أي نشاط تثقيفي هو المطلوب؟
أي نشاط تثقيفي هو المطلوب؟
عطية مسُّوح
من المشكلات التي تواجه الأحزاب الماركسية على اختلاف تسمياتها، مشكلة نشاطها الفكري عامة والعمل التثقيفي داخلها خاصة. فقد دلّت تجربة العقود الأخيرة وأحداثها على أن هذا النشاط كان في المراحل السابقة ضعيفاً وهشاً، ولم يقم على أسس صحيحة، ولم يتجه الاتجاه المفيد الذي يمكّن أعضاء الأحزاب من الوصول إلى مستوى ثقافي جيد، ويمكّنهم بالتالي من القيام بالدور المطلوب منهم على الساحات الفكرية لمجتمعاتهم.
وقد يكون السؤال الرئيسي الذي يشغل التفكير في قيادات هذه الأحزاب، والعاملين في المجال الفكري فيها هو: بماذا نثقف أعضاء الحزب؟
كان الأمر محسوماً في المراحل السابقة، وحتى بدايات الربع الأخير من القرن العشرين، فقد جرى اعتماد ما عرف بالماركسية اللينينة مصدراً وحيداً للثقافة الفكرية ومرجعية وحيدة في النشاط التثقيفي. وكانت المدرسة السوفييتية لهذه المرجعية هي المعتمدة في الغالبية العظمى من الأحزاب الماركسية، أو الأحزاب التي تحولت باتجاه الماركسية. أما مادة التثقيف فكانت تقتصر على جوانب الماركسية اللينينية، من فلسفة واقتصاد وشيوعية علمية كما كانوا يسمّونها، وكانت تُدْرس وتُدَرّس من خلال كتب المؤلّفين المؤسّسين، ماركس وإنجلز ولينين، وكتب المؤلّفين السوفييتين التي كانت في معظم الأحيان شروحاً لمتون ما وضعه المؤسّسون أو دوراناً في فلكه أو تبسيطاً مدرسياً له. ونادراً ما كان يوضع بين أيدي الدارسين كتاب أو مادة تتناول ظاهرة جديدة استناداً إلى نهج ماركس المعرفي.
أما الثقافة العامة، فكانت مهملة إلى أبعد الحدود.
أدّى ذلك كله إلى قصور ثقافي وفكري لدى أعضاء الأحزاب الماركسية وعجزٍ أو شبه عجز عن مواكبة التطورات المتسارعة التي حققها العلم والصناعة والثقافة الأدبية والفنية والفلسفة وعلم الاجتماع، كما أدّى إلى هشاشة بنية الأحزاب ذاتها، لأنها غدت تضمّ قاعدة وملاكات لا تمتلك من المعرفة والثقافة ما يؤهّلها لاجتذاب الناس والتأثير في قناعاتهم.
ونحن نجد اليوم نمطين من التفكير في هذا الأمر، فثمة نمط لم يستفد من دروس العقود الأخيرة، ولم يأبه بما آلت إليه الأحزاب من ضعف وترهل وضمور، وفسّر انهيار النظام السوفييتي والأنظمة الدائرة في فلكه بسبب واحد هو التآمر الإمبريالي الخارجي واستطالاته الداخلية من رموز قيادية تنفذ مخططات الإمبرياليين. وكان من الطبيعي أن يؤكد هذا النمط ضرورة استمرار التثقيف بالماركسية اللينيية كما هي، أو كما كانت. وثمة نمط آخر، يعمل على تجديد الماركسية، وفصل اللينينية عنها بوصفها تعبيراً سياسياً وفكرياً عن ظروف روسيا في أوائل القرن العشرين، والنظر إلى الماركسية بوصفها منهجاًً فلسفياً لدراسة الواقع ورسم السياسات الملائمة، ويدعو إلى أن يكون ذلك أساساً للنشاط الفكري والعمل التثقيفي.
ولعل من أبرز ما يترتب على ذلك، هو تنشيط البحث الفكري التجديدي، من خلال اعتماد المنهج الجدلي والرؤية التاريخية، والابتعاد عن النظرة التقديسية لنصوص ماركس وإنجلز، وتنشيط البحث في قضايا الواقع ومشكلاته واستنباط الحلول الممكنة ذات المضمون الوطني والشعبي في وقت واحد. كما أن من مهمات النشاط الفكري للماركسيين ـ وفق هذه الرؤية ـ مناقشة الفكر الرأسمالي بمختلف تجلياته ومدارسه وصفاته، والسعي إلى إقناع الكادحين والمنتجين بأن الرأسمالية، وإن كان لها جوانب إيجابية في تحقيق التقدم الصناعي والعلمي متجلياً بثورة الاتصالات والمعلوماتية وتطبيقاتهما المختلفة، فإن لها جانبها السلبي الكبير في مجال العدالة الاجتماعية، فهي تقوم على التفاوت من أجل تعميقه، وتنفي مبدأ تساوي الفرص في المجالات الاقتصادية والثقافية والسياسية، فتفتح الأبواب عريضة أمام أصحاب الرساميل الكبيرة والضخمة، وتوارب الأبواب، أو تضيقها أو تغلقها أمام عامة الناس ممن لا يملكون الثروات أو يملكون القليل.
أما المهمة الأكبر في المجال الفكري، المطروحة أمام الماركسيين والاشتراكيين أفراداً وأحزاباً وحركات، فهي نشر الثقافة التنويرية، المضادة للتخلّف والساعية إلى النهوض والتحرّر.
إن الأعداء الثلاثة لشعبنا ـ كما لغيرنا من الشعوب ـ هم العدو الخارجي المتمثل بالاستعمار والصهيونية وما يصوغانه من سياسات. والظلم والاستغلال والاستبداد، ولا سيما الأخير الذي يطغى على الواقع العربي طغياناً يكاد يكون كاملاً، والتخلف الذي يتجلّى بمفاهيم القرون الوسطى أو ما قبلها، ويتحكم بالقول والسلوك، ويُبقي مجتمعاتنا العربية على درجة متدنية في سلم تقدم الدول والشعوب.
هذا التحديد لأعداء شعبنا يرسم لنا مهمات النشاط الفكري والعمل التثقيفي وغاياته. فالغاية هي تكوين إنسان (وأحزاب) مُمتلك الوعي وقادر على استخدامه في نشر الفكر التنويري الفعال الذي يعزز الروح الوطنية لدى المواطنين، ويقوي المجتمع ويجعله أكثر قدرة على مواجهة العدو الخارجي.
من هنا تأتي أهمية الثقافة العامة وضرورة التركيز عليها بوصفها قاعدة النشاط الاجتماعي والسياسي والفكري لعضو الحزب، وأساس تكوين رجل السياسة المثقف.
لذلك لا يجوز حصر اهتمام العاملين في الحقول الفكرية والتثقيفية في الأحزاب الماركسية بالماركسية وحدها، أو بالفكر الماركسي على تنوعه وغناه، بل من الضروري توسيع دائرة الاهتمام والنشاط، كي تكون الماركسية عنصراً مهماً من عناصر المعرفة والتصور والثقافة، وكي يكون الماركسي، سواء أنظم في حزب أم لم ينظم، قادراً على التمييز بين الجيد والرديء، في المجال الثقافي، وقادراً أيضاً على مناقشة كل ما تطرحه الحياة انطلاقاً من قاعدته الثقافية الواسعة، ومعرفته وصلته بمنجزات العلم.
إن الثقافة العامة هي القاعدة والمفتاح، ولا يمكن دخول العقول والضمائر والتأثير فيها إلا عبر هذا الباب.
جدير بنا أن يتضمن نشاطنا الفكري والسياسي هدف توسيع الثقافة العامة، وتكوين شخصيات حزبية مثقفة واعية، وذات ضمير أيضاً.