رسائـلُ حُـبّ في بريد لن يصل -(21)
.jpg)
ذات حبّ مرّ عليه الزمن، تركتَ على حافّة عمري ظلّ رسالة أقلقت نبض ساعاتي البيضاء.
حفرتَ بين الأسطر رجاء أن أخطو خطوتي الأولى بتمهلّ، فلا أصل إليك اليوم ولا غداً، بل أترك يدي ممدودة على مساحات انتظارك، وأدعك تغفو على أمل انكسار جرار الوقت.
صرخت بي أن أمزّق ثياب الرحيل، كي أتجدّد بثوب اقترابي منك، وأن أترك لك حريّة ما تصمّمه وتلوّنه بألوان تشبهني وحدي.
هكذا قلت، ونثرت الشكر على أبواب قلب راح يرقص فرحاً لولادة حضور دائم، وحزناً على أقصر غياب.
عشقك، قالت الورقة، أعمى، يهتدي إليّ بالصدى، وطالبتني بالصمت. أخطأتَ. لا يمكن الصدى أن يرتدي ثوب الصمت.
معترفاً ببراءة عاشق لم يستهتر بالحب بعد، أعلنت أنّ قلبك لن يهزمه الوقت ونبضك لن تمنع عبوره إليّ حواجز أو فروقات.
طالبتني بالعودة لنعيد رسم خارطة حلمنا، نشطب الأيام السوداء، نمحو ظلمها، نستبدله برسم مفارق كلّها تسير بنا... إلينا.
سألتني مستغرباً كيف لم ألاحظ أنّ الخريف قدّم استقالته، والشتاء أعلن انسحابه بعد استئذان عواصف حبّي ومطر حناني!
تراءت لي كلماتك اليوم فوق صفحة قهوتي الصباحية. تناولت بعضاً من لونها الأسود لأستعيد صحو الماضي وصحوته، وحفظت البعض الآخر غيباً لألقيه على مسامع متذوّقي الشعر الحرّ، ألم يكن كلامك دوماً حرّاً من أيّة روابط لغويّة؟
وقت قراءة فناجين القهوة انتهى، صخب آلامك أمطرني حزناً سيبلّل ذاكرتك بعطر قديم ويقدّم لك فنجان قهوة مجانياً له القدرة على إعادة صحوة حبّ تسلّل على رؤوس أصابعه وانسحب إلى صمت ليس بعده من كلام.
صباح اليوم رتّبت شرفتي جيداً، أقفلت الشبابيك وأعدت أثاث الذكريات إلى الداخل. قريباً يطلّ الشتاء، لن أسمح لسيوله بأن تجرف أياً من حروفك المنسية تحت شرفتي المثقلة بصباحات غيابك الذي علّقني شاهداً على منصّة الياسمين، وأصدر الحكم بإعدامي فوق بتلات زهره، ثمّ عمّدني بشمسك المتمرّدة على كلّ المجرّات وأعلن الأمر بتنفيذ الحكم.
أتابع الكتابة وأمارس انتظار ردّك ذات فجر، متناسية أنّ وجهة رسالتي صباحات بدون توقيت، وأن نقطة وصولها لن تتعدّى كونها خربشات... في بريد لن يصل.
![]()