رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل -(19)-

سوزان ضوّ صايغ قرأها 1,235

رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل -(19)-

بالأمس قطّعوا أوصال الوطن. شرّحوه ولم يجدوا مكمن إصابته بالمرض. تقاسموا الأعضاء وقرّروا "مَن يأخذ ماذا". لكنّ المسكين لم يسدّ رمقهم.

تسلّقت الأجساد الجدران العتيقة، اغتالتها الأسوار المسنّنة، هامت الأرواح تبحث عمّن يقدّم إليها جسداً نقياً تقيم فيه. لم تجد. تنقّلت في فضاء الوطن الجريح بحثاً عمّن يقضي على بقايا الروح فيها، فكانوا كثراً.

صار وطني يتيماً.

أولادنا في فوهة البركان.

 أنت وأنا نعرف أنّ الأعين التي تراقب احتراق الوطن لا دمع فيها بل احتقان للرغبة  بالشهادة.

أنت وأنا نعرف أن الآذان التي لا تسمع سوى صراخ أمّهات وزوجات وحبيبات الشهداء في الأوطان الثكلى، لا يتردّد في سمعها إلاّ صدى الغياب يعزِف كلمة " أحبّك" بكلّ الأحاسيس.

أنت وأنا نعرف أنّ الأيادي التي تلوّح بالوداع أمام قبر شهيد، لا تلوّح بالوداع بل برجاء " إبقَ بيننا بعد أو خذنا إليك".

أنت وأنا نعرف أن الأجساد التي ترتجف أمام جسد شهيد، لا ترتجف خوفاً من قاتل، بل لسكناها في صقيع الغياب الأخير.

أنت وأنا نعرف أنّ الإيمان بالأوطان يتطلّب قلوباً مؤمنة. آه كم تحزنني العودة إلى الوثنية في الانتماء للأرض.

بالأمس حاولوا أن يقدّموا على مائدة الوطن واحداً من أطباق الكلام الفارغ الذي يتناولونه مع قهوتهم الصباحية.  أصيبوا جميعهم بعسر هضم.

وطني أصلبُ من أن تهضمه معدات متخمة بالرّياء. وطني عَطِشٌ إلى قلوب تعشق حبّات ترابه، تتفيأ أرزه وتحلم بالخلود فيه. لكنّ مشاوير السّفر صوب القمّة انتهت. إنها مواسم الانحدار والهاوية تنتظر من يصل أولاً.

أنتظر حزن جوابك يصلني في رسالة تطفئ عطشي إلى كلمة منك.

ولكن، كيف تجيبني على رسالة أعلنت ثورتها في بريد لن يصل؟