رحل منصور الرحباني

أسرة تحرير الموقع قرأها 685
  

رحل منصور الرحباني

أسرة تحرير الموقع

في ظلّ ظروف صعبة تعصف في منطقة الشرق الأوسط، تفتك بأهالي غزة وتقضّ مضاجع المتابعين بألم لما يخضع إليه الأطفال والنساء والشيوخ من تدمير وقتل وحصار على يد آلة الحرب المجنونة في إسرائيل، هذه الظروف التي ليس لبنان بمنأى عن خطورتها، وهو الذي بدأ منذ فترة قريبة يتعافى من جراح أليمة طال نزفها، في أيام الترقب هذه والمشحونة بالغضب والاستنكار والتعاطف مع المظلومين من الأبرياء، ودّع شعب لبنان وشعوب البلدان العربية واللبنانيون والعرب في بلدان انتشارهم، ودعوا الفنان والأديب والموسيقار اللبناني الكبير منصور الرحباني بعد فترة وجيزة من المرض وبعد أن أنجز مسرحيته الأخيرة التي مازالت تعرض في بيروت – عودة الفينيق.. لكأنه أراد أن ينفذ ما كان قد قطعه على نفسه منذ سنوات وهو يقول: "أسقط على الحلبة".

لقد كان منصور علماً يرفرف فوق جبال لبنان وقنديلاً يضيء سماءه في الأيام الحالكة منها والمضيئة، وكان مع أخيه عاصي الذي رحل قبله بثلاثة وعشرين عاماً، قمرين تراقصت حولهما نجوم سماء لبنان وهما يكتبان ويلحنان ويخرجان أجمل وأرقى الأعمال المسرحية الغنائية تعلو الخشبة فيها أصواتٌ رائعة دخلت قلوب الناس بكلماتها الدافئة القوية وبنغماتها العذبة وفي مقدمتها السيدتان فيروز وصباح والفنان الكبير وديع الصافي والراحل نصري شمس الدين وعشرات من الأسماء الكبيرة من فناني وموسيقيي لبنان.

برحيل منصور نخسر مبدعاً ملأ الساحة الفنية والأدبية في لبنان طيلة ستة عقود بأجمل الأعمال وأروعها وأكثرها بقاءً.. قرابة الأربعة عقود مع عاصي وأكثر من عقدين وحده حاملاً المشعل ومكملاً الطريق. وبغيابه جسداً وبما سيتركه من حزن بين محبيه وفي نفوس ملايين الناس ممن استمتعوا وسعدوا وطربوا بكلماته وألحانه وأفكاره سيتأكد حضوره وحضور التراث الرحباني من خلال الثنائي الخالد: الأخوين رحباني، أرفع وسامٍ على صدر لبنان الكبير.

لأهل وأقارب وأصدقاء ومحبي الراحل الكبير منصور الرحباني خالص التعزية من أسرة تحرير موقع "جماليا" باسمها وباسم الكتاب والقراء.

طابت ذكرى منصور الرحباني.. والخلود له إلى جانب أخيه الراحل قبله عاصي.

أسرة تحرير الموقع

Condelences%20candle.JPG

تحية لروح منصور نقتطف بضع فقرات من حديثه عن أخيه عاصي في ذكرى 15 عاماً على رحيله:

"صباح السبت 21/6/1986، انطفأ عاصي، أخي ورفيق العمر.

غاب للمرة الثانية والأخيرة، آخذاً معه وطناً ظنَّه كثيرون سقط في الحرب، لكنه لم يسقط لأنه لم يتحقق بعد، ومازال باقياً في ضمير الناس.

حين أقفلنا عليه ذاك الباب الأسود في مقبرة تلّة الغوارنة في أنطلياس، تركناه لوحده يغادرنا، ويطلّ على الدنيا الثانية التي كان يتحدث عنها في سنواته الأخيرة. هناك، عند تلك التلة، تركناه وحيداً مستوحداً، وليس يدري أنه سكن قلوب الناس.

في أربعين عاصي وضعت الدولة بلاطة تذكاريّة على بيت أم عاصي الذي كتبنا فيه معظم أعمالنا. وفي الذكرى الثانية لغياب عاصي، كان معول الهدم يجرف البيت وبلاطة الدولة معاً. لكن معول الزمان نفسه لم يستطيع هدم صورة عاصي، الذي غاب ليصبح ضمير الذاكرة الجماعية.

غاب عاصي الذي أنا اسمه الآخر وهو جزءٌ مني. فأخذ معه كلّ عاصي وبعض منصور.

وعن البعض الباقي من منصور أصدرتُ كتابين أهديتهما إلى عاصي: "أسافر وحدي ملكاً" و"أنا الغريب الآخر"‘ وأنتجتُ مسرحية "صيف 840" تحيةً إلى عاصي، وتلتها مسرحية "الوصية" التي رافقني فيها خيال عاصي في كل كلمة وكل نوطة.

هكذا اليوم أنا: وحيداً أتوغّل في العمر، حاملاً اسمي ومشعل عاصي.

سوف أظل أعطي ولن أستقيل، حتى أسقط على الحلبة فيرتفع اسم عاصي ومنصور في أعمال الأخوين رحباني، ويحمل المشعل ويكمل الطريق!

من كتاب "طريق النحل" – تحقيق هنري زغيب - 2001