر.

تخلّت عمّن "كان" لتكون له، فقرّر استرجاع من "لم يكن" وتجزّأ.

ولكن...

مثلما هي "واحدة"، ترفضه إلاّ "واحداً".

لم تستسلم. أقفلت قوقعتها. عادت طوعاً داخل الأسوار لتمنع رياحاً لوّثتها الأيام من القضاء على نسمات بيض تتسلّل بين شرايينها كوحدة دم تبرّع بها طفل بريء.

قرّرت ألاّ تسمح بنهاية يكتبها الآخرون. هو كتب البداية، وله وحده الحق بوضع النقطة النهائية.

ذات يوم أسرّ لها: "لا مكان بيننا إلاّ للبدايات" وهي آمنت به.

حلّقت بحريّة أكبر، وأطلقته إلى وساعة لم يعرفها يوماً في حالة حبّ. أتقنت فعل الانتماء وحفظت قاعدة مُلزِمَة لإتمام الحلم: " ليتّسع حبّ الكبار لعظمتهم، عليه أن يكون بحجم انتماءات لا تعرف المشاركة ولا الشراكة."

أوجعها انكسارُ حلم كان أطول من ليلها. هاجمتها كلماتهم كجيوش مرتزقة لا تعرف الرحمة، شلّعت أبواب رقادها وسقطت في فخّ اليقظة. نزفت فرحتها حتى آخر قطرة حلم، واستيقظت مع فجر لم يعلن عن وصوله، لتكتشف أن الأوهام تصطاد الفراشات أيضاً.

لا طعم للانتظار بعد اليوم. لن يثمر إلاّ انتظاراً آخر. لن تحتاج جناحيها لأيّة معركة محتملة، فلا معارك تخوضها بعد أن أعلنت الانتصار على مشارف قلبه. كلّ الوقت في غيابه تحوّل جماداً ينتظر إعلان موعد الرحلة الأخيرة التي توصلها إليه.

بهدوئها المناقض ثورة الحالة، اعترفت ضمناً أن لا سبيل للاستمرار إلاّ بالتوقف عند المفترق الذي شلّع الصفحات وجعلها عرضة لبوح أقلام يكاد يجفّ فضول حبرها.

ذات ضوء قنديل يعطش لقطرة زيت أخيرة، أخبرتني الفراشة حكايتها. توهّمتُ أننّا نستطيع أن نتشارك وليمة انتصارها الوهمي، سلّمتُ الكلمات إلى صفحة بيضاء وأودعتُها علبة بريد... لن يصل.

رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل - (31)-