رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل - (23)-
.jpg)
تسجننا رغبات الآخرين في خوف دائم من اجتياز عتبة الحلم، وتدعونا للدخول إلى وطن يصورّونه لنا وطن كابوس بـلا نهاية.
ليتهم يدركون أنّ أحلام سكّان البيوت الكبيرة تتوزّع في الغرف الكثيرة، بينما تتكثّف أحلام سكان البيوت الصغيرة في غرفة واحدة، فتبدو بيوتهم... أوسع.
في وطني الصغير تكثّفت أحلامنا. رفضنا الاستسلام لرعب كوابيسهم. أطلنا النوم، صحيح، إنّما للاحتفاظ بالحلم أطول.
على فراش أحقادهم يمارسون اغتصاب الفجر؛ ينزف أزرقه دماء جريمة لم يرتكبها؛ يلهث القاتل لؤماً وسخرية، فيقف القتيل بكل طيبته ويصرخ: "أيّها العابث بلون الفجر، يا قاتل الأحلام، لست سوى... القتيل".
هكذا أنت يا وطني، تصوّروك ضحيّة سهلة الاغتيال، عبثوا بكرامة أبنائك، ولوّثوا نقاء تربتك. نادوا بك وطناً للجميع، وليس فيهم من يعتبرك وطناً إلاّ له. شاؤوك قطعة حلوى فردية على موائدهم الجماعيّة. لم يفهموا التركيبة جيّداً، لم يدركوا أنّ الندى المتساقط على أزهار السوسن في حدائقك، لن يكتفي بأن يرويها بل سيفتِّح براعمها ويطلقها لتكون حراب العطر الجديدة في سماء لا تقبل بأقلّ من انتمائنا.
غريب كيف انقلبت المقاييس فجأة في مخيّلاتهم، فصوّر لهم خيلاؤهم أنّ الندى سيكون القاتل والسوسن القتيل!!
لم يقتنعوا أنّها لن تمطر حزناً حين سماء القلب صافية، لم يؤمنوا بأن الدّمع لن يتكثّف على أطراف الحلم ليغرقه. أحلامنا تعلّمت العوم فوق الخناجر الغارقة بوهم القضاء على طائر الفينيق.
وطني، يا عناقيد العنب الأكرم من الكروم، يا سوسنة الأوطان الدهريّة الزّهر والعشب الأخضر، يا تواضع الكبرياء في قلوب تعرف معنى الانتماء: متى تزأر بملء صدرك فتهرب وحوش الغابة المتربّصة بك؟ متى تشرّع أبوابك عن قناعة، فتطرد صغار النفوس وتنتظر على مشارف ضياعك المهجورة عودة الأحباب؟
أسئلتي كثيرة. وطني يسكنني في غروبي كما في شروقي. الأجوبة في مكان ما. فهل تسمح، يا عاشق الوطن، أن ترفق برسالتك الجوابيّة حفنة منها؟
لا تحرمني حقّي في الحلم بوصول جوابك على رسالة أعرف سلفاً أنها تائهة في بريد لن يصل.
![]()