رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل - (8)
سرقها الخوف. حملها على أكتافه وراح يقفز بها من حقول أزهرت لها وحدها، إلى مواسم تنتظر مرورها لتزهر؛ وهي، كطفلة، تلهو، تضحك.. ملء فرحة قلبها تضحك.
حملها القلق بعيداً عن كوابيسها المسجونة في ليالي أرق وحنين، رماها خلف أسوار رهبة مسكونة بسؤال: "... ماذا بعد؟"، واستقال من غدها الذي "اكتشفت" سرّ شبهه بالأمس.
ماذا بعد؟ كانت تعرف أن "لا شيء بعد".
تأخّرت عمراً عن غد سوف يأتي، رفعت سلاحها بوجه القلق والخوف، وأنصتت إلى محكمة الأيام تصدر بحقّها الحكم النهائي.
صدر الحكم: تبقى وحيدة في ساحة ضيعة مهجورة، وحيدة إلاّ من خيالات ماضٍ فَقَدَ سلطته على التغيير، ومستقبل لا مكان للتغيير فيه.
لم تحزن ولا طلبَت محامياً للدّفاع عنها. ستتولّى وحدها الدفاع في قضيّة تعرف جميع خفاياها وملابساتها.
عوض استئذان القاضي في الكلام، شرعت تخبر هيئة المحلّفين كيف اكتفت من الحياة بركنها الصغير، وكيف اكتفت بقطف ياسمينتين لا أكثر، واحدة لها والأخرى... بَقِيَت لها. واستطردت تصف كيف زيّنت شعرها بأوراق الغار حين استفاقت لتطهّر عينيها بشمس لم تشرق بعد وغسلت وجهها بندى الصباح.
لم تعد تخشى الاحتراق. فالاستسلام إلى الـ"لا شيء بعد" حوّلها رماداً لا يشتعل. أخبرتهم كيف عرّش الحزن فوق طاولتها حين هربت أوراقها البيضاء من خربشات بلا معنى، وكيف امتلأت أقلامها دمعاً منذ لحظة إدراكها بأن قرار الإعدام بحق الأحلام قد صدر وصُدِّق عليه وصار قيد التنفيذ.
بصراخ يشبه صوت المطرقة، طلب القاضي منها مغادرة منصّة الاستجواب. لملمت بقايا ابتساماتها، رفعت جبينها أكثر، وغادرت برفقة حزن احتواها بعد أن نجحت في احتوائه. غابت نهائياً بين سطور الصفحات المهجورة.
من خيوط العنكبوت نَسَجَتْ غطاءً لفّت به صمت لياليها، ومن قبو ذكرياتها أستلّت سيف الكوابيس وقرّرت مواجهة قليلي الإيمان بمضاعفة الصلاة.
ذات يومٍ أخبرتُكَ عن صغيرة ترفض أن تكبر.. يومها لم تصدّقني. فهل تراك تصدّق اليوم أنّ درب الرّحيل حفر مساره على خطواتها عن سابق تصوّر وتصميم؟
لا يهمّني انتظار جوابك الذي "لن تكتبه"، فالرسالة/السؤال التَحَفَتْ صمتَ صندوقٍ يخفي بريداً... لن يصل.

اقرؤوا الرسائل السّابقة
سوسنات سوزان ضوّ صايغ