ليلى المادبيه ؟؟
ليلى المادبيه ؟؟
عيسى القنصل
منذ أربعين عاماً وأنا أفكر فيها؟؟
سمراء تشتهى أن تجلس اليها لتسمع صوتها الهادىء العذب؟؟ وجهها حديقة من الفواكه الطريه تحاورك ان تقطفها برقة ومحبة.
صمتها هادىء مودب أنيق.. ولعلها تتحدث بعينيها الهادئتين أكثر ما تفعل بشفتيها.. ولعلني ما سمعت صوتها يوماً يخرج عن طريقة الأدب في اي نقاش.. وفي لمسة أناملِها أناملَك حين تسلم عليها تلك الرعشة النسائية والتى تسحبك بجنح الخيال الى دنيا الأماني.
عرفتها طفلاً.. واندفعت الى الاعجاب بها.. ورأيتها تنمو انثى كاملة أمام عينيّ.. فبدأتُ أخجل من التعلق بها.. ما أشعرتها بإعجابي بها خوفاً على نفسي واحتراماً لها والى تلك الهائلة الانسانية التى كانت تحيط بها..
اسمها ليلى ولن أذكر المزيد حباً لها.. كان إعجابي بجمالها الهادىء يتنامى مع نمو شبابي.. لكنني كنت أدرك ذلك الجسر الهائل الذي يفصلني عن التوصل الى حديقتها الانسانية.. فأقدامي الإنسانية ليست بقادرة على الركض خلف هودجها.. وعيناي غير قادرتين أيضاً على التحديق المتواصل فى زجاج بيتها الذى يفصلها عن تراب حديقتي.
لكنني كنت أزداد تعلقاً بها يوماً بعد يوم.. مدركاً اننا كلما نمت بنا الحقيقة سوف نزداد بعداً عن بعضنا، فصداقة الطفولة سوف تتبدل إلى إعجاب شباب ثم إلى أمنيات رجولة بالتملك.. والجسر بيني وبينها معلق فى سماء الاستحالة.
كتمت حبها فى خافقي احتراماً لها ولشخصيتي.. ومنعت نفسي حتى من التمتع برؤيتها حين كانت تزورنا فى بيتنا الترابي الهزيل...
كانت ليلى أنيقة فى لباسها الأنثوي الساحر. لا أتذكر انني رأيتها يوماً بغير ما يليق بالأنثى.. شعرها هادىء النوم على كتفيها.. وبسمتها الإنسانية تنام فوق شفتيها بإصرار وعناد.. وحين تلمسك مسلّمة عليك او مودّعة بعد لقاء ساحر تأخذك معها الى دنياها في سحر وأدب وأمانه.
كنت أهرب منها بافتعال قصص حب لبنات حارتي.. وانا أعلم حقاً أني ما أحببت غيرها يوماً وحتى هذه اللحظة. لكنني كنت أريد ان أبقى على احترام شخصيتي وان لا أتعرض إلى نظرة سخرية او شفقة من أحد.
..
تزوجتْ ذات عام.. لم أذهب الى عرسها ومع أنني هنّأتها بعد أشهر من الزواج.. كنت مؤمناً بحقها في التواصل مع حقها في الحياة وفي الجلوس على مقعد مريح وجميل في صالة الحياة... انا لم أكن أمتلك شيئاً لأعطيها.. حتى الوعد فى العطاء القادم لم أكن أمتلكه.
واغتربتُ انا عن مدينتي بعد فشل تجاربي مع الحياة فى كل نواحيها.. وحين أعود من غربتي الى مدينتي أسمع بعضاً من أخبارها.. ولعلني رأيتها مرّة فى ساحة كنيستنا ولمحت حزناً عميقاً صامتاً فى سمرة وجهها ذلك الحزن الذي نحترمه ونعرف انه من أسرار حياتها.. وحتى فى حزنها الصامت الغريب شعرت انني لا زلت أخجل من التحديق فيها او الاقتراب منها.
فى الطفولة براءة وطهر كفراشة بيضاء تنتقل من زهرة الى اخرى فى يوم ربيعي اهتدى.. وكلما تقدمت بنا الحياة خطوات فى ميادين العمر والشباب.. تصبح نظرتنا لما حولنا تختلف عن طابع الطفولة.. تنمو بنا الرغبات وتتنامى الأحلام والأماني.. ولعلني منذ طفولتي الفقيرة أدركت ان مجالي العاطفي سوف ينحصر فى زاوية ما وانني لن أسمح لتفسي ان تطمح طموحاً فوق حدودها لأنني لا أريد ان أشرب دمعتي عصيراً مراً..
كانت تنمو أمامي كنبتة غريبة لن تناسب حديقتي الترابية.. وعندما كانت السماء تنهال بأمطارها على سهول مدينتي كنت أرى الماء يتسرّب من سقف بيتنا ويغسلنا بالليل بردا.. وكان صوت (مزراب بيتنا) يتداخل الى أعماقي كأغنية ما.. وفى الصباح حين يتوقف المطر أصعد الى سقف بيتنا محاولاً مع أخوتي إصلاح هنا السقف.. وأراها أحياناً فى الحارة مع بعض الصبايا تلعب فى عفوية طفولية وتضحك ؟؟ فأعلم ان جسر التلاقي لن يوصلني اليها..
كانت صبية سمراء عذبة وكنت انا صبياً لا يعرف الفرح.. كانت أنيقة دائماً فى لبسها وتسريحة شعرها وكنت انا حافياً فى تراب الحاره.. كانت فراشة بيضاء طاهرة وكنت انا ذبابة حائرة لا تعرف اين يأتيها طعامها اليومي..
ورغم كل ذلك ما عرفت الا ان أحبها وكتمت هذا الحب بإعماقي حتى الآن؟؟
لن أقول لكم أكثر فلقد فرقتنا الحياة وحين رأيتها قبل سنوات عديدة.. كانت صامته بحزن وهناك عاصفة ما فى وجهها تود ان تنفجر؟؟ لكنها كانت دائماً أقوى من الدمعة وأشجع من الاعتراف بهزيمة ما.
انها ليلى ليلى المادبيه؟؟