فاتح المدرس: رؤية حرّة متطورة لمفهوم الالتزام

بولس سركو قرأها 635
  

فاتح المدرس: رؤية حرّة متطورة لمفهوم الالتزام

بقلم: بولس سركو  

يعبّر الفن الملتزم عن التلاحم بين الفن والمجتمع، ويطمح إلى تقدم الإنسانية ويتطابق مع مصالح الجماهير، إذ إنه يلعب دوراً أساسياً في تشكيل وعيها وحمايتها من سلطة المال ومن احتكار النخب، التي يقول عنها (ف. ريابوف) في (الفن والأيدولوجيا "يختفي خلفها البرجوازيون الطفيليون لتكون وصية على فهم الشعب ووعيه ومعارفه".

 فالفن الملتزم حاجة ضرورية بما يحمله من قيم حضارية أخلاقية جديرة بسمو الفن ومكانته، وبما يحمله جوهره الفكري القائم على التوازن بين الذاتي والموضوعي وبين الخاص والعام، دون الخدش باستقلالية أي من الجانبين، وفي ذلك خصوصية الفن وحريته. إلا أن جملة أخطاء في الاستخدام والفهم السيّئ والتطبيق والربط بين الالتزام والمدرسة الواقعية حصراً، والربط أحياناً بينه وبين الانتماء السياسي، قد شكل نقطة ضعف في المفهوم سرعان ما فتحت ثغرة نفذ من خلالها بسهولة منظرو الثقافة الرأسمالية ونسفوا المفهوم برمته. ومع أن تلك الأخطاء كانت في الحدود الدنيا في التشكيل السوري عموماً، لا بل كانت معدومة تماماً في تجارب الرواد، من أدهم إسماعيل إلى ممدوح قشلان إلى لؤي كيالي إلى فاتح المدرس وغيرهم، إلا أن ذلك لم يشكل مناعة أمام إغراء الحرية الوهمية والذاتية المطلقة للتنظير الغربي. فعلى سبيل المثال جاء في رد الفنان الراحل فاتح المدرس على رسالة الأستاذ أنطوان مقدسي صيف 1989 أن الالتزام قد أخذ عنده منحىً مأسوياً. وفصل بينه وبين ما سماه طهارة (الفن للفن). وطرح أسئلة عن كيفية التوفيق بين الالتزام وهو (استعارة) بنظره وبين الصفاء الكلي في تصور الجمال، واعتبر العمل الملتزم (مكبَّلاً) ونتيجته عكرة مشبعة بالشوائب. وتابع تساؤلاته: هل أنا مؤرخ؟ هل أنا عسكري، أم فنان شاعر؟
لا بد أن يصاب المتابع لتجربة فاتح المدرس الحافلة بموضوعات ملتزمة ببعض الذهول من فنتازيات التعابير الأدبية في ردّه، والتي طالما استخدمت في الغرب تعويضاً عن الإفلاس الفكري لثقافة الحداثة وما بعدها. فكل تلك الشحنة الانفعالية المعادية للالتزام ليست جواباً عن رغبة الأستاذ مقدسي في معرفة كيفية التوفيق بين الحداثة والالتزام في فن فاتح المدرس. وهو سؤال مهم قد يطرحه الفنان والناقد التشكيلي أيضاً. لا بل دفعت إجابة الفنان إلى تعميق السؤال أكثر، لأن الرفض المطلق للفن الملتزم الذي جاء فيها أثار إشكالية التناقض بين نتاج فاتح المدرس والفلسفة الجمالية التي حملها معه منذ سنوات دراسته في إيطاليا وتواصله مع النخب المثقفة والفنانين الغائصين بالنفعية المتضخمة المتولدة من العلاقات الرأسمالية الطفيلية هناك، والتي ذهب تأثيرها إلى حد الحيلولة دون استثمار فاتح المدرس، لأن طرح في نتاجه الفني نموذجاً جديداً خالياً من الأخطاء لفن ملتزمٍ حرٍّ متطور. ومن هنا فقد كان عليه هو الإجابة عن تساؤلاته الواردة في رده، لأنه هو من وفق بين الالتزام والصفاء الكلي في تصور الجمال. لم يكن مكبلاً حين أنتج أعمالاً مثل (النازحون والمقاومة في جنوب لبنان) أو (الشهيد) أو (النزوح) أو غيرها. ولم تعط هذه الأعمال الملتزمة نتيجة عكرة مشبعة بالشوائب، وهي ليست أقل صفاء من أعمال مثل (ريفيات يذهبن إلى الكنيسة) أو (الله محبة) أو (عائلة)، ولم يكن فاتح المدرس مؤرخاً ولا عسكرياً حين رسم تلك الأعمال، ولا هو فنان شاعر حين رسم هذه الأعمال. من الواضح أن (الاستعارة) التي تحدث عنها ليست سوى ذلك الجانب العدائي المستثمر سياسياً من فلسفته الجمالية الملقنة.

إن الإجابة عن المتناقضات التي وردت تكمن في الحرية والوعي والقدرة الإبداعية والاستقلالية والانفتاح مع مراعاة حاجاتنا وظروفنا الوطنية والإنسانية. وفي نتاج فاتح المدرس يتوفر كل ذلك، بعكس ما أطلقه من أفكار نظرية، لقد كان نتاجه صادقاً وفياً لرسالة الفن الاجتماعية والإنسانية، ووفياً كذلك لحرية الإبداع والقيم الفنية المعاصرة. ولو أن النقاد ومن كتبوا عن فاتح المدرس انتبهوا إلى أهمية هذه الحالة وعظمتها في تجربته وتجارب بعض الرواد أمثاله لحالوا جزئياً على الأقل دون انزلاق المشهد التشكيلي برمته إلى الأحادية المنمطة.