الجميلة بحق!

فاطمة ناعوت قرأها 5
 

الجميلة بحق![1]

فاطمة ناعوت

Fatima%20Naout%2001.jpg

أما المثالُ الأشهر الذي ساقه معلمونا لشرح أهمية "علامات الترقيم" فهو هذه الجملة:

  Woman without her man is nothing

ثم يطلبون وضع علامات ترقيم مناسبة. الرجالُ سيكتبونها هكذا:

Woman, without her man, is nothing.

المرأةُ، دون رَجُلِها، لا قيمةَ لها.

أما النساءُ سيكتبنها هكذا:

Woman: Without her, man is nothing.

المرأةُ: دونَها، الرجلُ لا قيمة له.

لا شيء أكثر من فاصلةٍ هنا ونقطتين هناك ليتغيرَ المعنى من النقيض إلى النقيض. وأعتذرُ عن إيراد المثال بالإنجليزية؛ لأنه بالعربية وحدها مضلِّلٌ، نظراً لتباين توظيف الضمائر بين اللغتين. إغفالُ علامات الترقيم، يُربكُ القارئَ، ويُحدث التباساً في المعنى، وكوارثَ ربما. قرأتُ قديماً عن رجلٍ انتحر إثر رسالةٍ وصلته تفيدُ أن زوجته ماتت، والسببُ خطأ لغويٌّ بسيط. وبعدما علمت الزوجةُ بانتحار زوجها، انتحرتْ بدورها. شيءٌ يشبه عبثيةَ انتحار جولييت وروميو!

أما أطرفُ ما حدث معي مؤخراً بسبب عَجَلة المصحح في جريدة عربية، فهو أن ظهرت جملةٌ في عمودي تقول: "كأنما يضعُ إكليلَ زهرٍ فوق "مهمة" شاعر."! وأصلُها كان: فوق "هامَة" شاعر. ولأنه من الخطأ أن نقول: (هامٌّ، هامّة)، والصحيحُ: (مهمٌ- مهمّةٌ)، ولم ينتبه المصححُ أنني لا أقصدُ "هامّة" بمعنى: "ضرورية"، من الأهمية، بل أقصدُ "هامَة"، دون تشديد الميم، بمعنى: رأس. فخرجت هذه الجملة الكوميدية! كذلك "فان جوخ"، جعلها "فإن جوخ"! لأنه ظن أنني نسيت الهمزة تحت الألف! هم لا يقرأون السياق، بل ينظرون إلى الكلمات منفردةً فتحدث مثل هذه المهازل. ورغم أنني أرسلُ المقالَ مرقونا على الكمبيوتر ومُنضدًّا، إلا أن مصححي الديسك أحيانا ما يُفسدون الأمر. إما بسبب دوجمائيتهم اللغوية التي تستنكرُ على الأدباء والشعراء اللعبَ قليلاً باللغة تبعاً لأسلوبية كل كاتب، بما لا يمسُّ طبعاً الأجرومية النحوية والصرفية، وإما لأنهم يحررون الكلمات خارج سياقها بشكل ميكانيكي، فتحدثُ مثل هذه الارتباكات، التي، من أسف، لا تُحسَبُ إلا على الكاتب نفسه!

أما ثالثة الأثافي من الجرائم التي تُرتكَب في حق الكتّاب، أو ربما يرتكبها الكتّابُ في حقِّ أنفسهم وفي حقِّ اللغة والقارئ على السواء، فهي الخلطُ بين الياء المقصورة، دون نقطتين تحتها: (ى)، التي تُنطق ألِفا، وبين الياء بنقطتين: (ي). فتختلط كلماتٌ مثل: علِيّ=اسم عَلَم، علَى=فوق؛ تعالِيْ=فعل أمر لأنثى، تعالَى=جَلّ وعلا، مثل الله تعالى، موسيقَى=الفن، موسيقيّ= صانع هذا الفن، الخ. والعربُ يأخذون على المصريين الخلطَ بين الياء والألف اللينة بما يشكّل ظاهرة. وعبثا حاولتُ مع الصحف ألا يبدلوا "ياءاتي" "ألِفًا"! يقولون ليس لدينا طابعات تطبع ياءً بنقطتين! كيف وهذا الحرفُ موجودٌ في صحفٍ غير مصرية! أما تنضيد الحروف فهو حُلمٌ صعبُ المنال. وأنا ممن يعتبرون تشكيلَ الحرفِ جزءًا أصيلاً منه. ليس فقط لأن العربيةَ لا تُقرأ على نحوها الصحيح إلا مُشكّلةً، لأن الحرفَ يتغير نطقُه تبعا لتنضيده، عكس اللغات الأخرى، بل أيضاً في المستوى السيموطيقيّ. فالتشكيلُ يُزيدُ الحروفَ جمالاً، ويعضدُ صلتنا الوثقى بلغتنا الجميلة. الجميلة بحق.

(ملحوظة: أتمنى أن يُنشر هذا المقال بنقاط تحت ياءاته كي لا تكون قطعة كوميديا جديدة)

fatma_naoot@hotmail.com

أنا أرقِّم إذن أنا مفهوم

فاطمة ناعوت



[1] - جريدة "المصري اليوم" 3/11/08