رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل - (20)
.jpg)
غداً حين ينطلق أطفالنا في رحلتهم العبثية الخاصة إلى فضاء الحياة، لن نحصد من آثار عبورهم إلاّ ذكريات تقف على المسافة نفسها من الجميع.
غداً سنتذكّر اليد التي تزرع وتحصد، ترسم وتلوّن، تستقبل وتودّع، تهنّئ وتقبل التعازي و... و... وكيف لا نتذكّرها تلك اليد المسافرة بحثاً عن زهرة بريّة على ضفاف نهر يحلم بأن تكون أزهاره رماد عشّاق غابوا؟!
غداً، حين تقلع مراكب صغارنا، ووجهتها بحار لا تنتمي إلى محيطات ذكرياتنا، لن نجد في شتاء الدّمع قطرة غيم تروي ظمأنا إلى ربيع حنان تزهره نظرات عشقناها في عمر كانت ذاكرته بيضاء، ونَسِيَتْنا في خريف عمر معجوق ببياض الذكريات.
غداً حين تستوقفنا الطرقات، ونتيه بحثاً عن جواب يؤكّد مخاوف سؤالنا: أيّ مفترق كان الأفضل؟ ستدهشنا الأجوبة غير المتوقّعة: كلّ المفترقات كانت مرسومة لنا إلاّ واحداً: الذي وقع الخيار عليه، وعبرناه.
غداً، أو في أيّ يوم آخر لم يحن أوانه بعد، سنغيب نحن من ذاكرتهم الحاضرة ليستمروا هم بالسكنى في ذاكرتنا الماضية. عبثاً سيحاولون استرجاعنا، ثمّة نفق حين نخطو فيه الخطوة الأولى تستحيل بعدها العودة إلى الوراء.
غداً، أو في أي يوم آخر، لا فرق طالما لم يحن أوانه بعد، سيفتح صغارنا دفاترهم من جديد ليكتبوا عليها أسماءنا وتواريخ ميلادنا. وحين يقرع جرس الاستراحة، نغادر صفحاتهم، ترهقنا مسافات العمر الطويلة، ونحلم بالعودة إلى الدفاتر كي نتحوّل بعدها إلى أسماء بلا وجوه ولا حضور، ليس إلاّ ذكرى تناثرت وصارت نثار ذكريات على صفحات الذاكرة.
لا تنتقل معي إلى حزن الغد، بل تعال نترافق معاً في نبضات فرحة اليوم التي تنتظر وصولك على الموعد.
ولكن...
لا شك أنّك لم تستلم الدعّوة بعد؛ فرسالتي لا تزال رهينة في بريد لن يصل.
![]()