رسائل حبّ في بريد لن يصل - (11)
بعمق جرح الرحيل، كانت حقائب السّفر.
رتّبتَ في داخلها ذكرياتنا، واحدة واحدة، رصفتها وفق تواريخ لم يمرّ عليها الزّمن، حاصرتها بشريط لاصق كي لا تتسلّل، وأقفلتها حقائبك.
حاولَتِ الذكرياتُ جاهدةًً أن تتملّصَ من احتجازها القسري في حقيبة سوداء. لم تنجح. عمقُ الأسودِ لا يعادله سوى عمق الألم.
لماذا لم تخترْ لذكرياتِنا حقيبةً بلونِ أفراحِنا معاً؟ لماذا، مثلاً، لم تخترها زرقاء بلونِ فجرٍ جَمَعَنا، أو ذهبيّةً بلونِ أشعةِ شمسٍ أشرقتْ على حبّنا، أو زهريّةً بلونِ حبرِ رسائلي إليك؟
كأنكَ احتسبتَ مسبقاً مساحةَ كلِّ حزنٍ، فأحضرتَ حقيبةً تتّسعُ لعمرٍ من الأحزان. من سيحمِلُها تلكَ المثقلةَ بحكايةٍ نهايتُها آخر الدّمعات؟
ماذا ستخبرُهم، وأنتَ تعبرُ حدودَ الحكايةِ، إن سألوكَ عمّا تُخفيه في الحقيبة؟ وإذا اعترضوك على مرفأ الغربة وطلبوا منك إنقاص الوزن، أيّةُ أحزان تتخلّى عنها؟ أيّ شريط لاصق ستقطع؟ أيّة فلذة من عمرنا تتركُ على رصيف الفراق؟
هل تنتظر أن يأتي من يلملم فصولَ الحكايةِ، يحيك منها غطاءً فاخراً يدفئ القلوب الفارغة ويرويها في أمسيات شتاء العمر الباردة ؟
فلتعلم أن الحكاية ليست أكثر من نقطة نهائية لكلّ الفصول، والقلوب الباردة لن يدفئها غطاء حاكته أيدٍ لا حنان فيها، وأمسيات الشتاء الباردة ستزداد برودة مع كلّ خطوة تبعدنا عن نقطة البداية.
قد تكون هذه حفنة كلمات رصفتها بتأنٍ على شرفات الذاكرة فبدت وكأنّها أسئلتي التي لم أطرحها في زمن غاب... ولكن، كيف تصلني أجوبتك في الزمّن الحاضر وأسئلتي حقيبة تخفي كلمات أشبه برسالةً منسيّةً في بريدٍ لن يصل؟!