البرق السَّاطع في الجبين – قصة حياة رينيه شار بقلم لوران غريلسامير

هاشم صالح قرأها 10
 

للمرة الثانية انغمست هذا الصيف في قراءة كتاب الناقد الفرنسي لوران غريلسامير عن أحد كبار شعراء فرنسا في القرن العشرين:4555555555555555534ertgsrtgrsthjyu7iu.JPG رينيه شار (1907 ـ 1988). وكانت متعة حقيقية ان تملأ الأيام الرتيبة والفارغة للعطلة بقراءة سيرة هذا الشاعر الذي يعشق الفصول ويعرف معنى ان تتعاقب وراء بعضها البعض وكيف تتغير مظاهر الطبيعة بتعاقبها الأبدي. فالفصول تلون قصائد رينيه شار بألوانها الحقيقية والسيكولوجية. نقول ذلك وبخاصة  انه كان يسكن في واحدة من اجمل مناطق فرنسا: منطقة الجنوب  القريبة من الشاطئ اللازوردي. هناك حيث تعرف معنى الانتقال من فصل الى اخر: من الربيع الى الصيف، ومن الصيف الى الخريف... وفي كل مرة تتخذ الطبيعة مظاهر شتى وألوانا أخاذة تنعكس على المشاعر والقلوب. ومن يستطيع ان يترجم ذلك اكثر من الشاعر؟ من يستطيع ان يعانق الفصول؟ ما الذي استفدته من قراءة هذا الكتاب؟ عدة أشياء أهمها التعرف على الساحة الأدبية الفرنسية بكل صراعاتها وحزازاتها وأجوائها. فهي من هذه الناحية لا تقل ضراوة عن الساحة الثقافية العربية. ومنها أيضا فهم نظرية شاعر كبير عن الشعر. ما هو الشعر يا ترى؟ ما جوهره؟ ما وظيفته في الحياة اذا كانت له وظيفة؟ وهل يمكن تحديده، هو الذي يستعصي على كل تحديد؟ رينيه شار يقول لنا بأن الشعر لا يجيئ إلا في اللحظة التي يريدها هو، وليس عندما يرغب الشاعر. وبالتالي فما على هذا الاخير إلا الانتظار لكي تأتي اللحظة الشعرية من تلقاء ذاتها. وفي اثناء هذا الانتظار يعيش الشاعر أحيانا فترات قلق وخوف من ان يكون الشعر قد هجره الى غير رجعة، من ان يكون قد نضب فيه الشعر. انه يعيش فترات قاحلة جدباء، فترات تململ وترقب قد تطول أو تقصر. وما عليه عندئذ إلا ان ينهمك في الحياة وينسى انه شاعر. فالشاعر على عكس ما نتوهم لا يعيش حياته كلها شعرا! بل يمكن القول بأن اللحظات الشعرية نادرة في حياته. ولذلك فإن رينيه شار كان يعتقد بأن الشاعر يموت شابا أو يسكت عن كتابة الشعر بشكل مبكر كما فعل رامبو. ولكنه غير رأيه فيما بعد عندما طال به العمر حتى تجاوز السبعين وبلغ الثمانين. وقد ظل يكتب حتى نهاية حياته تقريبا، ولكن بدون ان يغش: بمعنى انه لم يكن يكتب إلا عندما تجيئه اللحظة الشعرية. ولم يكن يفتعلها افتعالا كما يفعل بعض الشعراء لكي تزداد دواوينهم وتتراكم فوق بعضها البعض. فالشعر ليس بالكمية وانما بالنوعية. وكل أشعار رامبو، اوبودلير أو لوتريامون يمكن جمعها في ديوان واحد صغير الحجم.

في رده على اسئلة أحد الصحافيين يقول رينيه شار بأن الشعراء يحسون بالاشياء أكثر من غيرهم ولهم علاقة خاصة بالكلمات. فالكلمات قد تتلون وتتنفس وكأنها كائنات حية،كأن لها طعم او مذاق. والشعراء عندهم استعداد داخلي للاحساس العميق بالاشياء. وهو استعداد غير موجود عند غيرهم. ثم يقول مردفا: نحن لسنا وعاظا اخلاقيين. نحن انبياء نرهص بالاشياء قبل ان تحصل، ونراها قبل ان تجيئ. هكذا كان يفعل بودلير، أو رامبو، أو نيتشه. والشعر يتطلب منك الجاهزية الكاملة في كل لحظة لأنه عندما يجيئ لا ينبغي ان تفوت فرصة اللقاء معه. ينبغي ان تكون يقظا عندما يختلج الشعرفي داخلك او يتمتم في اعماقك أو يهم بالمجيئ لكي تصبح الوعاء الذي سيستقبل كلماته. الشعر هدية من السماء أو من الارض او من مكان آخر، لا أعرف.. وعندما يجيئ تشعر برعشة داخلية تهز كيانك هزاً، تشعر بالماء الشعري وهو يصعد فيك. تشعر بالحيوية وهي تدب في عروقك وشرايينك. وعنذئذ ترتفع ولا تعود قدماك تقفان على الارض.. عندئذ تنفصل عن قانون الجاذبية وتصعد الى أعلى، عنذئذ تدوخ و تدخل في مرحلة انعدام الوزن. في تلك اللحظات النادرة يجيئ الشعر، يعطي الشعر نفسه. فاياك، ثم اياك ان تفوته لأنه لن يعود إلا بعد زمن طويل. وعندما تمشي في الماء، أو تشعرو كأنك تمشي على الماء، لا يعود اساس الوجود هو نفسه. عندئذ تدخل في اللحظة الشعرية، في مصهر الشعر الخلاق.

ثم يقول رينيه شار: "الشعر لا يصنع صناعة و لا يفبرك فبركة كما كان يتوهم بول فاليري. هذا كلام علماء منطق لا كلام شعراء. الشعر يجيئ أو لا يجيئ. هذا كل ما في الأمر وكفى. وأهم شيء هو ألا يغش الشاعر عندما يكتب القصيدة، لأنه اذا ما غش انتهى وانفضح أمره عاجلا أو آجلا. مثلا جان كوكتو كان يغش احيانا وآخرون كثيرون ايضا. اما انا فأحاول الا اغش ابدا. وقد انتظرت احيانا ستة أشهر من أجل ان اجد الكلمة التي ابحث عنها أو من اجل ان اختم قصيدة ما. وهذا ما حصل لي بالفعل عندما تعذبت كثيرا قبل ان اجد خاتمة لقصيدة بعنوان: "عطلة الى الريح". فبعد انتظار طويل ومحاولات يائسة وترقب وعذاب جاءتني العبارة المناسبة في آخر لحظة وكانت على الشكل التالي|: "ربما كان لك الحظ في أن تلمح على شفتيها وهم طراوة الليل".) انظر القصيدة في اخر المقال.(

هل ينبغي ان يكون الانسان "مجنونا" لكي يصبح شاعرا؟ أو لكي يقبل الشعر بأن يزوره من حين الى آخر؟ رينيه شار ليس بعيدا عن هذا التفكير اذ يقول: "لا يوجد شعر بدون هذيان أو حبة جنون. ونحن الشعراء نتغذى من هذا الهذيان فيما نحاول ترويضه أو السيطرة عليه. وكل المسألة تكمن هنا: الى أي مدى يمكن للشاعر ان يسيطر على جنونه الداخلي، على هذيانه. فاذا ما انتصر الهذيان كلياوصلنا الى حالة هولدرلين، أو نيتشه، أو انطونين آرتو، أو آخرين عديدين في مجال الرسم أو الشعر، أو الموسيقى. وقد يظل هؤلاء قادرين على بعض الومضات اللامعة المتفجرة من حين الى حين حتى بعد جنونهم، ولكنها ومضات هلعة يسيطر عليها الجنون"...

لكن يبقى السؤال مطروحاً: هل كان رينيه شار يخشى فعلا ان يجن : أي ان يحصل له ما حصل لنيتشه او هولدرلين؟ البعض يقول نعم. ولكن الجنون الذي يخشاه كان من نوع آخر. كان يخشى الثقب الاسود، فقدان الذاكرة كليا، سقوط الفكر في وهدة الظلمات والنسيان.. ولكي يتحاشى ذلك كان قد صمم على الانتحار قبل ان يحصل له ما لا تحمد عقباه. ولكن شاء له الحظ ان يعيش حتى آخر لحظة من عمره قبل ان يجن كليا.. ولذلك فلم يضطر الى الانتحار كما حصل "لصديقه" فانسان فان غوخ الذي رسم اروع لوحاته بالقرب من منطقة رينيه شار، هناك في الجنوب الفرنسي حيث  الاضواء والظلال والالوان البهيجة. هناك حيث الشاطئ اللازوردي، اجمل منطقة على وجه الارض. هناك حيث تكثر الحقول وبعض الازهار والاعشاب غير الموجودة الا في حوض البحر الابيض المتوسط. هناك حيث ضعت مرة فلم اهتد.. لقد رسم كل ذلك قبل ان يجن وينتحر. واليه اهدى رينيه شار احدى مجموعاته الشعرية الاخيرة: "جيرات فان غوخ". (ج. جيرة باعتبار ان فان غوخ كان جاره على الرغم من انه مات قبل ولادته..) ولكن يكفي انه سكن في نفس المنطقة لكي يعرف الشاعر معنى هذه الجيرة. فالشاعر يعيش الى جانب الأنين والحنين، وربما الى جانب النحيب الداخلي: اي الى جانب الشعر. اما فلسفته في الحياة فهي ان الشاعر لا يتزوج، واذا ما تزوج بالغلط او بالضرورة او بالصدفة، فإنه لا ينجب الاطفال، اطفاله فقط قصائده. كل حياته ينبغي ان تكون مكرسة للشعر ولا شيء غيره. فالشعر لا يقبل بأن يُشرك به، واذا اعطيته كلك اعطاك بعضه،او لم يعطك أي شيئ...

والشاعر هو نفسه طفل، او قل يظل طفلا حتى ولو بلغ الثمانين من العمر. بمعنى انه يظل قابلا للدهشة او للاندهاش بظواهر الطبيعة والعناصر الحية حتى لكأنه يراها لاول مرة.  في كل فصل يمر، يشعر الشاعر وكأنه يولد من جديد )بعيدا عن الناس الذين يموتون على الفصول( كما يقول رامبو. وعندما يفقد هذه الصفة فإنه يبطل ان يكون شاعرا. الشاعر ليس رجل حسابات صغيرة او علاقات عامة او مقاولات ومساومات. ولا يعرف كيف تنال جائزة نوبل مثلا ولا يخطط لذلك على مدار عشرين او ثلاثين سنة متواصلة. ورينيه شار لم يقبل إلا جائزة واحدة في حياته، وكان هو الذي طلبها من اجل تسديد بعض ديونه، ولكنه رفض ما هو اكبر منها قائلا: نحن السورياليين لا نقبل الجوائز!

نقول ذلك على الرغم من ان صديقه البير كامو عندما نال الجائزة قال للجنة نوبل في استوكهولم: "رينيه شار هو اكبر حدث في تاريخ الشعر الفرنسي منذ رامبو".. وكان هذا اكبر ترشيح له. ولكن الجائزة اخطأته وذهبت الى سان جون بيرس، بل وحتى الى فرانسوا مورياك! وبالطبع لا يقبل رينيه شار ان يدخل الى الاكاديمية الفرنسية، حيث لا يوجد الا العجائز والامتثاليون المحافظون، وحيث رفضوا بودلير. ما الشيء الذي يسحر رينيه شار اكثر من غيره؟ البرق والصاعقة. وربما كان البرق الذي يشق عنان السماء فجأة ويسبق الرعد بثوان هو أهم شيء يفتنه ويخرجه عن طوره. وكل المقربين منه يعرفون ذلك. انهم يعرفون ولعه بالجو العاصف، جو الصواعق والانواء وبخاصة في المناطق الريفية حيث تعرى الطبيعة على حقيقتها. وربما كان شعره يشبه البرق من حيث لمعانه الخاطف ،او بريقه الجذاب، او ولعه بالضربة الشعرية القاضية. وكثيرا ما رأوه على عتبة باب بيته الريفي في جنوب فرنسا وهو ينظر الى السماء التي احتقنت بالغيوم السوداء ويتوقع انفجار الغضب الالهي في اي لحظة. وعندما يتأخر اندلاع العاصفة يكاد صبره ينفد ويبتدئ بالسباب والشتائم لأن السماء ترفض ان تنفجر بالشرر الساحق الماحق. لماذا لا تسقط عليه الصاعقة فورا فتحييه او تخسف به الارض؟ وفي احدى المرات نزلت الصاعقة على بيته هناك في الريف ولحسن الحظ فانها لم تقتله. ولكن هل كان سيزعل لو انها قتلته؟لقد نزلت بكل تهذيب من باب المدخنة فأضاءت البيت بنورها الوهاج ولو للحظة. بل وتسللت الى غرفته الخاصة وسلمت عليه بكل بساطة وخرجت. فكاد ان يجن من الفرح..ذلك ان رينيه شار شخص مهووس بعناصر الطبيعة.وهي تنعكس على اعماقه الداخلية بتعاقب الفصول.كل فصل عرس ،كل فصل وليمة، وله سحره الخاص. فمن يشبع من الفصول؟ ولذلك هجر باريس،ادار لها ظهره، وذهب الى قريته في الجنوب لكي يقترب اكثر من طفولته والنهر الوديع الذي تغنى به في قصيدة عصماء موزونة مقفاة ولا اروع: أغنية الى ايفون. ولكن ترجمتها جريمة. وقد حاولت مرة فكانت النتيجة كارثة وخجلت من نفسي.. و الواقع ان الطبيعة يحق لها ان تتنفس مثل البشر وتفرج عن نفسها اذا ما احتقنت اكثر من اللزوم. واذا كانت تنفجر بالشرر فان الشاعر ينفجر بالقصائد. ذلك انه في داخل كل شاعر كبير عواصف وأنواء قد لا تقل خطورة عن عواصف الطبيعة. في داخله حرائق مشتعلة... ولذلك خاطبه سان جون بيرس مرة قائلا:شار!لقد أجبرت البرق على ان يعود الى وكره. وعلى البرق تبني صرحك الشامخ. الالهة تضع الاقنعة على وجهها اذ يقترب الشاعر وسبلها غامضة. اما انت فلم تبرأ ابدا لان سر الاسرار هب على وجهك يوما ما فاصابك...وكم نفرح نحن الشعراء لانك هنا بدون أي علامة فارقة غير هذا البرق الساطع في الجبين!وأصدقاؤك الاكثر سنا يشكرونك لانك رفعت عاليا راية الشعر في فرنسا،وحيدا بلا معلم، على ايقاع العصافير...

لكن يظل ارثر رامبو عقدة رينيه شار وكل شعراء فرنسا،مثلما ان المتنبي هو عقدة شعراء العرب منذ الف سنة ولا يزال.بل ان عقدة رامبو تبدو اكثر خطورة لانه مات شعريا وهو طفل تقريبا. ولا تزال حسرة او غصة في قلب الشعر الفرنسي انه لم يكمل المشوار..لطالما تساءل رينيه شار: لماذا هجر رامبو الارض الشعرية وهو لا يزال يمتلك كل خصوبتها وطاقتها في يديه؟ لماذا القى سلاحه قبل الأوان وحرمنا من قصائد اخرى كانت ستجئي حتما وربما تتفوق على كل ما سبقها؟ لماذا خذلنا رامبو هكذا في منتصف الطريق وقطع الحبل فينا؟ لماذا انسحب من ساحة المعركة وهو اقوى ما يكون؟ لماذا لماذا؟...

وراح رينيه شار يشتم نفسه لانه لا يزال يكتب الشعر حتى بعد ان تجاوز عمر رامبو اضعافا مضاعفة..ألم يقل سابقا بأن الشاعر ينبغي ان يموت شابا؟ فلماذا اذن يحاول تأجيج نار الشعر في داخله بعد ان قذف بالحمم الأولى؟ الا يكفيه ما كتب حتى الان؟ وراح يتذكر انه اخذ على نفسه عهدا قبل الحرب العالمية الثانية بالا يحول الشعر الى مهنة،الى احتراف.أبدا لن يحول الشعر الى عهر ،الى تجارة.أبدا لن يخون القضية المقدسة للشعر. وعندما يشعر بأنه لم يعد لديه شئ لكي يقوله فسوف يسكت نهائيا. سوف يظل اذن الى جانب الأنين والحنين، الى جانب النحيب الداخلي في هذا الزمن المنقسم على نفسه. سوف يظل الى جانب الشعر.

عطلة الى الريح

على خاصرة سفح القرية تنتشر حقول وافرة من شجر الميموزا. في زمن القطاف قد يحصل لك احيانا، بعيدا عن تلك الناحية، لقاء عطر بفتاة كان ذراعاها قد شغلا طيلة النهار بمعانقة الأغصان او قطف الأزهار. وكالمصباح، الذي تشبه هالة نوره العطر الفواح، تجدها تمضي مديرة" ظهرها للشمس الغاربة.

سوف يكون من الكفر ان تزعجها حتى ولو بكلمة واحدة. واذ يدعس حذاؤك العشب الأخضر،تنح لها عن الطريق، لكي تمر.. فربما كان لك الحظ في ان تلمح على شفتيها وهم طراوة الليل.)من مجموعة بعنوان: سعارات ومجاهيل، وحدهم يظلون، 1938- 1944(