"العكيد" خرج من باب الحارة ثورياً!
"العكيد" خرج من باب الحارة ثورياً!
بقلم: بولس سركو
قطعت حياتنا الاجتماعية أشواطاً بعيدة في التحرر من شريعة الغابة التي كانت سائدة في زمن مسلسل باب الحارة، زمن الاحتلال الفرنسي، وذلك بفضل النضال القاسي الذي خاضته القوى السياسية العلمانية على محوري تحرير البلاد من الاحتلال وتحرير الطبقة المسحوقة من الشعب من عمال وفلاحين ونساء وغيرهم من تسلط سلسلة من الزعامات التقليدية المحلية التي قاسمت الاحتلال مصلحته في إدامة الوضعية المتخلفة لأبناء الشعب السوري.
ولا يبدو نزوع بعض تلك الزعامات التي ظهرت في المسلسل نحو الخيار الوطني سوى تزاحم على التحكم بمصير الناس وإدارتهم بالعقلية المتحجرة التي تميزها وليس -على الإطلاق - إنقاذهم من القهر والاستعباد والرضوخ. فالحقيقة أن حارة (باب الحارة) هي بؤرة متخلفة بامتياز وبكل ما تعنيه الكلمة من معنى، بؤرة للأمية والجهل والجمود وروح العبودية والمرض والعنف والفوضى والاعتباطية والفردية الأنانية وانحلال الشعور الجماعي وانحطاط مكانة المرأة والفقدان المزمن لقدرة الإنسان على السيطرة على مصيره وحماية ذاته. وهذه البؤرة المتخلفة العفنة هي المكان الوحيد الذي يمكن أن تحيا وتتألق فيه شخصية كشخصية العكيد وتحتل مكانة السلطة التنفيذية في غياب مؤسسات حقيقية للدولة. فمن هو العكيد الذي خرج من باب الحارة ثورياً مقاوماً؟

العكيد هو نتاج مجتمع القهر والتسلط، رجل دموي، موتور، شاذ، متربّص، كان يدل على نفسه بمشيته الخاصة، إذ يجنح على أحد جانبيه حيث تلتصق إحدى يديه بثبات على ذلك الجانب تحسباً لأي طارىء يستدعي سحب (الكندرجية أو السبع طقات) وتلوح إلى أقصى الأمام والوراء يده الثانية، وجهه موروب بعكس (وربة) جسده وعيناه لامعتان حمراوان تزوران كل من يقع في مداهما. لهجته سوقية ثقيلة مشبعة بالقذارات والشتائم والسخرية والتهكم والكذب والنرجسية، (قدماه تشحشطان) بحذاء (مبوز) من الأمام، مكسور الخلفية، يسهل رميه بسرعة لدى نشوب شجار متوقع في أي لحظة. وقد لا يكفي العكيد كل ذلك (الاعوجاج) للتأكيد والتعريف بنفسه فكان يلجأ بين الحين والآخر إلى التحرش بأي عابر سبيل فيشتمه أو يبصق في وجهه ويهينه، وقد يسيل دمه على مرأى من الجميع.
العكيد شخص متعلق بالشعوذة والكحول وحشيشة الكيف، والاعتداء الجنسي على الصبيان الصغار كجزء أساسي من ادعاء الرجولة وتعزيزها لديه. وكان يحصل على دخله المادي بطرق مختلفة، فهناك من عمل لصالح رئيس الدرك من وراء الكواليس، وهناك من كان يتلقى أجور خدمات (تشبيحية) من العائلات الإقطاعية القاطنة في المدن، وهناك من كان يقبض (الخوّة) من التجار وأصحاب المحلات ومن أي عابر قد يصادف أن يحمل في جيبه ما يسد به رمق أطفاله الجياع. فلا قيم تردع العكيد عن فعل أي شيء ومن ذلك السطو المسلح والاحتيال والنصب والقتل والاتجار بالعملة المزورة والمخدرات والسلاح.
إن العكيد شخصية مقهورة ممن يعلوها في سلم الزعامات وتمارس القهر عمن هم أدنى منها من عامة الناس، شخصية مريضة تتكون من تفاعل مجموعة من العقد النفسية (النقص، العار، اضطراب الديمومة، الشعور بالاضطهاد) وهو ما يفسر ارتفاع درجة توترها الانفعالي وردود فعلها المتطرفة، السادية، إذ لا قابلية لارتداد نار عدوانيتها إلى داخل الذات، والتي فشلت أيضاً في تحقيق حضورها الطبيعي، فتحولت مشاعر الذنب المتولدة عن ذلك الفشل إلى سكاكين تجرح الروح،تفتحها على مصاريعها ليتدفق فيض من العدوانية المحتقنة ويغمر كل الآخرين، كل الآخرين. مذنبون، فاقدون لإنسانيتهم في نظر العكيد، كلهم يهددون أمنه واستقراره ويترتب عليهم جميعاً حمل وزر عدوانيته مما يسهل عليه تبرير اعتدائه عليهم واعتبار ذلك دفاعاً عن النفس.
إن شخصية العكيد التي دلّكت نزعةَ العدوانية ساعداها المفتولان ليصبحا شهادتها العليا وثقافتها وفكرها وحكمتها وشريعتها هي جزء من النسيج المتخلف الذي نشأت فيه، ولا وجود لها خارجه. ولذلك فهي تدافع عنه بكل ما تملك وكان لهذه الشخصية حضورها الفاعل في الهجمة الدموية الرجعية التي استهدفت التحولات الاشتراكية التي ارتقت بمجتمعنا وشعبنا أواخر السبعينيات من القرن الماضي.
لهذا كله فإن صورة العكيد مطابقة لصورة (الإرهابي) الذي يقتل أهله وشعبه من أجل ذاته، بعكس صورة الثوري المقاوم الذي يضحي بنفسه من أجل شعبه وبلده وإنسانيته. صورة الثوري تنفي صورة العكيد وبيئته وتراثه المظلم. وكان من الأفضل لـ (باب الحارة) لو طرح شخصية جديدة في إطار كوميدي نقدي خفيف الظل على شاكلة "أبي صياح" و"أبي عنتر" بدل كل ذلك التكلف والشحنات العاطفية والتشويه للوقائع التي أخذ بها الجيل الذي لم يعرف عن حقيقة العكيد شيئاً.