رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل-(15)

سوزان ضوّ صايغ قرأها 1,616

      تحلّقوا حول المائدة كالغرباء، تبادلوا الأمكنة المتجاورة ليتشاركوا في حديث جماعيّ، فإذا بالجماعة تسقط في فخّ الفرديّة.

كانوا جميعهم معاً، ولم يكن أحدهم برفقة الآخر. قرّروا الخروج مساءً لأنّ ذلك يستوجب ارتداء الملابس الفاخرة والتزيّن بالحلي المختبئة في الأدراج والخزانات، وبهذه البساطة السخيفة، دخلوا، عن سابق تصوّر وتصميم، في مبارزة صامتة.

تفرّدت النّساء بنظراتهنّ المثقلة بمستحضرات التجميل، المفرغة من أي معنى. وضاع الرجال في اختيار الأمكنة الأوسع كي تتّسع لبطونهم المنتفخة كما لينافسوا في الحمْل نساءهم المشاركات في مسابقة القامة الأكثر نحولاً، ولكن... بطريقة معكوسة.

       تحلّقوا حول المائدة، وكلّ يحاول التنازل عن مكانه للآخر، ليس بدافع المحبّة أو الأخلاق الرفيعة بل للتخلّص من جار غير مرغوب فيه.

يكفي النظر إليهم لترتيبهم في خانات الجهل المستشري، الأميّة المُكابِرَة، والفراغ الفكري والعاطفي. وحين تخترق قهقهاتهم جدار الصالة العابقة بدخان سجائرهم، يتّضح لسامعيهم أن لا رغبة لأيّ منهم في سماع صوت الآخر، كأنّهم يحدّثون أنفسهم، تتسلّل أصواتهم زحفاً فتسمعهم يعيدون رواياتهم السخيفة للمرّة الـ؟؟؟؟، يخبرون عن بطولاتهم، وعن معركة وحيدة، للانتصار فيها، عليهم التشبّث بسلاح لا يجيدون استعمال سواه: شوكة وسكين ينقضّون بهما في شراسة وشراهة على الأصناف الباهظة الثمن، والموزّعة بأناقة و"بخل" في أطباقهم.

       أطبق الليل بظلمته عليهم، سلّم وظيفة إضاعة الوقت لليوم التالي، وهم ما زالوا ينحرون الفاكهة والحلوى حتى ليبدو للناظر إليهم أنّه يوم التغذية الأخير على سطح كوكبنا الذي يعاني حوالي مليار من سكّانه من.....سوء التغذية. ( بين كتابة رسالتي ونشرها ثمّة احتمال أن يكون العدد قد ارتفع إلى مليارين  فالوعي والتوعية ما زالا لقمة يجوع إليها المليارات).

       وأنت تقرأ رسالتي هذه لا بدّ ستتخايل المشهد أمامك بأدقّ تفاصيله، وتضحك.

ولكن... ما بي؟

كيف تقرأ رسالة قرّر صندوق بريدٍي الجائع مسبقاً بأنّها... لن تصل؟