بين حلم مادبا وحقيقة هيوستن

عيسى القنصل قرأها 1,102
  

بين حلم مادبا وحقيقة هيوستن

عيسى القنصل

منذ اسبوعين وانا أتجول فى شوارع مادبا. وأطرق الأبواب على الجيران والأصحاب أطلب شيئاً لا زلت أشتهيه وأحبه من هناك. وقفت فى أعلى منحدر شارع حارتنا ورأيت بيت (الخزوز) وطلبت كأس ماء من يد الطبيب عماد فرحب بي وأسقاني وانحدرت الى أسفل الشارع حيث زرت بيت المؤمنة الصابرة (أمل الضباعين) أم هيثم وقبّلت يدها أطلب منها ان تصلّي لأجلي هذا اليوم قليلاً وشعرت بإبرة الممرضة وهي تسحب الدم مني وانا ملقى هنا فى إحدى غرف المستشفى لكنني لم أشعر بالألم لأنني رأيت أم هيثم تحضّر لي كأس ماء باردة مع ابتسامة الشجاعة والصبر..

مشيت فى شارع الشهيد نوريس اليعقوب. يا إلهي كم تحسُّ بالاختناق في هذه الشارع زحمة فوق العادة وسيارات صغيرة على كل جانب من جوانب الطريق.. ورأيت نفسي أدخل بيت (ام شوقي السلايطة) لتحكي لي برقة صوتها بعض الحكايا عن أمي رحمها الله.. لا زلت أذكر حين دخلنا بيتهم لأول مرة طالبين يد ابنتهم الى صديق العمر والطفولة عماد..

وقبل ان اجلس فى صالون بيتهم المطل على ضوضاء الشارع التجاري شعرت بصوت ممرضة تطلب مني ان أفتح فمي لقياس الحرارة وشعرت بها تلفّ ذراعي لمعرفة ضغط الدم في جسدي.

أعرف انهم فى اهتمام دائم بي. ولكن!! اتركوني أتجول في مدينتي قليلاً!.

ذهبت الى كنسية اللاتين جلست لوحدي على كرسي الصلاة وتذكرت طفولتي في مدارس اللاتين بين قدسية الأب جورج سابا وصرامة التعليم من الأستاذ فؤاد العلامات رحمهما الله.. كانت طفولة فقر وبساطة ولعب في تراب الحارة والركض من (صيرة الى صيرة).. وقبل ان أجلس فى بهو المدرسة القديمة جاءت ممرضة لتأخذ المزيد من دمي لمعرفة كم خسرت من دماء أثر النزيف الحاد الذى أحضرني الى هنا.

نزلت من ساحة الكنيسة ورأيت مركز الشرطة القديم لعله من أقدم مباني مادبا وبجانبه بيت خالتي المرحومة أم هاني الفرح أواه ما أطيب هذه الإنسانية المقدسة والتى رغم مركزها الاجتماعي والمالي لم تتخلَّ أبداً عن ارتباطها بنا وعطفها على أمي والتي كانت تعاني طوال عمرها من مرض في عيونها. لم يعد أحد يسكن فى هذه القلعة الأثرية سوى طفل من أطفالها فقد بنى كل من أبنائها بيتاً له وتزوج وارتحل..

أثناء نزولي من ذلك الدرج الحجري القديم سمعت صوت آذان المسجد يدعو الناس الى الصلاة فعرّجت الى منطقه المسجد أراقب الإيمان كيف يتطور وينمو وكيف في لحظة واحده يقف الشاري والمشتري والغني والفقير والجاهل والمتعلم أمام يدى الله يطلب الرحمة.

لا أدرى هل انتهت الصلاة ام لا إذ دخل غرفتي الجراح فى وجه الباسم وكانت فى الغرفة ابنتي وابني عصام وأعلن لنا بكل بساطة وهدوء انني وبنتيجة الفحوصات، مصاب بداء السرطان فى الأمعاء وبدأ يشرح لنا كيف سيجري العملية وانه سوف يحدّد لي الاثنين القادم موعداً للدخول الى أمعائي وطرد هذا المحتل المتدخل فى جسدي انا.

الرعب الإنساني فى نطق هذا المرض يجعلك تتحول من عاصفة أمل الى زوبعة خوف ولمجرد ان تتصور انك ملقى على طاولة العمليات بلا قدرة حتى للصلاة بالرحمة ولا طلب ان تلمس يد زوجتك للمرة الأخيرة تجعلك تعود إلى إيمانك.

ورأيتنى والدكتور لا يزال يشرح لأطفالي ما الذي سيحدث ومتى أزور قبر أبي فى مقبرة اللاتين القديمة أطلب منه ان يسامحني ان أخطأت فى حقه او حق أخوتي وزحفت على ركبتيّ من هناك الى قبر أمي في المقبرة الجديدة لأطلب منها شمعة باسمي أمام مذبح العذارء لشفائي وجفلت حين سمعت صوت أمي: لا تخف يا ابو عصام ان العذراء ستحميك.

لا أدرى متى ترك الطبيب الغرفة ولكنني حين عدت من زيارة مقبرة أبي وأمي شعرت بحالة إنهاك في جسدي وتعب لكنها لم تكن حالة خوف.

لا أدرى ما هو اليوم وما هو التاريخ لكنني أرى غرفتي مليئة بالأصدقاء من هنا_ هيوستن ورأيت الدمعة الصامته فى عيون ام عصام زوجتي والدهشة المرتسمة على وجه ابني والخوف المتراكض على وجه وعيون ابنتي ايفيث.

سمعت صرير عجلات نقالة المرضى تنقلني من غرفتي الى غرفة العمليات وقالوا شدّ من عزيمتك فساره حفيدتك الأولى قادمة مع ابنتك نسرين لرويتك...

لمدة أربع او خمس ساعات كنت بعيداً عن كل شىء حتى الحلم والخيال ومحاولة التذكر كلها تنتهي حين تضع الممرضة فى يديك هذا الدواء الذى ينقلك من إحساسك بما حولك الى دنيا بعيدة عن كل ما هو واقعي ومملوس ولا أدري وجه من رأيت بعد العملية مباشرة او صوت من كان أول صوت سمعته لكنني أعلم ان أهلي هنا في هيوستن وأهلي في مادبا كانوا معي.

حين يرجعك ألمك وخوفك من مجريات الحياة المتلاحقة الى نقطة واحدة وانتماء واحد.. حين ترجعك الحقيقة من عالم الصراع والركض وراء لقمة العيش الى صورة واحدة وحقيقة واحدة تحسّ بها، ترى لحظتها أنك لا زلت تعيش ماضيك وتعيش بلدك.

أردت ان أعود للتجوال فى شارع العشاق والذي أطلقت انا عليه هذا اللقب قبل أربعين عاماً وان أزور ساحة البلدية لأشتم رائحة الكنافة وأسمع قهقهة صديق العمر والحياة عماد كرادشة وان أذهب لزيارة بيت أختي ام مهند او بيت أختي الضاحكة دوماً ام راكان لكن أقدامي وذراعيّ مقيدةٌ بحبال وأنابيب لأدويه كثيرة وكلما دخلت الى شارع ذكرى ترجعني ممرضة من ممرضات هذا المستشفى الأميركي الى واقع الألم فى أبرة ووخزة ولا أدري كم أبرة اخترقت جسدي منذ دخولي المستشفى الى الآن.

فاعذريني يا مادبا.. ان لم أتجول فى شوارعك كلها او لم أرَ كل الأحبة هناك ولكننى حين أعود أريد ان أشرب كأساً من الشاي فى واحدٍ من بيوت العلامات او أتناول لقمة هريسة مع واحدٍ من أبناء الطوال.. لكنني الآن انا في ألمٍ في جنبي ولا أستطيع السير كثيراً فسوف أعود الى فراشي وأنام لأحلم بالراحة والشفاء.