رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل-(30)-

سوزان ضوّ صايغ قرأها 1,504

رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل-(30)-

منذ غيابه، كأنّ العمر يهرول بأحلامها صوب الهاوية. يقتنص الأفراح من جثث الأحزان النتنة المنتشرة على مفارق نسيت أن تمحوها، بعد مرحلة العبور، عن خارطة أيّامها. يرتفع بها الغضب، يستأصل من ثنيات قلبها آخر نبض فيه، ويرتفع أكثر. أتراه يتقصّد أن يأتي سقوطها أكثر إيلاماً؟

تراقصها بين الحين والآخر أحرف كلمات قطفتها من أبجديّة لم تُسْتَكْشَف بعد. تهمّ بالتملّص من أحرف سباتها المرادف لموسوعة كابوس لا ينتهي، فتتعثّر نظراتها بصور قديمة لم تنجح الأيام في محوها من ذاكرة أثقلتها سلبيّات الصور المشوّشة الباهتة.

تستعد ذاكرتها لنفض غبار الوقت المتراكم عليها، فيغتالها الوقت. تنفلش أيّامها على صفحات عارية من ذكرياتها، وفي محاولة يائسة لاسترجاع بعض الأسماء والوجوه والمناسبات الحميمة، تصطدم مخيّلتها بحائط الفقدان التام لأّية ذكرى، كأنّ ذاكرتها صارت عرجاء، عوراء، صمّاء... لا شيء فيها ولا أحد...

كأنّها، في أثناء مرض ما من سجّلها الطبّي المثقل، ارتفعت في دمائها نسبة عدد المهاجرين من انكساراتهم إلى انتصاراتها، فقرّرت المضيّ بنصف لا علاقة له بما يجري، نصف آخر لا تاريخ له، لا حكايات معلّبة سلفاً لمواسم البرد ولا رحلات صيفيّة مشوبة بشكّ الهروب من ضجر سجن الشتاء السابق.

هكذا تحلّق يومياً، تقرأ نداءاتهم، تسمع شرودهم، تشعر بالغيرة من روحها لأنها بهم تحيا، وتهرول إلى أمسيات خريفيّة تلملم عن أرصفتها ما لم تحمله عواصف الحزن من أفراحها الربيعيّة الإشراق.

تعترف لسمعها همساً: "لو انّ القلب لا يتعب من دقّاته لما توقّف. ولو أنّ الوقت لا يتعب من لحظاته لمّا انتهى العمر".

 تُرى ما عمق الهاوية التي نقف على شفيرها لحظة الانفجار؟ كيف نستبق ما سيحدث وهو لم يحدث بعد؟ أسئلة تفرض انتظار الأجوبة عنها من أسئلة ستأتي بعدها، وتنتظر زمن نبوءات يعيدها إلى الأمام في خطوة غير مسبوقة. تنتظر الإذن لممارسة طقوس انتمائها إلى أيّامها كما تستحق، وتحاول القضاء على مكر لحظة الفراق بثانية معلّقة على أهداب الانتظار. تحاول استثناء مسيرة الزّمن بإبقاء بوّابة عمرها مشرّعة على حلم يرفض شروق الشمس كي لا ينتهي.

لم يكتب إليها اليوم. تعب من صمتها. قرّر أن يتركها طعاماً للنسيان.

رسمت بجناحيها امتداداً لطريق الانتظار واختصرت مفارق الرحيل.

كتبت استسلامها على نور شمعة خافت وقدّمت جناحيها طعاماً للنار.

احترقت الفراشة.

       أمطرَتْ رسالتها اليوم كلمات عاصفة بعد طول اشتياق، فقرّرتُ أن لا ضير إن قرأناها معاً.

أسرعتُ إلى عنوان عالق في خطوات ذاكرتي قبل فقدانها، وأودعتُ أحزانها في بريد... لن يصل.

رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل-(30)-