جلسةٌ وتأمُّل

عيسى القنصل قرأها 794
  

جلسةٌ وتأمُّل

عيسى القنصل

المسافةُ بين غرفة نومي ومكتبي عشر خطوات.. بدأت أسيرها قليلاً قليلاً بلا تعب او إنهاك؟؟

انت مجبر على الجلوس لوحدك ومجبر على ممارسة الصبر من أجل معانقة درب السلامة بعد أسابيع..

وحين يحاصرك الزمن فى زاوية واحده وتحيطك الوحده بثوب واحد تهرب بك أفكارك الى زاوية واحدة من الدنيا...

الى الماضى.. ولغرابة ما أرى الماضي أمام عيوني كأنني أعيش به مع انني اغتربت عن طفولتي لسنوات عديدة..

ولا أجمل من تعلقى فى هذه الذكريات الا وضوح الصورة التي تاتي لي بها.. فى تلك العفوية العذبة الحنونة وكأنك ترجع حقاً طفلاً صغيراً يلعب في تراب الحارة ويرى نسوة الحارة حول فنجان قهوة..

أشعر أحياناً ان خيالي ذبابة قد أرهقها الضوء والحرارة فتوقفت عن الطيران.

وأشعر ان الكلمات بخيلة فى التوالد ومصابة بالكسل الى درجة التخدير..

أبت فى سيل عنيف من الضجر.. تخدّرت أعصابي وأثقلت عينيّ.. وأصبحت لقمة الغذاء هى موعدي مع حبة الدواء وليس لإخماد موجة الجوع.. وحتى جرعة الماء الباردة تذكرني بأنني مجبر بعد لحظات للنهوض من سريري للذهاب الى الحمام..

كيف تتحول الحياة فى ثوانٍ من معركة عراك وصراخ الى جلسة بطيئة الحركة وثقيلة التأمل فيما حولك؟

ليس لى رغبة في الخروج من البيت.. وكنت أحب ان أسمع الأغاني العربيه القديمة، أشعر ان أذني أصبحت هذه الأيام خلاطة اسمنت لا تسمح لغير الضوضاء ان تعبرها..

مللت التلفاز والكتابه وحتى فتح عينيّ لكي ترى من حولي؟؟؟

الوحدة والصمت بذورُ هائلة لتنامي السأم والانطواء؟؟ وتلك عوامل من عوامل الحزن.

لم تعد القافية تتراقص في خيالي ولم يعد حتى الجمال النسائي يحرك بي شهوة او خاطرة شعر؟؟

هناك جسرٌ هائلٌ بين ما انا عليه الآن وما كنت به قبل أسابيع؟؟ جفاف أرض بعد موسم فيضان؟؟ تساقط الأوراق من شجيرة أحلامي بعد ان كدت أقطف ثمار ما زرعت من أعوام.. وخمول هائل فى جسدي بعد ان كنت أعمل موظفاً فى شركتي منذ ثلاثين عاماً فى تواصل مستمر!!

نعم أقف اليوم صامتا أستعرض أحداث أمسى.. ولا أدرى متى يركض بي حصان الخيال من جديد؟؟ متى ستسحقني القافية من جديد فى قصيدة غزلية؟؟ ومتى سأمضي فى طريق الحياة من جديد؟؟

أريد ان أنام مجدداً؟؟ لعلني أهرب من الألم بحالة نوم؟؟

كلما أفقتُ من النوم أنظر الى الساعة الى جانبي لا لشيء، انما لأعرف كم ساعةً نمت؟؟ متى سينتهي هذا الألم الخفيف في جانبي؟؟ ومتى تتوقف هذه الوخزات الحادة من التحرّك من زاوية إلى أخرى بي؟؟

ذاكرتي أصبحت حصاناً لا يحب الركض والتجوال... وخيالي تحوّل الى تمثال حجري تنام فوقه العصافير المتعبة من رحلاتها... وتترك فوقه أحياناً بقاياها الزائده؟؟

لقد نمت كثيراً.. ولكنني عدت أنام بلا حلم رقيق؟؟