رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل-(22)-

سوزان ضوّ صايغ قرأها 1,604

رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل-(22)-

"كان لا بدّ من ملعقة تراب في فنجان القهوة كي يكون للصباح طعم "الوطن". فناجيننا امتلأت دماء لا يذوب فيها التراب، فصارت صباحاتنا أشبه بتغريدة تُنْشِد آلام عصفور يخرج من غسّالة الجراح."

لم ينجحوا في فصل الألوان ليكون الغسيل أنظف. اختلطت جميعها في مياه تلوّثت بأحقادهم. لا  الأبيض احتفظ برونقه، ولا الألوان حافظت على زهوها. هكذا، يوم العيد، لم يتألّقوا، ولم يتباهوا يوم الاستحقاق بأيّ ثوب. كلّ الأثواب بدت رثّة، باهتة، تفوح منها رائحة عفونة أفكار ومبادئ تحلّلت في فنجان قهوة لم يضيفوا إليه ملعقة تراب من أرض الوطن.

كانوا جسر العبور فوق الهاوية. لم يتماسكوا. لم يتنازلوا عن شخصانياتهم وتشخيصاتهم الموبوءة. أرادونا نعبر الجسر ونسقط.

ولكن لا. طويلاً تعثّرنا، ولم نسقط. كثيراً خسرنا، ولم نسقط.

رمينا الأثقال كي نخفّف الوزن الزائد، وراءنا على الضفة الأخرى تركنا الكثير من الأحزان، وها نحن نحلّق في حلم الوطن الجديد بخفّة ريشة.

في منتصف الجسر، عند أعلى نقطة من هاوية حفروها على قياسنا، كنّا الأكثر تماسكاً. أخرجنا من جيوبنا الفارغة، المفرغة، كمشة تراب لا نملك سواها، وقرّرنا تناول قهوة بطعم الانتماء، فصار الجسر أقوى، والوطن أبهى.

تفكّك جسر العبور، انفرط العقد، لم نسقط، وها وطني ينهض من رماده ليزيّن جبين الشرق بإكليل غار عقدته الأيادي النظيفة والقلوب العاشقة لترابه. 

لطهر جرحك النازف يا وطني ينحني دمعي، يغسلني، فأتطهّر من إثم نكراني إياك في أيّام الغضب.

فشلت محاولات إبقائنا في قعر الهاوية، نحن الأقوى، والوطن هو الأبقى.

أنت، يا قارئ فرحة نجاحنا في العبور على صفحات الجرائد، أتتناول معنا فنجان قهوة صباحية بطعم الوطن؟

راجع ساعي البريد، سَلْهُ عن رسالة تنتظرها، إن كنت تنتظرها، أم تراك لم تصدّق ما جاء في الدّعوة فتركتها تهاجر في طردٍ وُجْهََته بريداً لن يصل؟

      رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل-(22)-