غسَّان التويني: جبران والغفران

هاشم صالح قرأها 11
  

كلنا كان يخشى رد فعل غسان تويني ويتمنَّاه في الوقت نفسه. كلنا كان يخشى أثر الصدمة عليه دون أن ندرك أنه طودٌ شامخ لا تهزُّه الأعاصير والرياح. وقد كانت20060120-21559_big..jpg عاتية هذه المرة. هذا أقل ما يمكن أن يقال.

كلنا كان يترقَّب أي إشارة تصدر عنه بفارغ الصبر، فاذا بكلماته الأولى، وأمام الحشد المهيب، تنزل على قلوبنا برداً وسلاماً. واذا بالرجل العظيم يرتفع الى مستوى الفجيعة التي لا فجيعة بعدها. اذا به يفاجئنا جميعاً ويدهشنا مرةً أخرى. اذا به يقول كلاماً لا يستطيع إلا حكيم لبنان والعرب ان يقوله. اذا به يرتفع فوق جراحاته النازفة فيطالب بالصفح والغفران لا بالرد والانتقام. فغسان تويني لا يستطيع ان ينزل الى مستوى الأنذال والصغار. وهنا تكمن عظمة الرجال.

لقد قرأت كلماته القليلة مراتٍ متتالية وأنا لا أكاد أشبع منها. وهي الكلمات التي كانت تنتظرها المنطقة العربية كلها، وليس فقط لبنان. إنها الكلمات التي تدل على بعد نظر ليس بغريب على صاحب "النهار" ومعلم الأجيال. إنها الكلمات التي تؤسس للفلسفة الأخلاقية العليا التي ينبغي ان يتبناها كل العرب من مسلمين ومسيحيين، ولو اننا تبنَّيناها لأصبحنا أمة حضارية بكل ما للكلمة من معنى.

ولكن هل نستطيع ان نرتفع الى مستوى ما قاله غسان تويني في ذلك اليوم المشهود؟ هل نمتلك المقدرة الفكرية والمعنوية لهضمه واستيعابه؟ لقد سجل صاحب "النهار" أمام التاريخ موقفاً لا يليق إلا بغاندي أو تولستوي أو بقية تلك الطبقة من الكبار: من كبار الكبار.

لقد أعطانا في كلمات معدودات درساً في الوطنية والنزعة الإنسانية والتفاني الشخصي الذي قل نظيره في سبيل المصلحة العامة. وأعتقد شخصياً انه لو لم يقل ما قاله لمات جبران! لقد علّمنا غسان تويني كيف نرتفع فوق حزازاتنا الشخصية وأهوائنا العارمة التي تجرفنا أحياناً في تيارها فنعتقد انها أساسية، أبدية، في حين أنها عارضة، عابرة. لقد دعانا الى الاهتمام بما هو جوهري، حقيقي في التاريخ، وإهمال ما تبقى: فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض (قرآن كريم).

وإلا فكيف نفهم هذه الكلمات التي لا أملُّ من تكرارها منذ ان سمعتها منه على شاشة التلفزيون وانا جالس في غرفتي الباريسية لا أكاد أصدِّق ما أسمع؟

"أنا أدعو اليوم في هذه المناسبة لا إلى انتقامٍ ولا إلى حقدٍ ولا إلى دم.  أدعو الى أنْ ندفن مع جبران الأحقاد كلها والكلام الخلافي كله وأن ننادي بصوت واحد ذلك القسم الذي أطلقه في ساحة الشهداء يوم انتفاضة 2005 التي ذهب ضحيتها".

هل هناك من وفاء لجبران تويني أكبر من هذا الوفاء، او رثاء أجمل من هذا الرثاء؟ هل هناك من تخليد لذكراه أنبل من هذا التخليد الصادر عن والده أستاذ الجيل؟ ما ينفع الناس هو ما قاله غسان تويني في ذلك الحشد المهيب الذي ضم مئات الألوف من البشر في عاصمة الثقافة العربية بيروت وفي "عرس" جبران تويني بالذات. ما ينفع الناس هو تلك الحِكم، أكاد أقول الجواهر والدرر، التي تفوّه بها حكيم العرب بكل أريحية ورباطة جأش.

كيف أفهم ما قاله غسان تويني في كلمات معدودات؟ كيف أترجمه؟ أعتقد انه بعدما حلَّق عالياً لكي يرى مشكلات المنطقة عن بعد، عن مسافة، أراد ان يقول ما يأتي: لا تهتموا بالصغائر والضغائن فكلها في منظور التاريخ العميق لا شيء. كل شيء عابر في هذا العالم، بل وأقلُّ من عابر. وتالياً فما نتشبَّث به ونقاتل الآخرين عليه هو شيء زهيد في نهاية المطاف. كل المصالح الضيقة والصغيرة، الأنانية، تذهب أدراج الرياح وفي النهاية لا يصح الا الصحيح، ولا يبقى الا الخير العام او لا يبقى أي شيء.

يضاف الى ذلك انه أراد ان يقول ما يأتي: الوطن لا يبنى على الأحقاد والدماء، او الانتقام الذي يجرُّ الانتقام الى ما لا نهاية. وقد شبع لبنان من هذه اللعبة الجهنمية التي دمرته وانهكته. وقد آن الأوان لتدشين أسلوب جديد في الفكر السياسي والممارسة العملية: ألا وهو الحوار الحضاري مع الآخر أيَّاً يكن هذا الآخر. هل من قبيل الصدفة ان تكون أحدث نظرية فلسفية في الغرب، أيْ نظرية هابرماس، قائمة على الحوار العقلاني والديموقراطي لحل كل المشكلات؟ فلا بديل عن الحوار المسؤول بين الذوات العاقلة الا القتل والضرب.

لماذا ارتفع غسان تويني فوق الجميع وحلَّق عالياً؟ لأنه عرف أنَّ المنطقة هشَّة ولا أحد يستطيع ان يتحمَّل اي نقد وبخاصة اذا كان جارحاً. كلُّ شيء هشٌّ في المنطقة، ويكفي ان تنفخ عليه لكي يتهاوى من تلقاء ذاته، وتالياً لماذا تضع رأسك في رأسه وهو مرعوب مثلك وربما اكثر؟

كل شيء هشٌّ في هشّ، ونحن نقف أمام هشاشات تنتشر على مدِّ النظر في المشرق العربي. والمنطقة كلها مهددة بالسقوط او بالتزعزع من أعلى رأسها الى أخمص قدميها، ولن يبقى شيء واقفاً أصلا! لقد دخلنا في ذلك النوع من الطفرات التاريخية الكبرى التي قد تطحن أجيالاً عدة قبل ان تقف عند حدها او تصل الى نهاياتها.

يضاف الى ذلك ان كلمة غسان تويني تريد ان تقطع الطريق على التدخلات الخارجية والفتن المرعبة التي قد تنتج منها. وهي تدخلات لا أحد يستطيع ان يسيطر عليها او يوقفها عند حدها بعد ان تفعل فعلها. ولا أقصد بذلك ان كل شيء يأتي من الخارج خاطىء او ضالٌّ او خطر، فهذا ليس موقفي الفكري ولا السياسي، والتفاعل مع الحضارة العالمية امر ضروري بل وإجباري لا مندوحة عنه. لكن هشاشة أوضاع المنطقة او حساسيتها وصلت الى درجة عالية من التوتر، وأصبح الإنسان يخشى من ان يؤدي أيُّ تحرُّش او حتى أيَّة كلمة غير محسوبة الى اثارة زلزال في الجهة الأخرى...

المنطقة هشَّة أيها السادة، المنطقة تقف على كف عفريت، فرفقاً بالقوارير! ولهذا السبب فاني أرفض العودة اليها حتى بعد ثلاثين سنة غياب لأني اعرف اني سأغرق مع الغارقين دون ان استطيع انقاذ اي شيء بما فيه نفسي. ربما كان هذا الموقف أنانيا أكثر من اللزوم، لكني لا أستطيع ان أتَّخذ موقفاً آخر غيره بعدما شطبت على هذه المرحلة التاريخية بأسرها. فنحن دخلنا مرحلة التفكيك الكبير، واما مرحلة البناء والتعمير فلن تجيء الا على أنقاضنا!

وشخصياً انا اعيش في العصور الآتية لا في العصر الراهن! وسوف تبتدىء حياتي عام 2050 او 2070 عندما تكون كل العصبيات الطائفية والمذهبية تفكَّكتْ وانهارتْ في المشرق العربي وحلَّت محلَّها الفلسفة العلمانية والإنسانية الحديثة. وهي فلسفة لا تحرص إلا على شيء واحد في الدين وهو: القيم الروحية والأخلاقية والميتافيزيقية. ويخيَّل إليَّ انه هو الشيء الوحيد الذي يهم غسان تويني او حتى ذلك المطران الرائع والمجدد الديني الكبير: جورج خضر. كان سيدي في العقيدة والفكر والنزعة الانسانية جان جاك روسو يقول بما معناه: "كل من لا يفكر الى أبعد من أنفه، كل من لا يفكر الى أبعد من عصره لا يكون يفكر أبداً". وكان يقصد بذلك انه يفكر ويكتب ويعاني من أجل الأجيال الآتية لا من أجل جيله هو لأن جيله مريض ومنخور من الداخل ولا خير يرجى منه الا من رحم ربك. ولهذا السبب استطاع ان يتنبَّأ بالثورة الفرنسية وبشكل حرفي تقريباً حتى قبل حصولها بعشرين او ثلاثين سنة. اما نيتشه فقد تنبَّأ بالحروب العالمية قبل حصولها بخمسين سنة على الأقل. هؤلاء مفكرون كبار يمتلكون راداراً داخلياً لا نمتلكه  نحن الناس العاديين، وهو الذي يمكّنهم من كشف الحُجُب والظلمات، من رؤية الأشياء الى البعيد او بعيد البعيد. فاذا كان جيله منخوراً على الرغم من ان البشرية الاوروبية كانت قد دخلت مرحلة التنوير الديني وشهدت ظهور فلاسفة كبار ليس أقلهم "سبينوزا" او "لايبنتز" او "هيوم" او "فولتير" او "كانط" الخ ..، فما بالك بنا نحن حيث لا تزال الأصوليات الطائفية والمذهبية سيدة الموقف بدون منازع حتى الآن وحيث لا يوجد أي بصيص نور في الأفق؟ كان سيدي الآخر في الدين والعقيدة والفكر أبو العلاء المعري يقول:

    ثوبيَ محتاجٌ إلى غاسلٍ    وليت قلبيَ مثلُه في النقاء!

ليت النخبة السياسية والثقافية اللبنانية والعربية تتأمل في هذا البيت وتتواضع قليلا !ليتها تدرك حجم المخاطر والغيوم الثقيلة التي تخيِّم على الأفق! فاذا كان قلب أبي العلاء المعري موسَّخاً فما بالك بقلوبنا نحن؟ ومن سينظفها من الحزازات التاريخية التي تكاد تذهب بالمنطقة العربية كلها وليس فقط لبنان او العراق الجريح؟ لقد ان الأوان لان يشرع المثقفون العرب بتفكيك هذه العصبيات الطائفية قبل ان تعصف بالمنطقة كلها وتحرق الأخضر واليابس. ليت الجميع يدركون ان الاقتسام العادل والمتوازن للسلطة هو ضمانة الاستقرار وتحاشي الحروب الأهلية ليس فقط في لبنان وانما في سوريا ايضا والمنطقة العربية بأسرها. فالعدل هو أساس الحكم كما تقول العرب. وأي استئثار بالسلطة واستخدام منطق الغلبة والهيمنة والاحتقار التاريخي سوف يؤدي الى الاحتقان فالانفجار فالخراب. ولكن يبدو، وهذا ما أخشاه أشدَّ الخشية، أننا لن نستوعب الدرس قبل ان ندفع الثمن. ولن نصل الى شاطئ الأمان قبل الاحتراق بأتون المعاناة. ولكن، ألمْ يدفع لبنان الثمن باهظاً حتى الآن ؟ ألا يكفيه خمسة عشر عاماً من الحروب الأهلية والمجازر؟ وهل كتب عليه، وهو المنارة الحضارية للعرب، ان يدخل في مرحلة الانتحار الذاتي مرة واحدة كل عشرين او ثلاثين سنة؟ والى متى سيظل يدفع وحده ثمن احتقانات المنطقة والصراع العربي الاسرائيلي الذي لا ينتهي؟ هذا الكلام موجه بالطبع الى سادة العالم من بوش الى شيراك الى قادة اليمين الإسرائيلي المتغطرس وليس فقط الى القادة اللبنانين او العرب المغلوبين على امرهم في معظم الأحيان..

   الأرض للطوفان مشتاقة        لعلها من درن تغسل

مرة أخرى المعري، ولا مهرب منه، هذا الشخص الذي يبدو لي أحيانا،ً كثيراً علينا نحن العرب والمسلمين.. وأحياناً أتساءل كيف أمكن ان ظهر شخص من نوعه وحجمه في تاريخنا.. بأي غلطة حصل ذلك؟ ولكن بعد ان قرأت كتاب المفكر والشاعر التونسي الرائع عبد الوهاب المؤدب أصبحت أقل تشاؤماً بمستقبل العرب. أقصد كتابه الأخير الصادر في باريس تحت عنوان: "خطب جمعة مضادة"!وليته يحظى بمترجم حقيقي لكي ينقله الى العربية. ليعذرني القارئ اذا قلت له باني لم أعد أشعر باني وحيد بعد قراءته. فبعد محمد أركون لم أجد مفكراً مسلماً او عربياً يذهب في الراديكاية النقدية للتراث الى مثل هذا الحد. نعم الأرض للطوفان مشتاقة ولن تصحو السماء العربية قبل ان تشبع من الانفجار. لا مصالحة قبل المصارحة! أقصد  المصارحة التاريخية العميقة لا السطحية ولا السريعة على طريقة تبويس اللِّحى والذقون.. وآسف لان أزفَّ لكم هذا النبأ المرعب. ولكن لا اريد ان أكذب على نفسي ولا على الآخرين. كل الأدران والأوساخ، كل الرواسب التاريخية المتراكمة على مدار القرون، كل الانغلاقات المذهبية والطائفية، ينبغي ان تفكك وتغسل وتجرف من قبل طوفان قادم لا يعلم الا الله مداه وأبعاده. يلزمنا فكر جديد ايها السادة، فلا سياسة جديدة بدون فكر جديد يتَّسع برحابه للجميع. لذلك أقول وأكرِّر القول: التنوير العربي الاسلامي وكذلك العربي المسيحي أمامنا لا خلفنا، ولا معنى لتحرير الأرض قبل تحرير السماء!

ها قد شطح بي القلم وابتعدت كثيراً عن كلمات الأستاذ غسان تويني. وربما حمَّلتُها اكثر مما تتحمَّل، أيْ فوق طاقتها. ولكن هل ابتعدتُ حقا؟ وعلى كل حال، فهو ليس مسؤولاً عن ثرثراتي التي لا تنتهي. كل ما اردتُ قوله هو ان المثاليين الكبار من نوعية الشهيد جبران تويني الذي انضاف اليه مؤخراً الشهيد بيير أمين الجميِّل وكل شهداء الحرب الإسرائيلية المجرمة على لبنان وأبطالها الميامين يحترقون لكي يضيئوا للآخرين الطريق. فالتاريخ  بحاجة الى تضحياتهم لكي يتقدم الى الأمام. والعناية الإلهية تختارهم من بين جميع البشر، وربما غصباً عنهم او حتى على غير علم منهم، على ما يقول هيغل، لكي تتحلحل الأمور وتنحلُّ عقدة التاريخ.