أنا أُرقِّم، إذن أنا مفهوم
أنا أُرقِّم، إذن أنا مفهوم
فاطمة ناعوت
"أنا مريض"، يقولُ لصديقه. فيردُّ الصديقُ: "لا، شفاكَ الله!". أما لو كان عدوا فربما يجيب: "لا شفاكَ الله!" الردُّ الأول مُحبٌّ عطوف يليق بصديق. (لا،) تفيدُ الاستنكار. فالصديقُ يستنكرُ مرضَ صاحبه، وبعدها يدعو له بالشفاء. الردُّ الثاني، عكس ذلك، كارهٌ قاس. فهو يدعو الله بألا يشفي ذلك المريض: لا شفاكَ الله!
الفرقُ بين الردّين مجردُ فصلةٍ صغيرة (،) غيابُها غيّر المعنى من الضدّ إلى الضد. إذ أوجبت هذه الفصلةُ، بعد لفظة (لا،) الاستنكارية، برهةَ صمتٍ أعقبها دعاءٌ بالشفاء. بينما (لا) في الجملة الثانية، نافية. تنفي الرغبةَ في شفاء المريض. هكذا حوّلت الفصلةُ المعنى للنقيض. كذا إذا قال أحدهم: "أظنُّ أنكَ لا تحب الأوبرا." فيرد الآخر: "لا، أحبها!"، لأنه يحب الأوبرا، أما لو قال: "لا أحبها." فالعكس.
الفصلة، النقطة، النقطتان، الشرطة الاعتراضية ... هي علامات الترقيم، أحد أساسيات بناء الجملة. ونحن الكتّاب العرب، من أسف، لا نعتدُّ بها كثيرا. على نقيض الغرب الذي يوليها اهتماما أقصى، كونها من أهم عوامل إيصال المعنى. متى نقف. متى نسأل أو نتعجّب. متى نفسّر. متى نستدرك المعنى. متى نعترض الجملةَ بأخرى...
هذا في مستوى اللغة العادية في الصحافة والمقالات والدراسات. أما عند مستوى اللغة الإبداعية والأدبية فالأمر يختلف. إذ ثمة مدارسُ أسلوبيةٌ تتباين حول مدى التزام الكاتب بعلامات الترقيم. نجد كتّابًا يُسرفون فيها لخلق إيقاع يشبه الإيقاع الشفاهي، من أجل دفق طاقة حياة في الكتابة الخرساء. في مقابل كتّاب يبخلون بعلامات الترقيم لخلق حال استرسال وسيولة تحاكي حال "التداعي الحر للأفكار" في الذهن البشري. فالذهنُ حين يتناول فكرةً ما، تتقاطر عليه الأفكارُ مثل موجات أو شلالٍ حرٍّ منهمر لا ينتظمه قانونٌ أو هندسة أو وقفات. بعدها يقوم العقلُ بتنظيم فوضى الأفكار المتساقطة عليه من هنا وهناك، لكي يصوغَ الفكرةَ النهائيةَ محددةً واضحةَ المعالم. بعدئذ، لو أراد تفريغ هذه الفكرة على الورق، لابد يستسلم لقانون الكتابة وأجروميتها، ليصوغَ جُملا مفيدة تتخللها علامات ترقيم، وتحترم سيموطيقا الكتابة التي درج عليها اللسانيون واللغويون والكتّاب. على أن بعض الأدباء الجسورين، يفضلون أن تظلَّ جملتُهم الأدبيةُ على عفويتها الأولى. تماما مثلما أنتجها العقلُ أثناء مرحلة التداعي الحر، دون "صنعة" الكتابة وحِرفيتها. خاصة في رصد المونولج الداخلي للشخوص وما يستتبع ذلك من تفجير الزمن وعدم ترابط الأحدث. أولئك غالبا هم أبناء مدرسة "تيار الوعي" stream of conscious مثل الأمريكي وليم فوكنر والبريطانية فرجينيا وولف، والأيرلندي جيمس جويس، الذي كتب في نهاية رواية "عوليس" Ulysses، جملةً واحدة استغرقت أربعين صفحة، دون علامة ترقيم واحدة، ليرسم حال تدفق الأفكار في عقل مسز بلوم وهي تحكي ذكرياتها.
وها أنا أقعُ في الشَّرك ذاته! إذ انتويت بمقالي هذا التأكيد على أهمية علامات الترقيم في المقالات. كرسالة التماس مني إلى مصححي الديسك في الجرائد الذين أحيانا يُفسدون مقالات الكتّاب بإهمالهم تنضيد الحروف وعلامات الترقيم، فإذا بتيار الوعي يأخذني وتشطُّ بي الأفكارُ شرقا وغربا لأعرّج على اللغة الأدبية. وهي ما لم تكن تعنيني الآن، في هذا المعرض. وللحديث بقية.