حَدِيقةُ الحَيَوَاناسِ
افتُتحت مؤخراً أولُ حديقة للحيواناس في المنطقة. الفكرةُ، وبكلِّ بساطة، قائمةٌ على إبرازٍ التكاملِ القائمِ بين الحيواناتِ والنّاسِ وعرضِهِ على الناسِ والحيواناتِ في بيئةٍ مشتركة. تحتوي الحديقةُ على أقفاصٍ وبيئاتٍ كتلكَ التي في حدائق الحيوانِ التقليديّة، ولكن من يعيشُ في هذه البيئاتِ ويقفُ وراءَ القُضبانِ هم أناسٌ وحيواناتٌ يعيشونَ سويّة، يتبادلونَ الصفاتِ الحيوانسانيةَ بينَهم، يأكلونَ سويّة، أحيانا نفسَ الطعام، وأحيانا أطعمةً متخصصةً لكلٍ منهم، ويُبْرِزُونَ، أمامَ الجميعِ، الصّفاتِ المشتركةَ للجنسَْيْن، والتي هي تطوُّرٌ طبيعيٌّ لنوعيةِ الحياةِ التي يعيشُها الطرفانِ. ساعاتُ الزيارةِ للحديقةِ غيرُ محدّدة، كذلك يمكنُ للناسِ والحيواناتِ أن تعيشَ داخلَ أو خارجَ الأقفاصِ حسبَ اختيارِها. الزيارةُ مَجّانيّةٌ وهي مفتوحةٌ أيضًا أمامَ الْجِنسين حيثُ يمكنُ لأيِّ إنسانٍ أو حيوانٍ أن يزورَ الحديقةَ بدونِ سابِق ترتيبٍ، ويمكنه قضاءُ الوقتِ الذي يريدُهُ خارجَ أو داخلَ الأقفاص، حيث يمكنُهُ أن يختارَ الحيوانَ الذي يشعرُ أنه يعكِسُ أو يكملُ صفاتِهِ. كذلك، يمكن للحيواناتِ أن تتقرّبَ من أيِّ إنسانٍ تشعرُ أنها تتكاملُ معَهُ، وتحتكُّ به، ورُبَّمَا ذلك يُساعدُ على تنقّلِ الصفاتِ الإنسحيوانيةِ بينَهُما بطريقةٍ أكثرَ انسيابيةً وطبيعيةً.
كانت فكرةُ إقامةِ الحديقةِ وليدةَ حديثٍ بينَ سمكةٍ مثقفةٍ وإنسانٍ ثريٍّ، حيث قامَ الأخيرُ بتحقيقِ الفكرة. كانت السمكةُ قد قرأتِ الكثيرَ عن المحاولاتِ الأدبيّةِ المتكرّرةِ في العديدِ من الحضاراتِ الغربيّةِ والشرقيّةِ عن كيفيةِ مُحاولةِ نقلِ صِفاتِ البشرِ للحيوانِ، وصِفاتِ الحيوانِ للبشرِ، وقد بلغتْ عمليةُ الدَّمجِ بينَ صفاتِ النّوعينِ أنَّهُ أصْبَحَ من الصَّعْبِ أن نعرفَ ما إذا كنّا نتحدثُ عن حيوانٍ أو إنسانٍ. ويظهرُ من بحثٍ أجْرِيَ مُؤخَّرًا بين المثقّفينَ من الحيواناتِ، أنَّهُ، ولسنينَ طويلةٍ، كانَ هناكَ توجُّهٌ مُشابِهٌ في عالمِ الحيوانِ لكتابةِ القصصِ التي تتحدثُ على ألسنةِ البشر. صدر جزءٌ من هذهِ الأعمالِ على شكلِ أدبِ صِغارِ الحيوانات، بينما اتّخذَ جُزءٌ آخرُ شكلَ الحِكَمِ والنّصائحِ التي وُجِّهَتْ إلى بعضِ المُلوكِ والحُكّامِ من الحَيَواناتِ في الأقطارِ المُختلفةِ، حولَ العلاقاتِ التي تربِطُ الحاكمَ بالرعيّةِ، وخاصّةً عندما تتخذُ بعضُ الحيواناتِ أشكالا آدميةً تختبئُ خَلْفَها. ومِن أشهرِ تلكَ المؤلّفاتِ، والتي تُرجِمتْ إلى لغّاتٍ بَقَريّةٍ وفيليّةٍ وسَمَكيّةٍ وغيرِها، كتابُ أرنبٍ بنِ الغزاليّ: دليلة وكمنة.
إليكم تسْجيلا حرفيًّا لانطباعاتِ بعضِ الزّائرينَ من الحيواناساتِ الذين زارُوا الحديقةَ يوم افتتاحِها.
· - أنا لَقْلَقٌ، كنتُ مَعَ أوَّلِ مَجْموعةٍ دخلتِ الحديقةَ صَباحًا، وقد تَمَكّنْتُ من مُشاهَدَةِ الحيواناساتِ ساعةَ نُهوضِها، قبلَ أنْ تكونَ لديْهَا إمكانيّةُ تجهيزِ أنفسِها لمُلاقاةِ الزّائرينَ. عن بُعْدٍ شَاهَدْتُ كُتْلتينِ من اللّحْمِ بجانبِ بعضِهِما البعضِ، وعندما اقتربْتُ تبيَّنَ أنَّهَا تِمساحٌ ضخمٌ يجلسُ قُرْبَ فَرسِ نهرٍ بشريّ. من خلالِ بعضِ التحريّاتِ اتّضَحَ لي أنَّ التِّمساحَ هو الذي رغِبَ بقضاءِ الليلِ مع مِرآتِهِ البشريّةِ. جلسَ أحَدُهما بدونِ حِراكٍ تقريبٍا وأخذَ يتربَّصُ حَركاتِ مَنْ حولَهُ. عيناهُ وأذناهُ وأنفُهُ وجميعُ حواسِهِ مُرَكّزةٌ على أيّةِ حركةٍ يصدرُها أحدُ الزُملاء. نعم، هذهِ هيَ الكلمةُ التي استعْمَلهَا الحيوإنسانانِ عندَما وَصَفا مَنْ يتعامَلانِ معَهَما في حياتِهِما اليوميّةِ. وكانتِ الاستراتيجيةُ المشترَكَةُ للطّرفينِ مبنيّةً على نفسِ المبادئِ: انتظارُ الحركةِ الْخاطئةِ من زميلٍ لكي ينقَضَّا عليه. جَلسْتُ مُقابلَ القفصِ ثلاثَ ساعاتٍ وأنا أتأمَّلُ صَبْرَ هذينِ المخلوقينِ في انتظارِ وُقوعِ الزّميل. لا أعلمُ إذا كانَ باستطاعتي أن أصِفَ تصرّفَ الزميلِ كخَطأٍ. فذاك زميلٌ قد شعرَ بالعطشِ، فاقتربَ ليشْرَب، فوقعَ في الفخِ. آخرُ شعرَ بالوٍحدَةِ، فأرادَ قضاءَ وقتٍ حميمٍ مع محبوبِتِه، فانقضَّ عليه واحدٌ منهما. ثالثٌ كانَ بحاجةٍ لبعضِ النقودِ، فجعله التمساحُ يوقّعُ على ورقةٍ ما زالَ يحتفظُ بها في محفظتِهِ الثمينةِ المصنوعةِ من جلدِ التّمساحِ الأصليِّ، وكلما تنفّسَ الزميلُ، هدَّدَهُ التّمساحُ بالورقة. رابعٌ دخلَ بطريقِ الخطأِ، وبلَيْلةٍ ظَلْماءَ، إلى شارعٍ باتّجاهٍ واحِدٍ، فأوقفتهُ الشُّرْطةُ، فتدخلَّ التمساحُ البشريُّ ليخلّصَ زميلَهُ من مِحْنتِهِ، ومن يومِها وهذا الزّميلُ يستقبلُ مُنْقِذَهُ كلَّ أسبوعٍ في بيتِهِ، حيثُ يمُدُّ له طاولةً تحتوي على ما يشتهيهِ المُنقِذُ.
نَظرْتُ إلى وَجْهِ الإنساحيوانِ لكي أواجِهَهُ بِطريقتِهِ البشِعةِ في استغلالِ الزُّملاءِ، فرأيتُ دُموعَهُ تنهارُ من عَينيِهِ كالشّلالِ! فوجِئْتُ، ولولا مَعْرفتي الْجيّدةُ به وبزميلِهِ التّمساحِ لَخَدَعَتْني دُمُوعُهُ، ولكنّني فِعْلا أصِبْتُ بصَدْمَةٍ. دُمُوعُ التمساحِ اعتدْتُ عليها، وفي حَياتي الطّويلةِ رأيتُ تماسيحَ تبكي، أما أَنْ أرى تِمساحًا بشريًا يبكي، فقد كانَ هذا صَدْمَةُ حَياتي. تركْتُ القَفَصَ وقد أعجَبَتْني البُرودَةُ الدّافِئةُ التي وَضَعَ فيها المَخْلوقانِ أيديَهما، كلٌّ على ظَهْرِ الآخر، بينما ارتسَمَتْ على وُجوهِمِا نظراتُ السَّعَادةِ لأنَّهُما اختارا أن يُراقِبا أكثرَ صِفَةٍ بشرحيوانيةٍ في العالم، وهي الخَطأُ . فأنا اللقْلقُ أُخْطِئُ، والأسَدُ يُخطئُ، وقد قالَ أحدُ كُتّابِنا المشهورينَ، السلمندرُ حوت، "أنْ تُخطئَ هو من صِفاتِ الحيوانِ، وأن تسامِحَ من صفاتِ الآلِهة". ولكنْ ما تركتُ للتوِّ لا يَستحقُّ حتى أنْ يوصَفَ بالبشر! من ناحِيتي، سوفَ أطيرُ بِهُدوءٍ أكْبَرَ لو بقيَ هذانِ المَخْلوقانِ خَلْفَ القُضبان.
· دخلتُ الحديقةَ ظهرًا إذ أنني أمضيْتُ الصّباحَ في السوبرماركت حيثُ قُمْتُ بِِشِراءِ بَعْضِ النّواقصِ الغِذائيةِ للبيتِ. فأولادي المُراهقونَ يتمتعونَ بِشهيّةٍ عظيمةٍ. كان زوجي قد ترَكَ البيتَ مُبكّرا متوجّهًا للمطارِ في طريقِهِ لتغطيةِ "مؤتمرِ الأعضاءِ البشريّةِ في الشرقِ الأوسط".
ما لَفتَ نظري هو تجمُّعُ أربعةِ مخلوقاتٍ في قفصٍ كبيرٍ نسبيّا، مُغطّى بالسُّجّادِ ويُطلُّ على مَنظرٍ طبيعيٍّ جَذّاب. اجتمعَ في القفصِ بشريّتانِ وغُرابٌ وطاووسُ. اشتريْتُ فِنْجانَ قهْوةٍ مقلوبةٍ وجلسْتُ أراقبُ المنظرَ.
في زاويةِ القفصِ، جلس الطاووسُ أمامَ امرأةٍ في أواخرِ الثلاثينات، وكانت بينَهما مرآةٌ على عجَلاتٍ تعكِسُ صورَتَهما، فما كانت تمُرُّ ثانيةٌ إلا ونظرَ أحدُهُما نحو المرآةِ ليتأكّدَ من انعكاسِ جمالِهِ. كان كلاهُما يبتسمانِ تلكَ الابتسامةَ المزيّفةَ التي وإن تُرجِمَتْ إلى كلامٍ لقالت: "أتَشعُرونَ بحضوري، إني هنا، أنا الأكثرُ أهميّةً بينكم جميعا، أنا الأكثرُ أناقةً وجَمالا، أنظروا إلى ريشي ما أجمَلَهُ، أنظروا إلى معطفي ما أجمَلهُ!" وفعلا، من بُعْدٍ، كان المنظرُ جميلا، واستمرَّ جَميلا إلى أن فتحَ أحدُ المَخْلوقيْنِ فَاهُ وأخذَ يتكلّمُ.... أيُمْكِنُ لهذا الْجمالِ الخارجيِّ أن يتوازى مع ذلكَ القُبْحِ الدّاخلي؟ لم يكن فقط الصوتُ قبيحَا، ولكنْ كلُّ كلمةٍ كانت تدورُ حولَ ضميرِ المتكلمِ، أنا وأنا وأنا.... لم أسمعْ في حياتي القصيرةِ، وأنا امرأةٌ بالكادِ تبلغُ العشرينَ، كلماتٍ ومترادفاتٍ وطرقَ تعبيرٍ تدورُ حولَ الأنا، مثلما سمعْتُ في مُشاهَدتي تلكَ. استمرّتِ المحادثةُ بينَهُما لمدّةِ ساعةٍ ونصف، كان الطاووسُ قد سكَتَ بعدَ الدّقيقةِ الخامسةِ منها، حيث أنه تيقّنَ من بشاعةِ صوتِهِ ولم يرغبْ أن يَدْخُلَ بسباقٍ حولَ مَنِ الأكثرُ أهميّةً، الأنا البشريّةُ أمِ الطيْريّة.
في الزّاويةِ الأخرى، جَلسَ الغُرابُ مقابلَ امرأةٍ أخرى في أواخرِ الأربعيناتِ من عمرِها. لم تكن هناك مِرآةٌ، حيث لم يكن أيٌّ منهُما بِحاجةٍ للتأكدِ من قُبْحِهِما، فبنفسِ الدّرجةِ التي جعلتْ الغرابَ يبدو وكأنّهُ لا ينتمي إلى عالمِ الطيورِ بِسببِ قُبْحِهِ، كانت درجةُ انتماءِ تلكَ المَخلوقةِ إلى عالمِ النِّساء. وجدَ الغرابُ في رفيقتِهِ تعزيةً عندما شاهدَ مَخلوقًا آخرَ بدرجةِ قُبْحِهِ. لم يكن فيه شيءٌ جميلٌ، فلا وجهُهُ ولا صَدرُهُ ولا قدماهُ ولا حتى أصابعُ قدميهِ- كان الأمرُ مُماثلا مع المخلوقةِ البشريّةِ. كان تجمُّعُهُما سوية اختيارًا موفّقا للغرابِ حيثُ استمتعَ بمرآتِهِ البشريّة.
جلسْتُ وراقبْتُ واستمعْت. ماذا يمكنُ أنْ يتحدَّثَ عنه هذانِ المخلوقانِ؟ يا للوقاحة! كلاهما بدئا بالحديثِ عن محاسِنِهِما غيرِ المرئية. صحيحٌ أنَّ الغُرابَ بشعُ المنظر، لكنّهُ جميلُ النّفْسِ، صحيحٌ أنَّ المخلوقةَ غيرُ جذّابةٍ بسكونِها، لكنّها تستطيعُ أن تُبْدِيَ حيويّةً فائقةً بحركتِها، فقد علّمتِ الغرابَ أن يرقُصَ، فرقَصَ، وظنَّ نفسَهُ للحظةٍ كنارا، وهي ظنّتْ نفسَهَا للحظاتٍ مراهقةً تجذبُ نظراتِ جميع مَنْ حولَها بطاقاتِها الجسديّةِ المخبّأةِ التي بدأتْ تعرضُها. اندفعَ الغُرابُ برقصتِهِ وأخذَ يكشفُ عن صدرِهِ، ودخلَ في نشوةٍ طويلةٍ جعلتْهُ يرتعشُ وينفشُ ريشَهُ حتى كشَفَ عن جميعِ أجزائِهِ التي كان يُخْفيها الرّيشُ البشعُ. استمرّتِ المخلوقةُ برقْصَتِها حتى وجدتْ نفسَها تتمايلُ وتتلوى على أرضيِّة القفص. فجأة، وبدونِ سببٍ ظاهرٍ، تدحرجتِ المرآةُ من زاويةِ الطاووسِ إلى زاويةِ الغرابِ، ووقفتْ بلا حراكٍ أمامَ الغرابِ والمخلوقةِ وهما في تلكَ الوضعيةِ. للمرةِ الأولى، شاهدَ كلٌّ من الحيواناسينِ انعكاسَهُ في المرآةِ، وبنفسِ الوقتِ شاهدا تجمّعَ الزائِرِيْنَ حولَهُما وهم ينظرونَ إلى تلكَ الرّقصةِ الرّخيصةِ التي حاولَ فيها كلٌّ من الراقِصَيْنِ أن يعْرِضَ ما ليسَ له وما لا يملُكُهُ. جَمدتْ حركةُ الراقصَينِ، ولمْلَمَ الغرابُ ريشَهُ وأعادَهُ لمكانِهِ، ثم وقفَ أمامَ المرآةِ وحاولَ أن يبدوَ بالمنظرِ الذي يعيدُ له شخصيَته- نعم، هو ليسَ بالجميلِ، لكنه غرابٌ وله كيانُهُ، كفاهُ تقليدًا لما لا يستطيعُ أن يكونَهُ، وقد لامَ نفسَهُ كثيرًا لأنه انحدرَ إلى مستوى البشرِ في بحثِهِ عن الصِبّا والجمالِ.
أنهيْتُ احتساءَ قهْوتي المقلوبةِ التي بردَتْ، وقلبْتُ الكأسَ الفارغةَ، وفي طرفِ عيني شاهدتُ ابتسامةَ دهاءٍ على وجهِ الحيواناسينِ في الزّاويةِ الأخرى، حيث كان كلٌّ منهُما يحاولُ مسحَ آثارِ أقدامِ مِرآةٍ كانا قد دَفَعاها بأقدامِهِما: قدمٍ ترتدي حذاءً جِلديًّا أبيضَ يصلُ إلى الرُّكبةِ، وقدمٍ مقلّمةِ الأظافرِ تغطّيها ريشاتٌ ذاتُ ألوانٍ غيرِ مميّزة.
· أنا كاتبٌ وأديبٌ، لستُ مؤدَّبًا، ولكنني رغبتُ بزيارةِ حديقةِ الحيواناسِ لرؤيةِ قفصٍ مميز. لستُ من أولئكَ الذينَ يحرّكُهُم حبُّ الاستطلاعِ عادة، ولكنني فعلا رغبتُ جدا أن أرى الحيواناسينِ اللذينِ يتشاركانِ في قفصِ ابنِ آوى. الأمرُ الذي أثارَ فُضولي فعلا، هو هل سيجدُ ابنُ آوى بشريًّا يتمكنُ من مجاراةِ صِفاتِهِ بالمكرِ والخداعِ والدّهاءِ والحكمةِ، وهل سيتمكنُ بشريٌّ أن يتعالى بصفاتِهِ ليصلَ إلى مُجاراةِ ابِن آوى بتلكَ الصّفاتِ ثم يُقنعُهُ أخيرًا بأن يكونَ رفيقَهُ في القفصِ؟ ذلك ما دفعني للزّيارة، وقد توقّعْتُ أن يكونَ القفصُ أحاديَّ الساكِنِيْنِ.
وصلْتُ في ساعاتِ بعد الظهرِ المتأخرةِ، ويا للهولِ، القفصُ فيه ابنا آوى! حيواناسانِ هناك أمامي! أقفُ، أجلسُ، أراقبُ، ومن ثم أعودُ إلى زاويتي وأكتبُ.
ذُهِلتُ لتشابِهِ الملامحِ الخارجيةِ بينَهُما- فِراءٌ يميلُ إلى الصُُّفرةِ، أذنانِ حادّتانِ تلتقطانِ أيَّ حركةٍ حولَهما، حركةٌ دائمةٌ في عضلاتِ الجسمِ تُظهِرُ يقظةً أبديةً تحَسُّبًا لكلِّ طارئ، ومع أنَّ تلكَ الحركاتِ تصبحُ مزعجةً بعدَ فترة، إلا أنَّ مُصدِرَها لا يكفُّ عن إعادتِها حتى تصبحُ صفةً تميّزُهُ عن غيرِهِ. إنها حركةٌ تجمعُ صفاتٍ أنثويةً قِططيةً مع أخرى ذكريةٍ كلبيّةٍ في حيواناسٍ واحِد. العينانِ لا ترتاحانِ أبدا، دائما تتحركانِ في دوائرَ لتراقِبا ما يحدثُ لأنَّ التيّقظَ وعدمَ الثقةِ بالآخرِينَ هي من أهمِّ صفاتِ بقاءِ هذا الحيواناسِ حيًّا. كانا يجلسانِ مقابلَ بعضِهِما البعضِ ويتحدثانِ، وكلٌّ منهُما متوثبٌ لمهاجَمَةِ الآخرَ في حالةِ صُدورِ أيّةِ حركةٍ مُريبةٍ. كلاهُما كان حَريصًا في كلِّ ما يقولُ، وكلاهما كان يتفقّدُ بِيئتَهُ ليتفحَّصَ إمكانيةَ استغلالِ ما حولَهُما، فقد تكونُ هناكَ حبَّةُ موزٍ قَضَمَ منها قِردٌ قطعةً وألقاها، فرُبَّمَا تكونُ لها فائدةٌ في يومٍ يشِحُّ فيه الطّعامُ، أو قد يملأُ بها ابنُ آوى معدتَهُ بدلا من قطعةِ لحمٍ ثمينةٍ يصعُبُ الحصولُ عليها.
أثناء حديثهِما تبادلا صفاتِ الدّهاءِ والمكرِ والخداعِ بينَهُما، وقد ذُهلَ ابنُ آوى من حكمةِ البشريِّ وأنّه هناك شخصٌ يمكنُ أن يرتقيَ إلى ذلك المستوى الرفيعِ من الذّكاءِ الحيوانيّ. أخبرَ ابنُ آوى البشريَّ عن براعتِهِ في مصادقةِ جميعِ من حولَهُ من حيواناتٍ، وأنه يستطيعُ العيشَ تحتَ حُكْمِ أيِّ أسدٍ كانَ، وأنَّهُ ناجحٌ جِدًّا في السيطرةِ على بناتِ آوى من خلالِ إبداءِ الاهتمامِ فيهِنَّ وتقديمِ المساعدةِ لَهُنَّ، وبالتالي يكبُرُ حزبُهُ، ويصبحُ كالدّيكِ بينَ الدّجاجاتِ مع أنّهُ يمكنُ أن يبدوَ كدجاجةٍ إذا ما أرادَ ذلكَ.
اهتمَّ البشريُّ بكلِّ ما سمعَ من تفاصيلَ، وأخذَ يفكّرُ في طرقِ تحسينِ أدائِهِ مع زملائِهِ في العملِ لكي يتمكّنَ هو الآخرُ من الحصولِ على مكاسبَ اجتماعيّةٍ واقتصاديّةٍ. أخبرَهُ ابنُ آوى ببراعتِهِ في التلوّنِ، فكلُّ كلمةٍ تخرجُ من لسانِه ِالطّويلِ تتلوّنُ حسبَ الظّروفِ، فالنَّمْرُ خطيرٌ إذا ما وافقَ ذلكَ الأسدَ، ولكنّه يمكن أن يُصْبِحَ وَديعًا إذا ما حكمَ أسدٌ يحبُّ النُّمورَ، والأبيضُ اليومَ يمكنُ أن يصبحَ أسْوَدَ، فالكلامُ لا رِباطَ عليِهِ، وما يخرجُ إلى الهَواءٍ يطيرُ مع الهَواء.
استمرَّ الحديثُ بين الطّرفينِ وكلٌّ يتباهى بِصفاتِهِ التي تجعلُهُ مميّزًا في عالمِ الدّهاءِ. تفاخرَ ابنُ آوى الحيوانيُّ بسعةِ حيلتِهِ في بَيْعِ أيِّ شيءٍ والحصولِ على مقابلٍ، وأخبرَهُ كيفَ أنَّهُ يستعملُ دهاءَهُ حتى مع أفرادِ عائلتِهِ، وأنّهُ لا يثقُ بأيِّ فردٍ منهُم. حاولَ البشريُّ أن يُحرّكَ ضميرَ ابنِ آوى بالنّسبةِ لتعاملِهِ مع عائلتِه وزملائِهِ، وحثّهُ على تغييرِ معاملتِهِ لهًم، لكنَّ ابنَ آوى اشتمَّ عدمَ صِدقِ البشريِّ في توجّهِهِ وأخبَرَهُ، بكلِّ وضوحٍ، أنَّ التعاطفَ والشّعورَ معَ الآخرِ، أيِّ آخر، هو دلالةُ ضَعْفٍ.
سَمِعْتُ الكثيرَ من مركزِ الدّهاءِ، وفُوجئْتُ من تكامُلِ تفكيرِ الواحدِ معَ الآخر، ولكنّني لم أستطعْ أن أقرّرَ أيَّهُما سيستفيدُ من صِفاتٍ الآخر. هل فعلا سيتمكنِ البشريُّ من التّعالي ليصلَ إلى درجةِ الحيوانيِّ، وهل سيسمحُ الحيوانيّ لنفسِهِ أن ينحدرَ ليصلَ إلى غياهبِ وظُلماتِ النّفسِ البشريّةِ؟ هل يمكنُ للمُكْرِ والخداعِ أن يتجسّدا بهذينِ الحيواناسينِ؟
تَرَكْتُ مَقعدي، وعُدْتُ إلى زاويتي، وقرَّرْتُ ألا أكتبَ عن وُجودِ مثلِ هذا الحيواناسِ لكي أترُكَ بارقةَ أملٍ لدى أولئكَ الّذين يرغبونَ في رُؤيةِ طرفِ خَيْرٍ في مَخْلوقٍ أصْفرَ هو، في نهايةِ الأمرِ، حيواناسٌ يتنفّسُ، يظُنًّ أنَّ المكرَ والخِداعَ والتلوّنَ هي أسْلوبُ حَياة.ٍ
· أنا ضَبْعٌ كنتُ أعبُرُ الواديَ القريبَ عندما سمِعْتُ عن افتتاحِ حديقةِ الحيواناسِ، فرغِبْتُ أن أشاهِدَ الرّئيسَ، فمكاني الوضيعُ وطريقةُ حياتِي لا تسمحُ لي بالاحتكاكِ مع النُُّبلاءِ. كنت أمضغُ بقايا جيفةٍ فقُمْتُ ببصْقِها قبلَ أن أدخلَ الحديقةَ. اشتريتُ محلولا أخضرَ اللونِ يطهِّرُ الفمَ من الميكروباتِ، وقمْتُ بابتلاعِ كميةٍ منه، وأنأ اشعرُ الآنَ بحالةٍ من الارتقاءِ لم أعشْها من قبلُ قد تقرَّبُني من معالي الرئيس.
كانت شَقّةُ الرئيسِ مَهيبَةً وواسِعةً، وهي تختلفُ كلَّ الاختلافِ عن تلكَ الكهوفِ الكئيبةِ التي نعيشُ، نحنُ الضِباعَ، فيها. بالرّغمِ من وجودِ الرّئيسِ الحيوانيِّ والرّئيسِ البشريِّ في نفسِ الغرفةِ الرئاسيِّةِ، إلا أنَّ كلا منهُما كانَ يجلسُ في زاويةٍ مختلفةٍ، حتى أنَّهُما لم يكونا ينظرانِ إلى بعضِهِما البعضِ.
استغربْتُ جدَّا من وُجوِدهِما سويّة، وعندما استفسَرْتُ عن عمليةِ اختيارِهِما، قيل لي إنَّ باقي الحيواناساتِ قامت بِحَمْلِهِما ووضِعِهِما في الغُرفة.
لم يكن هناك فعلا ما يجذبُ نظَري، وقد شعرْتُ بالنّدمِ على الجيفةِ التي تركتُها وعلى تلكَ القنّينةِ البلاستيكيةِ التي قُمْتُ بشرائِها، بالرّغمِ من أنّ مفعولَها ينتشي بالرّوحِ كذلك. فلمشاهدةِ عرضِ دُمًى ساكنةٍ مثلَ تلكَ التي أجلسُ مقابِلَها، كان يمكنُ أن احتفظَ بطبيعِتي وأبقى على ما أنا عليه. حتى الرّائحةُ المُنبعثةُ من الرّئيسِ البشريِّ تبدُو لي مقزّزَة، فما نوعُ تلكَ العطورِ التي يستعملُها البشرُ؟ ولكنّني هنا الآنَ، فرُبَّما يمكنُني تعلُّمُ شيءٍ من النُّبلاءِ.
ارتدى الرّئيسانِ مَعاطِفَ مُتشابهةَ اللّوْنِ، كلاهُما بُنّيُ، وكانَ كلٌّ مِنهُما يغطّي جَسَدَهُ بعَباءةٍ رِئاسيّةٍ. كانتْ وُجُوهُهُما الشّابةُ تحمِلُ آثارَ النشوةِ لتسلَّمِ مركزِهِما الجديدِ، حيث تمَّتْ مُبايعةُ الأسدِ منذ حوالي أسْبوعٌ، عندما بلغَ السِنَّ القانونيّةَ لتسِّلمهِ الرّئاسة، وكان والدُهُ ينتظرُ البدْءَ بفترةِ تقاعُدِهِ بفارِغِ الصّبْرِ. أما الرّئيسُ الآخرُ، فقد عُيِّنَ مسئولا على مؤسّسةٍ بعد استقالةِ مُديرِها السّابقِ لخلافاتٍ أيديولوجيّةٍ مع أصحابِها. بالرّغمِ من عدمِ مُرورِ وقتِ طويلٍ على استلامِهِما لمهامِهِما، فقد أخذتْ إماراتُ التّعبِ تَعْلو وجهَيْهِمَا بسببِ تذوّقِهِما نتائجَ المشاكلِ اليوميّةِ الأوليّةِ التي تحمِلُها مسئوليّةُ كلٍّ مِنْهُما. فقد اضْطُرَّ الأسدُ إلى عقْدِ جَلساتٍ تأديبيّةٍ مع عَدَدِ من موظّفيهِ المقرّبينَ بعد أنْ رَأى أنَّ التمساحَ وابنَ آوى والطّاووسَ والغرابَ قد استغلّوا فترةَ تغييرِ مهامِّ الحُكْمِ، واستغلّوا حَداثةَ خِبرتِهِ لكي يثبّتوا حوافرَهُم في مَمْلكةِ الحيوانِ. وكانَ الأسدُ قد استعانَ بِحِكمةِ الحيّةِ لمساعدَتِهِ، إلا أنّهُ كانَ ما يزالُ متشكَّكًا بنواياها الحقيقيّةِ. حدثَ أمرٌ مشابِهٌ مع رئيسِ المؤسّسةِ الجديدِ، فهو أيضا واجَهَ أيّامًا عصيبةً في فترةِ تأقلمِهِ الأولى لكي يجدَ لغةً مشتركةً مع موظّفيهِ يُفهمُهُم من خلالِها أنَّ العباءةَ الرئاسيّةَ التي يضعُها لها هَيْبتُها، وأنّهم، إذا ما رأّوْا أنيابَهُ بارِزةً، فلا يظُنّونَ أنَّهُ يبتسمُ.
نظرتُ حولي واستغربتُ تجمُّعَ الحيواناساتِ حولَ الغرفةِ الرئاسيّةِ، وكيف أنَّهم ذُهِلُوا من مَظاهرِ الرئيسينِ، ولم يُحَاوِلُوا، ولو للحظةٍ، فَهْمَ طبيعَتِهِما الحيوانسانيةِ.
نظرتُ نظرةً أخيرةً نحوَ الرّئيسينِ، وقرَّرْتُ العودةَ إلى كَهْفِي وجِيَفِي، فهي، وإنْ كانتْ وضِيعَةً، فعلى الأقلِّ هي صادِقةٌ وحقيقيّةٌ، ولا تحتاجُ إلى وُجودِ الأتباعِ لكي يرفَعُوا مكانتَها بزِيفٍ كَرِيهٍ.