ثقافة البطاطا.. شمْ ولا تدوق!!
في أيام الشباب والتصعلك والتشرّد الاجتماعي الناتج عن الانتقال من القرية إلى المدينة والتحوّل المفاجئ من الحياة الأسرويه إلى الانسلاخ الجزئي المؤقت يرى الشاب نفسه منفردا ويبحث عن صداقات تعوِّض بعض الشيء من الدفء الذي يلجأ إليه من وقت لآخر.
وهذا ما حصل معي في النصف الأول من العقد الثمانيني من القرن الماضي يوم كان الشباب يضج بقدر كبير من الوعي والحماس الثوري. حرصت إلى حد ما على توطيد العلاقة مع أشخاص معينين من بين العلاقات الكثيرة التي تأتي تلقائيا أو عن طريق المشاركة بنشاطات عديدة أو قد تفرض دون السعي إليها.
المهم أنّ علاقتي توطّدت بشكل خاص بشاب يدرس في كلية الزراعة ويقيم في المدينة الجامعية في مساكن برزة وأنا كنت أقيم بفيله في أقاصي الأرض بالنسبة لتلك الأيام في حي الكشكول في آخر الدويلعه مساحتها 3x 4.
كنّا نقضي معظم وقت فراغنا سوية من مكتبة ميسلون إلى المراكز الثقافية التي كانت تضج في تلك الأيام بالنشاطات. وكان صديقي دائما يلمح لي بشيء ما من خلال حديثه عن امتعاضه من عدم قدرته على التجانس مع زملائه في السكن الجامعي فهم أربعة أشخاص في غرفة ضيقه ولا يجمعهم شيء سوى أنهم طلاب في الجامعة فلا تقارب فكري ورغم تخصيص هذه المدينة لكلية الزراعة فهم من فروع مختلفة وهذا ما يجعل الوضع أكثر تعقيدا بالنسبة للتقارب وفهمت بذكائي أنه يود الإقامة معي في الغرفة ولن يتمكن من المشاركة في دفع الإيجار. وراح يشرح لي ما يمكن أن أستفيد من إقامته معي (بسبب وضعي الصحي) وخصوصا إمكانياته بالطبخ التي ستجعلني أستغني عن وجبتي المتكرّرة من (كباب البروليتاريه) طبعا" لا يخفى على أحد (الفلافل) وأنه سيريحني من كذا وكذا وكذا مقابل نصف أجرة (الفيلة) التي كانت تبلغ حينذاك 250 ليرة سوريه.
وبما أن التلاقي الفكري والروحي التي تقوم عليه علاقتنا كان متيناً رحبت بالفكرة وأكدت عليه الطبخ ثم الطبخ ثم الطبخ فأنا أحب أن أتلذّذ بالطعام وأتحيّن فرصة فراغ للذهاب إلى القرية لأتلذذ بطبخ أمي. فوعدني بطبخة مختلفة كل يوم…
في اليوم الأول وأنا عائد إلى الغرفة وأحلامي تأخذني إلى ما قد يكون طبخ لنا رفيقي وعلى موقف باص النقل الداخلي أستهزئ من رائحة زيت الفلافل الفتاكة وصلت إلى الغرفة ووجدت صاحبي منهمكا في إنهاء طبخته الموعودة وكانت عبارة عن بعض حبات البطاطا مطبوخة بشيء من ربّ البندوره وراح يشرح لي عن فوائد البطاطا ولذة طعمها عندما تطبخ مع رب البندوره. وأقنعني الرجل بفوائدها وطعمها وزد على ذلك اقتصاديتها. فقد كانت البطاطا خبز الفقراء قبل أن تصبح بمستوى مأكولات الرفاهية من حيث سعرها.
المهم في اليوم الثاني وصلت إلى البيت وقبل أن أعرف ما هي طبختنا الماجدة راح يشرح لي صاحبي عن فوائد البطاطا المسلوقة لجهاز الهضم والدهون والسمنة وإلى آخر ما هنالك عرفت بذكائي المعهود أن أكلتنا بطاطا مسلوقة ولا يحق لي الاحتجاج فإنها طبخة مختلفة عن طبخة اليوم الماضي.
وفي اليوم الذي تلاه منذ وصولي راح يتحفني بفوائد البطاطا المقلية وفهمت ولا يحق لي الاحتجاج فالطبخة مختلفة وفي اليوم الذي تلاه زود ثقافتي بفوائد البطاطا مع البيض(المفركه) ومن ثم المشوية ومن ثم المهروسة بعد السلق مع الثوم ومن ثم المحموسه مع البصل.. وتوالت الأيام وأنا لايحق لي الاعتراض فكل يوم طبخة مختلفة. وأنا أعاني.
فاضررت إلى التفكير بالمقارنة مع ساندويتش الفلافل التي لا يمنني أحد بأنه يخدمني بها وله الفضل بإعدادها لي..
واليوم وبعد كل هذا العمر لم أزل أعاني من الطبخات المختلفة القائمة على عنصر واحد.
فكل حكومة من حكوماتنا العربية لها طبختها المختلفة عن الأخرى وكل حزب تقدمي معارض له طبخته المختلفة عن زميله الحزب الموازي أو المشابه بالشعارات وعن الحكومات التي يدعي معارضتها والأحزاب الموالية تحت شعار التحالف الذي لانرى منه إلاّ قشور البطاطا… وكل طبخاتهم السياسية وثقافاتهم المتنوعة والمختلفة تفوح منها رائحة متشابهه وركنها الأساسي واحد يقوم على (تمسّك بالمبادئ عفواً بالكراسي والمكاسب وإبق جالسا مكانك فلا يسقط إلا من كان واقفاً)
وما يحيّرني بماذا سأقارن هذا الوضع بعد تلك المقارنة العتيقة مع الفلافل؟