رقابة الدراما ورقابة الصحافة

عبد الكريم عمرين قرأها 618
  

يلاحظ المتتبع للدراما التلفزيونية السورية، منذ مسلسل أسعد الوراق بنسخته الأولى، أنَّ هامش الحرية المعطاة للمبدع يتسع رويداً رويداً، حتى بلغ هذا الهامش مساحة كبيرة. لقد انقلب الأمر رأساً على عقب عند الرقيب في الأعمال الدرامية. فقد كان المسموح هامشاً صغيراً والممنوع مساحة كبيرة. أما اليوم فقد أصبح الممنوع هامشاً صغيراً والمسموح مساحة كبيرة.

وفي هذه المساحة الكبيرة نسبياً، ومن خلالها يستطيع السيناريست والمخرج والممثل والمونتير أن يطرحوا مواضيع ومضامين ووجهات نظر متنوعة وجريئة. وبسبب ذلك نجحت الدراما التلفزيونية السورية أيما نجاح ودخلت البيوت العربية وأدخلتْ معها الحب والدهشة والمتعة والفائدة. والأهم من هذا أنها كسرت الرتابة والملل والسأم عند المشاهد العربي الذي عاناها في المسلسلات العربية، التي لم تُطور موضوعاتها ولا خطابها ولا أساليبها الفنية.

ولا يغيبنَّ عن الذهن، الدور الذاتي الإبداعي الذي لعبه فرسان الدراما التلفزيونية السورية منذ أن بدأ غوغول هذه الدراما، المخرج المبدع المعلم هيثم حقي يفتح صفحة جديدة لدرامانا مروراً بمتألقين كثر مثل حاتم علي والمثنى صبح والليث حجو وباسل الخطيب وفراس دهني وغيرهم كثير، إضافة إلى المخضرمين علاء الدين كوكش والمرحوم هاني الروماني.

أما في صحافتنا، وصحافتنا الثقافية على وجه الخصوص، فالأمر كان معكوساً تماماً. فقد كانت مساحة الحرية المعطاة للكتَّاب والمثقفين السوريين مساحة كبيرة، ومن قرأ مجلة (المعرفة) السورية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، يلاحظ أن باستطاعة الكاتب السوري والعربي أن يطرح ما يشاء من مواضيع ومضامين لأدبه أو فنه أو دراسته.
ومساحة الحرية الأكبر كانت في (مُلحق الثورة الثقافي) بنسخته الأولى، ومن قرأ وتابع هذا الملحق، يلاحظ دونما عناء أن مساحة الحرية اتسعت أكثر فأكثر، فجرت على صفحات الملحق معارك ثقافية وفكرية كان فرسانها كوكبة من كتابنا ومثقفينا، خاضوها -المعارك- بنبل وشرف وحماسة، دفاعاً عن قيم الحق والخير والجمال.

أما اليوم ومن أسف فإن هذه المساحة من الحرية في صحافتنا الثقافية قد ضاقت وأصبحت هامشاً صغيراً، وصار هامش الممنوع، هامش التابو، مساحة كبيرة لا يجوز الاقتراب منها أو التطرّق إليها لا تلميحاً ولا تصريحاً، وغاب الفرسان النبلاء عن صحافتنا.

لا أعرف بالضبط ما الذي جرى ويجري اليوم في خريطة صحافتنا ودورياتنا الثقافية، ومن ينظر إلى تلك الخريطة يُلاحظ -دونما عناء أيضاً- أن ما يُكتب فيها، ضمن الصفحة الواحدة، هو أشبه بالجزر-الأدبية- المنفصلة المتباعدة، أشبه بولايات غير متحدة، أشبه بغرف فندق وبنزلاء الفندق، ولكلِّ عابر فندق أسبابه للمبيت والرحيل، أسباب مضمرة غير معلنة لا يعرفها غيره.

ولقد أصبح الرقيب في صفحاتنا الثقافية أشبه بالدركي، الذي يأمر وينهى كما يشاء، وحسبما وكيفما شاء. إنني لا أشك أبداً في الإمكانات الأدبية والثقافية والجدارة لمشرفي صفحاتنا الثقافية، وأشهد لهم بالدراية والخبرة والدربة، ولكن ما الذي يمنعهم من توسيع هامش الحرية، ليصبح مساحة يرتع فيها كتابنا ومثقفونا؟!.

إن مشرفي صفحاتنا الثقافية يبدعون خارج وظائفهم وعملهم الرسمي، فينالون الجوائز الأدبية ويبرزون فيما ينجزونه من أعمال إبداعية، فما الذي يمنعهم أن تكون صفحاتهم منابر ثقافية وأدبية، تتلاقح فيها الأفكار والمواضيع والرؤى والأساليب الفنية والأدبية وتتناقض، فالضدُّ يظهر حسنَه الضدُّ.

لا أفهم أبداً ما يجري.

لا أعرف المعيار الرقابي عند مشرفي صفحاتنا الثقافية. فإذا كانت عائدية هذا المعيار إلى النوع والجرأة، فإن ما تطرحه درامانا التلفزيونية نوعي وجريء، وهي تسمي الأشياء بمسمياتها حدثاً ومكاناً وهوية فكرية وسياسية.

وإذا كانت عائدية المعيار الرقابي للكم، أي لكم التلقي، فإن عدد من يشاهد درامانا يفوق عشرات الملايين من المشاهدين، المتعددي الثقافات والمنابت الاجتماعية وغير الاجتماعية.

بينما قراء صحفنا الثقافية لا يتجاوزون المئات القليلة، وربما العشرات. نعم العشرات.

أعرف كتاباً يكتبون في صحفنا الثقافية لا يقرؤون أنفسهم.

لا أدرك قصة رقيب الدراما التلفزيونية ورقيب صحافتنا الثقافية، مع أنَّ كليهما يقبضان راتبهما الشهري من وزارة واحدة.

من يفسر لي هذه الأحجية؟!