اتّسع الخِرق على الراقع!!

حازم خيري قرأها 1,251

       برحيل إدوارد سعيد، ومن بعده محمد أركون، أحد أهم وأبرز رواد الفكر الأنسني في الحضارة الاسلامية منذ ميلادها وحتى اليوم، لابد وأن مخاوف عديدة تُساور أنصار الفكر الأنسني في ربوعنا الكسيرة ـ وأنا منهم ـ، إزاء مصير هذا الفكر بعد رحيل الرواد. كارثةًًٌ أن يُقبر فكرنا وأملنا في الخلاص مع الراحلين..

       أمور عديدة تُعزِّز، بل وتُرجِّح للأسف الشديد، كفة هذه المخاوف! أنظر مثلاً إلى سيل الكتابات العارم الذي يتدفق بقوة بعد رحيل أحد الرواد، تجده يتسم بالخطابية والانشائية، بل والبكائية الساخنة، ثم ماذا؟! لا شيء سوى الوهن والعقم! للتحقق من زعمي هذا، فقط تابعوا عن كثب ما يُقال ويُكتب في رثاء أركون!

       حتماً لن تجدوا ما يُبشر بامكانية قيام من يحمل الشعلة الأركونية قبل أن تسقط إلى الأرض! حتماً لن تجدوا من يرفع شعار "ثغرة للنور أو موت على وجه الجدار" كما فعل محمد أركون! ثمة أنواع من الموت تجعل أصحابها من الخالدين!

       حتماً لن تجدوا من يُصرِّح، أو حتي يُلمِّح، بتأثّره الحقيقي لا الزائف بتجربة أركون الفكرية والحياتية، ورفضه أن تُقبر مع صاحبها، وحرصه على تثمينها عبر نقدها وتطويرها! لا يموت الفلاسفة بقبر أجسادهم، وإنما بعدم تثمين ما أنفقوا أعمارهم  المحدودة في جمعه وتهذيبه! أركون فيلسوف عظيم، كارثةٌ أن نُميته!!

       من جانبي، عاهدت ربي أن أُنفق ما تبقي لي من سنوات في ذمة الحياة، في تزخيم رؤيتي للفكر الأنسني، والتي تأثرت في بنائها بالعديد من المفكرين والفلاسفة، لعل أبرزهم على الساحة العربية إدوارد سعيد ومحمد أركون، لا لشيء وانما لانتمائي لنفس مدرستهم الفكرية وإيماني معهم بالفكر الأنسني، لأنه عدل! فكرنا الأنسني يُولد من السلام، كما يخرج الخبز من الدقيق. رحم الله أركون، وسعيد الذى تحلّ ذكرى رحيله هذه الأيام.