رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل- (13)
مررتُ بها اليوم، لم أجدها. لم أعهدها إلاّ وفيّة لزاويتها، لدمعها والذكريات. على جنبات الطريق قرأتُ آثار رحيلها. طالعتني أحزانها المختبئة وراء مفارق عمرها. أوهمتُني أنني نسيت الحكاية. لكنني لا، لم أنسَ.
صارت العصفورة الصغيرة، منذ رحيله، حكاية انتظار فارغة.
كانت، بتغريدة منها، توقظ الشمس، تغسل أشعّتها بندىً حملته من بلدان هاجرت إليها، تمسح عن خيوطها نعاس السفر وتعبه، تلملم شلحات البرد عن أجنحة العصافير، ترتّبها في حقيبة بيضاء وتقفلها في انتظار رحلتها الأخيرة.
لكنّها، قبل غيابه الأخير، عرفت أنها ستكمل المشوار وحيدة. استلّت من ريش جناحيه أصغرها، غمستها في دموع أفراح العمر وابتسامات أحزانه، قطّرت الحبر وبما تبقّى فيه من لون، كتبت النقطة النهائية.
حاولَتِ البحث عن فواصل هامشية، استراحات من القراءات الطويلة، مساحات لا ألوان فيها ولا أحرف. لم تجد شيئاً.
عمرها، بكل ثوانيه، مرصود له، لأحرف كلماته وألوانها. عبثاً تفتش بين ذرّات الغبار المنتشرة على منضدة حزينة أو فوق كرسي بارد. لن تجد شيئاً. حتى غبار ذكرياته حمله معه. لم يبقَ لها غير صقيع الانتظار. كم صارت تشبه شجرة منسيّة في أعماق الغابة، تنتظر الربيع أو الصيف فرحاً بمرور رفوف عصافير مهاجرة تعرف أنها لن تستقر فوق أغصانها، لكنها تمرّ، تؤنسها قليلاً ثمّ ترحل.
حين تقرأ رسالتي لا بدّ ستتذكّرها تلك الصغيرة، ولكن...
كيف تقرأ الذكريات، والذكرى سجينة رسالة تائهة في بريد لن يصل؟
