في الذكرى العشرين لرحيله: إليكم... فواز السّاجر

عبد الكريم عمرين قرأها 477
  

في الذكرى العشرين لرحيله: إليكم... فواز السّاجر

بقلم: عبد الكريم عمرين

-1-

إنه ساحر بكل معنى الكلمة.. فهو يسحرك مذ تنظر إليه النظرة الأولى.. وجهه الأليف، الجبين الواسع، والأنف الدقيق، الشفاه الوردية، الذقن المدورة، الأخدودان العميقان مابين الخدين العاليين والفم، عيناه الصغيرتان نسبياً، العسليتان الممتزجتان بلون البحر ولون الشجر، وشعره الطويل المنسدل ليغطي أذنيه، ومفرق شعره. وحتى لون شعره الكستنائي الفاتح، كل ذلك يوحي إليك أن هذا الوجه الذي يفيض بالرجولة والوداعة واللطف، لرجل غير عادي على الإطلاق. ففي عينيه حب وسكينة ووداعة وحرارة.. وسحر يجذبك إليه ولمحادثته والتقرب منه وإليه.

وحين تحادثه وتتقرب منه وإليه.. يجذبك بطلاوة لسانه، ولطفه وكلماته السحرية، تتمنى أن لا يصمت، لأن مفردات حديثه، بسيطة، عميقة، حارة، صادقة، مترابطة، منطقية، ذات فائدة. وثمة تغريب مدهش كيفما تحدث الرجل، وكيفما كان موضوع الكلام.

ابتسامته العذبة الساحرة، ابتسامة حانية وفيها دفء الحب والصدق. وحين يلقي نكتة ما، يلقيها بطريقة ذكية جداً، ويجعلك تبتسم وتبتسم ثم يجعلك تقهقه حتى تنقلب على قفاك. وحين يسمع نكتة ما، يبتسم ولا يقهقه، وتدور عيناه لتمسح الحاضرين، ثم يبتسم مرة أخرى لطريقة الضحك عند الآخرين، فهذا يهز رأسه، وذاك يميل بجسده إلى الخلف، وآخر يصفق طرباً.. ويشنف أذنيه كرّة أخرى، لسماع تعليقات الآخرين على النكتة، وطريقة إلقاء النكتة، ويقترح البعض نهايات جديدة للنكتة، ويقترح هو.. ويكون اقتراحه في المآل هو الأجمل والأنسب. وفواز هو الأجمل.. شكلاً وجسداً وفكراً وإلقاء، ومشياً في الشارع، وقعوداً ونوماً في السرير.

يحق لي أن أتحدث عن فواز الجميل، بهذه التفاصيل، فقد صحبته طويلاً، وجاورته مرة، وسكنت معه مرتين, وكنا قد تزوجنا (أختين).

إذا كان فواز الساجر مخرجاً مسرحياً لا يشق له غبار، وهذه بديهية لا يختلف عليها اثنان، إلا أن لفواز الفنان وجهاً لا يعرفه الكثيرون، ولفواز الإنسان وجهاً لا يعرفه أكثر الكثيرين أيضاً.

إن ما يميز فوازاً الفنان، هو سلوكه الرائع، الجميل، البسيط، المدهش، الودود.

فحين يتحدث عن الفن، تعتقد أنك أمام موسوعة شاملة، فإذا تحدث عن النحت والموسيقا والفن التشكيلي، تخال أنك أمام عالم بكل فن من هذه الفنون، فهو يستطيع أن يرصد لك الفن التشكيلي والرقص والموسيقا منذ أول انطباع جمالي لدى الإنسان القديم فوق هذه البسيطة، وكذلك حين يناقش في الأدب، فيستطيع ببساطة شديدة أن يتحدث ويناقش في الشعر والرواية والقصة، وعند كل القوميات ويتحدث عن الاتجاهات النقدية، أما في المسرح، وهو اختصاصه، فهو فارس الفرسان، نبيل ومبدع خلاق، في حديثه وممارسته.

-2-

كثيراً ما كان يسهر عند الأصدقاء، أو يسهرون عنده، وقبل النوم يقرأ ويقرأ ويقرأ.. ويستيقظ صباحاً، ويتناول كسرة خبز، مع ملعقة عسل صغيرة، وفنجان حليب مع (النيسكافيه)، ويسمع إذاعة دمشق ببرنامجيها العام، والبث المباشر (آنذاك).

السهر مع فواز متعة لا تضاهيها متعة، إنه يضيف إلى السهرة جواً حميمياً يسري في الجميع، ويجعل للسهر فائدة ومسرة، وغسيلاً للقلوب. وحين تسهر معه وحدكما، تفيض عليك شلالات من الضوء، وموسيقا سماوية، وينقضي معه الوقت سريعاً مهما طال. كان صادقاً ومحباً للجميع، لا يعرف الخداع ولا الرياء، لا يهادن ولا يداهن، كان: (بسيطاً كالماء، واضحاً كطلقة مسدس).

وكثيراً ما كانت متاعب أعمال الأصدقاء، على اختلاف ممارساتهم، المسرحية أو السينمائية أو التشكيلية أو الصحفية أو الأدبية، تطرح في السهرة أو الجلسة، فيكون فواز الأخ الصديق للكل، ويكتشف الجميع أن فوازاً يعرف أكثر مما يعرفون، ويدرك أكثر مما يدركون، ولديه الحل أكثر مما يستطيعون.

وإذا كان فواز الأخ الصادق مع الجميع وللجميع، فقد كان سعيد مراد، والد الجميع بحق، أو الأخ الأكبر، فتخال أنه يحيا فقط ليساعد الآخرين، ولاتفارقه ابتسامة هادئة وحانية، وصبر وجلد نادرين. وأحياناً كان سعيد مراد يوعز أو يطلب -ويحق له ذلك- من الآخرين مساعدة هذا الصديق أو ذاك، لحل مشكلته الشخصية أو المعيشية، فترى الجميع يتداعى إلى الصديق لمساعدته، وكان فواز سبّاقاً دائماً في مدّ يد العون، وقبل الجميع.

وأحياناً كنّا نلتقي في سهرات شبه دورية، وسهرات وجلسات مخطط لها أو عابرة في بيت بندر عبد الحميد - الشاعر والصحفي والناقد السينمائي والمترجم - ذاك الإنسان المدهش في كل شيء، والذي كان بيته مفتوحاً للجميع، جميع العاملين في الحقول الثقافية والفكرية والفنية والسياسية، ومن كل الاتجاهات والمذاهب الفكرية والسياسية، وحين يدخل فواز متأبطاً حقيبته الصغيرة، ينظر إلى بندر بحب، ويغمز له عن الحضور ويقول مبتسماً: كوكتيل.

إن عظمة فواز وروعته تكمن في أنه لم يكن مبدعاً في المسرح فحسب، بل كان مبدعاً في فهمه العميق للآخرين، وفي ممارسته الإنسانية والفنية.

وأكثر ما تختزنه الذاكرة، هو عمله مع سعد الله ونوس، وكانا يعملان معاً في المسرح التجريبي، وقد أسّساه معاً، بمبادرة كريمة من الدكتورة نجاح العطار، التي كانت وزيرة للثقافة آنذاك.

-3-

هامتان مسرحيتان تجتمعان معاً، كاتب عظيم، ومخرج رائع. والأهم أنهما صديقان ورفيقا درب واحد، وهمٍّ واحد هو: المسرح. وحديثهما معاً - على الأغلب - كان عن المسرح باعتباره الحياة، وعن الحياة باعتبارها مسرحاً.

وحديثهما معاً كان محوره مزيج من القلق والبحث والتأمل، واقتراحات من كليهما للخروج بحل، قد يكون إضافة أو تعديلاً في النص المسرحي، أو في الإخراج.

وفواز حين جاء إلى دمشق.. سكن في حي المهاجرين، في الجادات، في الجادة الرابعة على ما أذكر، ثم انتقل إلى الديوانية، شارع مرشد خاطر (عند آل الأرناؤوط،، وهم أناس كرام بالمناسبة)، ثم تملّك بيتاً متواضعاً عن طريق وزارة الثقافة في حي مساكن برزة... وأينما حلّ وسكن أحبه الناس، الجيران والبائعون والسائقون، وأطفال الحي وشيوخه وعجائزه، كان محبوباً جداً، وطيباً جداً جداً.

ومن روائع فواز كصديق، أنه يهتم بك أكثر مما تهتم به، فهو حريص على معرفة ماذا تقرأ، وماذا تحب، وأي مقعد تجلس فيه فترتاح، حريص حين تزوره إلى إرضائك بدرجة إضاءة الغرفة التي تجمعكما. فحين تجلس عنده يحضر لك ما تحب من الضيافة، ويسمعك الموسيقا التي تحب. فإذا كنت تحب الموسيقا الكلاسيكية -على سبيل المثال- يخيرك بين بيتهوفن وموتسارت مثلاً، بل يجعلك تختار السيمفونية التي عزفت في برلين، أو باريس أو أي مكان عزفت فيه السيمفونية التي اخترت. وقد يضعك أمام خيارات أضيق، فيخيّرك في الفرقة الموسيقية، أو المدينة أو قائد الفرقة الموسيقية...إلخ. وبعد أن تسمع يستفسر عن انطباعاتك وآرائك وتفضيلاتك... وتكتشف أنه أستاذ موسوعيّ في كل ما تحبه أو تهتم به أو تختص به.

وفواز لم يهادن ولم يداهن...

ذات مرة كان قد أنجز عرضاً مسرحياً لفرقة المسرح الجامعي بعنوان (ثلاث حكايا)، وفي بروفة الجنرال، وقبل يوم واحد من الافتتاح، حضر مسؤول طلابي، فشاهد العرض، واعترض على إحدى حكايات العرض المسرحي المعنونة ب (حكاية الرجل الذي صار كلباً) لمؤلفها إزوالدو دراكون. وحجة المسؤول أن البلد لا تحتمل أن تقدم على مسارحها حكاية إنسان صار كلباً، فأي ذل هذا؟. ومن ذا الذي صيّره كلباً؟

ناقشه فواز قليلاً وصمت. وانبرى له طاقم العرض المسرحي، فاحتدّ النقاش إلى الدرجة التي كاد فيها أن يتقرر إلغاء العرض المسرحي، وهنا قال فواز: لدي حلّ. وابتسم تلك الابتسامة الرائعة. ذهل الجميع وظنوا أن فوازاً سيفجّر قنبلة ما، لكن فوازاً بكل هدوء وسحر وحكمة حديثه توجّه للمسؤول الطلابي قائلاً:

-            يا أستاذ.. عنوان هذه الحكاية هو: "حكاية الرجل الذي صار كلباً"، صحيح؟

-            صحيح.

-            والكاتب اسمه إزوالدو دراكون، وهو أرجنتيني الجنسية، صحيح؟

-            صحيح.

-            هذا يعني أن الأحداث تجري في الأرجنتين وليس في سورية، صحيح؟

-            صحيح.

-            طيب ما رأيك أن ننوه في بداية عرض الحكاية، عن طريق ممثل، أن الأحداث تجري في الأرجنتين؟

-            طيب.. إذا هيك ماشي الحال.

انفرجت أسارير المسؤول، وسكت طاقم العرض المسرحي، ونادى فواز الممثلة ندى الحمصي:

-            ياندى. في بداية عرض الحكاية، واجهي الجمهور مباشرة، وقولي بوضوح: هذه الأحداث تجري في الأرجنتين.. فقط.

وفي العرض المسرحي، وأمام الجمهور، وقفت الممثلة تقول ببطء مقصود: (هذه الحكاية تجري في الأرجنتين)، - وتصمت هنيهة وتتابع: (- فقط). ثم يتبعها بقية الممثلين بالعبارة نفسها، ويركزون على كلمة فقط، مما لفت أنظار الجمهور بصورة أكبر وأبلغ.

وخرج فواز من محنة الرقيب بذكاء.

-4-

إن من المآثر الكبرى لفواز، مأثرته في المساهمة في تأسيس المعهد العالي للفنون المسرحية. لقد أرادوا أن يكون المعهد بنظامه الداخلي، وبطريقة تدريسه، وبمواد تدريسه، على نمط المعهد العالي للفنون المسرحية في القاهرة. لكن فوازاً حارب بضراوة، ليضع الأسس السليمة لهيكلية المعهد، ولمواد تدريسه، ولعدد الحصص الدراسية لكل مادة، وطريقة قبول الطلبة، وأخلاقيات الأساتذة، والطلاب. وبفضل فواز، إلى جانب فضْل الآخرين، قام المعهد، وخرّج طلابه الذين حققوا نجاحات مهمة على صعيد الدراما السورية بشقيها المسرحي والتلفزيوني.

إن أبغض ما يبغضه فواز: الكذب، والأنانية، والغرور، والسطحية. وقد عانى ما عاناه، من أولئك الذين لا يعرفون إلا الكذب والغرور والأنانية والسطحية.