لحظة في السادسة عشر

د. روفائيل بشارة قرأها 856

ذهبتْ إلى العرس لتبحث عن فؤاد. وصلت قبلهم جميعا لتكون أول من يلقاه. لن تتحدث اليه طويلاً، فتقاليدها القروية لا تسمح لها بذلك. تريد فقط أن تبوح له بكلمة واحدة. فهو حين سألها إن كانت تحبه، تبسّمت له، وبقي كل شيء معلّقاً.

إمتلأ الدار بالزوّار. أخذت تراقبهم. لكنه لم يأتِ.

 ما الذي يمنعه، وفي قلبها شوق تزيده الثواني اشتعالا، وصداح المزمار توقّدا. قرع الطبول يناديه إلى الرقص، فلماذا لا يأتي. حين يأتي سوف تنسى كل شيء من حولها إلاه، لشدّة ما سينتابها من فرح.

    وإذ كانت تجول الطرف بين الحاضرين، لمحت عيناها شابا مسلّطا عليها بصره. لم تعره أول الأمر اهتماما. كان همها أن تشي بسرّها لفؤاد. كل شيء غير ذلك لم يكن يهمها.

استمرّت عيناها في التجوال بحثاً عن فؤاد. فاذا بنظراتها تتقاطع مرة أخرى مع نظرات ذلك الشاب. حاولت أن تتجاهله، واستمرت في البحث عن حبيبها. ولكنّها بين الحين والآخر، كانت تسرق منه نظرة سريعة، فتراه مثبتا عليها بصره.

تأملته قليلا فتبسّم لها، فلم تعد تدري ما حلّ بها.

شعور رائع  ملأ  كيانها  وحوّلها بطرفة عين إلى أنسانة أخرى. انطفأت بداخلها سورة البحث عن  فؤاد. كل اهتمامّها تحول فجأة إلى هذا الشاب الغريب الذي أطلّ  عليّها  من نافذة مجهولة. 

نسيت فؤاد، هي التي  كانت تحاول التغلب على  كلّ العقبات التي تقف عائقاً بينها وبينه. وتتحاشى كل الطرق التي لا تؤدي اليه.

  ظلَ ذلك الشاب معلِقاً عليّها بصره دون انقطاع، حتى ناداه أحد رفاقه إلى الرقص.

كانوا شباباً وصبايا يرقصون في حلقة وسط الدار على أنغام الطبل والمزمار. وهم قوم يعرفون كيف يلوّنون أجواء الأعراس بكل أنواع الطرب. 

استلم المكان الأول بينهم وبدأ يرقص. تسمّرتْ مكانها تتأمله مبهورة بخفة قدميه، ومرونة جسده الجّذاب، وحركاته المتناغمة مع الموسيقى. كلُ شيء فيه كان ممتعا. لم تكن تتوقع هذه المفاجأة، التي أوحت اليها بكثير من الآمال. فما أحلى هذه اللحظة الرائعة التي فاجأها بها القدر.

    وهي تراقب مذهولة ذلك الشاب الرائع الذي كان فيه من الجاذبية ما يفوق التصور؛ تسارع وقع الموسيقى، وامتزجت ضربات الأرجل الحادّة بزغاليل الفرح الصاخبة، المتعالية في تلك الأجواء الساحرة. فما رأته إلاّ وترك الحلقة واتجه اليها بجسدٍ محموم، غير آبه بكل ما قد يقال؛ ليعرض  أمامها مقطعاً رائعاً من إحدى الدبكات الشهيرة. وعلى قدر ما أبهرها برقصه الرائع، فإنه ايضاً أربكها. أصبحت تشعر بالضعف أمامه مما اضطرها للهروب إلى داخل المنزل. 

جلست إلى طاولة  في ركنٍ منعزل، لتعيد الإتزان إلى  نفسها المربكة. 

فما وجدته بعد لحظات إلا ودخل ليجلس في مقعد مقابل، ويرفع يده تحية لها.

احتارت  فيما  تفعل. كان  عليّها أن تردّ التحية بشكلٍ لا يلفت الإنتباه. تبسّمت له وحوّلت عنه بصرها. لكنها بقيت بين الفينة والآخرى تسرق منه النظرات. وفي كل مرة، كان يطرح عليّها أسئلة صامتة، كانت تحتار كيف تجيبه عليها.

في غضون ذلك ، مرّ بها أحد أصدقائها فسألته عمن يكون ذلك الشاب. قال:

- ألا تعرفي ؟ هذا "حسان". إنه أشهر من نار على علم.

قالت:

- كيف ذلك؟

قال:

- هو الذي أحبته ابنة عمه، وانتحرت عندما رفض الزواج بها.

وما إن تركها صديقها، حتى انتقل حسان على الفور ليقف أمامها. قال:

- آسف على ازعاجك يا آنسة. أتسمحين لي بالجلوس. لست أجد وسيلة أفضل للتحدث اليك.

كان في صوته عزف ساحر، تركها عاجزة عن الكلام. ولمّا لم تجبه بشيء، تبسّم وقال:

- أتبخلين عليّ بكلمة واحدة يا آنسة ؟

لم تكن قادرة على الاجابة لشدة ارتباكها. لكنها أومأت له بالجلوس.

جلس وسألها:

- هل تفضلتِ وعرفتني بالإسم الكريم؟

قالت باقتضاب:

- عفاف

وإذ همّ بتقديم نفسه استبقته إلى القول:

- أنت حسان الشهير.

توسّعت عيتاه دهشة قبل أن يقول :

-  ستلاحقني إلى القبر... حادثة لا ذنب لي بحدوثها.

قالت له:

- رفضك الزواج من ابنة عمك، زاد من إعجابي بك. ابنة العم أقرب إلى الأخت. أليس كذلك؟

 أجابها وقد بدا عليه انبهار واضح: 

 - ما كنت أرغب في مجالسة امرأة من هذه الديار، أما أنت يا عزيزتي، فمختلفة.

قالت له :

- انت أيضاً مختلف

ارتسمت على شفتيه ابتسامة جميلة وظلّ صامتا فسألته:

- من أي قرية أنتَ؟

وقبل أن يجيب ناداه صديقه، فوقف وانحنى وقال:

- أراك قريباً.

لم تكن تدري كيف تصف لقاءها بذلك الشاب المدهش؛ بحضوره المختلف، بنظراته المربكة، بتصرفاته المشاكسة، بخفة روحه، بإصراره على الوصول إلى هدفه، وحتى بتسريحة شعره الفوضوي.

كان هبة السماء لها، في لحظة كانت فيها بأشد الحاجة إليه.

"إذاً، أنا لا أحب فؤاد".قالت في نفسها. "توهّمت أنّي أحبه ليكون فارس أحلامي. فهو أول من عرّفني بأنوثتي حين قال لي "أصبحتِ صبيّة ياعفاف".