عملية التنفس

عيسى القنصل قرأها 857
  

عملية التنفس

عيسى القنصل

أكادُ أختنق..

لم يعد فى أجواء هذه المدينة الراقصة ولا فى أجواء هذه الغربة الواسعة حفنة هواء تناسب رئتيّ..

أحاول ان أتنفس..

أحس ان الهواء هنا هو دخان لحريق فيه أوساخ وقذارة العالم.. كأن الهواء هنا قطع حديدية صغيرة تركض الى أنفي فتمزّق بالتالى كل أعضاء جهازي التنفسي.. فأنزف حتى الاختناق.

أكاد أختنق..

أحس أنني أتنفس وحلاً.. تراباً.. حجارة

وفي كل عملية شهيق وزفير أُدخل الى داخلي سكيناً حادّة.. خنجراً مرعباً.. فأَنوف خوفاً.. رعباً.. جراحاً وأحزانا..

وأصرخ يا ذاكرة.. أعيدي لي حفنة هواء نقية من بيادر (مادبا) فأنا أصبحت فى هذه المدينة حيواناً حضارياً.. أمارس روتين الحياة بلا إحساس.. بلا انتماء.. امتصّت الساعات والليالي بشرة شبابي.. ورجولتي.. ركض الجفاف على أعضائي فأصبحت ساقاً جافةً لنبتةٍ فى عمق صحراء..

أكاد أختنق.. وقلبي على كفي دائماً يرتجف خوفاً.. واضطراباً.. ليس شوقاً وليس حباً

أنزف حنيناً اليك ياحبيبتى.. قلتها يوماً ولا زلت أنزف زمني هنا.. أتوجع الى لقاء.. أحلم فى عناق وأمارس زراعة الأماني في قلبي بأننا سوف نلتقي ذات يوم وأنني سوف أراك.. أشد جمالاً وطهارة من زمن مغادرتي. فأنا كنت أحلم حين اغتربت أنني أبحث عن هدف وطريق وصراع.. وأنا مرهق اختناقاً فى طريق صراعي ولكن ما هدفي؟.. ما هي القيمة الإنسانية التي أسعى جاهداً اليها؟؟..

أنا فى خوف دائم.. كأنني في ساحة حرب بلا سلاح.. او حماية.. أرى ابتسامة أطفالى.. طموح الشباب فى شباب عصام وأرى جرائد الصباح وأخبار المساء فيسقط قلبي الى داخلي.. تصبح أفكاري راقصة أصابها السكر والجنون.. أخسر ثقتي وأكاد أختنق..

تمضى الليالي والشهور هنا.. في سرعة لا تتناسب مع الفكر الإنساني.. فأفقد توازني الزمني.. لا أعرف كيف تموت الأيام تحت أقدام الزمن.. فلا مجال هنا لكي تتمزق آهة مع صديق.. او ان ترتمي على فراش الراحة.. فكأنما كتب علينا الركض.. والركض ولا مجال لعملية تنفس إنسانية مريحة.

ما عاد فى أجواء هذه الغربة مسرح لي.. أصبحت أنا مثل غصن ورد على طرف لحد.. فلا أنا أنعش الميت برائحتي ولا منظرى يوحى بالفرح.. أحس أحيانا أنني منفضة سجائر صنعت من خشب أحترق كلما أُطفِئتْ سيجارة في أعماقي..

اكاد أختنق.. ولا اتفس براحة الا حين أكتب اليك أشواقي وحبي.. وأنا حين أكتب.. أجلس معك على مكتبي، أغلق باب غرفتي وأصبح انا وانت فقط وأتنفس بحرية مع قلمي.. حين اكتب اليك.

لا راحة لي الا معك.. ولا أتنفس الا بك.. فانت حبيبتي ونسمة هوائي.. وسوف أتنفس منك لكي أعيش ونلتقي ذات يوم.

 هيوستن / امريكا