رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل-(27)-

سوزان ضوّ صايغ قرأها 1,499

رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل-(27)-

ذات ضجرٍ لم تعرفه مذ صارا واحداً، قرّرت الاستقالة من ضجيج صمتها، وإطلاق العنان لصراخ أسئلة كانت شبه سجينة خارج أسوار النسيان.

نفضت عن ذاكرتها غباراً لم تنجح العواصف التي ضربتهما في إزالته عن أجوبة لم تصل، عن أسئلة لم تُطرح. أرادت أن تفهم لماذا يسافر صوته في عطش يصيب شرايينها بالجفاف وهي في حالة من العشق لا تشبه إلاّ ذاتها؟

أطفأت عينيها، أدارت سمعها إلى حيث لا جبال تُردِّد صدى نداءاتها في الوديان، وأقرّت بفعل النهاية. قرأت الرسالة للمرّة الألف، ولم تجد الاسم الذي أطلقه عليها تحبّباً. عرفت أنها انتهت في قلبه مثلما انتهت فوق أوراقه.

هي التي سبقت الحلم، خافت من خوفها عليه. سألته لماذا لا يغسل بالغفران خطاياها وهو المتربّع على عرش قلبها؟ ناشدته وضع الحدود المرئية لنقطة انطلاقهما إلى نهاية لا مفرّ منها. قالت له إنهما لن يكونا بعد اليوم بيادر قمح ومواسم حصاد. عليه الاكتفاء بالكتابة إلى الحصّادين ليباشروا بنقل قمح الحزن إلى مخازن الأيام، ثمّة جوع عتيق لقراءة الرواية.

لم تتحصّن جيّداً لمقاومة هجوم شنّته عليها كلمات فرح عتيقة كشفت النقاب عن كلّ الحزن الآتي. انكسرت مقاومتها أمام جحافل الرحيل، لم تنجح في التصدّي لغياب رصدها عمراً على أبواب انتظار لا نهاية له.

أسكَتَتْ ألمها بالصّمت،  تنازَلَتْ عن حقّها بالرفض، و.. اعتزلت الكلام.

صمتت...

جمعت أبجديّتها الناطقة بأحرف لم تنضمّ بعد إلى أبجديّة معروفة.

كتبت تواريخ محدّدة لتاريخ بلا حدود، وقرّرت احتراف الصّمت.

ما نفع الكلام،  إن كانت الآذان صمّاء؟

ما نفع النظرات إن كانت العيون عمياء؟

ما معنى الحياة إن كانت الـ"حياة"  اعتزلتها؟

لا تسلني لماذا أخبرك الحكاية. في لحظة غفران أعلنتها الشطآن على منصّة الاعتراف لأمواج لم تفتأ تضربها، سمعت ترداد صدى حكايتهما معاً فأغرتني روايتها، وليس مثلك صبراً على سماع حكاياتي.

أتراها أيقظت في روحك حكاية تشبهها؟

ولكن... كيف توقظها، وتفاصيلها تختبئ بين أسطر رسالةٍ تائهة في بريد لن يصل؟

رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل-(27)-