رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل-(26)-

كيف أُحِبُّكَ يا وطني، وقلبي معك؟ كيف أكون نوبة الوعي في وطن يمارس علينا مزج الخيبات؟ وكيف تلفح رياح جراحك أرصفة أفراحنا فتنثر عليها نزف ياسمين يناضل كي لا يذبل؟
أنحني أمام نداءات الانتماء بخجلِ أميٍّ يقرأ موسوعة الوطنية والاستشهاد في حين يقطفون هم ثماراً لم تيْنَعْ بعد، ويتبرّعون بتقديمها على مائدة الانتصارات الهزيلة.
هكذا، بكل بساطة، بإغماضة عين لحظة يتسلّل إليها النّوم، يتسلّل الخوف إلى قلوبنا من جديد، يحزم أمتعة النسيان، يرحّلها في القطار الوحيد المُنتظِر على محطّات هجرها الأمان، يتخلّى عنها بشغف العاشق وكأنّه المسؤول عن تجديد ذاكرتنا المسكونة بآلاف الجثث، ينشط في بثّ الأحقاد الدفينة، يعلّمنا كيف نحتمل انكساراتنا ونعلنها هويّة وحيدة لكلّ نضال آتٍ.
بالأمس كان هنا، يتنقّل في هشاشة أمن وطن بَرَع في تناول أشلاء أبنائه واستمتع بشرب دمائهم على موائده المتخمة بأشلاء جثث الأبرياء.
بالأمس كان هنا فرداً بين أترابه، وحيداً لأهله، حبيباً لعروس تنتظره لترتدي، كرمى لعينيه وحده، فستانها الأبيض. وكم يبدو الأمس بعيداً منذ غيابه!
لأنهم لم يختاروا الصّمت حين فقدوا الأجوبة القاطعة، فاختاروا الـ"ممكن" والـ"ربّما"، سقط هو، فانتهى بسقوطه حلم المسافر الهارب دوماً من محطّته ما قبل الأخيرة.
لأنّهم اختاروا اغتصاب عذرية الأمن اليافع، ولم يحتملوا رؤية الفرح يرقص فوق الثلج الأبيض، مدّوا للوطن أجساد شبابه ليستمتع بها، ليعرّيها ويقضم بقايا أحلامهم الواحد تلوَ الآخر.
ولأنّهم برعوا في رصف الكلمات على شبابيك انتظار الغد، سقط هو.
لم يرسموا خطّة مسبقة، لا يريدون نتائج منتظرة، فقط الكثير من الأخطاء في سبيل الأكثر من الفوضى.
هل صار وطني غيمة تكره المطر، تطرده، تلعنه حتى التقرّح والجفاف؟
هل أقترفُ بحق "حلم" السّلام في وطني جرم الكتابة عن "كابوس" الحرب؟
يا أنت، ليتك توقف زحف الأسئلة وترفع راية بيضاء في وجه نزف الدّماء فوق أوراقي.
ليتك توقف، ولو لثانية، سعيك المجنون وراء إثبات حقيقة ديمومة المحبّة في ثنيات الثياب السوداء.
ليتك تجيبني، ولو مرّة، على واحدة من رسائلي المحتجزة طويلاً... في بريد لن يصل.
![]()