خواطر مع الانتظار
خواطر مع الانتظار
عيسى القنصل
أشعر ان الوقت الذي يمضي بي هو منشار خشبي يحاول ان يقطع صخرة ما او قطعة من الحديد.
ثقيلة أقدام هذه الثواني وهي تمضي بي ليلاً ونهاراً.. كأنها أقدام خشبية مزروعة في أرض من الاسمنت.. تصلبت وما عادت بقادرة على التنقل.
لم أعد أستوعب هذه الأيام كيف تمضي الساعات وكيف تتحرك؟؟
وكأنني أجلس بين أنياب جائعة لحيوان يرفض لأسباب ما ان يطبق فكيه على عمري.. أهو جائع وكسول؟؟ ام ينتظر مني صرخة التسول لكي يجهز على راحتي.
مللت النوم والجلوس والألم..
مللت انتظار الثواني القادمة والتي ستحمل لي قليلاً من الشفاء والنقاهة..
ومللت ظلمة البيت وأصوات المراوح التي تصرخ في غرف البيت.. محاولة إسقاط الرعب في حرارة الشمس والتي تحاول اختراق جدران البيت..
انا نبتة ما أحرقتها شمس هذه المدينة.. وأكلت الحشرات جذورها الممتدة في أرضية هذا العمر..
لم يعد عندي مزاج للنكته.. لسماع أغنية لسماع خبر.. وكانني تعفّنت من الداخل.. وتكلّست من الخارج فما عادت عيناي في محجريهما أكثر من قطعتين من الزجاج الجامد الملون.. وحين أتنفس أشعر انني أمتصّ تراب وغبار الأرض الى أعماق صدري.. فأزداد اختناقاً!! ..
ما كنت أعلم ان هذا الخمول يحوّلني الى مادة يهرب منها حتى الذباب.. وان الكسل الذي يجتاحني ليلاً ونهاراً سوف يزرع في أعماقي كراهية للوقت وانتظار توالد الثواني..
انتظر توالد الثواني كأنني رجل ينتظر ميلاد طفله الأول وزوجته في غرفة الولادة.. دقائقه شوكٌ في قدميه وثوانيه مسامير من النار تخترق جسده..
أريد ان أنام.. ان أغلق عينيّ وأبحر في هدوء النوم والأحلام.. لكنني بدلاً من النوم أهرع الى دنيا القلق، الى مقصلة الانتظار.. وقتي جرحٌ تسمَّم وكل ثانية تمرُّ فوقه تسكب فيه ملحاً؟
كانت الايأم عندي سيلاً من الماء الجاري في سهل حياتي.. هادئاً عذباً وفجأة داهمتني موجة من الصقيع القارص فتوقف جريان النهر.. وماتت حتى قطرات الماء والتي كانت تروي عطش الطيور الساكنة فوق أشجار ذلك النهر...
أريد ان أنام.. وكلما وضعت رأسي على مخدتي تهرب أفكاري بي بعيداً بعيدا.. أحاول جاهداً ان لأقيد هذه الأفكار في قيود حديدية ثقيلة حتى لا تطير بي من مكان الى آخر.. أحاول ان أخلع كل ريشة في جناح هذه الأفكار حتى لا تهرب بي بعيداً.. لكنها تحملني معها الى البعيد البعيد.. الى مدن بلا سكان.. الى سماء بلا فضاء والى قصص بلا نهاية.. ولا تهبط بي أبداً لكي أرتاح قليلا.. لكي أغرق في النوم لحظة.. وأصرخ من الأعماق غاضباً كيف ينام البشر؟؟ متى تبدأ غمامة النوم في الانتشار فوقي وكيف يأتي النوم؟؟؟
لا أحد حولي سوى فراشة الصمت والتي ترفض ان تكفّ عن الطيران فوق أفكاري..
كنت أتمنى وقتاً لوحدي منذ زمن حتى أرتب أشعاري وقصائدي العديدة، أعيد صياغتها وأتمنى أن أضع مقالاتي في كتاب أو سجل لوحدها وحين ألزمني مرضي بالجلوس في مكتبتي وحول جهازي انتحرتْ تلك الفكرة وباتت في عداد المفقودين بعد إعصار رهيب.. مللت كل هذه الأفكار ولم أعد اري كتاباتي سوى صرخات نفسية لن يعيرها أحد انتباهاً..
ولعلني أدركتُ يا صاحِ بعد كل هذا أنك ان اخترتَ في إرادتك حرية الراحة والإجازة فلك في ذلك القدرة على امتلاك هذه اللحظات ولكن حين يجبرك المرض على الجلوس والصمت تدرك لحظتها انك سجين ولستَ نزيلَ فندق.
لو كان هذا الصمت والوحدة حبيباً لهجرته او وظيفة لاستقلت منها او قطاراً مسرعاً لرميت نفسي من نافذة من نوافذه لكنه حبلٌ وقيدٌ وأمرٌ من الأطباء للعودة الى الحياة السليمة المعتادة؟؟
سوف أصبر قليلاً على هذا الصمت والوحدة والكسل.. وحين أعود الى طريقي من جديد سأرفع دعوى قضائية ضدّهم أمام محكمة حرية الإنسان.