هل يستحق أدونيس جائزة نوبل؟
إنها لظاهرة غريبة فعلا: كلما اقترب موعد جائزة نوبل للآداب نلاحظ ان الأقلام الصحفية تحوم عموماً حول اسم شخص واحد هو: أدونيس. انها تحوم حوله بنوع من النرفزة والخوف من ان تكون من حظه هذه السنة. كل شيء يحصل كما لو انهم يريدون تحاشي الخطر الأعظم لهذه الاحتمالية المزعجة فيبتدئون ببث الاشاعات السلبية عن هذا الشاعر دون غيره. وكل شيء يحصل كما لو انهم يريدون بعث رسالة ضمنية الى اللجنة الموقرة في استوكهولم لكيلا تمنحه اياها لانه لا يمثل العرب! بل وسينزعجون جداً اذا ما حصل ذلك. فهل تريد الأكاديمية السويدية العتيدة إرضاء العرب ام إغضابهم؟ ويخيل لك أحياناً بأن عشرات الكتبة والمثقفين سوف يصابون بالسكتة القلبية اذا ما وقع المحظور (لا سمح له) ومنحت له..!
لماذا كل هذه الضجة الانفعالية حول شيء لم يحدث بعد، وقد لا يحدث؟ لماذا كل هذه الحملة المسعورة المبالغ فيها في نظري؟ لقد تحولت الى مشكلة داخل مشكلة، بل واصبحت اهم من قضية الجائزة نفسها! وما الضير في ان تعطى الجائزة لاكبر شاعر عربي في القرن العشرين؟ الم تعط لأكبر روائي عربي وبكل استحقاق وجدارة؟ عندما اقول هذا الكلام فاني لا اقصد انه أكبر شاعر في المطلق. فهناك أيضاً نزار قباني وبدر شاكر السياب وخليل حاوي وسميح القاسم ومحمود درويش الخ..ولكن فيما يخص الحداثة الشعرية العربية اعتقد انه الاهم والاعمق. و يعرف ذلك كل من يفهم في متاهات الشعر وقضاياه . فصاحب «اغاني مهيار الدمشقي» حلق عاليا منذ «قصائد اولى» و«اوراق في الريح» وانتهاء بـ «مفرد في صيغة الجمع» مرورا بـ «التحولات والهجرة في اقاليم الليل والنهار» و«وقت بين الرماد والورد».. الخ.
وانفجر عندئذ بالشعر كما تنفجر اعماق الارض بالبراكين والحمم. وهز اساسات النظام اللاهوتي ـ السياسي للعرب بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. وربما كانت هذه هي «الجريمة» التي ارتكبها والتي لن تغفر له لاحقا بل وسوف تظل تلاحقه حتى هذه اللحظة. لقد انفجر بالشعر انفجارا ولم يكتبه كتابة عندما كان لا يزال في بداياته الاولى، في براءاته التي لا تشوبها شائبة. ومشى بالشعر العربي الحديث خطوات واسعة الى الامام: اقصد الشعر كمعاناة هائلة واحتراق، أو الشعر «كنهر عظيم وخصب» كما يقول لوتريامون. ثم هدأ النهر وتلاشى بعدئذ. وربما نضب وجف بسبب المساومات على الحقيقة والتبرجز المادي والوصول.
لقد غامر ادونيس في متاهات ومجاهيل لم تخطر على بال احد قط ، في تلك الفترة على الاقل. ووسع خارطة الشعر العربي بل واكتشفت خارطة جديدة مرهصا بما سيجيء، «بالخراب الجميل» الذي نعيشه الآن. وبالتالي فهو شاعر رؤيوي بامتياز. انه شاعر الرؤيا بالمعنى الحرفي الذي يعطيه رامبو لهذه الكلمة او حتى بالمعنى النيتشوي النبوئي الاستشرافي.
هل أسرف في المغامرة اللفظية لاحقا اكثر مما يجب حتى اصبحت مملة وارتدت على ذاتها؟ هل كرر نفسه اكثر مما ينبغي وكتب اشعارا كثيرة ما كان ينبغي ان تكتب؟ هذه مسألة اخرى. ولكن هذا لا يلغي الاهمية الحاسمة لفتوحاته الشعرية السابقة. والدليل على ذلك ان معظم شعراء الحداثة خرجوا من معطفه. لقد استطاع في الستينات والسبعينات ان ينعطف بالشعر العربي انعطافة كاملة شكلا ومضمونا. بهذا المعنى فان «اغاني مهيار الدمشقي» وما سبقه او تلاه هو الذي اسس الحداثة الشعرية العربية مثلما ان «أزهار الشر» لبودلير، أو «اناشيد مالدورور» للوتريامون، أو بالأخص «فصل في الجحيم» لرامبو هي التي اسست الحداثة الشعرية الفرنسية. وهذا لا ينفي أهمية الدور الذي لعبه آنذاك بقية اعضاء مجلة «شعر» الشهيرة.
لكن هناك سببا آخر لأهمية هذا الشاعر: هو انه مفكر عميق في شعره. وهنا يتمايز أو ينفصل عن كل شعراء جيله. واذا ما اعطته الاكاديمية السويدية جائزة نوبل يوما ما فسيكون لهذا السبب بالذات. بمعنى اخر فإن السبب الذي يجلب عليه نقمة العرب وسخطهم هو نفسه الذي يدفع الغرب للاعجاب به. ينبغي الا ننسى ان أدونيس هو أكبر شاعر متمرد في العصور الحديثة. وتمرده كان موجها اساسا ضد تراكمات التراث العربي ورواسبه وأصوليته المتحنطة. لا ريب في ان شعر نزار قباني ينضح بهذا البُعد ايضا، وبشكل ابداعي رائع احيانا ولكنه لا يشكل اساس شعره. اما أدونيس فقد بنى كل اشكاليته الشعرية ـ والفكرية ايضا ـ على هذه النقطة. انها تخترق اشعاره منذ البداية وحتى النهاية وتتلخص في هذين البيتين الرائعين:
مسافرٌ تركت وجهي على زجاج قنديلي
خريطتي أرضٌ بلا خالق والرفض إنجيلي
بمعنى آخر لقد نجح أدونيس في ان يجمع، وفي الضربة الواحدة، بين عبقرية الشعر وعبقرية الفكر. وهذا وحده كاف لاعطائه جائزة نوبل. هنا تكمن عظمته الحقيقية وسبب خلود شعره، على الأقل في المراحل المبدعة والمتفجرة من تاريخه. لا أعرف شاعرا عربيا ولا عالميا ـ باستثناء رامبو ـ عبر عن مشاعر الغضب والاحتجاج ضد القمع التراثي أو التراث القمعي مثلما فعل أدونيس. وربما كان يوجد هنا وجه تشابه بين «أغاني مهيار الدمشقي» أو ما سبقه ولحقه، وبين «فصل في الجحيم» لرامبو من حيث الانفجار ضد التراث السائد والخانق. ولذا فكلاهما تحول الى نص «شبه مقدس» للحداثة الشعرية. وعندما اقارن بين الديوانين فليس من المؤكد ان الغلبة ستكون للشاعر الفرنسي!
وبالتالي فسواء انال أدونيس جائزة نوبل بعد بضعة اعوام أم لم ينلها فإن ذلك لن يغير في الأمر شيئا. فمن كثرة ما حامت حوله أو حام حولها، اصبح وكأنه نالها. وعلى أية حال فليست كبيرة عليه لأنها اعطيت لمن هو أقل منه قيمة وحجبت عمن يستحقها اكثر من مرة.
وفي الختام سوف أقول عن أدونيس ما قاله جان كوكتو عن طه حسين عندما زار مصر في الاربعينات أو الخمسينات: مشكلة طه حسين هي انه يرى الى أبعد مما تستطيع مصر ان تتحمله. ومشكلة أدونيس هي انه رأى الى أبعد ما يستطيع العرب ان يتحملوه، فعاقبوه! كل المشكلة الأصولية المتفجرة حاليا رآها أدونيس بأم عينيه قبل ان تحصل باربعين سنة على الأقل. وكل التطورات الحالية أرهص بها منذ عشرين سنة او اكثر.
من هنا الطابع النبوئي ـ الاستشرافي لشعره كما قلنا. من هنا أهميته التي لا يستطيع ان ينافسه عليها أي شاعر آخر. ولهذا السبب ملأ الدنيا وشغل الناس كما قيل عن المتنبي. ولا اعرف بيتا يساوي ديوانا من الشعر اكثر من هذا البيت:
عشْ ألقاً واكتبْ قصيدة وامضِ
زد سعة الأرض!