الفنان منصور الرحباني النصف الآخر من «الأخوين» رحل عن 84 عاماً

الحياة قرأها 1,284
  

الفنان منصور الرحباني النصف الآخر من «الأخوين» رحل عن 84 عاماً

الحياة

غيب الموت أمس الفنان اللبناني منصور الرحباني عن 84 عاماً فيما كان يعالج في أحد مستشفيات بيروت. وكان منصور شكل مع أخيه عاصي الرحباني وفيروز ثلاثياً اعتبر أسطورة في الموسيقى اللبنانية والعربية.

منصور الرحباني المولود في بلدة انطلياس (ضواحي بيروت) عام 1925 هو واحد من اثنين شكلا في تاريخ الموسيقى العربية ما عرف بـ «الأخوين رحباني» وقد كان لهما الدور الأساس في نقل الأغنية اللبنانية من عصر الى عصر.

بعد استقالته من عمله في الشرطة اللبنانية وبعد دراسته الموسيقية لسنوات اجتمع منصور الرحباني مع شقيقه عاصي تحت اسم «الأخوين رحباني» متخطين حواجز الفردية والأنانية ودخلا معاً الإذاعة اللبنانية عام 1945 مزودين بلونهما الفني الجديد.

ألف الأخوان رحباني الكثير من الأعمال الفنية منها الاسكتشات التي عرفت تحت اسم «سبع ومخول». وعندما اقترن عاصي الرحباني بالسيدة نهاد حداد المعروفة باسم فيروز عام 1955 شكل الثلاثة معاً الثلاثي الرحباني الجديد.

استوحى الرحبانيان موسيقاهما من التراث العربي والإسلامي والماروني والبيزنطي ومن الفولكلور اللبناني، وكلها تيارات شرقية إضافة الى تعمقهما في الدراسة الموسيقية الكلاسيكية الغربية.

كتب الرحبانيان للوطن والأرض والتاريخ، وللفقراء البسطاء واهتما بالفولكلور اللبناني اهتماماً خاصاً وناصرا القضايا العربية الكبرى فكانت أغنيات لفلسطين منها «زهرة المدائن» و«سنرجع يوماً» و«جسر العودة». وقدما الكثير من المسرحيات الغنائية، خصوصاً تلك التي كانت تعرض في المهرجانات اللبنانية في بعلبك مثل «أيام فخر الدين» و«جبال الصوان» و«ناطورة المفاتيح» و«قصيدة حب».

وأنجزا ثلاثة أفلام سينمائية هي «بياع الخواتم» و«سفر برلك» و«بنت الحارس»، إضافة الى المئات من الأغاني التي أثرت المكتبة الموسيقية العربية والعالمية.

وبُعيد رحيل عاصي عام 1986 أكمل منصور المسيرة الرحبانية بالتعاون مع أولاده فقدم أعمالاً مسرحية وغنائية كثيرة، واستمر في الانتاج فقدم مسرحية «الوصية» و«ملوك الطوائف» و«المتنبي» و«حكم الرعيان» و«سقراط» و«النبي» المأخوذة عن نص جبران خليل جبران و«زنوبيا» وأخيراً المسرحية الغنائية «عودة طائر الفينيق» التي يستمر عرضها حالياً في لبنان.

وإضافة الى فيروز تعاون الأخوان رحباني مع مطربين لبنانيين منهم وديع الصافي والراحلين زكي ناصيف ونصري شمس الدين وفيلمون وهبي، وكذلك مع فنانين شباب مثل رونزى وكارول سماحة وغسان صليبا ورفيق علي أحمد...

هنا شهادات في الراحل:

* إن رحيل منصور رحباني مفجع، فهو يعتبر الركن الثاني للتجربة الرحبانية العظيمة «فعلاً» والتي لم تدانها تجربة غنائية أخرى والتي تمت بتآلف شديد وعجيب بين الأخوين منصور وعاصي. وهما خلقا أسطورة الإبداع الذي جسدته سيدة الغناء الراقي فيروز. وكلنا نعرف دائماً أن منصور هو صاحب جهد في ثقل هذا الإبداع، وبغيابه يكتمل غياب القطبين الكبيرين في عالم الموسيقى والشعر واللذين لا تداني تجربتهما في العظمة سوى تجربة الكبار عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ.

رحم الله منصور الرحباني رحمة واسعة بقدر ما أسعدنا في مسرحياته الغنائية وأوبريتاته منذ «الليل والقنديل» و«أيام فخر الدين»، وبغيابه تغيب شمس مضيئة في سماوات الغناء الحقيقي.

عبدالرحمن الأبنودي

* بموت منصور الرحباني خسر لبنان ركيزة أساسية في حياته الفنية، كما فقد لبنان السيد الحر المستقل الطاهر الصادق، رجلاً حمل بلده على كتفيه ودار به لنشر الثقافة والفن الجميل. لم أكن على علاقة قوية مع منصور، إلا أنني كنت من أكثر المعجبات بأعماله ومتابعة لمسرحياته وعروضه الفنية.

ماجدة الرومي

* بدأ الأخوان رحباني معاً رحلة المسرح الموسيقي والغنائي التي أخذت ملايين الناس الى مساحات المتعة التي نعرف. بدءاً بالاسكتشات الإذاعية الفكاهية التي أدهشت المستعمين وحملت اليهم نَفَساً جديداً لم يكن موجوداً من قبل. وفي تلك الأعمال كان منصور يبرهن عن موهبة تمثيلية افتقدناها لاحقاً حين ابتدع مع فيلمون وهبي شخصيتي سبع ومخول اللتين أضحكتا الناس لما لهما من ملامح شخصيات الكوميديا الرومانية التقليدية.

في ما بعد، وفي تطور لافت حين انتقل عمل الأخوين رحباني الى الخشبة، أخذا من تقاليد المسرح العالمية أجمل ما فيها، وطوّراها بما صاغ خصوصية لا مثيل لها في مسرحياتهما المميزة: الحبكة البسيطة التي تتعقد بتصاعد درامي، الشخصيات النمطية التي تتكرر من عمل الى عمل حتى تصير أليفة، وتلك التي تتغير أسماؤها ووظائفها لكنها تحمل في ملامحها أنماط المجتمع الواضحة والعلاقة المسبوكة بين الموسيقى والأغنية والكلمة الحوارية. الحوارات الرشيقة الممتعة تضحك أحياناً وتحمل الى العين دمعة في أحيان أخرى، وكل تلك الأغاني التي تقطع الحدث فتكون بمثابة الفواصل كما في مسرح القرون الوسطى.

وعندما هبت رياح الحداثة على المسرح العالمي، سرعان ما رأينا الاخوين رحباني يجربان بدورها التيارات المعاصرة، فكان الطابع الملحمي في «جبال الصوان» والعبثي في «المحطة»، وكل ما في المسرح التاريخي من استقراء لوقائع الماضي بإسقاط معاصر. كان من الصعب أن ينفصل عمل عاصي عن عمل منصور. هما نفسهما كانا يرفضان الاعتراف. لعلهما كانا مثل توأمين يفكران معاً، يؤلفان معاً ويلحنان معاً.

بعد رحيل عاصي، تابع منصور وحده العمل في مسرحيات لها الطابع نفسه والبنية ذاتها. كان واحداً يحمل في داخله روح الاثنين. لكنه، وربما في نوع من الانكفاء عن الحاضر، ذهب الى عمق التاريخ وحده ليكتب عن «صيف 840» وعن «سقراط» و«المتنبي» و«ملوك الطوائف» و«زنوبيا».

كانا معاً مبدعين، وظل وحده أيضاً مبدعاً.

هذا المسرح جزء من تراثنا، من حياتنا، من ملامح طفولتنا وشبابنا. هل سنفتقده بعد اليوم إذ نفقد آخر الفارسين؟ أم أن هناك من سيتابع الرحلة ضمن هذه العائلة الاستثنائية؟

حنان قصاب حسن (عميدة المعهد العالي للفنون المسرحية - دمشق)

* منصور وعاصي وفيروز أهم مَنْ طلع في القرن العشرين والحادي والعشرين. في الفن لا يوازيهم أحد أبداً. قلت لعبدالوهاب إن القصيدة التي لحنها لها، كنت أحب أن يلحنها عاصي، مع أنني أحب عبدالوهاب كثيراً. عندها سكت عبدالوهاب ولم يقل شيئاً.

هؤلاء شرف لبنان وكبِر لبنان. ألحان الرحبانيين جننت عصراً من العصور. لا يمكن أن يحل أحد مكانهم. ونحن نكبر بهم كثيراً.

تسألوني عن أعظم فن في هذا العصر والعصر الماضي؟! أجمل فن يمكن أن أحكي عنه هو فن منصور وعاصي وفيروز.

سعيد عقل

* تفقد الحركة الفنية والإبداعية العربية برحيل الفنان الكبير منصور الرحباني أحد أعلامها ورموزها. ولا أظن أن مواطناً عربياً من المحيط الى الخليج، لا يدين بفضل هذا الرجل الكبير الذي أغنى وجداننا الفردي والجماعي، بمعية شقيقه الراحل عاصي الرحباني والفنانة الكبيرة فيروز. ويهمني كفنانة مسرحية أن أعبّر عن تقديري الكبير للتجربة الاستثنائية لهؤلاء، ولجرأة الموقف والخيال المتجدد، والاقتراحات الجمالية والفنية. فبإسمي وبإسم الأسرة الفنية المغربية أودّ أن أتقدّم بأحر التعازي في رحيل هذا الفنان الكبير للسيدة فيروز والفنان زياد الرحباني وكل أعضاء المجموعة الفنية، ضارعة الى الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وعسى أن نجعل من تراثه الفني ذاكرة حية ينبغي أن نعتني بها جميعاً.

ثريا جبران (وزيرة الثقافة المغربية)

* حزن يغمرني، موت منصور الرحباني جعلني أصدق أن الموت فعلاً موجود. عشت عمري مع الأخوين متنقلاً معهما بين بدارو وهياكل بعلبك، كان وأخاه عاصي يعمّران لبنان من وهم، لم أصدق أن صانع الحكاية يموت في نهايتها. زرته قبل شهر في منزله فأهداني دواوينه. وضحكنا وبكينا وسهرنا معاً، مرضه كان جميلاً ولم يمنعه من الابتسامة أو الكتابة أو الحياة. أمعقول أن يموت من يضحك يشغف؟

حين عزيته بوفاة زوجته قال لي: «السّني جايي هوا/ بيوقِّع الخيّال/ يا ريت لا سْرجت الفرس/ وْلا بْعتّ هالمرسال».

لم أكن أعرف أن قصيدتي «بغيبتك نزل الشتي»، ستكون عزاءك يا منصور. أنت الذي لا تعرف الحزن أو الشر، كانت تليق بك الحياة. أخاف بموتك يا صديقي أن تكون قد أخذت لبنان الذي كتبته معك، فلا يبقى لنا أمل أو فرح أو وطن جميل.

أريد يا منصور أن أحزن عليك وآخذ وقتي في ذلك. فقط دعوني أحزن».

طلال حيدر

* لا يختلف أثنان من العرب على أن «الاخوين» رحباني استطاعا بفنهما وذكائهما وذوقهما تغيير القاعدة الأكبر من المستمعين العرب وأخذهم الى جو خاص رفيع المستوى من الغناء الرومنطيقي الحالم المدهش والذكي... الحديث جداً والأصيل جداً.

طرب رفيع وجلال ومتعة فنية عالية لا يماثلها شيء.

يسجل لمنصور بعد غياب شقيقه الأكبر عاصي أنه استمر على النهج يقدم مسرحه الغنائي الاستعراضي الذي يحاكي غنائيات واستعراضيات برودواي فقدم للمسرح عدداً من المسرحيات الغنائية الباذخة والممتعة والمكلفة والمطلوبة للنخبة من الجمهور العربي وقد تمتعنا بمتابعة إبداعاته وكنا نترقب جديده دائماً.

سيبقى منصور كما بقي عاصي لما تركاه من أثر عميق في أسماعنا وأرواحنا وحفظ الله فيروز قمة الغناء العربي، والأمل معقود على بقية الرحبانيين المسكونين بالفن والذوق لتكملة المشوار وإتحافنا بكل ما هو جديد وطريف وراق.

وداعاً أيها العملاق وشكراً لك فقد طرزت حياتنا بالفن الراقي والذوق الرفيع.

عبدالعزيز السريع (كاتب مسرحي كويتي)

* يعد منصور الرحباني أحد أعمدة الموسيقى العربية، وله تأثير في نهضة الموسيقى العربية بما أدخله مع شقيقه عاصي من تطوير في الكتابة الموسيقية والأداء الغنائي.

وهو في آخر حياته أظهر اهتمامه الشديد بالمسرح الغنائي، وكان رغم معاناته المرض متعلقاً بالعمل الى أقصى درجة، فكان يعطي كل وقته وجهده للفن.

وضع منصور وعاصي الرحباني شكلاً جديداً للأغنية العربية وصل بها إلى العالمية، ولذلك ستظل بصماتها على الفن الغنائي العربي خالدة. وعاصي ومنصور كانا بلا منازع أفضل من قدم أعمالاًً مسرحية غنائية في العالم العربي، ومعهما بالطبع الفنانة فيروز.

رتيبة الحفني (رئيسة مهرجان القاهرة للموسيقى العربية)

* كان منصور واحداً من ثلاثة أسسوا إحدى أكبر المؤسسات الموسيقية العربية وهي المؤسسة الرحبانية التي كان لها الاكتفاء الذاتي الكامل شعراً وموسيقى وغناءً. وكان للأخوين رحباني خطان موسيقيان واضحان، هو خط عربي صرف كان مسؤولاً عنه عاصي انطلاقاً من اتقانه العزف على آلة «البزق» البدوية، وخط التوزيع الموسيقي المتأثر بالموسيقى الغربية الكلاسيكية الذي كان منصور مضطلعاً به، وإن كانت عند شقيقه عاصي نسبة لا بأس بها من التأثر بالموسيقى الغربية، على أن تأثر منصور بالموسيقى العربية التراثية مهم أيضاً، وإذا جمعنا الاثنين باتت نسبة التأثر بالموسيقى العربية التراثية والغربية على المستوى نفسه، وهذا ما يجعلهما توأمين موسيقيين لا غنى للواحد منهما عن الآخر.

ولا ننسى البتة أن منصور كان شاعراً عظيماً، لأنه مثقف بدرجة عالية جداً، هكذا بدت مسرحية «آخر أيام سقراط» التي وضع فيها أعمق أفكار سقراط الفلسفية في جمل بسيطة جداً.

والآن ونحن نعيش أحداث غزة الدامية لا بد من ذكر أعظم انجازات الأخوين وفيروز وهي أغنيات فلسطين وأذكر منها «راجعون»، و«زهرة المدائن»، و«مع الغرباء»، و«يافا»، و«سيفاً فليشهر»، ولا بد من ذكر إنجازاً من أعظم إنجازات الأخوين وهو إصرارهما على تقديم أوبريت مسرحية غنائية سنوياً إلى جانب كل الأعمال الموسيقية التي كانوا يقدمونها، وهذا يتطلب جهداً جباراً، خصوصاً بعد أن خرج المسرح الغنائي من حياتنا الموسيقية في شكل نهائي.

وغياب منصور الرحباني خسارة تاريخية كبيرة لا تعوض ليس للموسيقى العربية فحسب بل للثقافة والحضارة العربيتين.

سليم سحاب

* يضع الزمان كله على ظهره، ويجر عربة النوطات، تارة تجره وتارة يجرها، مثل صخرة سيزيف يرتقي بالموسيقى الى أعلى درجات الأرواح والنفوس، يضرب بموسيقاه عصور انحطاط الموسيقى ويتفرد بلمسات نادرة اللون، يرمي حياته كلها في أروقة بروفاته اليومية، ومثل الكائن المحموم يتنقل من لحن الى آخر، ومن تأريخ الى ثان، ومن مشهد الى مشهد، كما لو إنه يبحث في بئر روحه عن تلاوين وآهات، وأدعية وتراتيل تروي عطشه الأبدي، إنه منصور الرحباني، الأكثر مرآة لعاصي الرحباني ابن التفرد الذي لم تنجب الحياة مثيلاً له، لن أتكلم عن سفرته الطويلة القادمة، لأني أعرف بأن خيوله الموسيقية سترافقه في نهارات وحشته، حيث يعود أبناؤه بلا أب مكسوري الأرواح، لن أنعيه وأطلق عليه تسميات الفراق الأبدي، لأنه على الأرجح ذهب لعقد قرانه الأكثر ضوءاً على السكوت، حيث سيتزوج الفراغ المديد والتأمل الهاملتي والميل نحو تلة المناجات، وفي صخب عالم مملوء بالصراخ والتسوق، والارتجال، ينفض منصور غبار العالم عن كتف أيامه ويضع جسده وجهاً لوجه أمام مرآة روحه، وثنايا كمنجاته، حيث شفيعه الوحيد، عاصي الرحباني، لمائدة موسيقى كونية رحبة ستجمعهما في مساء ما، على نهر ما، بانحناءة على نهر يهدر ويعيد أيامهما التي انفلتت في فراقهما المستعجل.

إنها العربة نفسها المغلوقة على سكة حديد هادرة، حيث ركابها كبار الفنانين الذين يمضون بعيداً ولا يريدون أن يدشنوا حتى ولو عودة قصيرة الأمد، لم أجالس منصور يوماً ولم التقيه أبداً، لكنه كان أبداً يضرب بموسيقاه في دروب روحي.

جواد الأسدي (مخرج مسرحي عراقي)

* الفتى ابن الثمانين الذي كان اسمه منصور

ليس للمبالغة، ولا هي على طريقة تقديس الموتى التي نعمل بها، نحن أهل الشرق حتى ولو كان الميت شخصاً عادياً، فكيف إذا كان صانع استقلال فني عظيم في المسرح الغنائي شعراً وموسيقى ونصوصاً... أقول ليس للمبالغة، ان منصور الرحباني الذي كان في الرابعة والثمانين، كان في الوقت نفسه فتى...

ذلك ان الإبداع الفني الكبير على صعيد المسرح الغنائي الفريد، الذي مارسه في كل ما اشتغل، تحديداً على مدى السنوات العشر الأخيرة التي كان فيها مريضاً استثنائياً، يقول ان صانع هذا الإبداع ليس مريضاً، ولا يتناول حبة دواء واحدة، ولا يعاني آلام الديسك والأعصاب ولا رئتاه تجمعان ماء، ولا... ولا... ولا أي شيء من هذا القبيل، بل تقول انه معافى حتى من أي وجع رأس، بل لا يملك وقتاً كي يحك رأسه. ومن رآه خلال هذه السنوات العجاف صحياً، الرهاف إنتاجاً وفناً، لا بد من انه صاح: الله يبارك...

وكما ان الفتى، أي فتى على وجه الأرض، لا يهدأ، لا يكل، لا يملّ، يقفز، يخاطر، يلهو بالوقت كأنما الوقت ساعة بين يديه يؤخرها ساعة يريد، ويقدمها ساعة يريد... هكذا كان منصور الرحباني في تلك الغرفة الشمالية «اللي شبابيكها حمر» من منزله في انطلياس، وإلى تلك الطاولة، وعلى ذلك الكرسي، وأمام جهاز التلفزيون ذلك، يعلّي الصوت، يخفض الصوت، يقرأ حتى يتعب فينام، ثم ينام حتى يتعب فيقوم، ثم يقوم ويكتب حتى يمرض، ثم يمرض حتى... الى المستشفى، ثم يستشفي حتى يعود الى البيت، فإلى تلك الغرفة، فإلى تلك الطاولة، فإلى ذلك الكرسي، فإلى ذلك القلم يغرف منه ومن الينابيع، فإلى تلك المسرحيات، فإلى خشبة المسرح، فإلى... مسرحية جديدة: دورة دموية تقول ان الجسد الذي «تنغل» فيه لا هو في الثمانين، ولا على أبواب التسعين، بل هو فتى تحبه الحياة وتريده ان يترجمها وأن يترجم جمال ما خلق الله في رأس الإنسان وقلبه ووجدانه على الورق، ثم في النوتة، ثم في الأصوات النادرة، ثم على الخشبة ثم الى الذاكرة... يا منصور.

لا تستطيع مقالة في مناسبة موت ان تطل على الميت بأكثر من تحية، يكون الوقت للدمعة، للحزن، للحرقة، للصبر، للتفكر في الدنيا وفي الآخرة. كان منصور الرحباني يعمل لدنياه الإبداعية كأنه يعيش ابداً، وكان يعمل لآخرته الإبداعية كأنه سيموت غداً. لم يكن يقصد ذلك. لم يتعمّد. لم يقرر هو حتى! القرار كان في لوح السماء ان هذا الرجل الذي فقد نصفه الفني الجميل قبل أكثر من عشرين عاماً، عاد فالتقى نصفه بعد عشرين عاماً...
مات منصور. هل تعرفون من هو هذا الرجل الذي تكونت ذاكرة كل واحد منّا مما كتب ولحّن ومسرَحَ مع شقيق له كبير اسمه عاصي، ثم مما كتب ولحّن ومسْرَحَ وحيداً؟ مات منصور الرحباني، أتعرفون من هو هذا «النصف» الذي بقي من «كلّ»، أحببتم لبنان من أجله، و«الكل» هو عاصي ومنصور وفيروز؟.

عبدالغني طليس

* موت منصور الرحباني فاجعة، لقد خسرناه جسداً، إلا أن روحه ستبقى تطوف حولنا وتتغلغل في أعمالنا، وستبقى أعماله تتوارثها الأجيال المقبلة. غاب منصور في مرحلة حساسة، نحتاج الآن الى فنه وكلماته وألحانه لنحارب بها ونثبت اننا شعوب حضارية تستخدم الفن لنشر ثقافتها وابداعاتها. كان منصور طيباً وأنيقاً و «شعبوياً» وعفوياً، يحب الأعمال الشابة ويشجعها ويدعمها لايمانه بأن الشباب هم روح التغيير والابداع. كان يتابع أعمالنا بنهم، وكنا نطير كالعصافير على المسرح فرحين بنظراته المتأملة والحنونة.

عبدالحليم وعمر كركلا

Al%20Hayat.JPG