لو أندريا سالومي .. أو الحب المستحيل
من الشخصيات النسائية التي شغلت الأوساط الأدبية والفكرية فى أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن شخصية تحتل مكانة خاصة هي: لو أندريا سالومي. وقد صدرت عنها او لها فى الفترة الأخيرة عدة كتب جديرة بالقراءة والتمعن. فهي تكشف لنا عن خبايا علاقاتها برجال مشهورين ليس أقلهم : نيتشه، او ريلكه ، او فرويد. كما انها تبين لنا نوعية العلاقة القائمة بين المبدعين الكبار وما يدعى عادة بالجنس اللطيف (أحيانا يكون أقل لطفاً مما نتوقع ... وأكثر غباءً)و الواقع ان السؤال المطروح هو التالي: هل تساعد المرأة الموهوبة العبقري على تفتح عبقريته ؟ وبأي شكل ؟ وما هو الثمن المدفوع لقاء هذه المساعدة ؟ للإجابة عن هذه الأسئلة يستحسن بنا ان نتوقف عند علاقتها بالرجل الاول .
ا-علاقتها بنيتشه
كان اللقاء الأول قد ترتب ترتيباً من قبل صديق نيتشه الفيلسوف بول ري وسيدة ألمانية تهتم بالثقافة والمثقفين من الخارج -أي بشكل سطحي ولكن مفيد - هي (مالفيلدا فون ميزنبوغ). ومن كثرة ما كتب له بول ري عن هذه الصبية الساحرة القادمة من البلاد السلافية رد عليه نيتشه بالرسالة التالية:
"سلِّم لي على هذه الروسية، اذا كان للسلام من معنى! لاريب في أني أطمع بهذا النوع من النساء، نعم ، سوف أكرِّس نفسي قريباً للبحث عن فرائس كهذه !.. فأنا بأمسِّ الحاجة الى ذلك من أجل إنجاز الأعمال التي أنوي كتابتها طيلة السنوات العشر القادمات. اما الزواج فمسألة أخرى... كل ما استطيع قوله فى هذا المجال هو اتخاذ قرار بالزواج لمدة سنتين فقط ... (أي زواج مؤقت ، او محطة استراحة ).
لكأن هذه الروسية الحسناء ذات النظرات الغامضة والابتسامة القاتلة، لم تكن تنتظر إلا مجرد صدور قرار عن نيتشه لكي تتزوجه !!
سوف نجد فيما بعد أنه قد عضَّ أصابعه ندماً عليها بعد ان رفضته وكان حبها قد تسرب الى قلبه كالسم الزعاف دون ان يشعر، او حتى وهو يشعر... هذا لايعنى بالطبع انها لم تعجب به ولم تعرف قيمته. فمنذ اللقاء الأول أحسَّت بغرابته وعرفت انه شخص غير عادى. فهو أولا قد تلبَّك وأخذ يبحث فى جيبه عن شىء ما وراح يقوم بحركات غير طبيعية ولم يعد يعرف ما ذا يقول ... فصدرت هذه العبارة العبثية والمضحكة فى آن ما: ( من اي كوكب سقطنا لكي نلتقي؟) هذه هي طريقة نيتشه فى المغازلة !... بعدئذ راحت تسمعه وتتلمذ على فلسفته وتمشى معه فى الوديان والجبال - وكان مشاءً كبيراً - وعرفت الفرق بينه وبين بول ري. ولكن قلبها مال لهذا الأخير على الرغم من كل شيء فالرجال العاديون أفضل عادة للنساء من العباقرة. ثم كانت القطيعة والنميمة والحسد وتدخل الناس والوشاة وكل ما يتلو الحب الكبير من سقوط كبير.
لكن، أليس هناك من سبب آخر لابتعادها عن نيتشه؟ ألا يمكننا الاعتقاد بأنها خافت منه بعد ان انكشفت لها أعماقه العدمية أو دهاليز روحه الداخلية ؟ عندئذ راحت "لو" تكتشف عالماً رهيباً مخيفاً لا يكاد يتحمله البشر فانسحبتْ طالبة النجاة والأمان .
وتركت نيتشه يبحر فى عباب الفكر والظلام وحيدا...
2-اللقاء مع ريلكه
دائماً اللقاء الأول له معنى على الرغم من هشاشته وانه يتم "بالغلط " او عن طريق الصدفة فى معظم الأحيان ... وكثيراً ما ننساه فيما بعد فى زحمة الحياة والعلاقة، ثم لا نعود لكي نتذكره إلا بعد ان تحصل القطيعة فنتساءل: كيف حصل يا ترى؟ وعندئذ نحاول استعادته، فنجد ان له طعماً خاصاً ،طعم الحامض - الحلو، او حتى المر- الحلو.. طعم الندم والحرمان.
كان اللقاء الأول بين لو اندريا سالومي وريلكه قد حصل فى ميونيخ بتاريخ 12 مايو/أيار 1897 بواسطة الروائي جاكوب واسرمان وكان كافياً لكي تنقدح شرارة الحب: هذه الشرارة الخالدة التي تعبر العصور والأزمان دون ان تتغير، ودون ان يبليها الزمن. الزمن قادر على ابلاء كل شىء ما عدا شرارة الحب.
والحب هو الشىء الوحيد القادر على إيقاف الزمن. الحب هو المنافس الاكبر للموت والزمن. الحب هو الموت بعينه.
وقالت: لقد دخل حياتي "كالضرورة " وزارني الحب بكل هدوء وطمأنينة ... زارني دون تحدٍّ او احساس بالذنب "كانت متزوجة ". زارني كما لو اننا نكتشف شيئاً مباركاً يكتمل بفضله العالم. هذا عن حبها هي... اما عنه هو فحدث ولا حرج ! فقد كان جارفاً وساحقاً، كان مشتعلاً... ينبغى ألا ننسى هنا الفرق الأساسي بين علاقتها مع نيتشه وعلاقتها بريلكه. فهي عندما تعرفت على فيلسوف الألمان كان عمرها لا يزيد عن واحد وعشرين عاماً، وكان نيتشه قد بلغ الثامنة والثلاثين من العمر وأنجز قسماً كبيراً من أعماله وتهيأ للانعطاف الكبير الذي سوف يقوده الى "هكذا تكلم زرادشت". بمعنى انها كانت تلميذة فى محراب فيلسوف كبير يعرف ما يريد وما لا يريد، فيلسوف تشكل وتبلور.
وعلى الرغم من تأثيرها عليه كحضور انثوي وإنساني فإن تأثيره هو عليها كان أكبر.
اما علاقتها بريلكه فعلى العكس من ذلك تماماً. فهي كانت قد اقتربت من الأربعين، فى حين انه هو لم يكن يتجاوز قد الواحد والعشرين عاماً. ولم يكن ريلكه قد نشر شيئاً يذكر حتى ذلك الوقت، ولم يكن معروفاً بعد. بل لم يكن يتوقع احد انه سيصبح أحد كبار شعراء القرن. لقد التقاها والعمر في أوله، والعبقرية ما تزال نائمة تنتظر فقط شرارة الاحتكاك بالمرأة العشيقة، بالمرأة الصديقة، لكي تنقدح شرارة الحب وتشتعل كالحريق ... وفى اليوم التالى راح يتجول كالمجنون فى شوارع ميونيخ ويمر على كل البيوت ما عدا بيتها، وهو ينتظر ان يلقاها صدفة على منعطف شارع ما او فى منتصف الطريق.
وراح يكتب لها الرسائل التي تتفوق على الشعر:
"فى يوم ما،
وبعد سنوات طويلة،
سوف تعرفين ماذا كنتِ بالنسبة لي ..
كنتِ نبع الجبال للعطشان
آه يا نبعيَ الصافي !
أيُّ عرفان بالجميل نحوك ! لم أعد أتمنى رؤية الأزهار
والسماء والشمس إلا فيك ...
من خلالك ...".
وقد قضيا السنوات الثلاث الأول دون ان يتركا بعضهما البعض لحظة واحدة تقريباً. نقول هذا على الرغم من ان لو أندريا سالومي كانت متزوجة من شخص يدعى البروفيسور أندريا سالومي. وقد سألته مرة: هل تزعجه تصرفاتها وغيابها عن البيت ؟ فأجاب بلا قاطعة. "هناك أشخاص عاقلون جداً، خُلقوا للزواج والحب الهادىء والاهتمام بالبيت ورعاية شؤون الاطفال وجلى الصحون .. باختصار خلقوا لوظيفة الزوج او حتى "الزوج الأبدي" بحسب تعبير مجنون آخر يدعى "يستويفسكي". انهم محظوظون وسعداء لانهم متزوجون من سيدات لامعات ونادرات يقضين نصف حياتهن -على الأقل - خارج البيت من اجل الحب والعشق والعشاق. ولواندريا سالومي كانت من هذا النوع. كانت من النساء التاريخيات اللواتي يحتجن الى زوج يتكئن عليه فى البيت ثم الى حبيب حر او عاشق مجنون. وهكذا تقام العلاقة "التوازنية فى لجة الحياة".
لكن جنون ريلكه كان أحياناً اكثر مما يحتمل. وكان توتره الداخلي يتحول فى بعض اللحظات الى مشكلة حقيقية بالنسبة للواندريا سالومي. وقد حاولت مساعدته عندما عرضته على الأطباء والمحللين النفسانين لكي يكتشفوا علته وسر قلقه المرعب ولكن عبثاً... فالعلة كانت غائصة الى الأعماق بل والى أعماق الأعماق. وربما اقتنعت سالومي فى نهاية المطاف انه من الأفضل ألا تكتشف علته لانها اذا ما اكتشفت زال سر عبقريته ! كان ريلكه من صنف المبدعين الكبار الذين تنطبق عليهم كلمته الشهيرة:
"عجبت لمن يرى بمثل هذا الوضوح دون ان يجد مخرجا!!".
3
-اللقاء مع فرويد
اما اللقاء الثالث والأخير الذي أتيح للوسالومي ان تحظي به فى حياتها العامرة بلقاء العبقريات فكان مع مؤسس التحليل النفسي: سيغموند فرويد. ولكنه كان لقاء خاصاً ومختلفاً تماماً عن اللقاءين السابقين اللذين طبعا حياتها بطابعهما. فعندما التقته كان عمرها قد تجاوز الخمسين وفرويد نفسه تجاوز الستين وحقق اكتشافاته الأساسية فى مجال التحليل النفسي. باختصار كان علاقة ناضجة قائمة على التفاهم والمعرفة وخالية من "المصالح الجنسية " التي كثيراً ما تعكر صفو العلاقة بين الرجل والمرأة.
صحيح ان فرويد كان "مريضاً" أيضا كنيتشه وريلكه وبقية المبدعين الكبار. ولكنه استطاع ان يتجاوز مرضه بعد مشقة هائلة، وبعد ان بلغ الثانية والأربعين من العمر، وذلك عندما أضيئتْ له طفولته ودهاليز حياته الداخلية فى لمعة واحدة. فانحلت عقدته التي لاحقته طيلة كل تلك السنين. وبناء على ذلك راح يشكل التحليل النفسي كعلم عقلاني لدراسة كل ماهو لا عقلاني ومظلم فى حياتنا: اي "اللاوعي". لقد استطاع فرويد ان يتجاوز ذاته ويرتفع فوق نفسه: بمعنى انه اتخذ من ذاته وتجربته الحياتية وعقده الشخصية مادة للدراسة تكون مفيدة للآخرين وللاجيال القادمة. وهذا ما أعجبت به لواندريا سالومي أيَّما إعجاب وما انفكت سالومي تثني على طريقة فرويد في توظيف العقلانية من أجل الكشف عن كل ما هو جامح ولا عقلاني فينا. وقد طبقت منهجيته على نيتشه ومعرفتها الشخصية به لكي تكشف عن لا عقلانيته، عن دهاليز شخصيته الداخلية.
ونتج عن ذلك كتابها إلهام عنه. ففي حين ان نيتشه كان قد اخترق كل حدود العقلانية فى فكره ووصل الى التخوم الأخرى وقلب كلياً فى جهة الجنون، وفى حين ان ريلكه لم يكن يهتم بالحدود الفاصلة بين العقل والجنون إلا من أجل إنكارها، كان فرويد يظل فى نظر لو سالومي، عقلانياً متزناً. وكانت تبحث عن هذا النوع من الرجال العباقرة الذين استطاعوا الإبحار ضد العواصف والأنواء ثم التوصل الى الشاطىء الآخر.. بعد جهد جهيد.