رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل-(29)-
.jpg)
لماذا يلزمنا كثير من الحزن لنكتب عن قليل من الفرح ؟
لماذا تلزمنا انكسارات متعدّدة كي نعلن انتصاراً واحداً؟
أغرب ما في الحياة: مفارقات تجتاحنا على غفلة انتظارنا، تلوّح بشرتنا بسمرة مخادعة، نخترع لأجلها أسفاراً وهميّة إلى جزر لم يزرها سوانا، وندّعي الفرح ونحن في أعماق الحزن.
صباح يوم احتلّ مقعده في ذاكرة الغياب، لم توقظني الشمس الغائبة منذ أيّام، ولا أيقظتني ساعات الفجر التي اعتادت تحدّي دقائق نومي بساعات يقظة أطول.
ما أيقظني صباح ذاك اليوم: "حالة مطر".
تتساقط الأمطار فجراً بغزارة تفاجئ صيفك الذي لم تودّعه بعد، تنقر على زجاج نومك كأنها تسأل: أأقفلت الشبابيك؟ تلفح وجهك المختبئ في دفء أغطية تلفّك كمولود يحاول استعادة دفء ما قبل الولادة.
تفاجئك حالة المطر تماماً مثلما تصفعك الأحزان ذات فجر فتضع بين يديك مجموعة أفكار وأوراق عليك أن تملأها، حتى لو كان الحزن أوسع منها، أو الفرح أكبر من أن يخبر عنه الحبر السائل... عليك أن تملأها بحالة استثنائيّة.
تحاول التهرّب منها بإغماضة كاذبة، بادّعاء الغياب وراء حدود الأحلام أو حتى الكوابيس، لكنها تعرفك، تفضحك بسرعة مدهشة: أنت تتقلّب منذ ساعات، تقاوم الإجابة عن أسئلة متروكة فوق صفحة كانت بيضاء، تتهرّب من واقع يصفعك فيه سؤال لا ينفكّ يتكرّر: "من أنت"؟، تفقد طريق النعاس فيفضحك المطر في حالته العشقيّة المنتصرة على محاولاتك الفاشلة في التخلّص من عبء أفكار سلبيّة تطاردك من دون رحمة.
لم تتساوَ احتمالات الصيف والشتاء فوق سطح مشاعرك يوماً، فهي إمّا تعصف فتثلج وتنهمر دمع انتظار لا نهاية له، أو تشعلك بشمس إستوائية الحرارة، حارقة الشوق إلى ثانية لقاء ترضى بها كما الجائع يرضى بكسرة خبز.
غريبةٌ مفارقاتٌ في العمر تأبى أن تفارقنا بدون بصمة نتعرّف منها على ذواتنا حين نتوه في مجاهل غابات الحالات المختلفة، والقضايا الثابتة، والانكسارات التي تؤدّي إلى انتصارنا الأخير.
أغرب تلك المفارقات هو استسلامي لحالة المطر الاستثنائية وإطلاق حريّة كلماتي إليك في رسالة أكتبها لأودعها بريداً أعرف أنّه... لن يصل.
![]()