أيّ مقـالٍ نـقـرأ؟

 

أيّ مقـالٍ نـقـرأ؟

بقلم: عبد الكريم عمرين

رداً على مقال عطية مسوح المنشورة في جريدة (النور) وفي موقع جماليا، بتاريخ 20 آب 2008 تحت عنوان (أي نشاط تثقيفي هو المطلوب؟)،  كتب السيد عدنان كيزاوي رداً على ما كتبه السيد مسوح، بعنوان: (اتهام لنصف البشرية بالضحالة الفكرية) كما ردت هيفاء أحمد الجندي - على السيد مسوح أيضاً - بمقال بعنوان: (المطلوب استدعاء السجال، والنقد، والحوار)، وذلك في جريدة (النور)، العدد 59  تاريخ 24 أيلول 2008.

والغريب في الردين أن الأول يصحّح لعطية مسوح، معلوماته الماركسية، وينبّهه إلى الدور التاريخي العظيم للأحزاب الماركسية، بتصنيع مثقفين من طراز نادر، وتخريج مبدعين ومفكرين من كل حدب وصوب، ويتهم السيد مسوح بأنه كتب أن (الماركسية تسبب إعاقة فكرية وثقافية)، ثم يسأل مسوح (كيف ستجد الثقافة والأفكار حاملها التنظيمي المادي إذا هشّمنا هذا الحامل وأمعنّا في إضعافه وألصقنا فيه كل صفات الوهن المعرفي والفكري، وعدم القدرة على التمييز بين الجيد والرديء؟).

والرد الثاني للجندي يدعو إلى البراغماتية، و(لبناء ذهنيات نقدية عند الشبان)، و(لبناء ورشات فكرية حقيقية واستدعاء السجال، والنقد، والحوار). والحقيقة أن السيد كيزاوي، مازال يحتفظ بعقلية الماركسيين القدامى، الذين انطلقوا في عملهم الحزبي، ونشاطهم الإنساني، من العقلية، وليس من العقل. -2-

نعم.. لقد أخطأت الأحزاب الماركسية في برامجها التثقيفية، وفي ممارستها عند تطبيق هذه البرامج، ومنذ انتصار الثورة البلشفية، حتى الآن. جميع الأحزاب دون استثناء، في القارات الخمس، أخطأت. ولنتذكر معاً ما فعلته السلطة السوفييتية مع المسرحي العظيم مييرخولد، وما فعله الحزب الشيوعي الفرنسي بروجيه غارودي. وحتى الأسماء الكبيرة التي أوردها كيزاوي، مثل سعد الله ونوس وفواز الساجر، وحنا مينه وسعيد حورانية، والجواهري والنَّواب.. حتى هذه الأسماء عانت ما عانته بسبب المعاملة القاصرة والضيقة والشكلانية، من قبل الأحزاب الماركسية في بلدانها، ومن قبل انشقاقات هذه الأحزاب. وشيء آخر، إن هذه الأسماء الذوات المبدعة، لم تمنح صفة الإبداع من قبل الأحزاب الماركسية، وهي مبدعة حتى ولو لم تكن ماركسية، أو صديقة لحزب ماركسي. إن الأحزاب الماركسية كانت رفيقة درب لهؤلاء، ليس أكثر ولا أقل، ولم يكونوا بحاجة إلى شهادات اعتراف، لأدبهم وفنهم العظيمين، من قبل هذا الحزب الماركسي أو ذاك، وأقول شيئاً آخر، إن الأحزاب الماركسية هي التي كانت تفخر بهؤلاء، وتتقرب منهم وإليهم. الماركسية لا تصنع أديباً ولا مفكراً، ولا مثقفاً، وثمة أدباء عظام، غير ماركسيين بالمرة، أمثال أرنست همنغواي، وتولستوي ودوستويفسكي، وجيمس جويس...، وحتى حسين مروة المفكر الأكثر التصاقاً بحزبه الماركسي اللبناني، وفي منجزه الفكري الحزبي: (النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية) لم يقدم أي جديد في المستوى الفلسفي، إنه حاول أن يلوي عنق الفلسفة العربية الإسلامية، وأن يسِمَها، أو يستنتج منها فلسفة مادية، وهي ليست كذلك على الإطلاق، أي أنه حاول أن يثبت غير المثبت، وهذا أيضاً ما فعله السيد كيزاوي، حين قرر أن علماء الرأسمالية، يستخدمون في طرائق أبحاثهم منطق الجدل الماركسي، وكأنه في تقريره هذا, يريد أن يقرر أيضاً، أن كل منجزات البشرية، أنجزت بفضل الماركسية، وهذا خطل كبير.

(رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب (هذه مقولة الإمام الشافعي، أما كيزاوي، الماركسي، الجدلي، الديمقراطي، فكأنه يقول: رأيي صواب الصواب، ورأي الآخر خطأ الخطأ، وإذا كان ثمة صحة ما عند الآخر، فهي حاصلة بفضلي وبفضل عقيدتي عليه، لأنه استخدمها سراً لا علانية. ثم إن عطية مسوح لم يكتب، لا نصاً ولا روحاً، إن الماركسية تسبب إعاقة فكرية وثقافية. إن الرجل يتحدث عن الآثار التي تركتها سياسات التثقيف الحزبي، ويتحدث عن محدودية مصادر التثقيف الحزبي والمتمثلة في أسس الماركسية الثلاث، وتجلياتها اللينينية حصراً، وإهمال مصادر الثقافة الأخرى. وبذلك أضحت مصادر الثقافة الماركسية (الحزبية) حصراً، كمثل سرير بروكست بالنسبة للغلبة الغالبة من الماركسيين ولقادتهم أيضاً. فمازاد على طول السرير يجب بتره، وما نقص عن طول السرير يجب شده، حتى لو تمزق أو تلف.

وفي رد هيفاء أحمد الجندي على تساؤل عطية مسوح (أي نشاط تثقيفي هو المطلوب؟) إجابة على السؤال من حيث الظاهر، وهذه الإجابة حصرت في نقاط ثلاث. ورغم وجاهتها، إلا أنها تفتقر إلى التشخيص، فالنقاط الثلاث أشبه ما تكون وصفة طبية، تعيد الأحزاب الماركسية الهرمة، إلى شبابها، شباب يستطيع عبور بحر المانش، وتسلق جبال هيملايا. وهذه الوصفة لا تنصح المدخن بالابتعاد عن التدخين، وإنما تنصحه بأخذ المسكنات والمقشعات، وتدلُّه على نوع السجائر الأفضل. إن سبب انكسار الأحزاب الماركسية - وفي مقدمتها الحزب الشيوعي السوفييتي - تاريخياً، يكمن في إهمالها دور الفرد، الإنسان داخل الجماعة (الأسرة، المجتمع، الوطن، القومية..) ويكمن في وقوفها ضد التطلعات الدينية والقومية، في تلك الفترة، وعبادة الفرد، وغياب الديمقراطية، وعدم صيانة المكتسبات، وإهمال التطوير والتطوير اللاحق للاقتصاد والإنتاج، ومحاكم التفتيش الحزبية، والمحسوبيات. ومصيبة الأحزاب الماركسية في معظم بلدان العالم الثالث أدهى وأمر، فهي تكمن، بالإضافة إلى ما سبق، في تبعيتها لسلطة الماركسية المركزية، وتكمن في صراعها ضد التخلف المحلي والهيمنات المحلية المتعددة الأشكال، والتعامل مع، أو المعاداة ضد، سلطات فاسدة، وغير مستقرة وتابعة، فهي تبعت تابعاً ومتبوعاً، وهي بين مطرقتين على سندان واحد، مطرقة التابع المحلي، ومطرقة المتبوع القائد. والفكرة الملهمة، التي هي أساس أية عقيدة أو مشروع وطني أو قومي أو ثقافي أو معرفي، والتي استوردتها الأحزاب الماركسية، هي فكرة مستوردة، ولا ضير في ذلك ولا خصاصة، إلا أن الأحزاب الماركسية لم تمنحها اسماً، ولا لوناً، ولا روحاً، ولا جذوراً في أرضها.

إن مشكلة الأحزاب الماركسية تكمن في الشغل على (وبـِ) العقلية، لا الشغل على (وبـِ) العقل، والتثقيف جزء من هذه المشكلة.

والسؤال الآن: أي نشاط تثقيفي لنسقط العقلية؟.

وكيف نقرأ ما كتبه عطية مسوح بعيداً عن العقلية؟.