ألعوسج
كنت على بعد شهر من افتتاح الجامعة حين فاجأني القدر بلقائه. كان ثملاً تفوح منه رائحة خمرٍ مقيتة. قال:
- سأمرّ بكِ خلال اليومين القادمين، لأمرٍ هام.
كانت أول مرّة ألقاه فيها، بعد طول غياب، وعمرٍ رائع من العشق والحلم والغيرة. فهل يمكن لي بعدما انقطعت بيننا جسورُ الكلام، أن أقاوم هذه الرغبة المكبوتة للتحدث إليه. مربكة قلت:
- البيت بيتك؛ تأتي متى تشاء.
***
انتظرته يومين كاملين، لكنه لم يأتِ. كنت أخافه وأحلم بقدومه... مليئة بالشوق والحقد... أحّبه وأكرهه بحماس وعنفوان... أتوحّد معه في كل شيء وأجافيه في أي شيء، وأشعر نحوه بالفرح والحزن والمرارة في آن واحد.
هل يأتي؟ لن يأتي... وما الفائدة لو يأتي وهو متزوج وله طفل منها، تبرعم قبل الزواج عندما كانا معا في باريس. يومها فقدتُ علاقتي بكل شيء... لأتلاشى في وادٍ سحيقٍ مظلم... مواسم الصقيع تربصت بي، فكان كل شيء تافها ومملاً.
من أين تسللت تلك الفتاة إلى حياته. أي طائر حملها إليه. أي ريح حطّت بها في دياره. أتراه أحبّها، أم أنّه كان ثمِلاً عندما مارس الحب معها. أم تراها أغرته كي يرافقها الى أحد النوادي الليليّة؛ حيث المجون العلني والإباحيّة المطلقة... هناك حيث تنهار الحدود، وتستسلم الأجساد بعضها لبعض دون رادع.
كلّ شيء كان ممكناً.
***
في منتصف الليلة الثالثة، أيقظتني نقرات قويّة على زجاج النافذة.
كان المطر شديداً والرؤية في الخارج شبه معدومة، ومع ذلك توضّح لي وجهه.
تملكني خوف شدبد عندما أشار بفتح النافذة.
كيف أفتحها ونحن في منتصف الليل ووالدتي في الغرفة المقابلة. ترددت كثيراً. ولكنّ ذلك التواطؤ بين روحينا وذلك الضغط العاطفي أجبرني أن أمدّ يدي وأفتحها. ولكن على غير ما كنت أتصور، قفز إلى الداخل دون أن يتسنى لي الاعتراض.
امتلأت بالذعر. طلبت منه أن يغادر الغرفة على الفور. قال:
- أحبك. أحبك بجنون. انت مازلتِ في فلبي... في كل قطرة من دمي... تشاركينني كل شيء في حياتي، حتى فراشي.
شعرت بشيء من الشفقة... ولم أكن أريد أن أغضبه خوفا ًمن الفضيحة.
قلت له:
- ما الذي تقوله، وأنت متزوج ولك طفل.
أمسكني بذراعي وقادني لنجلس على حافة الفراش. كنت أرتجف من شدة الخوف.
وضع يده على فخذي، فانتفضت واقفة أمامه لأقول:
- ذهبتَ إلى أبعد من حدودك.
تغيّرتْ ملامحه... إكفهرّ وجهه، وما وجدته إلاّ وطوقني بذراعيه وراح يقبلني. كانت رائحة الخمرة الكريهة تفوح من فمه.
قاومته بكل ما أملك. لكن أي قوة كانت قادرة أن تقف أمام ذلك الثور الهائج؟
أخيراً، فعل فعلته، وتركني على فراشٍ ملطخ بالدم والإثم، أحقر من بعوضة... ساعتها، لو كنت قادرة على قتل نفسي لفعلت.
في الغرفة المقابلة، كانت تغط ّ أمي في نوم عميق. حملتُ عاري وذهبت إليها.
انخرطتُ تحت لحافها... على صدرها وضعت رأسي، ورحت أمسح دمعات ساخنة كادت تسقط فوق جسدها البريء.
في الصباح لم أجرؤ على دخول غرفتي. كانت تفوح منها رائحة الخطيئة والعار. وحتى لا تشعر أمي بما أنا فيه، رأيت أن أخرج من المنزل. فهي ما كانت تنظر إليّ مرّة إلاّ ويبدأ العرق البارد يتصبب من جبيني. كنت أخاف أن تكتشف آثار اللحم الممزق على جسدي.
ذهبت لأجلس تحت زيتونة في بستاننا، كنت أتردد عليها في الأزمات.
فجأة ؛ وكأنه انبعث من جلد الارض، وقف أمامي . قال بوقاحة غريبة:
- أتصدقين إن قلت لك أن قوة خفية، ذبذبات منك، خرجت اليّ لتخبرني عن مكان وجودك.
كنت أود أن أصرخ، لكنّ خوفي على مستقبلي لجم لساني.
وقفت صامتة حائرة فيما أقوله لهذا الإنسان المنتصب أمامي كالمنتصر.
بعد لحظات، أضاف:
- كأنني على موعدٍ معك.
استمرّ صمتي، فسألني:
- ماذا تفعلين هنا وحيدة في هذا البستان؟
قلت
- جئت لأمحو من ذاكرتي آثار الذلّ والعار الذي ألحقته بي
قال بلآمة لم أعهد بمثلها في حياتي:
- أأنت نادمة؟
قاومت غضبي وقلت بهدوء:
- لن يغفر الله لك هذه الجريمة.
قال:
- أتسمينها جريمة؟
قلت :
- ماذا تسميها أنت؟
تبسّم بخبث وقال:
- إذاً، فالجريمة مشتركة.
وبيدٍ مرتعشة تناول من جيبه "بطحة العرق" واجترعها دفعة واحدة ومضى.