كما تكونون.. يكون مسرحكم

عبد الكريم عمرين قرأها 859
  

ينعقد لسانك حقاً وتصيبك الدهشة، حين تكتشف أن ما كتب عن المسرح نقداً وتنظيراً، يفوق بأضعاف ما كتبه كتّاب المسرح من نصوص مسرحية. والغرابة الفاقعة تلمسها حين تقرأ النصوص المسرحية،‏‏‏‏ ثم تقرأ ما كُتب عنها نقداً وتنظيراً، فتكتشف أن الشرخ أو البون شاسع بين ما تطرحه هذه النصوص على مستويي الشكل والمضمون، وبين ما يطرحه النقد والتنظير المسرحي.‏‏‏‏ والمسألة برمتها اليوم نلخّصها بأن: النصوص المسرحية لا تقرأ الواقع، والنقد المسرحي لا يقرأ العرض المسرحي المبني عليها ولا على غيرها، والتنظير لا ينطلق من الراهن بمكوناته كموروث وفعالية حاضرة. والأنكى والأدهى والأمرّ، أن العرض المسرحي لا يتوجه إلى الناس، ولا يحمل رسالة – فكرية وفنية – فاختلط الحابل بالنابل، وصار التسطيح والابتذال، أو التعقيد والغموض، أو التزويق والبهرجة العبثية الحسية هي السمات الأبرز لأغلب العروض المسرحية العربية اليوم.‏‏‏‏ وقمة التراجيديا في المسرح العربي تكمن في تبعية هذا المسرح للنمط الأوروبي إنتاجاً وتوليفاً وتأليفاً وطرائق تمثيل وإخراج، ولنقل تبعية المسرح العربي للدراماتورجية والسينوغراف الأوروبيين اليوم، وبذا فقد أصبح المسرحيون العرب غرباء مرتين..‏‏‏‏ غرباء أولاً حين ابتعدوا عن قصصنا، أحلامنا، موروثنا، مثلنا، أخلاقيتنا. وغرباء ثانياً حين تناول المسرحيون هذا التراث – تراثنا – وهذا الواقع – واقعنا -، من وجهة نظر أرسطية أولاً وأوروبية ثانياً.‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ولعل الرجل المسرحي الأذكى، كان أبو خليل القباني، حين أخذ حكايات عربية قحّة، وصاغها صياغة فنية هي الأقرب إلى هوى وعقلية ووجدان الإنسان العربي، فأدخل الشعر والغناء في متن حكاياته وعروضه المسرحية، فأقبل الناس يشاهدونه بشغف وحب، رغم ظلام العقلية الاجتماعية المهيمنة في تلك الأيام.‏‏‏‏ ومنذ التأسيس والريادة على يد أبي خليل القباني، لم يشهد المسرح العربي – بعد رعيل القباني - سوى نهضتين اثنتين أولاهما، النهضة المسرحية في خمسينات القرن العشرين أو ستيناته، تبعاً لتوقيت الاستقلال التي نالته هذه الدولة العربية أو تلك. والنهضة الثانية بدأت في ستينات القرن العشرين وانتهت في أواخر ثمانيناته.‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وفي النهضتين، عكس نهوض المسرح العربي مرحلتين مهمتين من مراحل التحرر العربي في تاريخ العرب الحديث: التحرر من الاستعمار وهو منجز صريح على الأرض، والتحرر من التخلف وهو مشروع القوى السياسية، سواء كانت هذه القوى داخل أو خارج السلطة. وهو مشروع خيّل للكثيرين أنه أصبح ناجزاً أو يكاد أن يكون.‏‏‏‏ لكن.. وللأسف عاد الاستعمار من الباب بعد أن خرج من الشباك، والتخلف بعد أن كان هيولى، أصبح جدراناً سميكة متصلّبة. لكن هذه الجدران مزينة بنقوش وألوان يخالها المرء وعياً، فكراً، فناً. لكنها سراب، سراب يفضي إلى ضباب.‏‏‏‏ ولكن لماذا؟‏‏‏‏ وسؤال الـ «لماذا» هذا، يسبق سؤال: ما العمل؟‏‏‏‏ ولنعد قليلاً إلى بدايات المسرح، إلى المسرح الإغريقي الذي كانت مواضيع مآسيه تتحدث عن أسرتين من الملوك والنبلاء هما أسرة الأتريذيين، ملوك وحكام ونبلاء مدينة أرغوس وهم: أغاممنون، كليمنسترا، إلكترا، أوريست. وأسرة اللابذاذيسيين ملوك وحكام ونبلاء مدينة ثيبا وهم: أوديب، أغافي، بانتي، أنتيغون. أما المسرح العربي فلم يتطرق إلى أهم صراع رهيب بين أسرتين عربيتين هما: بنو هاشم وبنو أمية، ما عدا «الحسين ثائراً والحسين شهيداً». ومعلوم للكثيرين أو للبعض، ما نتج عن هذا الصراع فقهياً ومعرفياً وما نتج عنه من حروب بين الأخوة وأولاد العمومة، صراع انشغلنا به أربعة عشر قرناً من الزمان، وما زلنا. صراع أطاح برؤوس الخلفاء وقادة الجند والفقهاء والمتصوفة والدهماء والرعاع.‏‏‏‏ ‏‏‏‏ لم يجرؤ معظم المسرحيين إلى التصريح بما فعله بنا السفهاء منا، فكنا ضحايا أنفسنا، وضِعنا بين هويّات وصراعات تاريخية حقيقية وزائفة أو وهميّة: ذهبنا نتذكر أننا آشوريون أو فينيقيون. بابليون أو كلدانيون، أراميون أو كنعانيون. فراعنة أو بربر، عرب عاربة أو عرب مستعربة. مع الروم تارة ومع الفرس تارة أخرى. أصبحنا نحن أبناء الصحراء، وأبناء جنة عدن بآن معاً، ثم أبناء الأندلس. وحين بحثت نصوصنا المسرحية عن مقومات هويتنا كتبنا مأساة قدموس وجلجاميش وأدونيس، وكليوباترا وأوزوريس. واكتشفنا التراجيديا في دمر عاشقاً، وكشفنا عن مأساة الحلاج، وأمطنا اللثام عن مأساة شهرزاد وعن وعي شهريار التراجيدي. وحاولنا أن يكون للعظماء منّا مأساتهم، لشجرة الدر ولزنوبيا، واستلهمنا بطولات الأجداد، خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي وعمر المختار وغيرهم. ثم قعدنا ننظِّرُ للمسرح العربي، وجادلنا في إثبات أو إنكار أن للمسرح العربي جذوراً ضاربة فوق أرضنا الشاسعة من المحيط إلى الخليج، فأتينا بالزار والبساط وبمقامات بديع الزمان الهمذاني وبمقام إبراهيم وصفية، واستلهمنا حكايا ألف ليلة وليلة وجحا وعنترة العبسي «عطيل العرب»، وأثبتنا أن شكسبير ما هو إلا الشيخ زبير، وأن ديونيسيوس ما هو إلا ابن أختنا. لكن ذلك كله لم ولن ينفع.‏‏‏‏ ما السر في ذلك؟‏‏‏‏ وقبل ذلك ما السر في أن المسرح في أوروبا وأمريكا وروسيا واليابان والهند والصين قد نجح أيما نجاح؟‏‏‏‏ هل لأن واقع وتاريخ تلك البلدان أكثر تراجيدية من واقعنا؟ لا. بالطبع.‏‏‏‏ هل لأن رواد الفكر والفن في تلك البلاد، هم أكثر فهماً ودراية وحساسية وعلماً وإبداعاً من مفكرينا ومبدعينا؟ والجواب أيضاً. لا. بالطبع.‏‏‏‏ هل النجاح الذي أصاب المسرح الفرنسي – على سبيل المثال – يستند إلى الثورة الفرنسية، الثورة الملهمة للفرنسيين ولرواد عصر التنوير الفرنسي، وحتى لرواد الثقافة الفرنسية اليوم؟‏‏‏‏ وهل النجاح الذي أصاب المسرح الانجليزي يعود إلى ضياء وبهاء العصر الفيكتوري، أو إلى أخلاقيات آدم سميث والفريد مارشال، أو إلى ميراث شكسبير؟‏‏‏‏ وهل النجاح الذي أصاب المسرح الأمريكي – وأمريكا دولة فدرالية وشعوب وأمم شتى – سببه الحرب الأهلية، وهي الحرب الأكثر دموية ووحشية في تاريخ البشرية؟‏‏‏‏ وهل من ثمار الحرب الأهلية الروسية والحرب الأهلية الاسبانية، مسرح مزدهر يأخذ بألباب وقلوب الناس؟‏‏‏‏ وهل انتقل المسرح الأوروبي والأمريكي من طرح الفضائل الأخلاقية الكلاسيكية: البطولة والشجاعة والحكمة، إلى طرح الفضائل الاجتماعية الراهنة: العطف والشفقة والاهتمام والتأييد، واستمر لأنه عكس تطور مجتمعاته؟‏‏‏‏ وهل نحن العرب، لا نملك أية فضائل؟ ألم يكن لدينا – وما زال - بطولة وشجاعة وحكمة؟ أليس لدينا فضائل معاصرة، كالعطف والشفقة والاهتمام؟ أليس لدينا قضايا كبرى ومشكلات وتناقضات لا تعد ولا تحصى، وفي بنى ومستويات شتى من معتقداتنا وواقعنا؟‏‏‏‏ هل تخلف المسرح العربي اليوم، سببه الفهم الديني المتجذر فينا؟ كيف؟ والولايات المتحدة اليوم يطغى في أخلاقيات سكانها المذهب الانجيلي، وقد تحول هذا المذهب الديني إلى قوة اجتماعية مهمة؟‏‏‏‏ وهل ما يقدم اليوم في المسرح الياباني، وتنوع هذا المسرح – النو والكابوكي والمعاصر- يعتبر خلطاً غير مفهوم البتة؟ كيف لرجل الساموراي أن يعيش في ناطحات السحاب، ويستخدم المصعد والكومبيوتر والجوال؟‏‏‏‏ وكيف للهندوسي والبوذي أن يفهم ويشارك في طموح غاندي والغاندية الجديدة، وكيف لرجل يؤمن بالكونفوشيوسية أن يتفهم ويساهم في برنامج الحزب الشيوعي الصيني لتأخذ بلاده الريادة العالمية. ويذهب إلى مسرحه مساء ليمتع نفسه بالرقص والغناء والدراما وأساطير الإمبراطورية البائدة.‏‏‏‏ هل يعود سبب تخلفنا المسرحي وتقدمهم إلى اختلاف جذري في سوسيولوجيا الفضيلة وإيديولوجيا العقل عندنا وعندهم؟‏‏‏‏ أم أن أبا بشر متّى بن يونس القنائي قد غشنا بجهله فدلّس على المسرح الإغريقي، مترجماً كتاب أرسطو ترجمة غير فاهمة ولا مفهومة؟ لقد اعتمد فلاسفتنا العرب المسلمون «الفارابي، وابن سينا، وابن رشد» على ترجمة القنّائي وفهموا أن المسرحية قصيدة شعرية تنقسم إلى مديح وهجاء، وهما غرضا الشعر العربي الكبيران. وانفرد منهم ابن سينا بتعريب لفظة تراجيديا إلى «طراغوذيا» ولفظة كوميديا إلى «قوموذيا» مع محافظته على معنيي المديح والهجاء.‏‏‏‏ هؤلاء الفلاسفة وعلماء بلاغتنا اللاحقون، وأكبرهم عبد القاهر الجرجاني، قاموا بتوظيف نظرية أرسطو في «فن الشعر» لخدمة علوم بلاغة شعرنا العربي، وفي الوقت نفسه، قاموا بتعريب هذه النظرية. وأهم ما في عملهم هذا هو اعتبارهم نظرية أرسطو خاصّة بأسلوب التعبير الشعري، وليست نظرية لفن حكائيّ تمثيليّ ذي بنية تسمّى الدراما. ذلك لأنهم لم يعرفوا ولم يتخيلوا ولم يفهموا من أرسطو فن التمثيل. ولذا استنتج المستشرقون والباحثون اللاحقون أن أجدادنا القدماء حين فهموا أن المسرح ليس إلا شعراً تركوه بأنفة البداوة، وهل يضاهيهم في الشعر أي شعب من شعوب الأرض. والشعر ديوانهم؟‏‏‏‏ وهل الأوروبيون أكثر أمانة وإخلاصاً واعتزازاً بتراثهم منا؟ بدليل أن مكتب وزير الخارجية الفرنسي تزينه صورة لجان جاك روسو أو فولتير أو حتى لنابليون بونابرت.‏‏‏‏ لماذا تقوم الدنيا ولا تقعد في دنيا العرب فتنشب الحروب، حرب هنا «ليست حرب داحس والغبراء» بين المطربتين رويدة عطية وديانا كرزون، وحرب هناك لاختيار الفائز في ستار أكاديمي، ومآسي طلاق وانتحار بسبب ممثلة أو ممثل من بلاد الأناضول، وحرب بين أم الدنيا وبلد المليون شهيد بسبب مباراة بكرة القدم، وحروب هاتفية وتصويت لشاعر العرب، ووزنك ذهب، ومن سيربح المليون، وسباق الهجن، وبرامج قراءة الكف وكشف الطالع والأبراج، والتداوي بالأعشاب، وفتاوي على الهواء، وبرامج التسلية البريئة وغير البريئة؟‏‏‏‏ طيب. أين المسرح من كل ذلك؟ بل أين المسرحيون؟‏‏‏‏ هل انتهى المسرح العربي؟ أم إنه غادر إلى متحف الشمع؟ ما السبب في كل ذلك؟ ما السبب في أن المؤلف المسرحي، -والمسرح أيضاً-، قد أصبح حاله كحال رجل مات سريرياً، فلا هو ميت ولا هو حي.‏‏‏‏ ‏ السبب هو نحن.‏‏‏‏ نحن الذين في قلوبنا مرض فزادنا واقعنا مرضاً. نحن أصحاب الأنا المتورمة، والذات النرجسية المريضة. نحن الذين يعتقد الواحد منا أن الباطل لا يأتيه لا من خلفه ولا من قدّامه، نحن الذين نبلغ الفطام كل لحظة فتخر لنا الجبابر ساجدينا.‏‏‏‏ نحن الذين اعتقدنا ونعتقد أن المسرح هو التراجيديا الإغريقية، فكنّا جميعاً أوديب أو أنتيغون. وأن المسرح هو شكسبير فحسب فكنا هملت أو روميو أو جولييت. قدّمنا أوديب كواحد منا، وهملت أنا، وفلاديمير واستراجون إخوتنا، ودائرة الطباشير القوقازية دائرتنا نحن، وتجمعنّا ستة، ستة، فبحثنا عن مؤلف ليصوغ مأساتنا الإيطالية، وماتت الأشجار واقفة في مسرحنا وفي حيواتنا. نحن الذين نعيش غربة قاتلة فركبنا عربة اسمها اللذة، وأكلنا العنب الحامض، ورشقنا أنفسنا بالحجارة، وصارت يومياتنا يوميات مجنون، وكنّا مُحتفِين ومُحتَفَى بنا في حفلة على الخازوق، واختلفنا في كيفية إطلاق صرخة الفيل يا ملك الزمان، وشربنا ورقصنا في حفلة سمر... وصار المسرح العربي حمّاماً قُطع عنه الماء، وأخذنا بالصراخ والعويل والنحيب، أو الاحتجاج والغضب والثورة، صرخنا: أعطونا الماء وليذهب الحمام إلى الجحيم. وصرخ بعضنا: أعطونا ثيابنا، ثم انشغلنا بالنظر إلى عورات بعضنا بعضاً. وإلى الخطأ في تشكيل أجسادنا. وأفكارنا ومقياسنا، معيارنا ليس واحداً. مقياسنا تارة أرسطيّ وتارة أوروبيًّ، وتارة ستانيسلافيسكيّ أو بريختيّ أو ميرخولديّ.. ووقعنا في حيص بيص، وضاع الحابل والنابل، فكنا جيتو من البهاليل والنرجسيين. لا أحد فكر، لا أحد دبّر. وخرجنا من الحمام عراة وكنا فرجة للجماهير. فرجة لم نكن نسعى إليها، بل كنا نسعى لفرجة أخرى فخاب سعينا، وغرتنا الأماني واسودت وجوهنا وهي كظيمة. ذلك لأن رحلتنا للتخلص من العقلية باتجاه العقل لم تبدأ. وبانتظار أن يبدأ موسم أو مهرجان مسرحي جديد ، كل عام ونحن في حمّام جديد.

04/05/ 2010